الصغير؟ فقال: "قال مالك: نعم، ينفق عليهما من مال الولد صغيرًا كان أو كبيرًا" (١).
٣ - أن الإمام مالكًا يرى وجوب النفقة على الأب وعلى زوجته، غير الأم؛ جاء في المدونة: "قلت: وكذلك إن لم تكن أمها تحت أبيها, ولكنه تزوج غير أمها، أينفق على أبيها وعلى امرأة أبيها من مالها؟ قال: نعم" (٢). فكيف يوجب الإمام مالك النفقة لزوجة الأب، ولا يوجبها للأم؟ .
[٢٦ - ٤٦٢] إذا كان أحد القريبين رقيقًا فلا نفقة لأحدهما على صاحبه:
لا تجب النفقة لأحد الرقيقين على قريبه؛ لأنه لا توارث بينهما، ونُفي الخلاف في ذلك.
• من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وإن امتنع الميراث مع وجود القرابة، لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون أحدهما رقيقًا، فلا نفقة لأحدهما على صاحبه، بغير خلاف" (٣).
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف أن القريبين إذا كان أحدهما رقيقًا، فلا تجب على أحدهما نفقة لصاحبه وافق عليه الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، وابن حزم (٧).
• مستند نفي الخلاف:
١ - قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٣].
• وجه الدلالة: أن النفقة لا تجب إلا أن يكون المنفِق وارثًا, ولما كان أحدهما رقيقًا فقد امتنع الإرث (٨).
٢ - أن العبد لا مال له فتجب عليه النفقة، وكسبه لسيده، ونفقته على سيده، فيستغني بها عن نفقة غيره (٩).
النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف أن القريبين إذا كان أحدهما رقيقًا، فلا
стр. 2382
نفقة لأحدهما على صاحبه.
[٢٧ - ٤٦٣] وجوب نفقة المماليك على أسيادهم:
إذا ملك الرجل رقيقًا فقد وجبت عليه نفقته، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن على الرجل الحر والمرأة الحرة نفقة أمتهما وعبدهما وكسوتهما وإسكانهما، إذا لم يكن للرقيق صنعة يكتسبان منها" (١).
٢ - العمراني (٥٥٨ هـ) حيث قال: "ويجب على السيد نفقة عبده، وأمته، وكسوتهما، . . . وهو إجماع لا خلاف فيه" (٢).
٣ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: "نفقة الرقيق: فوجوبها ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، . . . وعليه إجماع الأمة أن نفقة المملوك واجبة" (٣).
٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "وجملة ذلك أن نفقة المملوكين على ملاكهم ثابتة بالسنة، والإجماع، . . . أجمع العلماء على وجوب نفقة المملوك على سيده" (٤). وذكره عنه ابن قاسم (٥).
٥ - ابن أبي عمر (٦٨٢ هـ) فذكره كما قال ابن قدامة (٦).
٦ - الزركشي (٧٧٢ هـ) حيث قال: "وعلى ملاك المملوكين أن ينفقوا عليهم، ويكسوهم بالمعروف، وهذا إجماع والحمد للَّه" (٧).
٧ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: "وعلى المولى أن ينفق على عبده، وأمته، وعليه إجماع العلماء" (٨).
٨ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) فذكره كما قال العيني (٩).
٩ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "وعلى السيد الإنفاق على رقيقه قدر كفايتهم،
стр. 2383
وكسوتهم، بلا نزاع" (١).
١٠ - ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث قال: "وتجب النفقة، والكسوة، والسكنى، لمملوكه على سيده، . . . وعليه إجماع العلماء" (٢).
١١ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: ". . . وجوب نفقة المملوك وكسوته، وهو مجمع عليه" (٣).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على وجوب نفقة الرقيق على أسيادهم وافق عليه المالكية (٤).
• مستند الإجماع:
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" (٥).
٢ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن إخوانكم خولكم (٦)، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم" (٧).
• وجه الدلالة: من الحديثين: أنه يجب على الرجل نفقة مملوكه، مما لا غنى له عنه وكسوته (٨).
٣ - أن منافع المملوك لسيده، وهو أخص الناس به، فوجبت نفقته عليه (٩).
النتيجة: تحقق الإجماع على وجوب نفقة المماليك على أسيادهم؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
стр. 2384
[٢٨ - ٤٦٤] لا يكلف الرقيق أكثر مما يطيقون من الأعمال:
يكلف الرقيق من العمل بقدر طاقته، ولا يكلفون أكثر من ذلك، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من كسا رقيقه مما يلبس، وأطعمهم مما يأكل، أي شيء كان ذلك، ولم يكلفهم ما لا يطيقون، ولا لطم، ولا ضرب، ولا سب بغير حق، فقد أدَّى ما عليه" (١).
٢ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: "وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه" (٢).
٣ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "تحريم تكليف العبيد والإماء فوق ما يطيقونه من الأعمال، وهذا مجمع عليه" (٣).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره النووي، وابن حزم، والشوكاني من الإجماع على أنه لا يكلف الرقيق أكثر مما يطيقون من الأعمال وافق عليه الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦).
• مستند الإجماع:
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" (٧).
٢ - عن أبي ذر ﵁ به قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن إخوانكم خولكم، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم" (٨).
• وجه الدلالة من الحديثين: تحريم تكليف الرقيق أكثر مما يطيقونه من الأعمال (٩).
стр. 2385
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرقيق لا يكلفون أكثر مما يطيقون؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
[٢٩ - ٤٦٥] لا تلزم السيد نفقة مكاتَبه:
إذا اتفق العبد مع سيده على أن يكاتبه على مال يدفعه له ثم يعتقه، فينال حريته، فإن نفقته لا تلزم سيده، ونُفي الخلاف في ذلك.
• من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "لا خلاف أن المكاتب لا تلزم سيده نفقته" (١).
• الموافقون على نفي الخلاف: مما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في أن نفقة المكاتَب لا تلزم سيده وافق عليه الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم (٥).
• مستند نفي الخلاف:
١ - أن المكاتَب مع سيده كالأجنبي في النفقة، والكسب، والمنافع (٦).
٢ - أن العبد بعقد الكتابة ملك منافع نفسه، ومنع السيد من التصرف فيها، فلا يملك من كسبه شيئًا؛ فينفق عندئذٍ على نفسه (٧).
النتيجة: صحة ما نفي من الخلاف بأن المكاتَب لا تلزم سيده نفقته.
[٣٠ - ٤٦٦] وجوب النفقة للحيوان:
يجب على المسلم أن ينفق على بهائمه، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "واتفقوا أن من كان له حيوان، فحرام عليه أن يجيعه، أو يكلفه ما لا يطيق، أو يقتله عبثًا" (٨).
стр. 2386
٢ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: "يجب على الرجل أن ينفق على ولده، وبهائمه، وزوجته، بإجماع المسلمين" (١).
٣ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "وعليه إطعام بهائمه، وسقيها، بلا نزاع" (٢).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنابلة، وابن حزم من الإجماع على وجوب نفقة الحيوان وافق عليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥).
• مستند الإجماع: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عُذبت امرأة في هِرَّة حبستها، حتى ماتت جوعًا، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش (٦) الأرض" (٧).
• وجه الدلالة: دل الحديث على وجوب النفقة للبهائم، وتحريم حبسها بلا نفقة (٨).
النتيجة: تحقق الإجماع على وجوب النفقة للحيوان على أربابها؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
* * *
стр. 2387
الفصل السابع: مسائل الإجماع في الحضانة
[١ - ٤٦٧] إذا افترق الزوجان فالأم أحق بحضانة ابنها:
إذا طلق الرجل امرأته، أو تُوفِّي عنها، ولها منه طفل صغير؛ فهي أحق بحضانته (١)، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل، أن الأم أحق به ما لم تنكح" (٢). وذكره عنه القرطبي (٣)، والصنعاني (٤). وقال أَيضًا: "وأجمعوا على أن لا حق للأم في الولد إذا تزوجت" (٥). ونقله عنه القرطبي (٦).
٢ - الخطابي (٣٨٨ هـ) حيث قال: "ولم يختلفوا أن الأم أحق بالولد الطفل من الأب ما لم تتزوج" (٧).
٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "لا أعلم خلافًا بين السلف من العلماء
стр. 2388
والخلف، في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أَبيه ما دام طفلًا صغيرًا لا يميز شيئًا، إذا كان عندها في حرز وكفاية، ولم يثبت منها فسق ولم تتزوج" (١). ونقله عنه القرطبي (٢).
٤ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الحضانة للأم ما لم تتزوج" (٣). وقال أَيضًا: "واتفقوا على أن الأم إذا تزوجت ودخل بها الزوج؛ سقطت حضانتها" (٤). ونقله عنه ابن قاسم (٥).
٥ - ابن قدامة (٦٢٥ هـ) حيث قال: "إن الزوجين إذا افترقا، ولهما ولد طفل أو معتوه، فأمه أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط فيها، ذكرًا كان أو أنثى، وهذا قول يحيى الأنصاري، والزهري، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدًا خالفهم" (٦). ونقله عنه ابن قاسم (٧).
٦ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "وقد دل الحديث على أنه إذا افترق الأبوان، وبينهما ولد، فالأم أحق به، . . . وقد قضى به خليفة رسول اللَّه ﷺ أبو بكر على عمر بن الخطاب، ولم ينكر علبه منكر، فلما وَليَ عمر قضى بمثله، . . . ولا مخالف لهما من الصحابة" (٨).
٧ - الزركشي (٧٧٢ هـ) حيث قال: "إذا افترق الزوجان وبينهما ولد، فالأم أحق به في الجملة، إن كان طفلًا، بلا خلاف نعلمه" (٩).
٨ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال عندما قضى أبو بكر على عمر بأن الولد لأمه: "ريحها خير له من سمن وعسل عندك يا عمر، فدعه عندها، وقضى به بحضرة من الصحابة ﵄ ولم ينكر عليه أحد، فحل محل الإجماع" (١٠).
٩ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "الأم أحق بالولد بالإجماع" (١١).
стр. 2389
١٠ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "وأحق الناس بحضانة الطفل والمعتوه أمه، بلا نزاع" (١).
١١ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال بعد ذكره لحديث النبي ﷺ : "أَنْتَ أحق به ما لم تنكحي" (٢) (الحكم الذي دل عليه الحديث لا خلاف فيه) (٣).
١٢ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "إن الأم أولى بالولد من الأب ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح، . . . وهو مجمع على ذلك" (٤).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الأم أحق بحضانة ابنها وافق عليه ابن حزم (٥). وهو قول أبي بكر، وعمر ﵄، ويحيى الأنصاري، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور (٦).
• مستند الإجماع:
١ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: يَا رسول اللَّه، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني. فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أنتِ أحق به ما لم تنكحي".
• وجه الدلالة: دل الحديث دلالة واضحة على أن الأم أحق بحضانة الولد ما لم تتزوج.
٢ - ما رواه مالك عن القاسم بن محمد قال: كانت عند عمر بن الخطاب ﵁ امرأة من الأَنصار، فولدت له عاصم بن عمر (٧) ثم إنه فارقها، فجاء عمر قباء، فوجد ابنه عاصمًا يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده، فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركتُه جدة الغلام، فنازعته إياه، حتى أتيا أبا بكر الصديق. فقال عمر: ابني. وقالت المرأة:
стр. 2390
ابني. فقال أبو بكر: خل بينها وبينه. قال: فما راجعه عمر الكلام (١).
٣ - عن سعيد بن المسيّب أن عمر بن الخطاب طلق أم عاصم، ثم أتاها، وفي حجرها عاصم، فأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: يَا عمر، مسحها وحجرها وريحها خير له منك حتى يشب الصبي فيختار (٢).
٤ - أنها أقرب إليه، وأشفق عليه، ولا يشاركها في القرب إلا أبوه، وليس له مثل شفقتها، ولا يتولى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى امرأته، وأمه أولى به من امرأة أَبيه (٣).
النتيجة: تحقق الإجماع على أن الزوجين إذا افترقا فالأم أحق بحضانة ابنها؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
[٢ - ٤٦٨] سقوط حق الأم في الحضانة إذا تزوجت:
إذا تزوجت الأم سقط حقها في الحضانة، وليس لها المطالبة بذلك، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا، ولهما ولد طفل، أن الأم أحق به ما لم تنكح" (٤).
وذكره عنه ابن قدامة (٥)، والقرطبي (٦)، والصنعاني (٧).
وقال أَيضًا: "وأجمعوا على أن لا حق للأم في الولد إذا تزوجت" (٨). ونقله عنه القرطبي (٩).
٢ - الخطابي (٣٨٨ هـ) حيث قال: "ولم يختلفوا أن الأم أحق بالولد الطفل من الأب ما لم تتزوج" (١٠).
стр. 2391
٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "لا أعلم خلافًا بين السلف من العلماء والخلف، في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أَبيه ما دام طفلًا صغيرًا لا يميز شيئًا، إذا كان عندها في حرز وكفاية، ولم يثبت منها فسق ولم تتزوج" (١). ونقله عنه القرطبي (٢).
٤ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أن الحضانة للأم ما لم تتزوج" (٣). وقال أَيضًا: "واتفقوا على أن الأم إذا تزوجت ودخل بها الزوج؛ سقطت حضانتها" (٤). ونقله عنه ابن قاسم (٥).
٥ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال عند الحديث عن سقوط الحضانة بالتزوج: "اتفاق الصحابة على ذلك، وقد تقدم قول الصديق لعمر: هي أحق به ما لم تتزوج، وموافقة عمر له على ذلك، ولا مخالف لهما من الصحابة البتة، وقضى به شريح، والقضاة بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار" (٦).
٦ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: "إن الأم أولى بالولد من الأب ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح، . . . وهو مجمع على ذلك" (٧).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الأم أحق بحضانة ابنها، فإذا تزوجت سقطت، وافق عليه الحنفية (٨). وهو قول أبي بكر، وعمر ﵄، وإبراهيم النخعي (٩)، وشريح، ويحيى الأنصاري، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور، والأوزاعي، والليث (١٠).
• مستند الإجماع: عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: يَا رسول اللَّه إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني،
стр. 2392
وأراد أن ينتزعه مني. فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" (١).
• وجه الدلالة: دل الحديث دلالة واضحة على أن الأم أحق بحضانة الولد ما لم تتزوج.
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أن حق الأم في حضانة البنت خاصة لا يسقط، وإن تزوجت، أما في الغلام فيسقط.
ثم اختلفت الرواية عنه في الجارية فقال في رواية: حتى تبلغ سبع سنين، وفي رواية ثانية: حتى تبلغ بحيض، أو غيره (٢).
• دليل هذا القول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة، فقدم بابنة حمزة، فقال جعفر: أنا آخذها، أنا أحق بها؛ ابنة عمي، وعندي خالتها، وإنما الخالة أم. فقال علي: أنا أحق بها، ابنة عمي، وعندي ابنة رسول اللَّه ﷺ ؛ وهي أحق بها. فقال زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها، وسافرت، وقدمت بها، فخرج النبي ﷺ فقال: "وأما الجارية فاقضي بها لجعفر تكون مع خالتها، وإنما الخالة أم" (٣).
• وجه الدلالة: قضى النبي ﷺ ببنت حمزة لجعفر، لكون خالتها عنده، بقوله ﷺ : "الخالة أم"، فدل على أن الأم لا يسقط حقها في حضانة الجارية إن تزوجت (٤).
ثانيًا: ذهب ابن حزم (٥) إلى عدم سقوط الحضانة بتزوج الأم، سواء كان الطفل ذكرًا أم أنثى. وهو قول الحسن البصري (٦).
• أدلة هذا القول:
١ - قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٣].
• وجه الدلالة: جاءت هذه الآية تبين أن للأم أن ترضع طفلها الصغير، ولم يأت نص يبين أن حقها في الحضانة يسقط إن تزوجت (٧).
٢ - حديث على المتقدم في حضانة بنت حمزة؛ فقد قالوا: فيه دليل على أن النكاح
стр. 2393
لا يسقط الحضانة (١).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أبوك" (٢).
• وجه الدلالة: هذا نص جلي على إيجاب الحضانة، وبقاء الطفل مع أمه لأنها صحبة (٣).
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الأم إن تزوجت فإن حقها في الحضانة يسقط؛ لما يأتي:
١ - خلاف عن الإمام أحمد في عدم سقوط الحضانة عن الجارية إن تزوجت أمها.
٢ - خلاف ابن حزم، والحسن البصري قبله، في عدم سقوط الحضانة عن الولد -ذكرًا كان أو أنثى- إن تزوجت أمه.
[٣ - ٤٦٩] لا تسقط حضانة الأم المتزوجة إذا لم يطالب الأب بابنه:
إذا تزوجت المرأة، ولها طفل ممن طلقها، ولم يطالب زوجها بأن تترك حضانته، ولم يطالب أبي الطفل بحضانته، فلها أن تقوم بحضانته وتربيته، ونُقل الاتفاق على ذلك.
• من نقل الاتفاق:
١ - الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال: "وأما مع عدم طلبه فلا نزاع في أن للأم المزوجة أن تقوم بولدها" (٤).
٢ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: "وأنها إذا نكحت سقط حقها في الحضانة، وذلك مع طلب من تنتقل إليه الحضانة ومنازعته، وإلا فللأم المزوجة أن تقوم بولدها بالاتفاق" (٥).
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره الصنعاني، وابن قاسم من الحنابلة من الاتفاق
стр. 2394
على أن حق الأم في الحضانة لا يسقط ما لم يطالب أب الغلام به، أو أن لا يرضى زوج المرأة بحضانتها -وافق عليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية في أحد الوجهين (٣)، وابن حزم (٤). وهو قول الحسن البصري (٥).
• مستند الاتفاق:
١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة (٦) بيدي، فانطلق بي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يَا رسول اللَّه، إن أنسًا غلام كيِّس فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، ما قال لشيء صنعته: لم صنت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه: لِمَ لمْ تصنع هذا هكذا؟ (٧).
• وجه الدلالة: هذا أنس بن مالك عند أبي طلحة زوج أمه، فبقي حق الأم في حضانته؛ لأن أحدًا من أقارب أنس لم ينازع فيه (٨).
٢ - أن سقوط الحضانة بالنكاح هو مراعاة لحق الزوج، فإنه يتنغص عليه الاستمتاع المطلوب من المرأة لحضانتها لولد غيره، ويتنكد عليه عيشه مع المرأة، فقد لا يؤمن وقوع الخلاف بينه وبين امرأته بسبب الطفل (٩).
• الخلاف في المسألة: ذهب الشافعية في وجه إلى أن الأم إذا تزوجت سقط حقها في الحضانة، وإن مكنها الزوج من ذلك؛ إلا أن يكون عصبة للولد.
• دليل هذا القول:
١ - قوله ﷺ : "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" (١٠).
• وجه الدلالة: هذا نص في سقوط حق الأم في الحضانة إذا تزوجت، دون تبيين لرضا الزوج أو عدمه (١١).
стр. 2395
٢ - أن طبع المرأة يجذبها إلى النفور من الزوج، ومراعاة أولادها، وهي مأمورة بطاعته وتمكينه من الاستمتاع بها في أي وقت (١).
٣ - أن النكاح يشغلها بحقوق الزوج عن حقوق الطفل، ويجب تقديم حقوق الزوج على الطفل (٢).
النتيجة: ما ذكر من الاتفاق على أن حق الأم المتزوجة في الحضانة لا يسقط إذا لم يطالب أب الطفل بحضانته، أو زوج المرأة بترك حضانته؛ غير صحيح؛ وذلك لوجود خلاف عن الشافعية في أحد الوجهين بسقوط حق المرأة في الحضانة، وإن أذن الزوج لها.
[٤ - ٤٧٠] تخيير الغلام بين أبويه بعد الحضانة إذا بلغ سبع سنين:
للأم المطلقة حق حضانة ابنها حتى يبلغ سبع سنين، فإن بلغ سبع سنين خُيّر بين أَبيه وأمه، فيكون عند من اختار منهما، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "إن الغلام إذا بلغ سبعًا، وليس بمعتوه، خير بين أبويه، إذا تنازعا فيه، فمن اختار منهما فهو أولى به، . . . ولأنه إجماع الصحابة؛ فروي عن عمر أنه خير غلامًا بين أَبيه وأمه، وروي عن علي، ونحو ذلك عن أبي هريرة، وهذه قصص في مظنة الشهرة، ولم تنكر، فكانت إجماعًا" (٣). وذكره عنه ابن قاسم (٤).
٢ - ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: "قد ثبت التخيير عن النبي ﷺ في الغلام، من حديث أبي هريرة، وثبت عن الخلفاء الراشدين، وأبي هريرة، ولا يُعرف لهم مخالف في الصحابة البتة، ولا أنكره منكر" (٥).
٣ - الزركشي (٧٧٢ هـ)، حيث قال بعد أن ذكر التخيير عن عمر، وعلي، وأبي هريرة ﵄: "ولا نعلم لهم مخالفا" (٦).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنابلة من الإجماع على أن الغلام يخير
стр. 2396
إذا بلغ سبع سنين، هو قول الشافعية، بشرط أن يعقل ويميز، وعلى هذا فلو لم يعقل ويميز بعد السبع يبقى عند أمه (١)، وهو قول الليث (٢).
• مستند الإجماع:
١ - ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأنا قاعد عنده، فقالت: يَا رسول اللَّه، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة (٣)، فقال رسول اللَّه ﷺ : "استهما عليه" فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : "هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت"، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به (٤).
٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه خير غلامًا بين أَبيه وأمه (٥).
٣ - عن عمارة بن ربيعة الجرمي (٦): أن علي بن أبي طالب ﵁ خيره بين أمه وعمه، فاختار أمه، فقال له: أَنْتَ مع أمك، وأخوك هذا إذا بلغ ما بلغت، خير كما خيرت. قال: وأنا غلام (٧).
٤ - قيدت السن بالسبع؛ لأنها أول حالٍ أمر الشرع فيها بمخاطبته بالأمر بالصلاة (٨).
٥ - أن الأم قدمت في حال الصغر؛ لحاجته إلى أن تحمله، وتباشر خدمته، وهي أعرف بذلك، وأقوم به، فإذا استغنى عن ذلك، تساوى والداه؛ لقربهما منه، فرجح
стр. 2397
باختياره (١).
• الخلاف في المسألة: اختلف العلماء في السن التي يخير فيها الغلام بعد الحضانة على أقوال (٢):
أولًا: ذهب الحنفية (٣)، والمالكية في قول (٤)، والإمام أحمد في رواية عنه (٥) إلى عدم تحديد سن يخير فيها الغلام بين أبويه، بل يبقى عند أمه حتى يستطيع أن يأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ويتوضأ وحده.
• دليل هذا القول: أن الأم لها حق الحضانة، وينتهي ذلك الحق إذا استغنى الولد بنفسه؛ لأن الصبي إذا استغنى فإنه يحتاج إلى التأدب بآداب الرجال والتخلق بأخلاقهم، والأب أقدر على التأديب والحفظ (٦).
ثانيًا: ذهب المالكية في قول آخر (٧)، وابن حزم (٨) إلى أن الغلام يخير بعد البلوغ.
• دليل هذا القول: أن الغلام لا قول له، ولا يعرف حظه، وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه، ويمكنه من شهواته، فيؤدي إلى فساده (٩).
стр. 2398
ثالثًا: يرى الإمام أحمد في رواية عنه، أن الأب أحق بلا تخيير. وضعّف الزركشي هذه الرواية (١).
• دليل هذا القول: الأب أحق بالابن؛ لأنه يحتاج إلى التعليم والتأديب، والأب أخص بذلك (٢).
رابعًا: يرى الإمام أحمد في رواية عنه أن الأم أحق؛ وضعّف المرداوي هذه الرواية نقلًا عن الزركشي (٣)، والصحيح أن الزركشي ضعّف الرواية السابقة.
• دليل هذا القول: قوله ﷺ : "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" (٤).
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن الغلام إذا بلغ سبع سنين أنه يخير بين أبويه بعد الحضانة؛ وذلك للأسباب التالية:
١ - وجود خلاف في المسألة بين من يرى التخيير وبين من لا يراه.
٢ - لم يرد في الحديث التقييد بسبع سنين؛ ولا يقتضي الحديث ذلك (٥).
* * *
стр. 2399
الفصل الثامن: مسائل الإجماع في اللقيط
[١ - ٤٧١] اللقيط (١) حُر:
إذا وُجِدَ طفل صغير مطروح في مكان عام، أو عند باب مسجد، فإنه يشرع (٢) لمن وجده أن يلتقطه، ويحكم بحرية ذلك اللقيط، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن اللقيط حر" (٣). وذكره عنه ابن قدامة (٤)، والشربيني (٥).
٢ - الجصاص (٣٧٠ هـ) حيث قال: "لا خلاف بين الفقهاء في أن ولد الزنى، واللقيط حران" (٦).
стр. 2400
٣ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: "أجمعوا أن اللقيط إذا أقر ملتقطه بحريته؛ فإنه حر" (١).
٤ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه حر" (٢).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على حرية اللقيط وافق عليه المالكية (٣). وهو قول عمر، وعلي ﵄، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وحمّاد بن أبي سليمان، والثوري، وإسحاق (٤).
• مستند الإجماع:
١ - عن سُنَيْن أبي جميلة (٥) أنه وجد منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب؛ فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها (٦). فقال له عريفه (٧): يَا أمير المُؤْمنين؛ إنه رجل صالح. فقال عمر: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته (٨).
٢ - الأصل في الآدميين الحرية، فإن اللَّه تعالى خلق آدم وذريته أحرارًا، وإنما الرق لعارض، ولا ينتقل عن حكم الأصل إلا بدليل (٩).
стр. 2401
• الخلاف في المسألة: ذكر الجصاص (١)، والقرطبي (٢)، وابن قدامة (٣) أن النخعي خالف في ذلك فرأى أن الملتقط إن أراد استرقاق اللقيط فله ذلك.
وذكر ابن جزي الخلاف عن قوم أنه عبد لمن التقطه، ولم ينسبه لقائله (٤). ولعله يقصد النخعي.
النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن اللقيط حر.
ثانيًا: لا ينظر لما ورد من الخلاف في المسألة؛ لما يأتي:
١ - أن عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن حزم نقلوا خلاف ذلك، فقد نقلوا عن النخعي أن اللقيط حر (٥).
٢ - أن عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن حزم أثبتوا القول بأن النخعي يقول: إن اللقيط حر، وغيرهم نفى ذلك، والمثبتِ مقدم على النافي.
[٢ - ٤٧٢] إذا وجد اللقيط في بلاد الإسلام فهو مسلم:
إذا وجد اللقيط في أرض الإسلام فإنه يحكم بإسلامه، ونُقل الاتفاق على ذلك.
• من نقل الاتفاق:
١ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه إذا وجد لقيط في بلاد الإسلام فهو مسلم" (٦).
٢ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "ويحكم بإسلامه بلا نزاع، إلا أن يوجد في بلد الكفار" (٧).
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره علماء الحنابلة من الاتفاق على أن اللقيط في دار الإسلام مسلم وافق عليه الحنفية في رواية, -فيما إذا وجده مسلم في كنيسة أو بيعة في دار الإسلام- والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، وابن حزم (١٠).
стр. 2402
• مستند الاتفاق:
١ - أن الأصل في المولود أنه يولد على الفطرة، أي: على دين الإسلام، ولا يكون كافرًا إلا بما ينقله إلى الكفر (١)، لقوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" (٢).
٢ - أن العبرة بالدار التي يسكنها المسلمون، ولا يضر أن يكون فيها لأهل الذمة مكان من بيعة ونحوها، فيحكم بإسلامه تغليبًا لحكم الدار (٣).
• الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية في رواية إلى القول بأن اللقيط ليس بمسلم إذا ادعاه ذمي ببينة، أو وجده ذمي في كنيسة أو بيعة في دار الإسلام، فيحكم بأنه ذمي (٤).
• أدلة هذا القول:
١ - إذا ادعاه ذمي حكم به له؛ لانتفاع الصغير بثبوت نسبه (٥).
٢ - أن العبرة بالمكان الذي وجد فيه اللقيط، فمتى وجد في بيعة أو كنيسة فهو من أهل الذمة، ومتى وجد في مسجد فهو من أهل الإسلام (٦).
النتيجة: أولًا: تحقق ما ذكر من الاتفاق على أن اللقيط مسلم إن وجد في دار الإسلام، أو وجده مسلم في كنيسة أو بيعة، وكانت الكنيسة أو البيعة في أرض الإسلام.
ثانيًا: عدم تحقق ما ذكر من الاتفاق على أن اللقيط مسلم إذا وجد في بيعة أو كنيسة في دار الإسلام إذا كان واجده ذميًّا؛ لخلاف الحنفية.
[٣ - ٤٧٣] الحكم بإسلام الصغير بإسلام أَبيه وأمه:
إذا كان أب الصغير وأمه مسلمين، فإنه يحكم بإسلامه تبعًا لهما، ونُقل الاتفاق على ذلك.
стр. 2403
• من نقل الاتفاق:
١ - العمراني (٥٥٨ هـ) حيث قال: "إن أسلم الأب وحده، تبعه في الإسلام بلا خلاف" (١).
٢ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه يحكم بإسلام الصغير بإسلام أَبيه، واتفقوا على أنه يحكم بإسلام الصغير بإسلام أمه، كأبيه" (٢).
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره العمراني من الشافعية، وابن هبيرة من الحنابلة من الاتفاق على أن الصغير يتبع أبويه في الإسلام وافق عليه الحنفية (٣)، والمالكية في الأب خاصة دون الأم (٤). ووافق أشهب، وابن وهب من المالكية (٥)، وابن حزم (٦) الجمهور في إسلام الصغير بإسلام أحد أبويه. وهو قول عثمان البتي، والحسن بن حي، والأوزاعي، والليث بن سعد (٧).
• مستند الاتفاق:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" (٨).
• وجه الدلالة: دل الحديث على الحكم بإسلام الصغير, وأنه يبقى مسلمًا ما لم يتدخل الأبوان في إخراجه من الإسلام إلى الكفر (٩).
٢ - أن الأم أحد الأبوين اللذين يتبعهما الابن في الإسلام بنص الحديث السابق (١٠).
٣ - أن هذا الصغير يحكم بإسلامه بإسلام أبويه أو أحدهما؛ اعتبارًا بذلك ساعة العلوق، فهو جزء من مسلم (١١).
• الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (١٢)، وداود الظاهري (١٣) إلى القول بأنه لا يحكم بإسلام الصغير بإسلام أمه.
стр. 2404
• أدلة هذا القول:
١ - أن الدين بالنصرة، والأب ذكر مظنتها دون الأم (١).
٢ - أن الأب هو المتبرع في عقد الذمة، فيكون هو المتبرع في الإسلام كعقد الذمة، ولا تلي الأم ذلك (٢).
٣ - أن الأم مساوية للصغير في دخولها في عهد الأب، فلا يتبعها، كما لا يتبع الأخ (٣).
النتيجة: أولًا: تحقق ما ذكر من الاتفاق على إسلام الصغير بإسلام أَبيه، أو والديه جميعًا.
ثانيًا: عدم تحقق ما ذكر من الاتفاق على إسلام الصغير بإسلام أمه؛ لخلاف المالكية، وداود الظاهري.
[٤ - ٤٧٤] ما وجد مع اللقيط من مال فهو له:
إذا وجد مع اللقيط مال مربوط معه، أو موضوع في فراشه، فهذا المال له، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن ما وجد معه من مال، أنه له" (٤).
٢ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "إذا وجد مع اللقيط مال مشدود عليه، أو دابة هو مشدود عليها، فالكل له، بلا خلاف" (٥).
٣ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "وما وجد معه من فراش تحته، أو ثياب، أو مال في جيبه، أو تحت فراشه، أو حيوان مشدود ببابه؛ فهو له، بلا نزاع" (٦).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن ما وجد مع اللقيط من مال فهو له وافق عليه المالكية (٧)، وابن حزم (٨).
• مستند الإجماع: أن الصغير من أهل الملك، وكل من كان من أهل الملك، فكل
стр. 2405
ما كان بيده فهو له (١).
النتيجة: تحقق الإجماع على أن ما وجد مع اللقيط من مال فهو له؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
[٥ - ٤٧٥] إذا ادعى رجل مسلم حر لقيطًا لحقه نسبه بلا بينة:
إذا ادعى اللقيطَ رجلٌ مسلم حرٌّ بمفرده، فإن نسبه يلحق به، ونُفي الخلاف في ذلك.
• من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "أن يدعيه واحد ينفرد بدعواه، فيُنظر؛ فإن كان المدعي رجلًا مسلمًا حرًّا، لحق نسبه به، بغير خلاف بين أهل العلم" (٢).
• الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف أن اللقيط إن ادعاه رجل حر مسلم فإنه يلحق به وافق عليه الحنفية (٣)، وأشهب من المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وابن حزم (٦). وهو قول أبي ثور (٧).
• مستند نفي الخلاف:
١ - أن الإقرار بنسب اللقيط فيه نفع للطفل؛ لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، فتقبل دعواه، كما لو أقر بمال (٨).
٢ - أن المدعي أخبر عن أمر محتمل الثبوت، وكل من أخبر عن أمر محتمل الثبوت وجب تصديقه، إحسانًا للظن بالمسلمين (٩).
٣ - أن الولادات لا تعرف إلا بقول الآباء والأمهات، وهكذا أنساب الناس كلهم (١٠).
٤ - أنه لا منازع له في دعواه، فوجب أن تقبل (١١).
٥ - أن نسب اللقيط من المدعي يحتمل الثبوت شرعًا؛ لأنه مجهول النسب، فوجب
стр. 2406
نسبته إليه (١).
• الخلاف في المسألة: ذهب المالكية إلى القول بعدم قبول ادّعاء من يدعي اللقيط -ولو كان رجلًا واحدًا- إلا ببينة (٢).
• أدلة هذا القول:
١ - أنه ربما يأتي آخر فيدعي نسبه بعد أن يقضى به للأول، فلا بد من بينة (٣).
٢ - ربما طرح الناس أولادهم من فقر، فيأتي الغريب عنهم فيدعي نسبهم (٤).
النتيجة: ما ذكر من أنه لا خلاف أن اللقيط إذا ادعاه رجل مسلم أُلحق به بلا بينة، غير صحيح؛ لوجود خلاف عن المالكية، يقضي بعدم قبول دعوى المدعي إلا ببينه.
[٦ - ٤٧٦] إذا ادعت المرأة أن اللقيط ابنها, لا يقبل قولها إلا ببينة:
لا تقبل دعوى المرأة بأن اللقيط ابنها إلا ببينة، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن المرأة لو ادعت اللقيط أنه ابنها, لم يقبل قولها" (٥). وقال أَيضًا: "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن امرأة لو ادعت اللقيط أنه ابنها؛ أن قولها لا يقبل" (٦). ونقله عنه ابن قدامة (٧).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الإجماع، ونقله عنه ابن قدامة، على أن المرأة إذا ادعت اللقيط فلا يقبل قولها إلا ببينة -وافق عليه الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والإمام أحمد في رواية عنه (١٠)، وابن حزم (١١). وهو قول الثوري،
стр. 2407
ويحيى بن آدم (١)، وأبي ثور (٢).
• مستند الإجماع:
١ - أن المرأة يمكنها إقامة بينة بتصديق الزوج لها، أو بشهادة القوابل لها، فلا تسمع دعواها إلا ببينة (٣).
٢ - أن في دعوى المرأة حمل النسب على الغير، فتدخل على الرجل ما ليس بابنه، فلا يقبل قولها إلا ببينة (٤).
• الخلاف في المسألة: ذهب أشهب من المالكية (٥)، وبعض الشافعية (٦)، والإمام أحمد في رواية عنه هي المذهب (٧) إلى أن المرأة إذا ادعت أن اللقيط ابنها فإن دعواها تقبل بلا بينة.
• أدلة هذا القول:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵇ فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك اللَّه، هو ابنها. فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: واللَّه إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية (٨).
• وجه الدلالة: هذا نبي اللَّه داود حكم به للمرأة الكبرى, ونبي اللَّه سليمان حكم به للصغرى بمجرد الدعوى (٩).
٢ - أن الأم أحد الوالدين، فيثبت النسب بدعواها كالأب (١٠).
стр. 2408
٣ - أنه يمكن أن يكون منها، كما يمكن أن يكون من الرجل، بل هو منها أكثر؛ لأنها قد تأتي به من زوج، أو من وطء شبهة، أو من زنى، فيلحقها بها ولدها من الزنى دون الأب (١).
النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن المرأة إذا ادعت اللقيط فلا يقبل قولها إلا ببينة؛ لخلاف أشهب من المالكية، وبعض الشافعية، ورواية هي المذهب عند الحنابلة؛ بقبول قول المرأة بلا بينة.
[٧ - ٤٧٧] إذا ادعى اللقيط اثنان لا بينة لهما، أولهما بينتان فتعارضتا، نريه القافة:
إذا ادعى اللقيط اثنان، وليس لأحدهما بينة، أو كان لكل منهما بينة، لكنهما متعارضتان، فتسقط البينتان، ونريه القافة، فمن ألحقته فهو له، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: "إذا لم تكن به بينة، أو تعارضت به البينتان، وسقطتا، فإنا نريه القافة معهما، أو مع عصبتهما عند فقدهما، فنلحقه بمن ألحقته به منهما، . . . لأن عمر ﵁ قضى به بحضرة الصحابة، فلم ينكره منكر فكان إجماعًا" (٢).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن قدامة من الحنابلة من إجماع الصحابة على أن اللقيط إذا ادعاه اثنان، ولا بينة لهما، أو كان لهما بينتان فتعارضتا، فإنا نريه القافة -وافق عليه الإمام مالك في الإماء خاصة دون الحرائر، وقال أشهب من المالكية: يكون في الحرائر دون الإماء، وهو اختيار ابن عبد البر (٣)، والعمل بالقافة في الإماء والحرائر هو قول الشافعية (٤). وهو قول عمر في إحدى الروايتين عنه، وابن عباس، وأنس ﵃، وعطاء، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي ثور (٥).
• مستند الإجماع:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول اللَّه ﷺ دخل عليها مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيد وأسامة -ورأى
стр. 2409
أقدامهما-: إن بعض هذه الأقدام من بعض" (١).
• وجه الدلالة: دل الحديث على جواز الاعتماد على القافة، وإلا ما سر النبي ﷺ ، ولا اعتمد عليه (٢).
٢ - كان عمر بن الخطاب يليط (٣) أولاد الجاهلية (٤) بمن يدعيهم في الإسلام، فأتى عمر رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا عمر قائفًا، فنظر إليهما، فقال: لقد اشتركا فيه. فضربه عمر بالدرة. ثم دعا المرأة فقال: أخبريني خبرك، فقالت: كان هذا -لأحد الرجلين- يأتيني، وهي في إبل لأهلها، فلا يفارقها حتى تظن، ويظن أنه قد استمر بها حبل، ثم انصرف عنها، فأهريقت عليه دمًا، ثم خلف عليها هذا -تعني الآخر- فلا أدري من أيهما هو؟ فكبر القائف. فقال عمر للغلام: وال أيهما شئت (٥).
• وجه الدلالة: هذا عمر قضى بالقافة بمحضر من الصحابة، ولو لم يكن العمل بقول القائف لما أخذ به عمر (٦).
• الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية إلى القول بعدم اعتبار القافة هنا، فإن قدم أحدهما علامة على جسده، وكانا مسلمين، فهو لصاحب العلامة، وإن لم يقدم أحدهما علامة، واستويا في الدعوى ولا مرجح فيها، فهو ابنهما جميعًا (٧). وهو قول عمر في الرواية الأخرى، وعلي ﵄، والنخعي، والثوري، وإسحاق بن راهويه (٨).
• أدلة هذا القول:
١ - عن أبي قلابة أن رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد، فحملت، فنفست غلامًا، فأبصر القافة شبهه فيهما، فقال عمر: هذا أمر لا أقضي فيه شيئًا، ثم قال للغلام: اجعل نفسك حيث شئت (٩).
стр. 2410
• وجه الدلالة: هذا عمر لم ير العمل بالقافة، ولو رأى العمل بها, لم يتوقف في القضاء بما قالوا.
٢ - عن قتادة قال: رأى عمر والقافة جميعًا شبه الغلام في رجلين ادعياه، فقال عمر: هو بينكما، ترثانه ويرثكما (١).
٣ - أتى عليًّا ﵁ رجلان وقعا على امرأة في طهر، فقال: الولد لكما، وهو للباقي منكما (٢).
• وجه الدلالة من الأثرين: هذا عمر، وعلي، لم يعملا بالقافة، ولما استوت البينتان أشركا بينهما في نسب الغلام.
النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على العمل بالقافة إذا تعارضت البينات في دعوى الولد؛ لاختلاف الصحابة في ذلك.
ثانيًا: هناك خلاف في العمل بالقافة، هل يعمل بها أصلًا، وهل تستوي فيه الحرة والأمة، أم تختلفان؟ خلاف على أقوال:
١ - ذهب الحنفية إلى عدم العمل بالقافة.
٢ - يرى المالكية أن يعمل بها في الإماء دون الحرائر.
٢ - يرى أشهب من المالكية العمل بها في الحرائر دون الإماء.
٣ - يرى الشافعية، والحنابلة العمل بها في الحرائر والإماء على حد سواء.
[٨ - ٤٧٨] نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط:
إذا وجد لقيط فلا تجب نفقته على من وجده، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط، كوجوب نفقة ولده إن كان له" (٣)، وذكر مثله في كتاب الإجماع (٤)، ونقله عنه ابن قدامة (٥).
стр. 2411
٢ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه حر، وأن ولاءه لجميع المسلمين، وإن وجد معه مال أنفق عليه منه، وإن لم يوجد معه نفقة أنفق عليه من بيت المال" (١).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية، وابن قدامة وابن هبيرة من الحنابلة من الإجماع على عدم وجوب نفقة اللقيط على الملتقط -وافق عليه الحنفية (٢)، والمالكية (٣).
• مستند الإجماع:
١ - أن أسباب وجوب النفقة -من القرابة، والزوجية، والمِلك، والولاء- منتفية هنا، فلا تجب النفقة بغير هذه الأمور (٤).
٢ - أن الالتقاط تخليص للقيط من الهلاك، وتبرُّع بحفظه، فلا يوجب ذلك نفقته (٥).
• الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم إلى القول بوجوب نفقة اللقيط على الملتقط (٦).
• أدلة هذا القول:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: الآية ٣٢].
٢ - بناءً على الآية السابقة: من ترك اللقيط، ولم يأخذه، وتركه حتى مات فهو قاتل بلا شك (٧).
النتيجة: أولًا: يحمل ما ذكر من الإجماع على أنه عند المذاهب الأربعة؛ لعدم وجود خلاف لديهم.
ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط؛ لخلاف ابن حزم الذي يرى وجوبها.
[٩ - ٤٧٩] نفقة اللقيط في بيت المال:
إذا وُجِدَ اللقيط، ولا مال له، فإن نفقته تجب في بيت المال، ونُقل الاتفاق على
стр. 2412
ذلك.
• من نقل الاتفاق:
١ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه حر، وأن ولاءه لجميع المسلمين، وإن وجد معه مال أنفق عليه منه، وإن لم يوجد معه نفقة أنفق عليه من بيت المال" (١).
٢ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: "ونفقته في بيت المال، أي: إذا لم يكن له مال، وهذا بلا خلاف" (٢).
٣ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: "ينفق عليه من بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه، بلا نزاع" (٣).
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن الهمام من الحنفية، وابن هبيرة، والمرداوي من الحنابلة من الاتفاق على أن نفقة اللقيط تكون في بيت المال -وافق عليه المالكية إن تبين أن أباه لم يلقه عمدًا (٤)، والشافعية في الأصح (٥).
• مستند الاتفاق:
١ - عن سُنَيْن أبي جميلة أنه وجد منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب؛ فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها. فقال له عريفه: يَا أمير المُؤْمنين؛ إنه رجل صالح. فقال عمر: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته (٦).
٢ - أن اللقيط ولاؤه للمسلمين، فتكون نفقته في بيت المال (٧).
• الخلاف في المسألة: ذهب المالكية إلى أن الأب إن طرح ابنه عمدًا فالنفقة عليه واجبة، تكون دينًا يرجع به عليه (٨).
وذهب الشافعية في قول إلى أن نفقة اللقيط لا تجب في بيت المال، لكن الإمام يقترض له ما ينفق عليه، إما من بيت المال، أو من أحد من المسلمين، ويكون دينًا
стр. 2413
على اللقيط، أو وليه إن ظهر له ولي (١).
• دليل هذا القول:
١ - يجوز أن يكون اللقيط عبدًا، فتكون نفقته على سيده، ويجوز أن يكون حرًّا, وله أب غني، فتجب نفقته على أَبيه (٢).
٢ - أن بيت المال لا يجب فيه إلا ما كان له وجه، ونفقة اللقيط لا وجه لها في بيت المال (٣).
النتيجة: عدم صحة ما ذكر من الاتفاق على أن نفقة اللقيط في بيت المال إن لم يكن له مال؛ لخلاف المالكية أن النفقة على أَبيه إن طرحه عمدًا، والشافعية في أحد القولين بعدم وجوبها في بيت المال أصلًا.
[١٠ - ٤٨٠] ولاء اللقيط لجميع المسلمين:
ولاء اللقيط -أي: ميراثه (٤) - لجميع المسلمين، فيكون ما يتركه من مال في بيت مال المسلمين، ونُقل الاتفاق على ذلك.
• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: "واتفقوا على أنه حر، وأن ولاءه لجميع المسلمين" (٥).
• الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن هبيرة من الحنابلة من الاتفاق على أن اللقيط ولاؤه لجميع المسلمين وافق عليه الحنفية في حالة أن يعقل بيت المال عنه إذا جنى جناية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، وابن حزم، وداود (٩). وهو قول الحسن البصري (١٠)، وأكثر العلماء كما قال ابن قدامة (١١).
• مستند الاتفاق:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" (١٢).
стр. 2414
٢ - أنه لم يثبت على اللقيط رق، ولا على آبائه، فلم يثبت عليه الولاء لأحد (١).
٣ - أن المسلمين لهم كل مال لا مالك له، ويرثون مال من لا وارث له غير اللقيط، فكذلك اللقيط (٢).
٤ - أن اللقيط لو جنى جناية كانت على بيت مال المسلمين، فكذلك ولاؤه (٣).
• الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الحنفية إلى أن اللقيط لا ولاء لأحد عليه، فله أن يوالي من يشاء، إلا أن يجني جناية يتحملها بيت المال عنه، فيكون ولاؤه لبيت المال (٤). وهو قول علي ﵁ وابن جريج، وعطاء، والزهري (٥).
• أدلة هذا القول: ما ورد عن علي ﵁ أنه قال: المنبوذ حر، فإن أحب أن يوالي الذي التقطه والاه، وإن أحب أن يوالي غيره والاه (٦).
ثانيًا: ذهب شريح، وإسحاق (٧) إلى أن ولاء اللقيط للذي التقطه.
• أدلة هذا القول:
١ - عن واثلة بن الأسقع (٨) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها, ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه" (٩).
٢ - قول عمر لأبي جميلة: هو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته (١٠).
стр. 2415
النتيجة: ما ذكر من الاتفاق على أن ولاء اللقيط لجميع المسلمين غير صحيح، لما يأتي:
١ - خلاف الحنفية أنه يوالي من شاء، إلا أن يعقل عنه بيت المال إن جنى جناية.
٢ - خلاف شريح، وإسحاق أن ولاء اللقيط لمن التقطه.
[١١ - ٤٨١] إذا وجد طفل ميت في بلاد المسلمين دفن في مقابر المسلمين:
إذا وجد طفل ميت لقيط في بلاد المسلمين، فإنه يدفن في مقابر المسلمين، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: "وأجمعوا أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتًا أن غسله، ودفنه يجب في مقابر المسلمين" (١). ونقله عنه ابن قدامة (٢).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية، وابن قدامة من الحنابلة من الإجماع على أن اللقيط الميت الموجود في بلاد المسلمين أنه يدفن في مقابر المسلمين -وافق عليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وابن حزم (٥).
• مستند الإجماع: إذا وجد اللقيط في بلاد المسلمين يحكم بإسلامه، فإن وجد ميتًا فالحكم كذلك اعتبارًا بالدار (٦).
النتيجة: تحقق الإجماع على أن اللقيط إذا وجد ميتًا في بلاد المسلمين، فإنه يدفن في مقابر المسلمين؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
* * *
стр. 2416
الباب الرابع
الفصل الأول: مسائل الإجماع في عتق المماليك
[١ - ٤٨٢] مشروعية العتق:
العتق (١) من الأمور التي يُتقرب بها إلى اللَّه ، وهو مندوب إليه ابتداءً؛ إلا أن يلزم المكلف عتق بسبب قتل خطأ، أو كفارة ظهار، أو يمين، أو إفطار في نهار رمضان، فيجب عندئذٍ، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن عِتق المسلم الحر البالغ العاقل، الذي ليس بسكران -للمسلم الذي ليس بولد زنى، ولا جناية- فعل خير) (٢). وقال أَيضًا: (العتق فعل حسن، لا خلاف في ذلك) (٣).
٢ - الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث قال: (ولا يخفى أن العتق قربة، ويشهد لنفوذه الكتاب، والسنة، والإجماع) (٤).
٣ - العمراني (٥٥٨ هـ) حيث قال: (وأجمعت الأمة على صحة العتق، وحصول القربة به) (٥).
٤ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن العتق من القرب المندوب إليها) (٦).
стр. 2417
٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع، . . . وأجمعت الأمة على صحة العتق، وحصول القربة به" (١).
٦ - الرافعي (٦٢٣ هـ) حيث قال: (الإجماع منعقد على صحة الإعتاق، وعلى أنه من القربات) (٢).
٧ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: (والعتق من المندوبات إجماعًا) (٣).
٨ - الزركشي (٧٧٢ هـ) حيث قال: (وأجمع المسلمون على مشروعية ذلك، وأنه قربة في الجملة) (٤).
٩ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: (اتفق الأئمة على أن العتق من أعظم القربات المندوب إليها) (٥).
١٠ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: (والعتق المنجز من المسلم قربة بالإجماع) (٦).
١١ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (كتاب العتق: . . . وهو من أفضل القرب، بالكتاب، والسنة، والإجماع) (٧).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على مشروعية العتق، وأنه من القربات التي يتقرب بها إلى اللَّه وافق عليه الحنفية (٨).
• مستند الإجماع:
١ - قال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البَلَد: الآية ١٣] أي: عتقها وخلاصها من الرق (٩).
٢ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من أعتق رقبة مؤمنة؛ أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوًا منه من النَّار" (١٠).
стр. 2418
٣ - عن أبي نجيح السلمي (١) ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بالطائف، فسمعته يقول: "من رمى بسهم في سبيل اللَّه فله درجة في الجنة، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة، وأيما رجل أعتق رجلًا مسلمًا، كان به وقاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظام محرره من النَّار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة، فإن اللَّه جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظمًا من عظام محررها من النَّار يوم القيامة" (٢).
النتيجة: تحقق الإجماع على مشروعية العتق، وأنه من الأعمال التي يتقرب بها إلى اللَّه ، وذلك لعدم وجود مخالف.
[٢ - ٤٨٣] جواز عتق المشرك تطوعًا:
إذا كانت الرقبة المراد عتقها مشركة، فإنه يجوز عتقها تطوعًا، ونُقل الإجماع على ذلك، ووقع الخلاف في عتق الرقبة المشركة في الكفارات، كالظهار ونحوه.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (وقد أجمع العلماء على جواز عتق الكافر تطوعًا) (٣).
٢ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: (لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعًا) (٤).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن عبد البر من المالكية، وابن حجر من الشافعية من الإجماع على جواز عتق الرقبة المشركة تطوعًا -وافق عليه الحنفية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧).
• مستند الإجماع: يستدل لهذه المسألة بما استدل به في المسألة الأولى من
стр. 2419
الترغيب في العتق دون أن يخص مؤمنًا من كافر (١).
النتيجة: تحقق الإجماع على جواز عتق الرقبة المشركة تطوعًا؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
[٣ - ٤٨٤] الألفاظ الصريحة في العتق:
يقع العتق بكل لفظ يطلق عليه، فقد يقع بالألفاظ الصريحة، وقد يقع بألفاظ الكناية؛ نحو: لا سبيل لي عليك، لا ملك لي عليك، خرجت من ملكي، حَبْلُكِ على غاربك، فهذه الألفاظ لا تقع بغير نية.
ومن الألفاظ الصريحة التي يقع العتق بها: أَنْتَ حر، أو محرر، أو عتيق، أو معتق، أو حررتك، أو أعتقتك، فهذه ألفاظ صريحة يقع العتق بها (٢)، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن الرجل إذا قال لعبده: أَنْتَ حر، أو قد أعتقتك، أو أَنْتَ عتيق، أو أَنْتَ معتق، ينوي عتقه؛ أن مملوكه ذلك يعتق عليه، ولا سبيل له إليه) (٣).
٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (وإذا قال الرجل لعبده: أَنْتَ حر، أو أَنْتَ عتيق، أو أَنْتَ محرر؛ عتق عليه، وخرج عن ملكه، لا خلاف في ذلك) (٤).
٣ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (وصريحه نحو: أَنْتَ حر، أو محرر، أو عتيق، أو معتق، أو حررتك، أو أعتقتك، فهذه الألفاظ تلزم السيد بإجماع العلماء) (٥).
• الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على وقوع العتق بالألفاظ
стр. 2420
الصريحة فيه وافق عليه الحنفية (١).
• مستند الإجماع:
١ - أن "العتق"، و"التحرير" لفظان وردا في الكتاب والسنة، وهما يستعملان عُرفًا، فكانا صريحين فيه (٢).
٢ - أن هذه الألفاظ صريحة في العتق، فلا تستعمل إلا فيه، ولا تحتاج إلى نية، كصريح الطلاق؛ لأن النية لتعيين المحتمل، ولا احتمال في هذه الألفاظ لغير العتق (٣).
النتيجة: تحقق الإجماع على وقوع العتق باللفظ الصريح الدال عليه؛ وذلك لعدم وجود مخالف.
[٤ - ٤٨٥] لا يصح العتق إلا من جائز التصرف:
لا يصح العتق إلا ممن يجوز تصرفه، وهم البالغون، العقلاء، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، فلا يصح من صغير، ولا مجنون، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمع كل من أحفظ عنه على أن عتق الصبي لا يجوز) (٤). (ولا يجوز عتق المجنون، . . . ولا أعلم فيه اختلافًا بين أهل العلم) (٥).
٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (وقد أجمع المسلمون على أن عتق النصراني، أو اليهودي لعبده المسلم صحيح نافذ، جائز عليه) (٦). (لا أعلم خلافًا أن الغلام ما لم يحتلم لا يجوز عتقه) (٧).
٣ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (أجمعوا على أنه يصح عتق المالك التام الملك، الصحيح الرشيد القوي) (٨).
٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ومن أعتق عبده، وهو جائز التصرف، صح عتقه بإجماع أهل العلم) (٩). (ويصح العتق من كل من يجوز تصرّفه في المال، وهو