← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

الباب الرابع الفصل الأول: مسائل الإجماع في عتق المماليك [١ - ٤٨٢] مشروعية العتق: العتق (١) من الأمور التي يُتقرب بها إلى اللَّه ، وهو مندوب إليه ابتداءً؛ إلا أن يلزم المكلف عتق بسبب قتل خطأ، أو كفارة ظهار، أو يمين، أو إفطار في نهار رمضان، فيجب عندئذٍ، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن عِتق المسلم الحر البالغ العاقل، الذي ليس بسكران -للمسلم الذي ليس بولد زنى، ولا جناية- فعل خير) (٢). وقال أَيضًا: (العتق فعل حسن، لا خلاف في ذلك) (٣). ٢ - الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث قال: (ولا يخفى أن العتق قربة، ويشهد لنفوذه الكتاب، والسنة، والإجماع) (٤). ٣ - العمراني (٥٥٨ هـ) حيث قال: (وأجمعت الأمة على صحة العتق، وحصول القربة به) (٥). ٤ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن العتق من القرب المندوب إليها) (٦).

стр. 2417

٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع، . . . وأجمعت الأمة على صحة العتق، وحصول القربة به" (١). ٦ - الرافعي (٦٢٣ هـ) حيث قال: (الإجماع منعقد على صحة الإعتاق، وعلى أنه من القربات) (٢). ٧ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: (والعتق من المندوبات إجماعًا) (٣). ٨ - الزركشي (٧٧٢ هـ) حيث قال: (وأجمع المسلمون على مشروعية ذلك، وأنه قربة في الجملة) (٤). ٩ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: (اتفق الأئمة على أن العتق من أعظم القربات المندوب إليها) (٥). ١٠ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: (والعتق المنجز من المسلم قربة بالإجماع) (٦). ١١ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (كتاب العتق: . . . وهو من أفضل القرب، بالكتاب، والسنة، والإجماع) (٧). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على مشروعية العتق، وأنه من القربات التي يتقرب بها إلى اللَّه وافق عليه الحنفية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البَلَد: الآية ١٣] أي: عتقها وخلاصها من الرق (٩). ٢ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من أعتق رقبة مؤمنة؛ أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوًا منه من النَّار" (١٠).

стр. 2418

٣ - عن أبي نجيح السلمي (١) ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بالطائف، فسمعته يقول: "من رمى بسهم في سبيل اللَّه فله درجة في الجنة، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة، وأيما رجل أعتق رجلًا مسلمًا، كان به وقاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظام محرره من النَّار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة، فإن اللَّه جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظمًا من عظام محررها من النَّار يوم القيامة" (٢). النتيجة: تحقق الإجماع على مشروعية العتق، وأنه من الأعمال التي يتقرب بها إلى اللَّه ، وذلك لعدم وجود مخالف. [٢ - ٤٨٣] جواز عتق المشرك تطوعًا: إذا كانت الرقبة المراد عتقها مشركة، فإنه يجوز عتقها تطوعًا، ونُقل الإجماع على ذلك، ووقع الخلاف في عتق الرقبة المشركة في الكفارات، كالظهار ونحوه. • من نقل الإجماع: ١ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (وقد أجمع العلماء على جواز عتق الكافر تطوعًا) (٣). ٢ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: (لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعًا) (٤). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن عبد البر من المالكية، وابن حجر من الشافعية من الإجماع على جواز عتق الرقبة المشركة تطوعًا -وافق عليه الحنفية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: يستدل لهذه المسألة بما استدل به في المسألة الأولى من

стр. 2419

الترغيب في العتق دون أن يخص مؤمنًا من كافر (١). النتيجة: تحقق الإجماع على جواز عتق الرقبة المشركة تطوعًا؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٣ - ٤٨٤] الألفاظ الصريحة في العتق: يقع العتق بكل لفظ يطلق عليه، فقد يقع بالألفاظ الصريحة، وقد يقع بألفاظ الكناية؛ نحو: لا سبيل لي عليك، لا ملك لي عليك، خرجت من ملكي، حَبْلُكِ على غاربك، فهذه الألفاظ لا تقع بغير نية. ومن الألفاظ الصريحة التي يقع العتق بها: أَنْتَ حر، أو محرر، أو عتيق، أو معتق، أو حررتك، أو أعتقتك، فهذه ألفاظ صريحة يقع العتق بها (٢)، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن الرجل إذا قال لعبده: أَنْتَ حر، أو قد أعتقتك، أو أَنْتَ عتيق، أو أَنْتَ معتق، ينوي عتقه؛ أن مملوكه ذلك يعتق عليه، ولا سبيل له إليه) (٣). ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (وإذا قال الرجل لعبده: أَنْتَ حر، أو أَنْتَ عتيق، أو أَنْتَ محرر؛ عتق عليه، وخرج عن ملكه، لا خلاف في ذلك) (٤). ٣ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (وصريحه نحو: أَنْتَ حر، أو محرر، أو عتيق، أو معتق، أو حررتك، أو أعتقتك، فهذه الألفاظ تلزم السيد بإجماع العلماء) (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على وقوع العتق بالألفاظ

стр. 2420

الصريحة فيه وافق عليه الحنفية (١). • مستند الإجماع: ١ - أن "العتق"، و"التحرير" لفظان وردا في الكتاب والسنة، وهما يستعملان عُرفًا، فكانا صريحين فيه (٢). ٢ - أن هذه الألفاظ صريحة في العتق، فلا تستعمل إلا فيه، ولا تحتاج إلى نية، كصريح الطلاق؛ لأن النية لتعيين المحتمل، ولا احتمال في هذه الألفاظ لغير العتق (٣). النتيجة: تحقق الإجماع على وقوع العتق باللفظ الصريح الدال عليه؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٤ - ٤٨٥] لا يصح العتق إلا من جائز التصرف: لا يصح العتق إلا ممن يجوز تصرفه، وهم البالغون، العقلاء، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، فلا يصح من صغير، ولا مجنون، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمع كل من أحفظ عنه على أن عتق الصبي لا يجوز) (٤). (ولا يجوز عتق المجنون، . . . ولا أعلم فيه اختلافًا بين أهل العلم) (٥). ٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (وقد أجمع المسلمون على أن عتق النصراني، أو اليهودي لعبده المسلم صحيح نافذ، جائز عليه) (٦). (لا أعلم خلافًا أن الغلام ما لم يحتلم لا يجوز عتقه) (٧). ٣ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (أجمعوا على أنه يصح عتق المالك التام الملك، الصحيح الرشيد القوي) (٨). ٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ومن أعتق عبده، وهو جائز التصرف، صح عتقه بإجماع أهل العلم) (٩). (ويصح العتق من كل من يجوز تصرّفه في المال، وهو

стр. 2421

البالغ العاقل الرشيد، سواء كان مسلمًا، أو ذميًّا, ولا نعلم في هذا خلافًا) (١). ٥ - ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: (قوله: "من أعتق" ظاهره العموم؛ لكنه مخصوص بالاتفاق، فلا يصح من المجنون، ولا من المحجور عليه لسفهه) (٢). ٦ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (ومتى أعتق عبده، وهو صحيح جائز التصرف، عتق بلا نزاع) (٣). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن العتق لا يصح إلا من جائز التصرف، فلا يصح من صغير، ولا مجنون وافق عليه الحنفية (٤)، وابن حزم (٥). وهو قول الحسن البصري، والشعبي، والزهري، والأوزاعي (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ" (٧). ٢ - أن العتق تبرع بالمال، فلا يصح من صغير ولا مجنون، كالهبة (٨). • الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية, اختارها أبو بكر عبد العزيز (٩) إلى أن عتق الصبي المميز يصح (١٠). • دليل هذا القول: أنه كما يصح طلاقه ووصيته، يصح عتقه (١١). النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن العتق لا يصح من مجنون، ولا صبي غير مميز؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن عتق الصبي المميز لا يصح؛ لخلاف عن الإمام

стр. 2422

أحمد في رواية عنه أن عتقه يصح. [٥ - ٤٨٦] من ملك والديه وإن علوا، أو أبناءه وإن نزلوا عتقوا عليه: إذا ملك رجل أحدًا من والديه أو أجداده وإن علوا، أو أبنائه أو أبناء أبنائه وإن نزلوا, فإنهم يعتقون عليه، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا أن الرجل إذا ملك أبويه أو ولده، أنَّهم يعتقون عليه ساعة يملكهم) (١). (وأجمعوا أنه إذا ملك أبويه، أو جداته لأبيه أو أمه، أو جداته لأمه، أنَّهم يعتقون عليه) (٢). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية من الإجماع على أن رجلًا لو ملك والديه وإن علوا، أو أبناءه وإن نزلوا، فإنهم يعتقون عليه، وافق عليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم (٦). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبيَاء: الآية ٢٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٠]. • وجه الدلالة من هاتين الآيتين: نفى اللَّه عن نفسه اتخاذ الولد؛ لأن الكل عبيد للَّه، وذلك ينفي كون الولد عبدًا؛ فإن البنوة والعبادة متنافيان، فلا يجتمعان له، فمن ملك من يعتق عليه وجب أن يعتقه (٧). ٣ - أن كل قرابة لا تتضمن رد الشهادة، لا تعتق بالملك، قياسًا علي بني العم طردًا، وعلى الوالدين والمولودين عكسًا (٨).

стр. 2423

• الخلاف في المسألة: ذهب داود إلى القول بأن من ملك والديه وإن علوا، أو أبناءه وإن نزلوا فلا يعتقون عليه، إلا الوالد فقط (١). • دليل هذا القول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه، فيعتقه" (٢). • وجه الدلالة: خص النبي ﷺ الوالد بوجوب ابتياعه وإعتاقه بعد ملكه، فدل على أنه لا يعتق أحد غيره بالملك (٣). النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن من ملك والده فإنه يعتق عليه؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن من ملك أبناءه وإن نزلوا أنَّهم يعتقون عليه؛ لخلاف داود الظاهري. [٦ - ٤٨٧] من ملك ذا رحم محرم عتق عليه: جاء في المسألة السابقة أن من ملك والديه، وإن علوا، أو أبناءه وإن نزلوا، عتقوا عليه، وتبين خلاف داود في أنه لا يعتق إلا الوالد فقط. ومن ملك رحمه المحرم، وهم أرحامه الذين يحرم عليه نكاحهم بسبب قرابة، كالإخوة، وأبنائهم، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، فإنهم يعتقون عليه ساعة يملكهم، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: (من ملك ذا رحم محرم عتق عليه، . . . روي ذلك عن عمر، وابن مسعود، ولا مخالف لهما من الصحابة) (٤). • الموافقون على نفي الخلاف: ما ذكره ابن الهمام من أنه لا خلاف في أن من ملك ذا رحم محرم منه، فإنه يعتق عليه وافق عليه المالكية في رواية (٥)، والحنابلة في المذهب (٦)، وابن حزم (٧).

стр. 2424

وهو قول عمر بن الخطاب، وابن مسعود ﵄، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وعطاء، والشعبي، والزهري، وحماد، والثوري، وابن شبرمة، والحسن بن حي، والليث بن سعد، وإسحاق، والأوزاعي (١). • مستند نفي الخلاف: ١ - عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" (٢). ٢ - روي ذلك عن عمر (٣)، وابن مسعود (٤)، ولا مخالف لهما من الصحابة (٥). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب المالكية في رواية (٦) إلى أن الذين يعتقون هم الآباء، وإن علوا، والأبناء، وإن نزلوا، والإخوة والأخوات، دون أبنائهم، ودون الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وهو قول يحيى الأنصاري (٧).

стр. 2425

• أدلة هذا القول: ١ - أن الإخوة أشبهوا الولد؛ لأنهم يرثون بالفرض، ويرثون مع الجد (١). ٢ - أن الإخوة يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فوجب أن يعتقوا (٢). ١ - بالنسبة للأعمام والأخوال لا يعتقون؛ لأن من حلّت ابنته بعقد نكاح، أو ملك يمين، لم يعتق عليه بالملك (٣). ٢ - أن كل جنس يرث ذكورهم دون أبنائهم، فلا يعتقون بالملك، كبني العم (٤). ثانيًا: ذهب المالكية في رواية (٥)، والشافعية (٦)، والإمام أحمد في رواية (٧) إلى أن العتق لا يكون إلا في عمود النسب، فلا يُعتق إلا الوالدان وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا فقط. ثالثًا: سبق ذكر خلاف داود، إذ يرى أن من يعتق هو الوالد فقط دون غيره من سائر القرابات. النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن من ملك ذا رحم محرم فإنه يعتق عليه، لخلاف داود، والمالكية في رواية, والشافعية، والإمام أحمد في رواية. [٧ - ٤٨٨] إذا أعتق الرجل عبده الآبق وقع العتق: إذا أبق (٨) العبد من سيده، وأراد أن يعتقه، وقد أبق، جاز له ذلك ووقع العتق، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا أن الرجل إذا أعتق عبده الآبق أن العتق يقع عليه) (٩). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية من وقوع العتق على الآبق

стр. 2426

إن أعتقه سيده وافق عليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: أن السيد إذا أعتق عبده الآبق، فكأنه قبضه، فيقع الإعتاق؛ لأن الإعتاق إتلاف للمال، كما لو أعتق المشتري العبدَ المشترى (٤). النتيجة: تحقق الإجماع على أن الرجل إذا أعتق عبده الآبق وقع العتق؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٨ - ٤٨٩] الولاء لمن أعتق: قد يقع العتق كفارة عن ارتكاب منهي عنه، وقد يقع قربة للَّه فإذا أعتق رجل مملوكه، فإن ولاءه (٥) له، وإن أعتق المملوكَ شركاؤه فولاؤه لهم، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: (وقد أجمع المسلمون على استحقاق الولاء للمعتق، لإنعامه بالعتق) (٦). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن من أعتق عبده، أو أمته -كما قدمنا- عتقًا صحيحًا غير سائبة، ولم يكن للمعتق أب أعتقه، غير الذي أعتقه هو، أن ولاءه له) (٧). ٣ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: (ولاء العتاقة، فلا خلاف في ثبوته شرعًا، عرفنا ذلك بالسنة وإجماع الأمة) (٨). ٤ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (أجمع أهل العلم على أن من أعتق عبدًا، أو عتَقَ عليه. . . أن له الولاء) (٩). (وجملته أن العبد متى كان بين ثلاثة فأعتقوه معًا،

стр. 2427

فإنه يصير حرًا وولاؤه بينهم، . . . وهذا لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافًا) (١). ٥ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: (وقد أجمع المسلمون على ثبوت الولاء لمن أعتق عبده أو أمته عن نفسه، وأنه يرث به) (٢). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن الولاء يكون للمعتِق إن وقع العتق عن النفس، أو أعتقه الشركاء -وافق عليه المالكية (٣). • مستند الإجماع: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الولاء لمن أعتق" (٤). النتيجة: تحقق الإجماع أن الولاء للمعتِق إن وقع العتق عن النفس، ويكون للشركاء إن أعتقوا شركهم في المملوك. [٩ - ٤٩٠] ثبوت الولاء للمعتق عنه إذا وقع بأمره: إذا أعتق رجل مملوكه عن آخر، فإن وقع العتق بأمره كان الولاء للمعتق عنه، وإن لم يكن بأمره وقع العتق عن نفسه، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا أن الرجل إذا أعتق عن الرجل عبدًا بغير أمره أن الولاء للمعتِق) (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية من الإجماع على أن العتق إن وقع عن الغير بلا أمره أن الولاء للمعتِق -وافق عليه الحنفية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الولاء لمن أعتق" (٨). وهذا نص أن الولاء لمن أعتق من غير فصل (٩). ٢ - أنه لا يصح الأمر بعتق عبد الغير عن نفسه ما لم يملكه بالثَّمن، ولا ملك

стр. 2428

للآمر، فيقع العتق عن المعتِق (١). • الخلاف في المسألة: ذهب أبو يوسف من الحنفية (٢)، والمالكية (٣) إلى أن الولاء يكون للمعتَق عنه، سواء وقع بأمره أم لا، وسواء كان عن حي، أو عن ميت. وهو قول ابن عباس ﵄، والحسن، وأبي عبيد (٤). • أدلة هذا القول: ١ - أن سعد بن عبادة (٥) ﵁ قال لرسول اللَّه ﷺ : إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم" (٦). ٢ - أن عبد الرحمن بن أبي بكر (٧) تُوفِّي في نوم نامه، فأعتقت عنه عائشة رقابًا كثيرة (٨). • وجه الدلالة مما سبق: هذا سعد بن عبادة أعتق عن أمه، وعائشة أعتقت عن أخيها، فيقع ثواب العتق لمن أُعتق عنه، فيكون له ولاؤه (٩). ٣ - أنه إذا أعتق عبده عن الغير، فقد ملّكه إياه بشرط العتق، فكان كالوكيل (١٠). ٤ - أن الولاء يجري مجرى النسب، فلا يفتقر حصوله إلى إذن لمن يحصل له (١١). النتيجة: عدم تحقق الإجماع أن العتق إن وقع عن الغير ولم يكن بأمره أن الولاء للمعتِق؛ لخلاف أبي يوسف من الحنفية، والمالكية بأن الولاء للمعتق عنه، سواء وقع

стр. 2429

بأمره أم لا، وهو قول ابن عباس ﵄، والحس، وأبي عبيد. [١٠ - ٤٩١] من قال: أعتق عبدك عني وعلى ثمنه، فالولاء للمعتق عنه: من قال لآخر: أعتق عبدك عني بألف -مثلًا- لزمه الثمن، وكان الولاء له، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ومن قال: أعتق عبدك عني، وعلى ثمنه؛ فالثمن عليه، والولاء للمعتَق عنه، لا نعلم في هذه المسألة خلافًا) (١). • الموافقون على نفى الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف أن من قال: أعتق عبدك عني وعليَّ ثمنه، فالثمن عليه، والولاء للمعتق عنه -وافق عليه الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند نفي الخلاف: أن الرجل إذا قال: أعتق عني عبدك بألف -مثلًا- فقد ملَّكه إياه، ويجوز للرجل أن يعتق من يملك (٥). النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أن من قال: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه أن الولاء له. [١١ - ٤٩٢] إذا قال لعبده: أَنْتَ حر، في وقت سماه، لم يعتق حتى يأتي ذلك الوقت . من قال لعبده: أَنْتَ حر إذا جاء رأس الشهر، أو إن قدم فلان؛ فلا يقع العتق حتى يأتي الوقت الذي عُلِّق العتق عليه، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (وإذا قال لعبده: أَنْتَ حر، في وقت سماه، لم يعتق حتى يأتي ذلك الوقت، فإن جاء الوقت، وهو في ملكه، عتق، بغير خلاف نعلمه) (٦). • الموافقون على نفى الخلاف: مما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف أن من قال لعبده:

стр. 2430

أَنْتَ حر، في وقت سماه، فإنه يعتق إذا جاء ذلك الوقت -وافق عليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وابن حزم (٤)، والأوزاعي (٥). • مستند نفي الخلاف: ١ - أن العتق قد علق على وقت متحقق الوقوع، فإذا جاء ذلك الوقت، فقد وقع العتق (٦). ٢ - أن في تعليق العتق توسعة لحصول القربة بالعتق (٧). النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف أن من قال لعبده: أَنْتَ حر، في وقت سماه، لم يعتق حتى يأتي ذلك الوقت. [١٢ - ٤٩٣] وقوع العتق على ما في بطن الأمة من الحمل، دون الأم . إذا قال الرجل لِأمته: كل ولد تلدينه فهو حر؛ وقع العتق على المولود دون الأم، ونُقل الإجماع علَى ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لأمته: كل ولد تلدينه فهو حر؛ فولدت أولادًا، أنَّهم أحرار) (٨). ونقله عنه ابن قدامة (٩). والشربيني (١٠). (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا أعتق ما في بطن أمته، فولدت ولدًا حيًّا مكانها، أن الولد حر دون الأم) (١١). * الموافِقون على الإِجماع: ما ذكر من الإجماع على أن العتق يقع على حمل الأمة

стр. 2431

دونها -وافق عليه الحنفية (١)، والمالكية (٢). وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة ﵁، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وإسحاق (٣). • مستند الإجماع: ١ - أن القصد في العتق توجه فيه إلى العمل، فوجب حمله عليه (٤). ٢ - أن مِنْ شَرْطِ البيع والهبة القدرة على التسليم، ولا يشترط ذلك في العتق (٥). • الخلاف في المسألة: ذهب ابن حزم إلى أن من أعتق حمل أمته دونها، فإن العتق يقع على الجنين، وعلى أمه، وإن لم يرد عتق أمه (٦). • دليل هذا القول: ١ - أن الجنين بعض أمه؛ لأنه خلق من مائها، ومن اعتق البعض، وجب عليه عتق الكل، فتعتق الأم ووليدها (٧). ٢ - أن الجنين في بطن أمه مجهول، فلا يعلم هل هو ذكر أم أنثى، أبيض أم أسود، شقي أم سعيد، فإذ هو كذلك لا تجوز هبته ولا عتقه دونها (٨). النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن العتق يقع على الحمل دون الأم؛ لخلاف ابن حزم. ثانيًا: يحمل الإجماع المذكور على أنه قول الأئمة الأربعة فقد قصره ابن الهمام من الحنفية على الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ فقال: (ولو أعتق الحمل خاصة، عتق دونها، بإجماع الأربعة) (٩). [١٣ - ٤٩٤] إذا أعتق الشريك الموسر نصيبه من العبد عتق نصيبه: إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد المملوك بينهما، وكان موسرًا، فإن نصيبه يعتق، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (وجملته أن الشريك إذا

стр. 2432

أعتق نصيبه من العبد، وهو موسر، عتق نصيبه، لا نعلم خلافًا فيه) (١). ٢ - النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: (أجمع العلماء على أن نصيب المعتق يعتق بنفس الإعتاق) (٢). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره النووي، وابن قدامة من الإجماع على أن الشريك الموسر إن أعتق نصيبه من العبد عتق نصيبه -وافق عليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الإجماع: ١ - الأحاديث والآثار الدالة على فضيلة العتق، والتي سبق ذكرها. ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أعتق شركًا له في مملوك، فعليه عتقه أكله، إن كان له مال يبلغ ثمنه، فإن لم يكن له مال؛ يقوم عليه قيمة عدل على المعتق، فأعتق منه ما عتق" (٦). ٣ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال في المملوك بين الرجلين، فيعتق أحدهما، قال: "يضمن" (٧). ٤ - أن العتق وقع من جائز التصرف، فأعتق ملكه الذي لم يتعلق به حق لغيره، فنفذ عتقه فيه، كمن يعتق جميع العبد المملوك له (٨). • الخلاف في المسألة: ذهب ربيعة بن عبد الرحمن إلى القول بأن من أعتق حصته من عبد بينه وبين آخر أن عتقه لا ينفذ (٩). • دليل هذا القول: أن لكل من الشريكين نصيبًا في العبد، وعتق أحدهما لنصيبه دون عتق الآخر فيه إفساد لنصيب الآخر (١٠). النتيجة: تحقق الإجماع على أن الشريك الموسر إذا أعتق نصيبه، فإن نصيبه يعتق

стр. 2433

مطلقًا؛ ولا ينظر لخلاف ربيعة بن عبد الرحمن أن العتق لا يقع أذن الشريك أم لا، لما يأتي: قال النووي: (هذا مذهب باطل، مخالف للأحاديث الصحيحة, والإجماع) (١). [١٤ - ٤٩٥] تحريم وطء الجارية المشتركة، وتعزير الواطئ: إذا كانت جارية مشتركه بين اثنين، حرم على أحدهما وطؤها، فإن فعل عُزِّر، ولم يبلغ بتعزيره الحد، ونفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في تحريم وطء الجارية المشتركة، . . . ولا خلاف في أنه يعزر) (٢). • الموافقون على نفى الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف في تحريم وطء الجارية المشتركة، وتعزير الواطئ -وافق عليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند نفي الخلاف: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. والوطء هنا صادف ملك غيره بلا نكاح، فإن اللَّه لم يحل الوطء إلا بنكاح، أو ملك تام (٦). ٢ - أن حل الوطء ينبني على ملك المتعة، ويستفاد ذلك بكمال ملك الرقبة (٧). ٣ - لا حد على الواطئ؛ لأن الوطء صادف ملكًا فيه شبهة، فيعزر (٨). • الخلاف في المسألة: ذهب أبو ثور إلى القول بوجوب الحد على واطئ الجارية المشتركة (٩). • دليل هذا القول: أنه وطء محرَّم؛ لكونه وقع في ملك غيره، فأشبه ما لو لم يكن

стр. 2434

له فيها ملك، فيجب الحد (١). النتيجة: أولًا: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في تحريم وطء الجارية المشتركة. ثانيًا: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف في أنه لا يلزم الواطئ الحد؛ وينتقل إلى التعزير؛ لخلاف أبي ثور بوجوب الحد على واطئ الجارية المشتركة. [١٥ - ٤٩٦] إذا ادعى المملوك العتق، وأنكره المولى، فلا يقبل قول العبد إلا ببينة: إذا قال العبد المملوك: إن سيده أعتقه، وأنكر سيده ذلك، فلا يقبل قول العبد إلا ببينة تثبت صدق ما يقوله، ونفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: (أما البينة: فجملة الكلام فيها أنه لا خلاف في أنها تقبل على عتق المملوك إذا ادعى المملوك العتق، وأنكره المولى، سواء كان المملوك عبدًا، أو جارية) (٢). • الموافقون على نفى الخلاف: ما ذكره الكاساني من الحنفية أن المملوك إذا ادعى العتق وأنكره سيده، فلا يقبل قول المملوك إلا ببينة -وافق عليه المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند نفي الخلاف: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر" (٦). ٢ - إذا لم تكن للعبد بينة، فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العتق (٧). النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف أن العبد إذا ادعى أن سيده قد أعتقه وأنكره سيده، فلا يقبل قوله إلا ببينة.

стр. 2435

الفصل الثاني: مسائل الإجماع في التدبير [١ - ٤٩٧] مشروعية التدبير: التدبير (١) من الأمور المشروعة، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن تدبير المسلم -على الصفات التي قدمنا- مباح) (٢). ٢ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (أجمع المسلمون على جواز التدبير، وهو أن يقول السيد لعبده: أَنْتَ حر عن دبر مني، أو يُطلِق فيقول: أَنْتَ مدبر) (٣). ٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (والأصل فيه: السنة، والإجماع) (٤). ٤ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: (التدبير مأخوذ من إدبار الحياة، . . . وأصله الكتاب، والسنة، والإجماع، . . . وانعقد الإجماع على أنه قربة) (٥). ٥ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: (التدبير: والأصل في الباب قبل الإجماع: خبر الصحيحين)، ثم ذكر الحديث (٦). ٦ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: (مشروعية التدبير وذلك مما لا خلاف فيه) (٧).

стр. 2436

٧ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (ويصح تعليق العتق بموت، وهو التدبير, وقد أجمع العلماء على صحته في الجملة) (١). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على مشروعية التدبير وافق عليه الحنفية (٢). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: الآية ٧٧]. ٢ - عن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عذرة (٣) عبدًا له عن دُبُر، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألك مال غيره؟ "، فقال: لا. فقال: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم النحّام بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول اللَّه ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا" (٤). ٣ - أنه عتق معلق بشرط، فصار كالمعلق بدخول الدار (٥). ٤ - أن التدبير وصية للعبد برقبته، فصار كسائر الوصايا (٦). النتيجة: تحقق الإجماع على أن التدبير مشروع، ولا مخالف في ذلك. [٢ - ٤٩٨] من ملك الرقيق ملكًا تامًّا، وكان جائز التصرف، غير محجور عليه، فله حق التدبير: الذي له حق التدبير: هو السيد الذي يملك رقيقه ملكًا تامًّا، "ويكون جائز التصرف، غير محجور عليه، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن من دبر

стр. 2437

عبده، أو أمته، ولم يرجع عن ذلك حتى مات، فالمدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء الدين، إن كان عليه، وإنفاذ وصاياه إن كان أوصى بها، وكان السيد بالغًا، جائز الأمر، أن الحرية تجب له إن كان عبدًا, ولها إن كانت أمة، بعد وفاة السيد) (١). ونقله عنه ابن قدامة (٢). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن من قال لعبده أو أمته اللذين يملكهما ملكًا صحيحًا: أَنْتَ مدبر، أو أنتِ مدبرة بعد موتي؛ أنه تدبير صحيح) (٣). ٣ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (شرط السيد المدبر: اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مالكًا تام الملك، غير محجور عليه، سواء كان صحيحًا أو مريضًا) (٤). ٤ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) فذكره كما قال ابن رشد (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن السيد الذي له حق التدبير هو الذي يملك عبده ملكًا تامًّا، ويكون جائز التصرف، غير محجور عليه، وافق عليه الحنفية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ" (٧). ٢ - أن التدبير تبرع بالمال، فلا يصح من صغير ولا مجنون، كالهبة (٨). ٣ - أن الصبي ليس من أهل العقود، فلم يصح تدبيره، كالمجنون (٩). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب المالكية في رواية (١٠)، والشافعية في أحد القولين (١١)، والحنابلة في رواية (١٢) إلى أن تدبير الصبي المميز يصح. وهو قول

стр. 2438

عمر ﵁، وشريح، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة (١). • دليل هذا القول: ١ - أن غلامًا من غسان (٢) حضرته الوفاة بالمدينة، ووارثه بالشَّام، فذكر ذلك لعمر، فقيل له: إن فلانًا يموت، أفَيوصي؟ قال: فليوصِ، وكان عمر الغلام عشر سنين، وقيل: اثنتي عشرة سنة (٣). ٢ - أنه كما يصح طلاقه ووصيته، يصح عتقه (٤). ٣ - أن وصية غير البالغ، وتدبيره، أنفع له؛ لأنه ما دام حيًّا فلا تلزمه، فإن مات كان أجرًا (٥). ثانيًا: ذهب الشافعية في أحد القولين إلى أن تدبير السفيه يقع (٦). • دليل هذا القول: أن السفيه منع من التصرف في ماله، حتى لا يضيع ماله فيفتقر، وبالتدبير لا يضيع ماله؛ لأنه باق على ملكه، وإن مات استغنى عن المال، وحصل له الثواب (٧). النتيجة: أولًا: تحقق الإجماع على أن التدبير لا يصح من مجنون، ولا صبي غير مميز؛ وذلك لعدم وجود مخالف. ثانيًا: عدم تحقق الإجماع على أن تدبير الصبي المميز لا يصح؛ لخلاف عن المالكية في رواية, والشافعية في أحد القولين، والحنابلة في رواية أن تدبيره يصح. ثالثًا: عدم تحقق الإجماع على أن المحجور عليه بسبب السفه لا يصح تدبيره؛ لخلاف عن الشافعية في أحد القولين أن تدبيره صحيح.

стр. 2439

[٣ - ٤٩٩] يقع التدبير على كل مملوك لا يعتق على سيده: الذي يقع عليه التدبير: هو كل عبد صحيح العبودية، لا يعتق على سيده، سواء ملكه كله أو بعضه، ونُقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ١ - ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن الذي يقبل العتق هو كل عبد صحيح العبودية، ليس يعتق على سيده، سواء ملكه كله أو بعضه) (١). ٢ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) فذكره كما قال ابن رشد (٢). • الموافقون على الاتفاق: ما ذكره ابن رشد من المالكية، وابن قاسم من الحنابلة، من الاتفاق على أن التدبير لا يقع إلا على الرقيق الذي يملكه سيده، كله أو بعضه -وافق عليه الحنفية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الاتفاق: عن عمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك" (٥). النتيجة: تحقق ما ذكر من الاتفاق على أن التدبير لا يقع إلا على العبد الذي يملكه سيده، أوله شرك في الملك، وذلك لعدم وجود مخالف. [٤ - ٥٠٠] تعليق العتق بالموت يصبح العبد به مدبرًا، فلا يعتق إلا بعد الموت: التدبير هو تعليق العتق بالموت، فإذا قال السيد لعبده: أَنْتَ حر، أو عتيق بعد موتي؛ فلا يعتق إلا بعد موت سيده، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن من أعتق عبدًا له عن دبر، أنه لا يعتق إلا بعد موت السيد) (٦). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن من قال لعبده أو أمته اللذين يملكهما ملكًا صحيحًا: أنتَ مدبر، أو أنتِ مدبرة بعد موتي؛ أنه تدبير صحيح) (٧).

стр. 2440

٣ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (إذا علق صريح العتق بالموت، فقال: أَنْتَ حر، أو محرر، أو عتيق، أو معتق، بعد موتي؛ صار مدبرًا، بلا خلاف نعلمه) (١). ٤ - الشعراني (٩٧٣ هـ) حيث قال: (اتفق الأئمة على أن السيد إذا قال لعبده: أَنْتَ حر بعد موتي؛ صار العبد مدبرًا، يعتق بموت سيده) (٢). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من تعليق العتق بالموت -بألفاظ تدل على أنه لا يعتق إلا بعد الموت- وافق عليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤). • مستند الإجماع: أن لفظ أَنْتَ حر، أو محرر، أو عتيق، ونحوها من الألفاظ، ألفاظ موضوعة لعقد التدبير، وهي صريحة فيه، وعلقت بالموت، فتقع في الوقت الذي أراده السيد (٥). النتيجة: تحقق الإجماع على أن السيد إن علق عتق عبده بموته، فإنه يصبح مدبرًا لا يعتق إلا بعد موت سيده؛ وذلك لعدم وجود مخالف. [٥ - ٥٠١] من دبر عبده أو أمته، ولم يرجع حتى مات، أُخرج من ثلث ماله: إذا دبر السيد عبده، أو أمته، ولم يرجع في تدبيره حتى مات، فإن العبد يُخرج من ثلث المال بعد قضاء الدين، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن من دبر عبده، أو أمته، ولم يرجع عن ذلك حتى مات، فالمدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء الدين) (٦). ونقله عنه ابن قدامة (٧). ٢ - ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن سيده إن مات، ولم يرجع في تدبيره، ولا أخرجه، ولا خرج عن ملكه، وله مال، يُخرج من ثلثه) (٨). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن المدبر يخرج من

стр. 2441

ثلث المال، إن مات سيده، ولم يرجع -وافق عليه الحنفية (١)، والمالكية (٢). وهو قول علي، وابن عمر ﵃، وشريح، وسعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، والحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، وحمّاد بن أبي سليمان، والثَّوريّ، وإسحاق، وأبي ثور (٣). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث" (٤). ٢ - أن التدبير تبرع مضاف لما بعد الموت، والحكم غير ثابت في الحال، فينفذ من ثلث المال (٥). • الخلاف في المسألة: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أنه يعتق من رأس المال (٦) (٧). وهو قول ابن مسعود ﵄، ومسروق، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والنخعي، وداود (٨). • دليل هذا القول: أن التدبير عتق، فينفذ من رأس المال، كالعتق في الصحة، وعتق أم الولد (٩).

стр. 2442

النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن المدبر يخرج من ثلث المال، لخلاف من قال: إنه يعتق من رأس المال. [٦ - ٥٠٢] إذا دبر الرجل أمته دخل فيه حملها: إذا دبر الرجل أمته، وهي حامل (١)، دخل في التدبير حملها، سواء حملت بعد التدبير أو قبله، فيعتق بعتقها، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - المرغيناني (٥٩٣ هـ) حيث قال: (وولد المدبرة مدبر، وعلى ذلك إجماع الصحابة ﵃) (٢). ٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (الولد الحادث من المدبرة بعد تدبيرها، . . . أن يكون موجودًا حال تدبيرها، . . . فهذا يدخل معها في التدبير، بلا خلاف نعلمه) (٣). (ما روي عن عمر، وابن عمر، وجابر أنَّهم قالوا: ولد المدبرة بمنزلتها، ولم نعرف لهم من الصحابة مخالفًا، فكان إجماعًا) (٤). ٣ - ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: (أما الذي كان حملًا، فبالإجماع كما لو أعتقها وهي حامل، . . . وعلى هذا إجماع الصحابة، يعني الإجماع السكوتي) (٥). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره علماء الحنفية، وابن قدامة من الحنابلة من إجماع الصحابة على أن الرجل إذا دبر أمته دخل في التدبير حملها، سواء وقع الحمل قبل التدبير أو بعده -وافق عليه المالكية (٦)، والشافعية إلا في الحمل الذي وقع بعد التدبير فلهم فيه قولان: أحدهما كقول الجمهور (٧). وقال به عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وجابر ﵃، وابن المسيّب، والحسن، والقاسم بن محمد، والزهري، والثوري (٨).

стр. 2443

• مستند الإجماع: ١ - عن ابن عمر ﵄ قال: أولاد المدبرة بمنزلة أمهم (١). ٢ - عن جابر ﵁ قال: ما أرى أولاد المدبرة إلا بمنزلة أمهم (٢). ٣ - أن الحمل في بطن أمه بمنزلة عضو من أعضائها؛ فيتبعها (٣). ٤ - أن الأم استحقت الحرية بموت سيدها، فيتبعها ولدها (٤). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب الشافعية في أحد القولين -وهو اختيار المزني (٥) - إلى أن المدبرة إن حملت بعد التدبير فلا يتبعها ولدها في العتق بموت السيد. وهو قول زيد بن ثابت ﵁، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء (٦). • أدلة هذا القول: ١ - عن سليمان بن يسار أن زيد بن ثابت ﵁ رخص في بيع ولد المعتقة عن دبر (٧). ٢ - أنه يجوز أن يلحق الفسخُ العقدَ، فلا يلحق الولد بأمه عندئذٍ (٨). ٣ - أنه لما تقابل في الولد حقان: حق السيد في رقه، وحق الأم في عتقه، وكان حق السيد فيه عن ملك مستقر، وحق الأم فيه عن تدبير غير مستقر، كان تغليب ما استقر في رقه أولى من تغليب ما لم يستقر في عتقه (٩). ٤ - أن جابر بن زيد يرى أنة كالبستان الذي يتصدق به إن مات، فتكون له الثمرة ما بقي (١٠). ثانيًا: ذهب ابن حزم إلى القول بأن ما حملت به الأمة المدبرة، سواء قبل التدبير أو بعده، لا يلحق بأمه في التدبير بل يبقى عبدًا لسيد أمه (١١).

стр. 2444

• أدلة هذا القول: ١ - أنه ولد أَمَة يجوز بيعها، فولدها عبد يباع؛ لأن ولد الأمة عبد (١). ٢ - استدل أَيضًا بقول عكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد (٢). النتيجة: عدم تحقق الإجماع على أن ولد المدبرة حكمه حكم أمه في التدبير لخلاف زيد بن ثابت، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء، والشافعية في أحد القولين -إن كان الحمل بعد التدبير- وابن حزم سواء كان الحمل بعد التدبير أو قبله، أنه لا يلحقها في التدبير فيبقى عبدًا لسيد أُمه. [٧ - ٥٠٣] ولد المدبر حكمه حكم أمه . إذا دبر السيد عبده المملوك، فلا يلحق به أبناؤه في التدبير، بل يكون حكمهم حكم أمهم، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (فأما ولد المدبر فحكمه حكم أُمِّه، لا نعلم فيه خلافًا) (٣). • الموافقون على نفى الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف أن أولاد المدبر لا يتبعونه في التدبير؛ بل يكون حكمهم حكم أمهم -وافق عليه الحنفية (٤)، والمالكية، إن كانت الأم حرّة (٥)، والشافعية (٦). وهو قول ابن عمر ﵄، وعطاء، والزُّهْرِيّ، والأوزاعي، والليث (٧). • مستند نفي الخلاف: أن الولد يتبع أمه في الرق، والحرية (٨). • الخلاف في المسألة: ذهب المالكية إلى القول بأن ولد المدبر من أمته هم بمنزلته، وليسوا بمنزلة أمهم (٩).

стр. 2445

• دليل هذا القول: أن كل ولد حدث في ملك اليمين يتبع أباه في الحرية والرق، كالحر إذا اشترى أَمة فأولدها (١). النتيجة: أولًا: ما ذكر من أنه لا خلاف أن ولد المدبر حكمهم حكم أمهم صحيح؛ إن كانت الأم حرّة. ثانيًا: عدم صحة ما ذكر من أنه لا خلاف أن ولد المدبر لا يتبعه في التدبير، وأن حكمهم حكم أمهم، لخلاف المالكية أنَّهم يتبعون أباهم في التدبير إن كانت أمهم أمة. [٨ - ٥٠٤] للرجل أن يطأ جاريته المدبرة: إذا دبر الرجل جاريته، فإنه يجوز له أن يطأها، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن للرجل أن يصيب وليدته إذا دبرها) (٢). ٢ - المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: (وله إصابة مدبرته، سواء شرطه أو لا، وهو صحيح، نص عليه، ولا أعلم فيه خلافًا) (٣). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره ابن المنذر من الشافعية، والمرداوي من الحنابلة من الإجماع على أن للرجل أن يطأ جاريته إذا دبرها -وافق عليه الحنفية (٤)، والمالكية (٥). وهو قول ابن عباس، وابن عمر ﵄، وسعيد بن المسيّب، وعطاء، والنخعي، والأوزاعي في قول، والليث، والثوري، وإسحاق، والحسن بن حي، وأبي ثور، وداود، والطبري (٦). • مستند الإجماع: أنها مملوكته، لم تشترِ نفسها منه، فحل له وطؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦].

стр. 2446

٢ - أن عمر ﵁ أعتق وليدة له عن دبر، ثم وطئها بعد ذلك سبع سنين، ثم أعتقها، وهي حبلى (١). ٣ - عن عطاء أن ابن عباس وابن عمر، وغيرهما قالوا: يصيب الرجل وليدته إذا دبرها إن أحب (٢). ٤ - قد تحمل الأمة من سيدها، فتزداد خيرًا، فتصبح أم ولد، فتعتق من رأس المال (٣). • الخلاف في المسألة: أولًا: كره الزهري أن يطأ الرجل جاريته إذا دبرها (٤). ثانيًا: روي عن الأوزاعي قول ثان له: إن كان السيد يطؤها قبل تدبيره، فلا بأس بوطئها بعد تدبيره إياها، وإن كان لم يطأها قبل التدبير؛ فلا يطؤها بعده (٥). • دليل هذين القولين: ١ - قال ابن عبد البر: أظن الزهري تأول في ذلك -واللَّه أعلم- قول ابن عمر: "لا يطأ الرجل وليدةً إلا وليدته، إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء صنع بها ما شاء"، لم يبلغه أن ابن عمر كان يطأ مدبرته (٦). ٢ - أن من كره وطء المدبرة شبهها بالمعتقة إلى أَجل آتٍ لا محالة، والمعتقة إلى أجل قاسها الذي كره وطأها على نكاح المتعة؛ لأنه نكاح إلى أَجل (٧). النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن للرجل أن يطأ جاريته المدبرة؛ لما يأتي: لخلاف الأوزاعي في أحد القولين عنه، بمنع وطء الجارية المدبرة. ثانيًا: لو لم يكن من الخلاف إلا خلاف الزهري، لكان الإجماع متحققًا؛ لأن القول بالكراهة لا ينافي القول بالجواز.

стр. 2447

[٩ - ٥٠٥] يجوز بيع المدبر المقيد: قسَّم الفقهاء التدبير إلى قسمين: تدبير مطلق، وتدبير مقيد (١). فالتدبير المطلق أن يقول السيد لعبده: أنت مدبر، أو إن مت فأنت حر. والتدبير المقيد أن يقول السيد لعبده: أنت حر إن مت في هذه السنة، أو في هذا الشهر، ونحو ذلك. وعلى هذا فقد نُقل الإجماع على جواز بيع المدبر المقيد. • من نقل الإجماع: ١ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: (ويجوز بيع المدبر المقيد، بالإجماع) (٢). ٢ - البابرتي (٧٨٦ هـ)، حيث قال في بيع المدبر: (وكما في المدبر المقيد، فإن ذلك جائز فيه، بلا خلاف) (٣). ٣ - العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: (وكما في المدبر المقيد، فإنه يجوز بالاتفاق) (٤). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الحنفية من الإجماع على جواز بيع المدبر المقيد، لم يوافقهم عليه أحد من العلماء في تخصيص البيع بالمدبر المقيد فقط، ولعله يُحمل على إجماع الحنفية أنفسهم؛ فإنهم كثيرًا ما يستخدمون هذه العبارات. • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وهو حر من ثلث المال" (٥). يحمل هذا الحديث على المدبر المطلق، فإن النهي جاء عن بيع المدبر المطلق (٦). ٢ - أن التدبير وصية، بدليل أنه يعتق من ثلث المال، والوصية غير مانعة من البيع، والهبة، وغيرهما (٧).

стр. 2448

٣ - أن العبد يجوز بيعه قبل التدبير فيباع استصحابًا للحال؛ لأن التدبير لم يوجب زوال الرق (١). • الخلاف في المسألة: أولًا: ذهب المالكية (٢)، والإمام أحمد في رواية عنه (٣) إلى القول بمنع بيع المدبر، سواء كان مطلقًا، أو مقيدًا. وهو قول ابن عمر ﵄، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، والزهري، والثوري، والأوزاعي (٤). • أدلة هذا القول: ١ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وهو حر من ثلث المال" (٥). ٢ - أن المدبر يستحق العتاق بموت المولى، فليس له بيعه، كأم الولد (٦). ثانيًا: ذهب المالكية (٧)، والإمام أحمد في رواية عنه (٨) إلى جواز بيع المدبر في الدَّيْن فقط. • دليل هذا القول: عن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بنى عذرة عبدًا له عن دُبُر، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألك مال غيره؟ "، فقال: لا. فقال: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم النحّام بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول اللَّه ﷺ فدفعها إليه، . . . " الحديث (٩). وفي بعض طرقه: "اقض دينك، وأنفق على عيالك" (١٠). • وجه الدلالة: أجاز النبي ﷺ بيع المدبر في الدَّيْن، فجاز بيع المدبر في ذلك الموضع، ويبقى ما عداه على المنع (١١). ثالثًا: ذهب الشافعية (١٢)، والحنابلة في رواية هي المذهب (١٣)، وابن حزم (١٤)،

стр. 2449

إلى جواز بيع المدبر، سواء كان مدبرًا مطلقًا، أم مقيدا. وهو قول عائشة ﵂، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، ومجاهد (١). • أدلة هذا القول: ١ - عن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دُبُر، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألك مال غيره؟ ". فقال: لا. فقال: "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم النحّام بثمانمائة درهم فجاء بها رسول اللَّه ﷺ فدفعها إليه. . . الحديث (٢). ٢ - أن التدبير عطية تعلقت بالموت، فتعتبر من الثلث، فكان له الرجوع، كالوصية (٣). ٣ - أن التدبير عتق تعلق بصفة صدرت عن قول، فلم يمنع البيع مع الحاجة وعدمها (٤). رابعًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أنه يباع المدبر، ولا تباع الأمة المدبرة (٥). • دليل هذه الرواية: أن بيع الجارية يقتضي إباحة فرجها، والفقهاء مختلفون في جواز بيع المدبرة، فلو أجزنا بيعها أبحنا فرجها بأمر مختلف فيه، فدخلته شبهة، فكان المنع أولى (٦). خامسًا: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه -وهي أصح (٧) - إلى أن الأَمَة المدبرة كالعبد في جواز البيع (٨). • دليل هذه الرواية: أن عائشة ﵂ باعت مدبرة لها سحرتها (٩). وفي هذا دليل على جواز بيع المدبرة، كالمدبر (١٠).

стр. 2450

سادسًا: لا يباع المدبر إلا من نفسه، وهذا قول ابن سيرين (١). النتيجة: أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن بيع المدبر لا يجوز إلا في المدبر المقيد؛ للخلاف في ذلك بين من يرى جواز بيع المدبر مطلقًا، وبين من يرى منع بيع المدبر مطلقًا، سواء كان مدبرًا تدبيرًا مقيدًا، أو مطلقًا. ثانيًا: يُحمل ما ذكر من الإجماع على أنه قول الحنفية، فإن مثل هذه التعبيرات تكثر لديهم. [١٠ - ٥٠٦] إذا ادعى العبد التدبير، وأنكره سيده، فلا يقبل قول العبد إلا ببينة: إذا ادعى العبد التدبير، وأنكر السيد، فلا يقبل قول العبد إلا ببينة على صدق دعواه، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ١ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: (إذا ادعى المملوك التدبير، وأنكر المولى، فأقام البينة، قبلت بينته بلا خلاف) (٢). ٢ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (وإن كانت للعبد بينة، حُكِمَ بها، ويقبل فيه شاهدان عدلان بلا خلاف) (٣). • الموافقون على نفى الخلاف: ما ذكره الكاساني من الحنفية، وابن قدامة من الحنابلة، من أنه لا خلاف في أن المملوك إذا ادعى التدبير وأنكره سيده، فلا يقبل قول المملوك إلا ببينة، وافق عليه المالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند نفي الخلاف: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر" (٦). ٢ - إذا لم تكن للعبد بينة، فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التدبير (٧). النتيجة: صحة ما ذكر من أنه لا خلاف أن العبد إذا ادعى أن سيده قد دبره، فلا يقبل قوله إلا ببينة.

стр. 2451

الفصل الثالث: مسائل الإجماع في الكتابة [١ - ٥٠٧] مشروعية الكتابة: الكتابة (١) من الأمور المشروعة، وشرعيتها على سبيل الندب والاستحباب، ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ١ - البغوي (٥١٦ هـ) حيث قال: (الكتابة جائزة باتفاق أهل العلم) (٢). ٢ - العمراني (٥٥٨ هـ) حيث قال: (وأجمعت الأمة على جواز الكتابة) (٣). ٣ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن كتابة العبد الذي له كسب، مستحبة مندوب إليها) (٤). ٤ - الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: (بيان جواز المكاتبة: . . . جائزة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة) (٥). ٥ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (الأصل في الكتابة: الكتاب، والسنة، والإجماع، . . . وأجمعت الأمة على مشروعية الكتابة) (٦).

стр. 2452

٦ - الرافعي (٦٢٣ هـ) حيث قال: (الأصل فيها (١): الإجماع) (٢). ٧ - ابن مودود الموصلى (٦٨٣ هـ) حيث قال: (الكتابة مستحبة مندوبة، والمراد الندب؛ لأن الإيجاب غير مراد بالإجماع، . . . وهي مشروعة، . . . وعلى جوازها الإجماع) (٣). ٨ - القرافي (٦٨٤ هـ) حيث قال: (كتاب الكتابة: وأصل جوازها: الكتاب، والسنة، والإجماع، . . . وأجمعت الأمة على جوازها) (٤). ٩ - الزركشي (٧٧٢ هـ) حيث قال: (كتاب المكاتَب: وهي مشروعة بالإجماع) (٥). ١٠ - الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: (كتاب الكتابة: . . . والأصل فيها قبل الإجماع. . .)، ثم ذكر الأدلة على جوازها (٦). ١١ - البهوتي (١٠٥١ هـ) حيث قال: (الكتابة. . . وأجمع المسلمون على مشروعيتها) (٧). ١٢ - ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث قال: (والأصل فيها: الكتاب، والسنة، والإجماع) (٨). • الموافقون على الإجماع: ما ذكره الجمهور من الإجماع على مشروعية الكتابة، وافق عليه ابن حزم (٩). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وأدني درجات الأمر الندب، فضلًا عن الجواز (١٠). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة كلهم حق على اللَّه عونه: الغازي في سبيل اللَّه، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد التعفف" (١١).

стр. 2453

٣ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم" (١). النتيجة: تحقق الإجماع على أن الكتابة مشروعة، وأنها على سبيل الندب، وذلك لعدم وجود مخالف. [٢ - ٥٠٨] إذا دعا العبد سيده لمكاتبته، لم تجب إجابته إن لم يكن فيه خير: إذا طلب العبد من سيده أن يكاتبه؛ لعتق رقبته من الرق، استحب للسيد إجابته، إن كان فيه خير (٢)، ولا تجب عليه، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ولا خلاف بينهم أن من لا خير فيه لا تجب إجابته) (٣). • الموافقون على نفى الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من نفي الخلاف في عدم وجوب إجابة المملوك إذا دعا سيده للكتابة، إن لم يكن فيه خير، وافق عليه الحنفية (٤)،

стр. 2454

والمالكية (١)، والشافعية في المشهور (٢)، وهو قول الحسن، والشعبي، والثوري (٣). • مستند نفي الخلاف: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. فالمكاتبة هنا كتابة ندب لا إيجاب (٤). ٢ - أن الأُمة من لدن رسول اللَّه ﷺ إلى يومنا هذا يتركون مماليكهم بعد موتهم ميراثًا لورثتهم، من غير نكير، فعُلِم أن ليس المراد بالأمر بالكتابة الوجوب (٥). ١ - أن الكتابة إعتاق بعوض، فلم تجب؛ لأن العتق مندوب إليه غير واجب (٦). • الخلاف في المسألة: ذهب الشافعية في قول (٧)، والإمام أحمد في رواية عنه (٨)، وابن حزم (٩)، وداود (١٠)، إلى القول بوجوب الكتابة إذا سألها العبد، وهو قول ابن عباس ﵄، وعطاء، وعمرو بن دينار (١١)، واختيار الطبري (١٢). • أدلة هذا القول: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. وظاهر الأمر الوجوب (١٣). ٢ - أن سيرين -أبا محمد- سأل أنسًا المكاتبة، فأبى، فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه، فأبى، فضربه بالدرة، ويتلو عمر: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] (١٤).

стр. 2455

• وجه الدلالة: لم يكن عمر ليرفع الدرة على أنس؛ إلا لأن الكتابة واجبة (١). ٣ - أن الخير المراد في الآية هو الدين، فلا خير في كافر، فإن دعا العبد المملوك المسلم سيده للكتابة وجبت عليه (٢). النتيجة: ما ذكر من نفي الخلاف أن العبد إذا لم يكن فيه خير لا تجب إجابته إلى الكتابة غير صحيح؛ وذلك لوجود خلاف عن ابن عباس ﵄، وبعض التابعين، وقول عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وقول داود، وابن حزم، بوجوب الكتابة إذا سألها العبد. [٣ - ٥٠٩] الكتابة عقد لازم لا يملك السيد فسخه، ما لم يعجز المكاتب . الكتابة من العقود اللازمة، تقوم على استمرار العبد في أداء أنجم (٣) الكتابة، فإن عجز عن الأداء، فللسيد فسخ الكتابة، ونُفي الخلاف في ذلك. • من نفى الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (الكتابة عقد لازم، لا يملك السيد فسخها من قبل عجز المكاتَب، بغير خلاف نعلمه) (٤). • الموافقون على نفى الخلاف: ما ذكره ابن قدامة من أنه لا خلاف أن السيد لا يملك فسح عقد الكتابة قبل عجز المكاتب عن الأداء، وافق عليه الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧). وهو قول علي، وجابر ﵄، وابن أبي ليلى، والحكم بن عتيبة، والحسن بن حي، وداود (٨). • مستند نفي الخلاف: ١ - أنجم الكتابة ثبتت في العقد مؤجلًا، فإذا حلَّ النجم فللسيد المطالبة؛ لأنه دين حلّ، فأشبه الدين على الأجنبي (٩).
следующие страницы →