← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

• مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁، وفيه: "أن النبي ﷺ مضمض واستنشق" (١). • وجه الدلالة: أن عددًا ممن وصف وضوء النبي ﷺ لم يذكر الاستنثار، فدل على أنه للاستحباب، وأن الاستنشاق يكفي عنه؛ لأنه لم ينقل فعل النبي ﷺ له، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: نقل ابن حجر قولًا لبعض العلماء بوجوب الاستنثار، ثم قال: "وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه" (٢)، ولعله يريد النووي في قوله. وقد خالف أحمد في رواية عنه، فقال بوجوبه (٣)، وهو قول ابن حزم (٤). واستدلوا بحديث: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء؛ ثم ليستنثر" (٥)؛ حيث فيه الأمر، وهو للوجوب إلا بصارف، ولا صارف عندهم. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٤ - ١٢٣] جواز المضمضة والاستنشاق من كف واحدة: إذا تمضمض واستنشق المتوضئ من كف واحدة، فإن فعله هذا جائز بلا خلاف. • من نقل نفي الخلاف: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "قال أبو عمر في حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم: "أن رسول اللَّه ﷺ تمضمض واستنشق واستنثر من كف واحدة" (٦). . وهو أمر لا أعلم فيه خلافًا أنه من شاء فعله" (٧). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠).

стр. 247

• مستند نفي الخلاف: حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁ في وصف وضوء النبي ﷺ ؛ حيث فيه: "فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات" (١). وفي لفظ: "من كفٍّ واحدة" (٢). • وجه الدلالة: أن قوله في وصف وضوئه ﵊: "بثلاث غرفات" يدل على أنه يأخذ الماء مرة واحدة، ويأتي بالأفعال الثلاثة مرة واحدة، وهذا يعني أنه يفعلها بكف واحدة، واللفظ الآخر صريح في ذلك (٣)، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٥ - ١٢٤] غسل داخل العين غير واجب: الواجب على المتوضئ غسل وجهه، وبما أن العين من الوجه، فإن العلماء قد أجمعوا على أنه لا يجب عليه غسل داخلها (٤). • من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "فلم أعلم مخالفًا في أن الوجه المفروض غسله في الوضوء ما ظهر دون ما بطن، وأن ليس على الرجل أن يغسل عينيه، ولا أن ينضح فيهما" (٥). ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث يقول مستدلًّا على أن ما تحت اللحية والشارب لا يغسل بعد نباتهما، ثم قال: "لإجماع جميعهم على أن العينين من الوجه، ثم هم مع إجماعهم على ذلك؛ مجمعون على أن غسل ما علاهما من أجفانهما دون إيصال الماء إلى ما تحت الأجفان منهما مجزئ" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فلا يجب غسل داخل العين بالاتفاق" (٧).

стр. 248

سند بن عنان (٥٤١ هـ)، أنه قال: "لا خلاف بين أرباب المذاهب أنه لا يشرع غسل داخل العينين". نقله عنه الحطاب (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٣). • مستند الإجماع: ١ - أن جميع من ذكر وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه ﵊ غسل داخل عينيه، ولو كان واجبًا لغسله ﵊، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن في ذلك ضررًا على الإنسان، فقد ذُكر عن ابن عمر ﵄ أنه عمي بسببه، والإسلام لا يأمر بضرر، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية بأنه يجب (٤). وهو ظاهر كلام "المقنع"، كما قال المرداوي، وذكره من المفردات (٥). وعنه رواية أخرى بأنه واجب في الغسل فقط (٦). وذكره المرداوي من المفردات أيضًا (٧). ولم أجد له دليلًا ولكن نُقل فعله عن ابن عمر (٨)، وابن عباس (٩) ﵃. وقد يقال: إنه من ظاهر الوجه؛ فيلزمه ما يلزم الوجه. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٦ - ١٢٥] غسل اليدين فرض: اليدان من الأعضاء الأربعة الواردة في آية الوضوء، وقد نقل الإجماع على فرضية غسلها عددٌ من أهل العلم.

стр. 249

• من نقل الإجماع: ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث يقول: "اختلف أهل التأويل في المرافق، هل هي من اليد الواجب غسلها، أم لا؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب" (١)، يريد غسل اليد إلى المرافق. الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء، هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (٢). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن غسلَ الذراعين إلى مشدّ المرفقين فرضٌ في الوضوء" (٣). وأقره ابن تيمية في نقده "للمراتب"، وذكر خلافًا في مسألة دخول المرفقين، وستأتي (٤). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس؛ فرض ذلك كله، . . . لا خلاف علمته في شيء من ذلك؛ إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (٥). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (٦). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء" (٧). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "لا خلاف بين علماء الأمة في وجوب غسل اليدين في الطهارة" (٨). ويقول أيضًا: "ثم يغسل يديه إلى المرفقين، وهو فرض بالإجماع" (٩). وقال أيضًا: "والمفروض من ذلك -من فروض الوضوء- بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (١٠).

стр. 250

النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعها بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء؛ فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم" (١). وقال أيضًا: "فغسل اليدين فرض بالكتاب والسنة والإجماع" (٢). ابن مفلح (٧٦٣ هـ) حيث يقول: "ثم يغسل يديه إلى المرفقين، وهو فرض إجماعًا" (٣). الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "هذه هي الفريضة الثانية، وهي غسل اليدين مع المرفقين، وهي ثابتةٌ أيضًا بالكتاب والسنة والإجماع" (٤). وقال أيضًا: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة المجمع عليها" أي على فرضيتها (٥). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول جوابًا على إشكال قد يرد بوجوب غسل يد واحدة ورجل واحدة فقط: "وجوب واحدة بالعبارة، والأخرى بالدلالة لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع القطعي على افتراضهما، بحيث صار معلومًا من الدين بالضرورة" (٦). ونقله عنه الحصكفي في "الدر المختار"، وعلق عليه ابن عابدين بقوله: "أي على افتراض غسل كل واحدة من اليدين والرجلين" (٧). ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل يديه من كفيه وذراعيه، واليد مؤنثة مع مرفقيه. . .، ودل على دخولهما الاتباع والإجماع؛ بل والآية أيضًا" (٨). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "الثالث من الفروض: غسل يديه من كفيه وذراعيه؛ للآية والإجماع" (٩). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 251

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل اليدين إلى المرافق، والأمر يقتضي الوجوب. ٢ - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ ، وفيها ذكر غسل النبي ﷺ ليديه، ولم يترك في واحدٍ منها غسلَه ليديه، مما يدل على فرضية غسلهما، ومنها حديث حُمران مولى عثمان بن عفان ﵄، وفيه: "ويديه إلى المرفقين ثلاثًا" (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم المخالف في المسألة، وهي من مسائل الإجماع القطعي التي لا مجال للاجتهاد فيها، واللَّه تعالى أعلم. [١٧ - ١٢٦] دخول المرفقين في غسل اليدين: سبق ذكر مسألة فرضية غسل اليدين، ولكن هل المرفقان يدخلان في اليدين، فلا يصح الوضوء من دون غسلهما؟ نقل الإجماع في هذه المسألة عددٌ من أهل العلم بأن المرفقين تدخل في اليدين. • من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "فلم أعلم مخالفًا في أن المرافق مما يغسل. . . ولا يجزي في غسل اليدين أبدًا إلا أن يُؤتى على ما بين أطراف الأصابع إلى أن تُغسل المرافق" (٢). ونقله عنه ابن حجر (٣)، وابن نجيم (٤)، والصنعاني (٥)، وابن عابدين (٦). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن غسل الذراعين إلى مشدِّ المرفقين؛ فرض في الوضوء" (٧). وفي نقد ابن تيمية لهذه العبارة، نقلها بلفظ: "منتهى المرفقين" (٨)، وهي أوضح في مسألتنا. ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (٩).

стр. 252

النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وهذا الذي ذكره المصنف (١) من وجوب غسل المرفقين، هو مذهبنا ومذهب العلماء كافة؛ إلا ما حكاه أصحابنا عن زفر، وأبي بكر ابن داود" (٢). زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل اليدين مع المرفقين. . .، ودل على دخولها الآيةُ، والإجماعُ" (٣). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وأما غسل المرافق والكعبين؛ ففرضيته بالإجماع" (٤). ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) حيث يقول: "الثالث: غسل يديه، من كفيه وذراعيه، واليد مؤنثة مع مرفقيه. . .، ودل على دخولهما الاتباع والإجماع؛ بل والآية أيضًا" (٥). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "الثالث من الفروض: غسل يديه من كفيه وذراعيه؛ للآية، والإجماع (مع) بفتح العين وتسكن بقلة (مرفقيه). .؛ لما روى مسلم (٦) عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه. .، وللإجماع" (٧). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول عن غسل المرفقين: "واتفق العلماء على وجوب غسلهما، ولم يخالف في ذلك إلا زفر، وأبو بكر بن داود الظاهري" (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عطاء، وإسحاق (٩)، والحنفية (١٠)، والمشهور من مذهب المالكية (١١)، والمذهب عند الحنابلة (١٢). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ

стр. 253

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، و"إلى" هنا تحتمل معنيين: إما أنها بمعنى مع، وهي بهذا تدل بالمطابقة على المسألة، وإما أنها بمعنى الغاية، فالغاية تدخل إذا كان التحديد شاملًا للحد والمحدود؛ كقولك: قطعت أصابعه من الخنصر إلى المسبحة، أو بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه، فإن الأصبعين والشجرتين داخلان في القطع والبيع بلا شك؛ لشمول اللفظ (١). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، "أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد. . .، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ يتوضأ" (٢). • وجه الدلالة: أن أبا هريرة ﵁ غسل اليد حتى شرع في العضد، مما يعني أنه غسل المرفقين وزيادة، وقد قال: "هكذا رأيت النبي ﷺ يتوضأ"، وفعل النبي ﷺ له يدل على السنة المأمور بفعلها في الوضوء (٣)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف زفرُ من الحنفية في هذه المسألة (٤)، وهي رواية عن مالك أنكر صحتها بعض المالكية (٥)، ورواية عن أحمد (٦)، وهو قول أبي بكر بن داود الظاهري (٧)، فقالوا بأن المرفقين لا يدخلان في غسل اليدين. ونقد ابن تيمية هذا الإجماع بخلاف زفر، وبعض المالكية، وداود (٨). واستدلوا بأنه غاية في كتاب اللَّه تعالى، والغاية حد، فلا يدخل تحت المحدود، واستدلالًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٩)، فإن الليل لا

стр. 254

يدخل في وجوب الصيام فكذلك هنا. وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام الشافعي ثم علق على قول زفر بقوله: "فعلى هذا فزفرُ محجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا من قال ذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالكٍ صريحًا" (١). وخالف ابن حزمٍ؛ فقال بأن غسل اليدين من دون المرفقين مجزئ (٢). واستدل بأن "إلى" في لغة العرب تكون بمعنى الغاية، وبمعنى مع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ بمعنى مع أموالكم، فلما كانت تقع على هذين المعنيين وقوعًا صحيحًا مستويًا، لم يجز أن يقتصر بها على أحدهما دون الآخر، فيكون ذلك تخصيصًا لما تقع عليه بلا برهان، فوجب أن يجزئ غسل الذراعين إلى أول المرفقين بأحد المعنيين (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، أما كلام ابن حجر السابق، فغير دقيق لأمرين: الأول: أن الخلاف منقولٌ عن زفر بن الهذيل، وهو متوفى سنة ١٥٨ هـ ﵀، فهو سابقٌ للشافعي بكثير، وعدم علم الشافعي بخلافه لا يعني عدمه. الثاني: أن الخلاف منقولٌ عن أحمد أيضًا، وهو من معاصري الشافعي، فلم يثبت الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [١٨ - ١٢٧] الكمال والتمام بغسل المرفقين مع اليدين: هذه المسألة تأتي وكأنها استكمالٌ للمسألة السابقة، فبعد أن ناقشنا دخول المرفقين من اليد في الوضوء، وأنه لم يثبت الإجماع فيها، أتت هذه المسألة لتجمع الفُرَقاء، فهم كلهم مجمعون على أن من غسل المرفقين؛ فقد أدى الكمال والتمام. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه إن غسلهما وغسل مرفقيه وخلل أصابعه بالماء، وما تحت الخاتم فقد تم ما عليه في الذراعين" (٤).

стр. 255

• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الاتفاق: ما سبق أن ذُكر في مستند المسألة السابقة. ٣ - الاحتياط في الدين، فإذا فعل الإنسان الأحوط له، فقد دفع الخلاف، واستبرأ لدينه، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٩ - ١٢٨] عدم دخول العضد في غسل اليدين: آية الوضوء حددت الأعضاء التي يجب غسلها، ومنها اليدان بأنهما يغسلان إلى المرفقين، فما بعد المرفقين لا يدخل في حكم ما قبله (٦). • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول في سياق استدلاله لدخول المرفقين في غسل اليد عن حرف (إلى) في آية الوضوء: "فإن كانت بمعنى مع، فدخول المرفق ظاهر، وإنما لم يدخل العضد للإجماع" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والحنابلة (١٠). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن الآية حددت محل العضو المغسول بأنه إلى المرافق، وما دام أن الأمر محددٌ، فيجب الأخذ بتحديده في حد العضو، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 256

النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠ - ١٢٩] غسل ما فوق المرفقين والكعبين غير مستحب: إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه يستحب له أن يغسل ما فوق المرفقين والكعبين. • من نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث يقول عن قول أبي هريرة في استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين: "هذا الذي قاله أبو هريرة لم يتابع عليه، والمسلمون مجمعون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد اللَّه ورسوله، ولم يجاوز رسول اللَّه ﷺ قط مواضع الوضوء فيما بلغنا". نقله عنه النووي (١)، والشوكاني (٢). القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول بعد ذكره لرأي أبي هريرة في إطالة الغرة والتحجيل: "والناس مجموعون (٣) على خلاف هذا" (٤). ونقله عنه الموّاق (٥)، والشوكاني (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة في رواية (٧). • مستند الإجماع: ١ - استدل المالكية على هذا القول بأن عمل أهل المدينة على عدم إطالة الغرة، وهي غسل ما فوق المرفقين والكعبين (٨). ٢ - أن إطالة الغرة فيه زيادة على محل الفرض، والزيادة في الدين بدعة (٩). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الشافعية (١٠)، والحنفية (١١)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (١٢)، فقالوا باستحباب غسلهما. قال النووي: "هذا الذي ذكرناه من استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين هو مذهبنا لا خلاف فيه بين أصحابنا" (١٣). واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أمتي يأتون يوم القيامة

стр. 257

غُرًّا مُحَجَّلين (١) من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" (٢). وقال الشوكاني: "والتحجيل: غسل ما فوق المرفقين والكعبين وهما مستحبان بلا خلاف" (٣). ويبدو أنه نقل نفي الخلاف عن النووي، وهو يريد المذهب الشافعي، ولو كان يقصد الإجماع، فهو غير صحيح قطعًا، مع خلاف المالكية والحنابلة السابق، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، بل هو على خلاف قول الجمهور، وقد تأملت كلام ابن بطال فوجدت أنه لم يحكِ الإجماع في مسألتنا بعينها، وإنما يريد أن المسلمين أجمعوا على أنه لا يُتعدى ما حدّ اللَّه تعالى ورسوله ﵊، وهذا صحيح لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في هل حدّ الرسول ﵊ التحجيل؛ أو أنه من فهم أبي هريرة ﵁؟ ومن هنا نشأ الخلاف. فابن بطال والقاضي عياض استدلا بالإجماع في مسألة عامة، وأنزلوه على مسألتنا، ولم يحكوا الإجماع فيها، واللَّه تعالى أعلم. [٢١ - ١٣٠] أَقْطَعُ اليد لا فرْضَ عليه: إذا قطعت يد المسلم، وهي من أعضاء الوضوء الأربعة، فإنه لا يلزمه شيء في هذه الحالة، ويسقط عنه فرض غسل اليد. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "وإن كان أقطع اليد، ولم يبق من محل الفرض شيء، فلا فرض عليه"، قال معلقًا: "هذا متفق عليه" (٤).

стр. 258

• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم (٤). • مستند الاتفاق: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. • وجه الدلالة: أن أقطع اليد لا يستطيع غسل يده، لما في ذلك من التكليف بالمحال، فلم يجب ذلك؛ لأن اللَّه تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم" (٥). • وجه الدلالة: أن تحقيق هذا الأمر -وهو غسل اليد- بالنسبة للأقطع غير مستطاع، فسقط عنه هذا الفرض، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢ - ١٣١] استحباب مسح الباقي من العضو المقطوع: والمقصود: الباقي من العضو من غير محل الفرض؛ لأنه إن بقي شيء من محل الفرض وجب غسله بالاتفاق، على ما يأتي بيانه، فيستحب مسح هذا الباقي. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "والمستحب أن يمس ما بقي من اليد ماء حتى لا يخلو العضو من الطهارة"، قال: "كذا اتفقوا على استحباب إمساسه الماء" (٦). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنابلة (٧). • مستند الاتفاق: لم أجد لهم مستندًا، ولكنهم عللوا بأنه حتى لا يخلو العضو من الطهارة، كما سبق.

стр. 259

وعلَّل بعضهم بأنه موضع الغرة والتحجيل (١). • الخلاف في المسألة: لم يذكر ابن حزم هذا الاستحباب في مناقشته للمسألة، بل قال: سقط عن العضو حكمه -أي الغسل- (٢)، واللَّه تعالى أعلم. وكذا الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، فلم أجد لهم ذكرًا للمسألة بخصوصها بعد طول بحث، وذكروا مثل ما ذكر ابن حزم، فلا أدري هل هم موافقون أو مخالفون، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أنني لا أجزم بشيء، فالمسألة جزئية، ولم يتحدث عنها العلماء بشكل واضح، ولم أجد من نَصَّ على هذا الاستحباب سوى من ذكرت، فهم يذكرون عدم الوجوب، ويكتفون بذلك، فهل يعني هذا أنهم لا يقولون بالاستحباب؟ من المعلوم أنه لا ينسب لساكت قولٌ، فاللَّه تعالى أعلم. والأظهر أن النووي يقصد بهذا الاتفاقِ الاتفاقَ المذهبي، وذلك يتبين من خلال الكلام التالي بعده، حيث أخذ يناقش أئمة المذهب الشافعي (٥)، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣ - ١٣٢] وجوب مسح الباقي من محل الفرض: إذا قطعت يد إنسان، وبقي منها من محل الفرض شيء، فإنه يبقى الحكم السابق، وهو وجوب الغسل لهذا الباقي من العضو. • من نقل نفي الخلاف: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "وإن كان أقطع اليد، ولم يبق من محل الفرض شيء، فلا فرض عليه"، قال: "فيه احتراز مما إذا بقي من محل الفرض شيء، فإنه يجب غسله بلا خلاف" (٦). وهو يريد هنا نفي الخلاف المذهبي بلا شك لدي.

стр. 260

المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول معددًا لثلاث مسائل: "الأولى: أن يبقى من محل الفرض شيء، فيجب غسله بلا نزاع" (١). الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "إذا قطع بعض محل الفرض، وجب غسل ما بقي منه بلا خلاف" (٢). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في المسألة الحنفية (٣). • مستند نفي الخلاف: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ". . . وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (٤). • وجه الدلالة: أن الأمر معلق بالاستطاعة، وهي هنا متحققة فيما بقي من العضو، فيجب غسله. ٢ - أن الباقي من محل الفرض جزء من العضو الواجب غسله، فإذا تعذر غسل البعض بالقطع وجب غسل الباقي منه. النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤ - ١٣٣] عدم وجوب غسل الجلدة المتدلية: إذا تقلّعت جلدة من محل الفرض، ولكنها متدلية من غير محل الفرض، فإنه لا يجب غسلها. وحاصل هذه المسألة أن الاعتبار في الجلد المتقلِّع بالمحل الذي انتهى التقلع إليه، وتدلى منه، ولا ينظر إلى الموضع الذي تقلع منه. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول عن جلدة اليد: "وإن تقلعت من محل الفرض، حتى صارت متدلية من غير محل الفرض، لم يجب غسلها؛ قصيرة كانت أو طويلة بلا خلاف" (٥). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في المسألة الحنفية (٦)،

стр. 261

وقول عند المالكية (١)، وقول عند الشافعية، واختاره النووي (٢). • مستند نفي الخلاف: عللوا لهذه المسألة بأن الجلدة المتدلية أصبحت من غير محل الفرض، فلا يجب غسلها (٣). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في المسألة في قولٍ (٤)، والشافعية في قولٍ كذلك (٥) بأنه يعتبر بأصله، فيجب غسل جلدة الساعد المتدلية من العضد، ولا يجب غسل جلدة العضد المتدلية من الساعد إذا لم تلتصق به. وعللوا بأن الاعتبار بالأصل، فإذا كانت الجلدة تغسل قبل التقلع، وما زالت موجودة، فتبقى على حكمها وتغسل، وكذلك الجلدة غير المغسولة سابقًا، تبقى على حكمها السابق، فلا تغسل (٦). النتيجة: من خلال المناقشة السابقة يظهر أن ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى ربما يقصد نفي الخلاف في المذهب، خصوصًا أنه لم يستخدم عبارته المعتادة في حكاية الإجماع: (لا أعلم فيه خلافًا)، فلعله يريد نفي الخلاف في المذهب، واللَّه أعلم. والنتيجة -كما يظهر- مما سبق أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥ - ١٣٤] مسح الرأس فرض: الرأس من أعضاء الوضوء الأربعة التي لا يصح إلا بها، وهناك خلاف في الجزء المجزئ مسحُه من الرأس، وهذه ليست مسألتنا، إذ أنها في مسح الرأس عمومًا، دون الدخول في التفصيلات. • من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء، هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (٧). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن مسح بعض الرأس بالماء غير معين

стр. 262

لذلك البعض فرضٌ" (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، . . . لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (٢). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل اليدين مع المرفقين، ومع الكعبين، ومسح الرأس" (٣). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء" (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "لا خلاف في وجوب مسح الرأس" (٥). وقال أيضًا: "ثم يمسح رأسه، وهو فرض بغير خلاف" (٦). وقال أيضًا: "والمفروض من ذلك -فروض الوضوء- بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (٧). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "ذكر تعالى أربعة أعضاء: الوجه وفرضه الغسل، واليدين كذلك، والرأس فرضه المسح اتفاقًا" (٨). وقال أيضًا: "واختلفوا في رد اليدين على شعر الرأس؛ هل هو فرض أو سنة؟ بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرضٌ بالقرآن. . " (٩). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فمسح الرأس واجب بالكتاب والسنة والإجماع" (١٠). وقال أيضًا: "وأجمعوا على وجوب مسح الرأس" (١١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول في حديث له عن التيمم في آية الأمر به: "لأنه لو

стр. 263

قال: فامسحوا وجوهكم وأيديكم، أو امسحوا بها؛ لكان يكتفي بمجرد المسح من غير إيصال للطهور إلى الرأس، وهو خلاف الإجماع" (١). يعني أن المسح للرأس متضمن للمسح باليد، وإيصال الماء إليه، وهو معنى كلام العلماء السابق. ابن مفلح -صاحب "المبدع"- (٨٨٤ هـ) حيث يقول: "ثم يمسح رأسه، وهو فرض بالإجماع" (٢). الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "هذه الفريضة الثالثة من الفرائض المجمع عليها، وهي مسح الرأس" (٣). وقال أيضًا: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة المجمع عليها" أي: على فرضيتها (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بمسح الرأس، والأمر يقتضي الوجوب. ٢ - أحاديث صفة وضوء النبي ﷺ ، ومنها حديث حُمران مولى عثمان بن عفان ﵄، وفيه: "ثم مسح برأسه" (٥). • وجه الدلالة: أن كل من ذكر صفة وضوء النبي ﷺ ذكر مسح النبي ﷺ لرأسه، مما يدل على فرضيته. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذه من المسائل التي لا يجوز فيها الاجتهاد بخلافه، فهي من مسائل الإجماع القطعي، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦ - ١٣٥] استحباب مسح الرأس كله: نقل عدد من العلماء الإجماع على استحباب مسح الرأس كاملًا، وأن من فعله فقد

стр. 264

أدى ما عليه وأحسن في ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن من مسح جميع رأسه فأقبل وأدبر، ومسح أذنيه، وجميع شعره؛ فقد أدى ما عليه" (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأما المسح بالرأس: فقد أجمعوا أن من مسح برأسه كله؛ فقد أحسن وعمل أكمل ما يلزمه" (٢). وقال أيضًا: "وأجمع العلماء أن من عم رأسه بالمسح؛ فقد أدى ما عليه، وأتى بأكمل شيء فيه" (٣). وقال أيضًا: "وقد أجمعوا على أن الرأس يمسح كله، ولم يقل أحد إن مسح بعضِه سنة، وبعضِه فريضة، فدل على أن مسحه كله فريضة" (٤). اللخمي (٤٧٨ هـ) حيث نقل عنه الحطاب أنه نفى الخلاف في أنه مأمور بالجميع ابتداء -أي بمسح الجميع -، وإنما الخلاف إذا اقتصر على بعضه (٥). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله؛ فقد أحسن وفعل ما يلزمه" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "واستيعابه بالمسح مأمور به بالإجماع" (٧). ونقله عنه الشوكاني بلفظ الاتفاق (٨)، وابن قاسم بلفظ الإجماع (٩). ولعل النووي يريد أنه مأمور به بالاستحباب إجماعًا، ولا شك أنه لا يريد الأمر الملزم؛ لشهرة الخلاف في المسألة. ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "اتفق الأئمة على أن السنة مسح جميع الرأس، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة والحسنة، عن النبي ﷺ " (١٠).

стр. 265

وقال أيضًا: "ولا خلاف بين الأئمة أن مسح جميع الرأس مرة واحدة أولى من مسح بعضه ثلاثًا" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). ابن عبد السلام (٧٤٩ هـ) حيث نقل عنه الحطاب أنه نفى الخلاف في أنه مأمور بالجميع ابتداء -أي بمسح الجميع-، وإنما الخلاف فيما إذا اقتصر على بعضه (٣). ابن السمعاني (٦١٧ - ٦١٨ هـ) حيث نقل عنه ابن حجر قوله: "وأجاب بأن الخفة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو -الاستيعاب- مشروع بالاتفاق" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالمسح للرأس، وهذا اللفظ عام، ومن مسح رأسه كله فقد أتى بالواجب على أكمل وجه، فلزم استحباب ذلك، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁ في صفة وضوء النبي ﷺ ، وفيه: "فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة" (٦). وفي رواية: "بدأ بمقدم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه" (٧). • وجه الدلالة: أن فيه فعل النبي ﷺ ، وهذه سنة فعلية، فقد مسح رأسه ﵊ كله، حيث بدأ بمقدم رأسه؛ حتى ذهب إلى قفاه، وهذا يكفي أن يمر على الرأس كله، ولكنه ردهما أيضًا إلى المكان الذي بدأ منه، فدل على استحباب مسح الرأس كله، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 266

[٢٧ - ١٣٦] مسح جميعِ الرأس غير مرادٍ من آية الوضوء: سبق أن ذكرنا أن مسح جميع الرأس مستحب، ونقل الإجماع على ذلك عدد من أهل العلم، ولم نجد من خالف في هذا حتى علماء الحنفية، ولكن هل مسح جميع الرأس مراد من الآية أو لا؟ فقد أجاب الإمام الكاساني بأنه غير مراد بالإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول مقررًا لمذهب الحنفية بالاقتصار في المسح بالناصية: "وأما وجه التقدير بالناصية؛ فلأن مسح جميع الرأس ليس بمراد من الآية بالإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٢)، وابن حزم (٣). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة من وجهين: ١ - قالوا: الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للتبعيض؛ أي: أن من مسح بعض رأسه كأنه مسحه كله، فهو يطلق عليه أنه مسح رأسه (٤). ٢ - المسح في اللغة التي نزل بها القرآن هو غير الغسل بلا خلاف، والغسل يقتضي الاستيعاب، والمسح لا يقتضيه، فكانت الآية دالة على أنه ليس المراد غسل الجميع (٥). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة كل من قال بوجوب مسح جميع الرأس، وهذا استدلال بالإجماع في موضع النزاع من الكاساني ﵀. فقد خالف المالكية (٦)، والحنابلة في هذه المسألة (٧)، وقالوا بأن الآية دالة على مسح جميع الرأس.

стр. 267

وهو قول ابن عليّة (١). فقالوا بأن الآية تدل على ذلك من وجوه، أبرزها وجهان، هما: ١ - أن الباء في الآية للإلصاق، وليست للتبعيض (٢)، وبهذا يبطل الاستدلال بأن مسح بعض الرأس مجزئ. ٢ - الأمر في الآية يقتضي مسح الرأس؛ لأن هذا اللفظ إنما يقع حقيقةً على جميعه، دون بعضه، وقد أمر بمسح ما يتناوله الاسم؛ فيجب مسح جميعه (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف في المسألة، ولو كانت عبارة الكاساني غير لفظ الإجماع؛ لقلت: إنه يقصد المذهب الحنفي، ولكن وجدت أنه يستخدم عبارة الإجماع في المذهب كثيرًا (٤)، واللَّه تعالى أعلم. [٢٨ - ١٣٧] جواز ترك مسح القليل من الرأس: إذا مسح المتوضئ رأسه، وترك قليلًا من الرأس دون مسح، واقتصر على البعض، فإن ذلك جائز. • من نقل الإجماع: العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "ويدل على أنه قد أريد بها - الباء - التبعيض في الآية اتفاقُ الجميع على جواز ترك القليل من الرأس في المسح، والاقتصار على البعض" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع مَن قال بأن الواجب في غسل الرأس البعض لا الكل، وقد سبقت الإشارة لهذه المسألة، وهم: الحسن، والثوري، والأوزاعي (٦)، والشافعية (٧)، وابن حزم (٨). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 268

• وجه الدلالة: في قوله ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فالباء هنا للتبعيض، فأي جزء من الرأس مسح؛ صح أن يُطلق عليه أنه مسح رأسه، فإذا ترك شيئًا يسيرًا غير قاصد، فلا شيء عليه من باب أولى (١). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية (٢)، والحنابلة في هذه المسألة (٣)، فقالوا بعدم جواز الاقتصار على بعض الرأس، وترك القليل منه دون مسح. وسبق الاستدلال لهذا القول (٤). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٩ - ١٣٨] العفو عن ترك اليسير في مسح الرأس: أعضاء الوضوء أربعة، ومنها الرأس، ولا يعفى عن ترك اليسير في أيٍّ منها؛ إلا أن الرأس له حكم مختلف، فهو مبني على التخفيف، ولذا كان حكمه المسح دفعًا للمشقة، فإذا ترك اليسير منه، دون أن يكون ذلك بقصد، فإنه متجاوز عنه، بمعنى أنه لا يلزم أن يوصل الماء إلى كل شعرة في الرأس، بل إذا أمرّ يده على ظاهر رأسه كله، فإنه يجزئه ذلك، وإذا بقي شيء من الشعر لم يصله الماء، فإن ذلك عفو. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول في معرض نقاشٍ له: "على أنهم قد أجمعوا على أن اليسير -أي: اليسير المتروك فيمن مسح رأسه-، لا يقصد إلى إسقاطه متجاورٌ عنه، لا يضر المتوضئ" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، وابن حزم (٩).

стр. 269

• مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بمسح الرأس، والمسح يكون بفعله مرة واحدة، وهو لا يأتي بها على كل الشعر قطعًا، فتبين تبعًا أن ذلك معفو عنه، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٠ - ١٣٩] استحسان مسح الرأس باليدين معًا: إذا أراد المسلم أن يمسح على رأسه في وضوئه، فإنه يستحسن أن يمسح باليدين معًا. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "والإجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معًا، وعلى الإجزاء إن مسح بيدٍ واحدةٍ" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن زيد ﵁ في وصف وضوء النبي ﷺ ، وفيه: "فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة" (٥). • وجه الدلالة: أنه ذكر أن النبي ﷺ عندما توضأ أقبل بيديه وأدبر، فذكر يديه، ولا شك أنها بذلك سنة فعلية (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣١ - ١٤٠] إجزاء مسح الرأس بيد واحدة: إذا شرع المسلم في وضوئه، وأتى للمسح على الرأس، ثم مسحه بيد واحدة، فقد أجزأه ذلك، وتم وضوؤه.

стр. 270

• من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "والإجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معًا، وعلى الإجزاء إن مسح بيدٍ واحدةٍ" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: أن الواجب في العضو -الرأس- هو المسح، فإذا حصل المسح بيدٍ واحدة، فقد تم المسح، وتحقق الواجب كما أمر اللَّه تعالى به، فدل على إجزاء المسح بيد واحدة، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٢ - ١٤١] كراهة غسل الرأس بدل المسح: لا شك أن مسح الرأس هو المشروع، المنصوص عليه، ولكن إذا غسله المتوضئ بدل المسح، فإن فعله هذا مكروه، وقد حكى ابن حجر الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "وقد اتُّفق على كراهة غسل الرأس بدل المسح، وإن كان مجزئًا" (٥). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق المالكية؛ إذ أن لديهم قولين: بعدم الإجزاء، والكراهة، وعدم الإجزاء كراهة وزيادة (٦)، والشافعية في وجهٍ (٧)، والحنابلة لديهم قولان في المسألة (٨): بإجزاء الغسل عن المسح، وعدم الإجزاء، فأما عدم الإجزاء: فهذه كراهة وزيادة، وأما القول الأول: فالأظهر أنه لا يخالف مسألتنا، حيث إن ما يقابل الإجزاء هو خلاف الأولى، وقد صرح بعضهم بالكراهة (٩). ولم أجد للحنفية كلامًا في المسألة، ولكن وجدتهم قد عبروا بإجزاء الغسل عن المسح في الغسل، وأنه متضمن له (١٠)، إلا أن ظاهر الرواية عندهم أنه لا بد من مسح

стр. 271

الرأس حتى في الغسل (١). وقال العيني بعد تفريقه بين الغسل والمسح في الوضوء: "وفيه -تفسير المسح- ثبوت المسح، والشارع أوجب المسح" (٢). وأقرب مسألة وجدتها لمسألتنا هي مسألة ما إذا نسي المتوضئ مسح رأسه، فأصابه ماء المطر مقدار ثلاثة أصابع، فمسحه بيده، أو لم يمسحه أجزأه عن مسح الرأس، وهي تفيد أن الغسل مجزئ عن المسح، إلا أن الإجزاء يقابله خلاف الأولى أو الكراهة كما قلنا. فمما سبق نجد أن كلام الحنفية محتمل لقولين، وهو الكراهة أو خلاف الأولى، والمنع، ولهذا جعلت الكلام عن الحنفية في الموافقين؛ لأنه الأقرب دون جزمٍ؛ إذ أن المنع كراهة وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. • مستند الاتفاق: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ٢ - الأحاديث التي وصفت وضوء النبي ﷺ ، وذكرت أنه كان يمسح رأسه (٣). • وجه الدلالة: أن الوارد في الشرع -سواء في الكتاب أو السنة- هو المسح للرأس، ولم يرد الغسل، وكل أمر في العبادات لم يأت به الشرع فالأصل فيه الحظر، ولكن لأن الغسل متضمن للمسح فيحمل على الكراهة فقط، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (٤)، والشافعية في الوجه الثاني (٥)، بأنه لا يكره غسل الرأس بدل المسح. واستدلوا بأن الغسل للرأس فيه مسح وزيادة، فلا يكون مكروهًا (٦). النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 272

[٣٣ - ١٤٢] إجزاء المسح على الناصية والعمامة: إذا مسح المتوضئ على الناصية والعمامة معًا، وكان ذلك لعذر، فإن فعله هذا مجزئ، ونفى ابن تيمية النزاع في ذلك. • من نقل نفي النزاع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته؛ أجزأه مع العذر بلا نزاع" (١). • الموافقون على نفي النزاع: وافق على نفي الخلاف أبو بكر الصديق، وعمر، وعلي، وعمرو بن أمية الضمري، وأبو ذر، وأنس، والمغيرة بن شعبة، وبلال، وسلمان، وكعب بن عجرة، وأم سلمة، وأبو موسى، وأبو أمامة الباهلي ﵃، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري (٢)، ورُوي عن أبي الدرداء ﵁، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، وابن المنذر (٣)، وعلى قولٍ عند الحنفية بأنه يجوز المسح للرأس بمقدار الناصية، وقولٍ آخر عندهم بمقدار ثلاثة أصابع، وإلا فهم لا يجيزون المسح على العمامة فقط، فإذا أوفى بهذا القدر من الرأس فمجزئ عندهم، على هذا القول (٤)، وأما المالكية، فإنهم يجيزونه مع العذر (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند نفي النزاع: ١ - حديث عمرو بن أمية ﵁، قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ يمسح على عمامته وخفيه" (٨). ٢ - حديث ثوبان ﵁، قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول اللَّه ﷺ ، أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (٩) " (١٠).

стр. 273

• وجه الدلالة: في الأحاديث السابقة ورد عن النبي ﷺ أنه مسح على العمائم، أو أمر بذلك، وهذه سنة فعلية أو قولية يجب الأخذ بها. أما من اشترط المسح على الناصية مع العمامة فزادوا بأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والعمامة ليست رأسًا. ولأنه عضو طهارته المسح؛ فلم يجز المسح على حائل دونه، كالوجه واليد في التيمم (١). أما إذا مسح الناصية والعمامة؛ فقد أتى بسنة الاستيعاب عندهم. • الخلاف في المسألة: الحنفية لديهم في المسح على الرأس ثلاثة أقوال: فقيل: بمقدار الناصية، وقيل: ثلاث أصابع، وقيل: بمقدار ربع الرأس، وهو قول زفر (٢). فعلى القول الثالث عندهم لا يجزئ المسح على الناصية فقط، وكذلك الثاني إذا كانت الناصية لا تكفي لثلاثة أصابع. واستدلوابنحو الأدلة التي ذكرتها في آخر المستند عمن يشترط المسح على الناصية، ولكنهم هنا لا يعتبرون المسح على الناصية كافيًا، بل لا بد من المسح على ربع الرأس. ولكن إذا كان ذلك لعذر، فالتفصيل؛ فإن كان بقي جزء من الرأس يمكن فيه المسح، فإنه يُمسح ويُكتفى به، ولا يمسح على العمامة، أما إذا لم يكن كذلك؛ فيمسح للعذر (٣). وبهذا لا يكون هذا القول مخالفًا لمسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن نفي النزاع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 274

[٣٤ - ١٤٣] مسح الأذنين عن الرأس غير مجزئ: إذا اكتفى المتوضئ بمسح الأذنين عن مسح الرأس، فإن مسحه غير مجزئ عن مسح الرأس، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: المازري (٥٣٦ هـ) حيث يقول عن مسح الأذنين: "إن الأمة مجمعة على أن مسحهما لا يجزئه عن الرأس". نقله عنه القرافي (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول عن الأذنين: "الإجماع منعقد على أنه لا يجزئ مسحهما عن مسح الرأس، بخلاف أجزائه (٢) " (٣). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "ولا يجوز الاقتصار بالمسح على الأذنين عوضًا عن مسح الرأس بالإجماع" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بمسح الرأس، ولا يتبادر إلى الذهن من هذا الأمر إلا الرأس الذي يبدو عليه الشعر غالبًا، بدليل فعل النبي ﷺ ، ونقل هذا المعنى إلى غيره لا يجوز بغير دليل، فلا يجزئ مسحهما عن مسح الرأس، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن الأذنين تبع للرأس -على قول أنهما من الرأس-، فلا يجتزأ بمسحهما عن مسح الأصل، وهو الرأس، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٥ - ١٤٤] البياض الدائر حول الأذن ليس من الرأس: البياض الذي يقع خلف الأذن بينه وبين منابت الشعر حوله ليس من الرأس؛ أي: ليس من الرأس المأمور بمسحه، حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك.

стр. 275

• من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) (١)، والقاضي أبو الطيب (٤٥٠ هـ)، نقله عنهما النووي، حيث يقول: "قال الماوردي والقاضي أبو الطيب: ولأن الإجماع منعقد على أن البياض الدائر حول الأذن ليس من الرأس" (٢)، قالا ذلك استدلالًا على أن الأذنين ليسا من الرأس، فأدخلا الأذنين من باب الأولى من البياض حولهما. ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "ولا يختلف أحد في أن البياض الذي بين منابت الشعر من الرأس، وبين الأذنين ليس هو من الرأس في حكم الوضوء" (٣). نقل ابن مفلح (٤)، والمرداوي (٥)، والبهوتي (٦) عن جماعة، ولم يسمِّ أحدًا، بأنهم ذكروا أنه ليس من الرأس إجماعًا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٧)، والحنابلة في قولٍ عندهم (٨). وقد بحثت عن كلامٍ للحنفية في هذه المسألة، ولكن لم أجد، ولعلهم لم يعتنوا بهذا؛ لأجل أنهم يقولون بأن غسل جزء من الرأس يكفي، واللَّه تعالى أعلم. • مستند الإجماع: أن الأصل في العبادات التوقيف على ما يأتي عن اللَّه تعالى ورسوله ﵊، ولم يرد عنهما دليل فيه الأمر بمسحه؛ أو من فعل النبي ﷺ أنه مسحه مع الرأس، فهذا يدل على أنه ليس من الرأس؛ إذ لو كان كذلك، لمسحه لكونه منه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في هذه المسألة، على الصحيح من المذهب، وبعضهم اقتصر عليه، وقالوا بأنه من الرأس (٩). نقل المرداوي عن ابن تيمية، أنه قال: يجوز الاقتصار على مسحه دون الشعر، إذا قلنا: يجزئ مسح بعض الرأس، على إحدى روايات المذهب الحنبلي (١٠).

стр. 276

واستدلوا بالقياس على حكم الموضِحة (١)، حيث إن ضرب هذا المكان يعتبر من الرأس (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٦ - ١٤٥] مشروعية مسح الأذنين: مسح الأذنين سنة من سنن الوضوء، وهناك من قال بوجوبه، ولكن الجميع قالوا بأنه مشروع للوضوء، وحُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما" (٣)، وهو يشير إلى الخلاف في وجوبه وعدمه. ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع المسلمون طرًّا أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة، ومسح الأذنين" (٤). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن مسح باطن الأذنين وظاهرهما سنة من سنن الوضوء، إلا أحمد فإنه رأى مسحهما واجبًا. . " (٥). ونقله عنه ابن قاسم (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أجمعت الأمة على أن الأذنين تطهران" (٧). الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "والمراد بالداخل هنا الصماخ، وأما خارجه فلا خلاف في فرضيته" (٨). ابن عابدين (١٣٠٦ هـ) حيث يقول: "أما لو أخذ ماء جديدًا مع بقاء البلة؛ فإنه يكون

стр. 277

مقيما للسنة اتفاقًا" (١). وهو في هذا يشير إلى الخلاف في المذهب، هل يحتاج إلى ماء جديد للمسح أو لا؟ ولكن الكلام يشير إلى أنه إذا أخذ ماء جديدًا فإنه بهذا قد حقق المسح المسنون اتفاقًا، ففيه حكاية للاتفاق الضمني في مذهبهم، على مسألتنا. • مستند الإجماع: ١ - حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄، وفيه قال: "ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه" (٢). • وجه الدلالة: ظاهر من الحديث، حيث فيه فعل النبي ﷺ ، وهي سنة فعلية. ٢ - الحديث الذي رواه عدد من الصحابة ﵃، وفيه: "الأذنان من الرأس" (٣). • وجه الدلالة: التصريح بأن الأذنين من الرأس، والرأس ورد التصريح فيه أنه أحد أعضاء الوضوء المجمع عليها، فيُمسح على الأذنين؛ لأنه جزء منه. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية بوجوب المسح، بل عندهم رواية بأنه عضو مستقل (٤)، ولكن هاتين الروايتين لا تنقضان الإجماع؛ إذ أن الإجماع في المشروعية، والوجوب مشروعية وزيادة. وهناك خلاف للشيعة بعدم مشروعيته، إلا أنه لا يعتد بخلافهم (٥). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٧ - ١٤٦] ترك مسح الأذنين لا يبطل الوضوء: سبقت مسألة مشروعية مسح الأذنين، وأن الإجماع متحقق فيها، ولكن إذا ترك المتوضئ مسح الأذنين، سواء كان الترك نسيانًا أو سهوًا أو عمدًا، فإن وضوءه

стр. 278

صحيح (١). • من نقل الإجماع: ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: "وأما الأذنان فإن في إجماع جميعهم على أن ترك غسلهما، أو غسل ما أقبل منهما على الوجه، غير مفسدٍ صلاةَ من صلى بطهْره الذي ترك فيه غسلهما" (٢). ونقله عنه النووي، وذكر أنه حكى الإجماعَ غيرُه من العلماء (٣)، ونقله ابن قاسم أيضًا (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف في أن الأذنين لا يجب مسحهما" (٥). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "وإن قلنا: إن مسحهما واجب، فتَرَكهما سهوًا وصلى، فلا يُختلف في صحة صلاته، والذي صرَفَ المتأخرين عن الإعادة إجماعُ المتقدمين على الصحة" (٦). وهذه العبارة نأخذ منها أمرين: وجود الخلاف في الترك العمد، ونقل الإجماع على الترك سهوًا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والمالكية في المشهور عندهم (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة في رواية (١٠)، وابن حزم (١١). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] الآية. • وجه الدلالة: أن الآية الكريمة لم تذكر مسح الأذنين، ولو كان المسح واجبًا لذكره ﵎؛ فدل على عدم وجوب مسحهما. ٢ - أنه لم يرد نصٌ يدل على الوجوب، وأكثر من ذكر صفة وضوء النبي ﷺ لم يذكر مسح الأذنين، والقول بالوجوب يحتاج ليقين، ولا وجود له؛ فدل على عدم

стр. 279

وجوبه (١)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف إسحاق بن راهويه، فقال بأن من ترك مسحهما عمدًا، لم تصح طهارته، ولكن أجاب النووي عن مخالفته، بأنه محجوج بإجماع من قبله (٢). وخالف المالكية في قولٍ غير مشهورٍ عندهم بشرط أن يكون عمدًا (٣)، وخالف الحنابلة مطلقًا، دون التقييد بالعمد في رواية (٤)، فقالوا بوجوب مسحهما، مما يعني عدم صحة الطهارة بدونه. وهو قول محمد بن مسلمة، وأبي بكر الأبهري (٥). واستدلوا بالأحاديث التي تثبت فعل النبي ﷺ بمسح أذنيه، فما دام أنه فعل النبي ﷺ في وضوئه، فيجب إذًا. ومنها: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄، وفيه قال: "ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه" (٦). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق فيما إذا كان الترك عمدًا؛ لوجود المخالف في المسألة، وأما كلام النووي ﵀ فغير دقيق، إذ القول بالوجوب مشهور، فالأظهر أن المسألة غير مجمع عليها. أما إذا كان سهوًا، فيبقى خلاف الحنابلة في رواية، ومن معهم، فلم يفرقوا بين العمد والسهو، وهذا يدل على شهرة الخلاف، وبهذا يكون الإجماع غير متحقق في المسألة عمومًا، واللَّه تعالى أعلم. [٣٨ - ١٤٧] ترك مسح العنق لا يبطل الوضوء: إذا ترك المتوضئ مسح العنق، فإن وضوءه صحيح، ونقل ابن تيمية الاتفاق على المسألة.

стр. 280

• من نقل الاتفاق: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "ومن ترك مسح العنق، فوضوؤه صحيح باتفاق العلماء، واللَّه أعلم" (١). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم (٦). • مستند الاتفاق: ١ - أن مسح العنق لم يرد به نصٌ من كتاب أو سنة، وقد وجد الداعي لذلك، فدل على أن ترك المسح ليس مبطلًا، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن الأحاديث الواردة في فضل مسح العنق لم يصح منها شيء (٧). ٣ - أن الأصل عدم الوجوب، ما دام لم يرد الناقل عن هذا الأصل، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٩ - ١٤٨] غسل القدمين فرض: القدمان من الأعضاء الأربعة التي وردت في نص آية الوضوء، ولكن هل فرضها الغَسل أو المسح؟ لا شك أن الصحيح هو الغَسل، كما تدل عليه الأدلة الكثيرة، وقد نقل عدد من العلماء الإجماع على وجوب الغسل. • من نقل الإجماع: الإمام عبد الرحمن بن أبي ليلى (٨٣ هـ) فيما نقله عنه ابن قدامة (٨)، وابن حجر (٩)، والزركشي (١٠)، وابن مفلح -صاحب "المبدع"- (١١)،

стр. 281

والشوكاني (١)، وابن قاسم (٢)، حيث قال: "أجمع أصحاب النبي ﷺ على غسل القدمين". ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "أجمع عوام أهل العلم على أن الذي يجب على من لا خف عليه غسلُ القدمين إلى الكعبين" (٣). الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (٤). أبو حامد الإسفراييني (٤٠٦ هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين، ولم يخالف في ذلك من يعتد به". نقله عنه النووي (٥). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن إمساس الرجلين المكشوفتين الماء لمن توضأ فرضٌ، واختلفوا أتمسح أم تغسل" (٦). وهذه العبارة تشير للاتفاق في إمساس الماء دون الغسل، فهي تشير للخلاف في المسألة. ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، . . . لا خلاف علمته، في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (٧). وهذه العبارة فيها إشارة للخلاف، وقد حكى الخلاف أيضًا في موضع آخر (٨). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "هذه سنة اتفق المسلمون عليها، قال أبو عيسى -أي: الترمذي-: لا يجوز المسح على الأقدام المجردة، خلافًا لمحمد بن جرير الطبري، حيث قال: هو مخير بين المسح والغسل، وقال بعض الرافضة في صفة المسح: وحُكي عن بعض أهل الظاهر أنه يجمع بينهما" (٩). ونقله عنه القرطبي (١٠). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل

стр. 282

اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (١). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول في فروض الوضوء: "والمفروض من ذلك بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعها بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء؛ فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم" (٣). ونقله عنه الشوكاني (٤)، وابن قاسم (٥). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "ثم يغسل قدميه كما أمره اللَّه، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك" (٦). ونقله عنه الشوكاني (٧). الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة المجمع عليها" أي: على فرضيتها (٨). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وأما غسل المرافق والكعبين ففرضيته بالإجماع" (٩). وقال أيضًا: "فإن الإجماع انعقد على غسلهما، ولا اعتبار بخلاف الروافض" (١٠). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "الخامس من الفروض: غسل رجليه بإجماع من يعتد بإجماعه مع كعبيه" (١١). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وبإجماع الصحابة على الغسل؛ فكانت هذه الأمور موجبة لحمل تلك القراءة -قراءة الخفض لآية الوضوء-، على ذلك الوجه النادر" (١٢).

стр. 283

أي أن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، والنصب للمجاورة. ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وغسل الرجلين مع الكعبين واجب بالكتاب والسنة والإجماع" (١). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] الآية. • وجه الدلالة: حيث عطف اللَّه تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، والأمر يقتضي الوجوب. ٢ - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ ، حيث إنها أطبقت على ذكر غسله لقدميه، مما يدل على فرضية الغسل، ومنها حديث حمران مولى عثمان ﵄، وفيه: "ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا" (٢). • الخلاف في المسألة: خالف بعض أهل العلم في هذه المسألة، وخلافهم على ثلاثة أقوال: الأول: أن الواجب المسح، وهو قول محكيٌ عن علي، وأنس، وابن عباس، وعكرمة، والحسن، والشعبي، وابن جرير الطبري، وهو قول ابن حزم، وقول الشيعة الإمامية (٣). واستدلوا بقراءة الخفض لقوله: (وأرجلِكم)، أي: أنه معطوف على قوله: (برؤوسكم). الثاني: أنه مخير بين المسح والغسل، وهو قول محكيٌ عن الحسن، وابن جرير، وأبي علي الجُبّائي (٤). ولم أجد له دليلًا غير أنه قد يكون مبنيًّا على العمل بأدلة الفريقين، جمعًا بينهما على أن أيَّهما مجزئ. الثالث: أن الواجب الجمع بين المسح والغسل، وهو قول محكي عن ابن عباس،

стр. 284

وعكرمة، والحسن، وقتادة (١)، ونُسب إلى الظاهرية (٢). واستدلوا بأن الآية فيها قراءتان: الخفض يدل على المسح، والنصب يدل على الغسل، فوجب الجمع بينهما (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، فبالنظر للأقوال السابقة نجد أن كل قولٍ منها يكفي في نقض الإجماع، والمخالفون الذين توصلت لأقوالهم عشرة من العلماء، وبينهم صحابة، بالإضافة إلى مذهب من المذاهب الفقهية، وهو الظاهرية. أما دعوى أن الصحابة رجعوا؛ فرجوعهم غير صريح، ولو ثبت ذلك فخلاف بقية التابعين يكفي في نقض الإجماع مع عدم تيقن إجماع الصحابة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٠ - ١٤٩] الغسل للقدمين مجزئ: إذا غسل المتوضئ قدميه، فإن ذلك يجزئه بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون أن من غسل قدميه، فقد أدى الواجب عليه، من قال منهم بالمسح، ومن قال بالغسل" (٤). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاقُ الجميع على أنه إذا غسل، فقد أدى فرضه" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] الآية. • وجه الدلالة: عطف اللَّه تعالى قولَه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾،

стр. 285

وهو يدل على الغسل، وأقل مؤدى الأمر الإجزاء. ٢ - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ ، إذ فيها أنه ﵊ غسل رجليه، وهي تدل على الإجزاء وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة علي، وأنس، وابن عباس، وعكرمة، والحسن، والشعبي، وابن جرير الطبري فيما حُكي عنهم، وهو قول ابن حزم، والشيعة الإمامية (١)، فقالوا بأن الواجب المسح. واستدلوا بقراءة الخفض لقوله: (وأرجلِكم)، أي: أنه معطوف على قوله: (برؤوسكم). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على الأظهر؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤١ - ١٥٠] غسل الكعبين من القدم واجب: إذا غسل المتوضئ رجليه، فإنه يلزمه غسل الكعبين، ونفى الإمام الشافعي علمه بالخلاف في المسألة. • من نقل نفي الخلاف: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "ولم أسمع مخالفًا في أن الكعبين اللذين ذكر اللَّه في الوضوء الكعبان الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، وأن عليهما الغسل" (٢). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في هذه المسألة من وافق على مسألة دخول المرفقين في اليدين (٣). • مستند نفي الخلاف: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: هو ما سبق مناقشته في مسألة دخول المرفقين في اليدين، ومعنى (إلى) فيها.
следующие страницы →