← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والشوكاني (١)، وابن قاسم (٢)، حيث قال: "أجمع أصحاب النبي ﷺ على غسل القدمين". ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "أجمع عوام أهل العلم على أن الذي يجب على من لا خف عليه غسلُ القدمين إلى الكعبين" (٣). الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "فرأينا الأعضاءَ التي قد اتفقوا على فرضيتها في الوضوء هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس" (٤). أبو حامد الإسفراييني (٤٠٦ هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين، ولم يخالف في ذلك من يعتد به". نقله عنه النووي (٥). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن إمساس الرجلين المكشوفتين الماء لمن توضأ فرضٌ، واختلفوا أتمسح أم تغسل" (٦). وهذه العبارة تشير للاتفاق في إمساس الماء دون الغسل، فهي تشير للخلاف في المسألة. ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، . . . لا خلاف علمته، في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين، وغسلهما. . " (٧). وهذه العبارة فيها إشارة للخلاف، وقد حكى الخلاف أيضًا في موضع آخر (٨). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "هذه سنة اتفق المسلمون عليها، قال أبو عيسى -أي: الترمذي-: لا يجوز المسح على الأقدام المجردة، خلافًا لمحمد بن جرير الطبري، حيث قال: هو مخير بين المسح والغسل، وقال بعض الرافضة في صفة المسح: وحُكي عن بعض أهل الظاهر أنه يجمع بينهما" (٩). ونقله عنه القرطبي (١٠). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على وجوب غسل الوجه كله، وغسل

стр. 282

اليدين مع المرفقين، وغسل الرجلين مع الكعبين، ومسح الرأس" (١). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول في فروض الوضوء: "والمفروض من ذلك بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرجلين، واستيعاب جميعها بالغسل، وانفردت الرافضة عن العلماء؛ فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم" (٣). ونقله عنه الشوكاني (٤)، وابن قاسم (٥). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "ثم يغسل قدميه كما أمره اللَّه، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك" (٦). ونقله عنه الشوكاني (٧). الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "وقدم المصنف الكلام على الأعضاء الأربعة المجمع عليها" أي: على فرضيتها (٨). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وأما غسل المرافق والكعبين ففرضيته بالإجماع" (٩). وقال أيضًا: "فإن الإجماع انعقد على غسلهما، ولا اعتبار بخلاف الروافض" (١٠). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "الخامس من الفروض: غسل رجليه بإجماع من يعتد بإجماعه مع كعبيه" (١١). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وبإجماع الصحابة على الغسل؛ فكانت هذه الأمور موجبة لحمل تلك القراءة -قراءة الخفض لآية الوضوء-، على ذلك الوجه النادر" (١٢).

стр. 283

أي أن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، والنصب للمجاورة. ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وغسل الرجلين مع الكعبين واجب بالكتاب والسنة والإجماع" (١). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] الآية. • وجه الدلالة: حيث عطف اللَّه تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، والأمر يقتضي الوجوب. ٢ - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ ، حيث إنها أطبقت على ذكر غسله لقدميه، مما يدل على فرضية الغسل، ومنها حديث حمران مولى عثمان ﵄، وفيه: "ثم غسل كلتا رجليه ثلاثًا" (٢). • الخلاف في المسألة: خالف بعض أهل العلم في هذه المسألة، وخلافهم على ثلاثة أقوال: الأول: أن الواجب المسح، وهو قول محكيٌ عن علي، وأنس، وابن عباس، وعكرمة، والحسن، والشعبي، وابن جرير الطبري، وهو قول ابن حزم، وقول الشيعة الإمامية (٣). واستدلوا بقراءة الخفض لقوله: (وأرجلِكم)، أي: أنه معطوف على قوله: (برؤوسكم). الثاني: أنه مخير بين المسح والغسل، وهو قول محكيٌ عن الحسن، وابن جرير، وأبي علي الجُبّائي (٤). ولم أجد له دليلًا غير أنه قد يكون مبنيًّا على العمل بأدلة الفريقين، جمعًا بينهما على أن أيَّهما مجزئ. الثالث: أن الواجب الجمع بين المسح والغسل، وهو قول محكي عن ابن عباس،

стр. 284

وعكرمة، والحسن، وقتادة (١)، ونُسب إلى الظاهرية (٢). واستدلوا بأن الآية فيها قراءتان: الخفض يدل على المسح، والنصب يدل على الغسل، فوجب الجمع بينهما (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، فبالنظر للأقوال السابقة نجد أن كل قولٍ منها يكفي في نقض الإجماع، والمخالفون الذين توصلت لأقوالهم عشرة من العلماء، وبينهم صحابة، بالإضافة إلى مذهب من المذاهب الفقهية، وهو الظاهرية. أما دعوى أن الصحابة رجعوا؛ فرجوعهم غير صريح، ولو ثبت ذلك فخلاف بقية التابعين يكفي في نقض الإجماع مع عدم تيقن إجماع الصحابة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٠ - ١٤٩] الغسل للقدمين مجزئ: إذا غسل المتوضئ قدميه، فإن ذلك يجزئه بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون أن من غسل قدميه، فقد أدى الواجب عليه، من قال منهم بالمسح، ومن قال بالغسل" (٤). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاقُ الجميع على أنه إذا غسل، فقد أدى فرضه" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] الآية. • وجه الدلالة: عطف اللَّه تعالى قولَه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾،

стр. 285

وهو يدل على الغسل، وأقل مؤدى الأمر الإجزاء. ٢ - الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ ، إذ فيها أنه ﵊ غسل رجليه، وهي تدل على الإجزاء وزيادة، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة علي، وأنس، وابن عباس، وعكرمة، والحسن، والشعبي، وابن جرير الطبري فيما حُكي عنهم، وهو قول ابن حزم، والشيعة الإمامية (١)، فقالوا بأن الواجب المسح. واستدلوا بقراءة الخفض لقوله: (وأرجلِكم)، أي: أنه معطوف على قوله: (برؤوسكم). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على الأظهر؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤١ - ١٥٠] غسل الكعبين من القدم واجب: إذا غسل المتوضئ رجليه، فإنه يلزمه غسل الكعبين، ونفى الإمام الشافعي علمه بالخلاف في المسألة. • من نقل نفي الخلاف: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: "ولم أسمع مخالفًا في أن الكعبين اللذين ذكر اللَّه في الوضوء الكعبان الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، وأن عليهما الغسل" (٢). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في هذه المسألة من وافق على مسألة دخول المرفقين في اليدين (٣). • مستند نفي الخلاف: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: هو ما سبق مناقشته في مسألة دخول المرفقين في اليدين، ومعنى (إلى) فيها.

стр. 286

• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من خالف في مسألة دخول المرفقين في اليدين، فانظره هناك. النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٢ - ١٥١] مشروعية الترتيب في الطهارة: الترتيب بين الأعضاء في الطهارة مشروع، وحكى ابن هبيرة الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الترتيب والموالاة في الطهارة مشروع، ثم اختلفوا في وجوبها" (١). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "والصحيح أن يقال: إن الترتيب متلقى من وجوه: . . الثاني: من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الاتفاق: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا يعلم لهذا فائدةٌ غير الترتيب، والآية سيقت لبيان الواجب، فكان الترتيب مشروعًا (٨). ٢ - حديث ابن عمر ﵁، أنه ﷺ توضأ وضوءًا مرتبًا، وقال: "هذا وضوءٌ لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به" (٩).

стр. 287

• وجه الدلالة: أن النبي ﵊ توضأ وضوءًا مرتبًا، ثم قال بأن اللَّه تعالى لا يقبل الصلاة إلا بهذه الكيفية، فكان الترتيب مشروعًا (١). النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٣ - ١٥٢] مشروعية الموالاة في الطهارة: الموالاة بين الأعضاء في الطهارة مشروع، وحكى ابن هبيرة الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الترتيب والموالاة في الطهارة مشروع، ثم اختلفوا في وجوبها" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وابن حزم على ما يظهر (٦). • مستند الإجماع: ١ - حديث ابن عمر ﵁، أنه ﷺ توضأ على سبيل الموالاة، وقال: "هذا وضوءٌ لا يقبل اللَّه الصلاة إلا به" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﵊ توضأ وضوءًا متواليًا، ثم قال بأن اللَّه تعالى لا يقبل الصلاة إلا بهذه الكيفية، فكانت الموالاة مشروعة (٨). ٢ - أن الأصل في العبادات التوقيف، والنبي ﵊ توضأ على سبيل الموالاة، فكان الواجب في الوضوء كما توضأ ﵊ مواليًا بين الأعضاء. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 288

[٤٤ - ١٥٣] فعل صلوات متعددة بوضوء واحد جائز: إذا توضأ المسلم، وصلى به صلاة، فإنه يجوز له أن يصلي صلاة أخرى بوضوئه الأول، ولا يجب عليه تجديد الوضوء ما لم يحدث، نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أحمد بن حنبل (٢٠٤ هـ) حيث يقول فيمن صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد: "لا بأس بذلك إذا لم ينتقض وضوؤه، ما ظننت أن أحدًا أنكر هذا". نقله عنه ابن تيمية (١). الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: "والعمل على هذا عند أهل العلم، أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم يحدث" (٢). ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل العلم على أن لمن تطهر للصلاة أن يصلي ما شاء بطهارته من الصلوات، إلا أن يحدث حدثًا ينقض طهارته" (٣). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وروي عن ابن عباس و. . . أن الآية عني بها حال القيام إلى الصلاة على غير الطهر، وهذا أمر مجتمع عليه، لا خلاف بين الفقهاء فيه، والحمد للَّه" (٤). وقال بعدها بقليل بعد ذكر الأدلة على المسألة: "وهذا أمر مجمع عليه فسقط القول فيه" (٥). وقال نحو الكلام السابق في "التمهيد"، ثم قال: "وأجمعت الأمة على أن ذلك جائز" (٦). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "الثانية -أي: الفائدة الثانية-: ترك التوضؤ لكل صلاة، أصح الأحاديث المتقدمة والإجماع عليه" (٧). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "في هذا الحديث (٨) أنواع من العلم منها: . . . وجواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث، وهذا جائز بإجماع

стр. 289

من يعتد به" (١). ثم ذكر قولًا محكيًّا عن طائفة من أهل العلم بالوجوب، وعلق عليه بقوله: "وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد، ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة" (٢). ونقله عنه ابن حجر (٣). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "أما الحكم، وهو أن من توضأ لصلاة، صلى بذلك الوضوء صلاة أخرى؛ فهذا قول عامة السلف والخلف، والخلاف في ذلك شاذ" (٤). وقال أيضًا: "وأما القول بوجوبه؛ فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول ﵊، ولإجماع الصحابة" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبو موسى، وجابر ﵃، وعبيدة السلماني، وأبو العالية، وسعيد بن المسيب، والأسود بن يزيد، والحسن، وإبراهيم النخعي، والسدّي (٦)، والحنفية (٧)، والحنابلة في الصحيح من المذهب عندهم (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث بريدة ﵁، قال: "صلى رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: صنعت شيئًا -يا رسول اللَّه- لم تكن تصنعه، فقال ﵊: "عمدا فعلته يا عمر" (٩). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ترك مداومته على الوضوء لكل صلاة؛ بيانًا للأمة بأنه مستحب، وليس بواجب (١٠). ٢ - حديث أنس ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم نحدث" (١١).

стр. 290

• وجه الدلالة: الحديث فيه بيان أن فعل الصحابة عدم الالتزام بالتجديد، والنبي ﷺ موجود، والسكوت عن البيان وقت الحاجة غير جائز، والنبي ﵊ منزّه عن ذلك؛ فدل على عدم وجوب التجديد، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف البعض في مسألتنا في قولين: القول الأول: وجوب الوضوء لكل صلاة (١)، ونُقل عن عُبيد بن عُميْر (٢)، ونقل ابن حجر حكايةَ ابن عبد البر له عن عكرمة، وابن سيرين (٣)، وبعد مراجعة كلام ابن عبد البر، وجدته حكى القول عن عمر، وعن عكرمة يروي عن علي، وعن ابن سيرين، ولكن كلامه ﵀ فيه إشكال، حيث قال ابن عبد البر بعده: "وهذا معناه أن يكون الوضوء على المحدث إذا قام إلى الصلاة واجبًا، وعلى غير المحدث ندبًا وفضلًا" (٤). حيث حمله على قول الجماهير، ولم أجد من أكّد هذا القول عنهما. وعمر ﵁ هو من سأل النبي ﷺ عن فعله في الخندق كما سبق، بل روى عنه ابن المنذر ما يوافق الجماهير (٥). أما علي ﵁؛ فقال ابن تيمية بأنه لم يثبت عنه هذا القول، بل الثابت بخلاف ذلك (٦). وقد نسبه الطحاوي إلى قومٍ، ثم نسب القول الآخر إلى أكثر العلماء (٧). وهؤلاء استدلوا بظاهر آية الوضوء؛ إذ فيها تعليق للأمر بالوضوء على القيام للصلاة، فقالوا: يجب الوضوء لكل صلاة. وهنا فائدة؛ فقد نقل البيهقي عن الإمام الشافعي في القديم أنه يرى أن الآية نزلت خاصة بالنبي ﵊، بعدما صلى الصلوات بوضوء واحد (٨). القول الثاني: وهو منسوب للنّخعي بأنه لا يصلي بوضوئه أكثر من خمس صلوات (٩). وليس له دليل.

стр. 291

النتيجة: أن الإجماع متحقق بعد الاختلاف، وهم على قسمين: الوجوب، والظاهر -واللَّه أعلم- أن الخلاف شاذٌ، واندرس فيما بعد، فلم يعد يُذكر عن أيٍّ من العلماء في القرون التاليةِ لعصر من نُقل عنهم الخلاف، ولم أجد من قال به من أصحاب المذاهب، فالظاهر أن الإجماع قد استقر على عدم الوجوب، كما ذكر ذلك القاضي عياض (١)، والنووي، وابن تيمية، وقد سبق كلامهما. أما قول النخعي، فهو قول شاذ، لا دليل عليه، ويقال فيه ما قيل في القول الآخر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٥ - ١٥٤] استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة: إذا أراد المسلم الصلاة، وهو على وضوءٍ سبق أن صلى به صلاة أخرى، فإنه يستحب له أن يجدد وضوءه، وعلى ذلك حُكي الإجماع. • من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: "ولكن تجديده -أي الوضوء- لكل صلاة مستحب، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم فيه خلاف" (٢). أي: لم يبق بينهم من يقول بالوجوب، بل كلهم يقول بالاستحباب. نقله عنه النووي (٣)، ونقله عن النوويِّ الشوكانيُّ (٤). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وتجديده كل صلاة مستحب إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة في الصحيح من المذهب عندهم (٩). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لولا أن أشق

стр. 292

على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، أو مع كل وضوء سواك" (١). • وجه الدلالة: فهذا الحديث دليل على أن التجديد مستحب، وأنه غير مأمورٍ به للوجوب، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث أنس ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم نحدث" (٢). • وجه الدلالة: حيث كان فعل الصحابة عدم الالتزام بالتجديد، والنبي ﷺ موجود، والسكوت عن البيان غير جائز، والنبي ﵊ منزّه عن ذلك؛ فدل على استحباب التجديد، وعدم وجوبه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية عنه، فقال بعدم استحباب التجديد (٣). ولم يذكروا له دليلًا، وإن كان القول عنه مشهورًا في كتبهم، ولكن قد يقال بأنه أخذه من فعل النبي ﷺ في غزوة الخندق، فهو لم يجدد الوضوء، مما يعني النسخ لفعله السابق. وخالف النخعي في قولٍ منسوب إليه بأنه لا يصلي بوضوئه أكثر من خمس صلوات (٤). وليس له دليل. وخالف أحمد رواية أخرى بأنه لا يداوم على التجديد (٥)، مما يعني كراهة المداومة، وهذا ينافي الاستحباب المطلق في مسألتنا. وخالف أحمد في قول محكيّ عنه أيضًا بأنه يكره التجديد (٦). ولم يذكروا لهاتين الروايتين دليلًا، وربما لم يثبت لهم دليل على استحباب التجديد، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 293

النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٦ - ١٥٥] تنشيف الأعضاء بعد الوضوء لا يحرم: تنشيف الأعضاء بعد الوضوء غير محرم، وهناك خلاف ظاهر في استحباب التنشيف أو إباحته أو كراهته، ولكن نُقل الإجماع على عدم حرمة التنشيف. • من نقل الإجماع: المحاملي (٤١٥ هـ) حيث نقل عنه النووي، فقال: "ونقل المحاملي الإجماع على أنه لا يحرم، وإنما الخلاف في الكراهة، واللَّه أعلم" (١). ونحو هذه العبارة نقلها العيني، ويبدو أنه نقلها عن النووي إلا أنه لم يشر (٢). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن الأعضاء، ولا يستحب" (٣). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن تنشيف الأعضاء: "ولا يحرم إجماعًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عثمان بن عفان، والحسن بن علي، وأنس بن مالك، وبشير بن أبي مسعود ﵃، والحسن البصري، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، والثوري، وإسحاق (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - حديث قيس بن سعد ﵄، قال: "أتانا رسول اللَّه ﷺ فوضعنا له غسلًا فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة وَرْسية (٨)، فالتحف بها، فكأني أنظر إلى أثر الوَرْس على عكنه" (٩).

стр. 294

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أعطى له ملحفة ليتنشف بها ففعل، بدليل آخر الحديث؛ إذ أن قيسًا رأى أثر الورس من الملحفة بعدما تنشف منها ﵊ (١)، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن الأصل في الأشياء الحل، ولا دليل ينقل التنشيف عن هذا الأصل، فيكون مباحًا ما دام أنه لم يثبت شيء يدل على التحريم (٢)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة جابر بن عبد اللَّه ﵄ (٣)، فكان ينهى عن التنشيف. واستُدل له (٤) بحديث ميمونة: "أن النبي ﷺ اغتسل، فأتيته بخرقة، فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده" (٥). وكرهه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وابن المسيب، وأبو العالية، وروي القولان عن ابن جبير (٦). ولكن مجرد الكراهة لا تخالف مسألتنا، إلا أن يُراد بها التحريمية، وهي غير ظاهرة من كلامهم. ووجدت ابن المنذر حكى الخلاف في المسألة ولم يدعِ فيها إجماعًا (٧)، مع ما قيل من تساهله، وظاهر من الخلاف أنه قديم، ولا يثبت معه إجماع. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٧ - ١٥٦] تنشيف الأعضاء لا يستحب: إذا توضأ المسلم، فإن تنشيفه لأعضائه غير مستحب، وحُكي الاتفاق على ذلك.

стр. 295

• من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أنه لا يستحب تنشيف الأعضاء من الوضوء، ثم اختلفوا هل يكره؟ " (١). نقل ابن نجيم عن الإمام (٢) أنه قال: "وقال الإمام: لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن الأعضاء، ولا يستحب" (٣). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن تنشيف الأعضاء: "ولا يستحب اتفاقًا" (٤). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الإجماع المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الاتفاق: حديث ميمونة بنت الحارث ﵂ زوج النبي ﷺ ، في غسل النبي ﷺ ، وفيه: "فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده" (٨). • وجه الدلالة: أنه ﵊ ردّ الخرقة، ولم يردها في الحديث، ففيه دلالة على كراهته ﵊ للتنشيف، ويصرفه عن التحريم عدم وجود نهي في ذلك، ومجرد الفعل والترك لا يدل إلا على الاستحباب؛ أو الكراهة، فدل الحديث على عدم الاستحباب إن لم يكن الكراهة (٩)، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الشافعية في وجهٍ عندهم بأنه يستحب (١٠)، ونقله ابن نجيم عن صاحب "منية المصلي" (١١). ولم أجد لهم دليلًا، لكن هناك أحاديث وردت تدل على هذا، إلا أنها كلها ضعيفة (١٢)، منها: حديث عائشة ﵂، قالت: "كانت لرسول اللَّه ﷺ خرقة يتنشف بها

стр. 296

بعد الوضوء" (١). النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٨ - ١٥٧] لا إثم بتأخير الوضوء عن الحدث: إذا كان المسلم على حدث أو جنابة، فإنه لا يجب عليه الغسل أو الوضوء حتى يجب عليه الأداء وجوبًا ضيِّقًا، ولا يأثم بذلك. وهنا قيد، وهو: أن لا يكون التأخير إلا مع العزم على الأداء، ولذلك قال ابن مفلح الحنبلي في تأخير الصلاة: "ويأثم من عزم على الترك إجماعًا" (٢). وقيد آخر، وهو: أن لا يكون التأخير لترددٍ في العزم. • من نقل الإجماع: أبو محمد الجويني (٤٣٨ هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء أنه إذا أجنب، أو أحدث؛ لا يجب عليه الغسل، ولا الوضوء؛ حتى يدخل وقت الصلاة بالفعل أو الزمان" (٣). نقله عنه النووي (٤). وبيَّن النووي مراده من هذا الإجماع، حيث قال: "هذا الذي قاله ليس مخالفًا لما سبق -الخلاف في متى يجب الوضوء-؛ لأن مراده لا يكلف بالفعل" (٥). ومعنى كلام النووي -واللَّه أعلم- أنه لا يجب الوجوب المضيق، بمعنى أنه لا يجب وجوبًا فوريًّا إلا في وقت لا يسع إلا للقيام به، ويبينه كلامه الآتي. النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فإذا قلنا: يجب -الوضوء- بوجود الحديث، فهو

стр. 297

وجوب موسع إلى القيام إلى الصلاة، ولا يأثم بالتأخير عن الحدث بالإجماع" (١). يعني أنه لا يأثم بتأخير الوضوء إلى وسط وقت الصلاة أو آخره المباح. ونقله عنه ابن قاسم دون إشارة (٢). أبو بكر الحدَّادي العبادي (٨٠٠ هـ) حيث نقله عنه ابن نجيم، فقال في سياق كلامٍ له: "لما نقله "السراج الوهاج" (٣)، من أنه لا يأثم بالتأخير عن الحدث بالإجماع" (٤). أي: بتأخير الوضوء عن الحدث. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، أن النبي ﷺ جاءه جبريل ﵇، فقال له: "قم فصلِّه، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب، فقال: قم فصله، فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء، فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر، فقال: قم فصله، فصلى الفجر حين برق الفجر، أو قال: سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر، فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر، فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: ثلث الليل فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدًّا، فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت" (٨). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ صلى بداية الوقت ونهايته، وهو دليل الجواز في

стр. 298

التأخير إلى وقت يسع للصلاة، والوضوء إنما شرع للصلاة، فإذا جاز تأخير الأصل وهو الصلاة جاز الفرع وهو الوضوء، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٩ - ١٥٨] جواز الوضوء قبل وقت الصلاة: إذا أراد المسلم أن يتوضأ قبل وقت الصلاة، فإن طهارته صحيحة، وعلى هذا الإجماع. وهذا الحكم يستثنى منه المستحاضة ومن في معناها، فإنه لا إجماع في المسألة، فهي مسألة خلافية مستقلة (١). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من تطهر بالماء، قبل وقت الصلاة أن طهارته كاملة" (٢). ونقله عنه النووي (٣). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على جواز الوضوء قبل دخول وقت الصلاة" (٤). الحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من توضأ قبل الوقت، واستتر واستقبل، ثم جاء الوقت وهو على هذه الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلًا في هذه الثلاثة؛ أجزأته صلاته إجماعًا، واللَّه تعالى أعلم" (٥). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول عند الاستدلال لمن قال باشتراط دخول الوقت للتيمم: "واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] ولا قيام قبله -أي للتيمم-، والوضوء خصه الإجماع والسنة" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والحنابلة (٨)، وابن حزم (٩).

стр. 299

• مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يقل: إذا قمتم إلى صلاة فرض، ولا إذا دخل وقت صلاة فرض فقمتم إليها، بل قال : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] فعم تعالى ولم يخص، والصلاة تكون فرضًا، وتكون تطوعًا بلا خلاف، ولا يقول قائل بعدم الوضوء قبل وقت صلاة التطوع؛ فوجب عدم التفريق بينهما (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح، فكأنما قدم بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" (٢). • وجه الدلالة: هذا نص جلي على جواز الوضوء للصلاة قبل دخول وقتها؛ لأن الإمام يوم الجمعة لا بد ضرورة من أن يخرج قبل الوقت، أو بعد دخول الوقت، وأي الأمرين كان، فتطهر هذا الرائح من أول النهار؛ كان قبل وقت الجمعة بلا شك (٣). • الخلاف في المسألة: ذكر ابن حزم (٤) قولًا بعدم جواز الوضوء قبل الوقت. واستدلوا (٥) بنفس الآية السابقة، حيث فيها ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] فقيد الغسل للأعضاء بالقيام للصلاة. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ نظرًا لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 300

[٥٠ - ١٥٩] الماء المجزئ في الطهارة غير مقدر: الوارد عن النبي ﵊ أنه يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد، فعن سفينة ﵁، قال: "كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" (١). وعن أنس ﵁، أنه ﵊: "كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" (٢). ولكن هذا التقدير غير ملزم، والماء المجزئ غير مقدر، وعلى هذا حُكي الإجماع، وهذا ما تبينه المسألة. • من نقل الإجماع: ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) حيث نقله عنه النووي (٣) فقال -بعد ذكر المسألة-: "وممن نقل الإجماع فيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري" (٤). ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل العلم على أن المد من الماء في الوضوء، والصاع في الاغتسال غيرُ لازم للناس" (٥). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وجملتها تدل على أن لا توقيت فيما يكفي من الماء، والدليل على ذلك أنهم أجمعوا على أن الماء لا يكال للوضوء ولا للغسل، . . . لا يختلفون أنه لا يكال الماء لوضوء ولا لغسل، لا أعلم فيه خلافًا" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فأجمعت الأمة على أن ماء الوضوء والغسل، لا يشترط فيه قدر معين، بل إذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان، وممن نقل الإجماع فيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري" (٧). ويقول أيضًا: "وأجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل، وهو جريان الماء على الأعضاء" (٨). ونقله عنه ابن نجيم (٩).

стр. 301

محمد الخادمي (١١٧٦ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا على أن المقدار المجزئ في الوضوء والغسل غير مقدر؛ فيجزئ ما قل أو كثر، حيث وجد جري الماء على جميع الأعضاء" (١). ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) حيث يقول: "نقل غير واحد إجماع المسلمين على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل؛ غير مقدر بمقدار" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة في المشهور (٣). • مستند الإجماع: ١ - حديث عائشة ﵂، قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه ﷺ في إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد وقريبًا من ذلك" (٤). ٢ - حديث ابن عباس ﵄، "أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد" (٥). • وجه الدلالة: من خلال ما سبق من الأحاديث، وما ورد من الأحاديث في مقدمة المسألة، نجد أن مقدار ما كان يتوضأ به النبي ﷺ ويغتسل اختلف، ولم يداوم ﵊ على مقدار معين، وفي حديث ميمونة لم يذكر قدرًا محددًا، فدل ذلك على عدم اشتراط مقدار محدد، وإنما الضابط في ذلك هو الكفاية والإسباغ (٦). • الخلاف في المسألة: خالف ابن شعبان (٧)، فقال بأنه لا يجزئ في الوضوء أقل من مد، ولا في الغسل أقل من صاع. وحكاه ابن قدامة ﵀ قولًا في المسألة (٨)، واستدل له ورد عليه، وقال هو محكي عن أبي حنيفة (٩).

стр. 302

وهو قول عند الحنابلة ذكره في الإنصاف (١). ويدل لهذا القول حديث جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجزي من الوضوء المد، ومن الغسل الصاع" (٢). حيث إن لفظ الإجزاء في الحديث يدل بمفهوم المخالفة على أن ما قل عن ذلك لا يجزئ، والحديث فيه تحديد (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق (٤)؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٥١ - ١٦٠] إجزاء الوضوء بالمد: إذا توضأ المسلم بالمد، فإن ذلك مجزئ، ونُفي الخلاف عليه، وهو ما سيتبين من مسألتنا. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ليس في حصول الإجزاء بالمد في الوضوء، والصاع في الغسل خلاف نعلمه" (٥). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨). • مستند نفي الخلاف: ١ - حديث سفينة ﵁، قال: "كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع، ويتطهر بالمد" (٩).

стр. 303

٢ - حديث أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، قال: "كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد" (١). • وجه الدلالة: أن الحديث يدل على المسألة بالمطابقة، فالحديث فيه سنة فعلية للنبي ﷺ ، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٥٢ - ١٦١] النهي عن الإسراف في الماء عند الطهارة: الإسراف في الماء عند الوضوء منهي عنه، وعلى ذلك إجماع أهل العلم. • من نقل الإجماع: البخاري (٢٥٦ هـ) حيث يقول: "كره أهل العلم الإسراف فيه" (٢). نقله عنه النووي (٣)، والصنعاني (٤). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ البحر" (٥). ونقله عنه الحطاب (٦). ويقول أيضًا: "اتفق أصحابنا وغيرهم على ذم الإسراف في الماء في الوضوء والغسل" (٧)، وهذا اتفاق مذهبي ذكرته للاعتضاد. ويقول: "والإسراف مكروه بالاتفاق" (٨). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، ولو كان على شاطئ النهر" (٩). وهي عبارة النووي ولم ينسبها له ﵀. ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على النهي عنه في ماء الوضوء والغسل، ولو على شاطئ النهر" (١٠).

стр. 304

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١)، والمالكية (٢). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. • وجه الدلالة: النهي في الآية عن الإسراف، ومنه الإسراف في الماء عند الوضوء. ٢ - حديث سفينة ﵁، قال: "كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يقتصر على أقل القليل من الماء في وضوئه وغسله، فيتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، مما يدل على كراهته الإسراف، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٥٣ - ١٦٢] إجزاء الانغماس في الماء للوضوء: إذا انغمس المتوضئ في الماء، أو وقع فيه، أو وقف تحت ميزاب؛ فإن ذلك يجزئه عن الوضوء، وحُكي الإجماع على ذلك (٤). • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "أجمعوا أن الجنب إذا انغمس في النهر، وتدلك فيه للغسل؛ أن ذلك يجزئه، وإن كان لم ينقل الماء بيديه إليه، ولا صبه عليه، وكذلك الوضوء، ولا يلزم نقل الماء إلى العضو" (٥). ونقله عنه الموّاق (٦)، والحطاب (٧)، ويلاحظ أنه قيده بالدَّلْك. النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "الإجماع منعقد على أن من وقع في ماء، أو وقف تحت ميزاب ونوى؛ صح وضوئه وغسله" (٨).

стр. 305

وقال في موضع آخر: "مذهبنا أن دلك الأعضاء في الغسل، وفي الوضوء سنة ليس بواجب، فلو أفاض الماء عليه فوصل به، ولم يمسه بيديه، أو انغمس في ماء كثير، أو وقف تحت ميزاب، أو تحت المطر ناويًا، فوصل شعره وبشره؛ أجزأه وضوؤه وغسله، وبه قال العلماء كافة إلا مالكًا والمزني، فإنهما شرطاه في صحة الغسل والوضوء" (١). والاستثناء الذي ذكره لا ينقض مسألتنا؛ إذ هو في التفصيلات، واشتراط الدلك. العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "وأما أدلة الإجماع، فإنه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه اتفاقًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية عدا أبا يوسف (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة، ولكن بشرط أن يكون جاريًا؛ أو يتحرك قليلًا في الراكد، ويمسح رأسه، ويغسل قدميه بعده (٥). • مستند الإجماع: قول النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: "فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك" (٦). • وجه الدلالة: إن النبي ﷺ أمره بإمساس الماء، ولم يأمره بزيادة، فدل على كفاية إمساس الماء، كما في مسألتنا (٧). • الخلاف في المسألة: خالف أبو يوسف، واشترط الصب لإسقاط الفرض (٨). وهذا القول يخالف صورتي المسألة: الانغماس والوقوع في الماء، ولا تنقض مسألة الوقوف تحت الميزاب. ولم أجدهم يذكرون له دليلًا. واشترط الحنابلة -في قول عندهم- المسح على الرأس، وعدم إجزاء الغَسل عنه،

стр. 306

فإذا لم يمسح؛ فإن وضوءه لا يصح، ولا بد بعده من غسل القدمين؛ ليتمّ الترتيب عندهم (١). ويستدل هنا بأن فرض الرأس المسح بنص الآية، فلم يجزِ عنه غيرُه. واشترطوا في قولٍ أن يكون الماء جاريًا؛ حيث إن الغمس غير الغسل، فالجاري فيه نوع غسل. وعندهم قولٌ بإجزاء الماء الراكد؛ بشرط تَحَرُّكِه قليلًا؛ ليقوم مقام الغسل. ولديهم قول آخر باشتراط أن يمكث قدر المدة التى يقضي فيها وضوءه؛ بناء على اشتراط الترتيب (٢). وخالف ابن حزم، واشترط أن يتمّه مرتبًا، ونقله عن إسحاق، فيخرج رأسه أولًا، ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج رجليه (٣). لأن الانغماس فقط ليس فيه التزام بالترتيب فلا بد من الخروج مرتبًا. النتيجة: أن الإجماع في عبارة النووي والعيني غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وكذلك عبارة ابن رشد؛ لخلاف أبي يوسف، وابن حزم، واللَّه تعالى أعلم. [٥٤ - ١٦٣] وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء: إذا أراد المسلم الوضوء، فإنه يجب عليه أن يمر يده على أعضاء الوضوء عند غسلها، وعلى ذلك حكى ابن بطال الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث نقل عنه ابن حجر حكايته للإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في المشهور عنهم (٥)، والمزني (٦).

стр. 307

• مستند الإجماع: ١ - حديث عائشة ﵂، حيث قال لها النبي ﷺ : "وادلكي جسدك بيدك" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمرها بدلك جسدها بيدها، والدلك هو الإمرار وزيادة، والأمر يقتضي الوجوب (٢). ٢ - الأحاديث الواردة (٣) في وصف وضوء النبي ﷺ تذكر أنه يمسح بيديه، وهذا هو الدلك الواجب، ومتابعة النبي ﷺ في العبادات واجبة، إلا أن يدل دليل على العكس، وهو غير موجود، فدل على وجوب الدلك، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: قال ابن حجر: "وتعقب بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار فبطل الإجماع" (٤). فخالف الحنفية (٥)، والمالكية في قول (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، فقالوا بعدم وجوب إمرار اليد في الوضوء، وهو خطأ بيّن من ابن بطال ﵀ (٩). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، بل قول جمهور العلماء على خلاف ما ادعاه ابن بطال ﵀، واللَّه تعالى أعلم. [٥٥ - ١٦٤] نية وضوء النافلة تجزئ للفريضة: إذا نوى المصلي في وضوئه النافلة، فإن ذلك يجزئه ليصلي به الفرضَ، نُقل نفي الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول معلقًا على قول الماتن: "وإذا توضأ لنافلة صلى فريضة"، قال: "لا أعلم في هذه المسألة خلافًا" (١٠). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية، وهم لا يرون وجوب النية في الوضوء أصلًا، فمن باب أولى هنا (١١)، والمالكية، ولكن بشرط أن لا

стр. 308

تكون النية باستباحة النافلة بعينها دون غيرها، إذ فيها خلاف (١)؛ كما وافق الشافعية (٢)، والحنابلة على الصحيح من المذهب على نفي الخلاف في المسألة (٣). • مستند نفي الخلاف: مستندهم القياس؛ حيث إن النافلة تفتقر إلى رفع الحدث، ولا تصح إلا بوضوء كالفريضة؛ فكانت نيتهما واحدة، وإذا ارتفع الحدث تحقق شرط الصلاة، وارتفع المانع، فيباح له الفرض والنفل (٤). • الخلاف في المسألة: هناك خلاف لدى الحنابلة في هذه المسألة، فهناك قول عندهم بأنه لا يجزئ وضوؤه هذا عن الفريضة، وهو قول معروف في المذهب، بل لديهم قول أنه إذا توضأ للفريضة؛ فإنه لا يجزئ للنفل (٥). ولم أجد لهم دليلًا، ولكن يمكن أن يستدل لهم بأن النية للتعيين والتمييز، ولا بد من تمييز العبادات. النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٥٦ - ١٦٥] الحدث لا يرتفع حتى اكتمال الطهارة: إذا غسل المتوضئ أعضاءً ولم يكمل وضوءه، فإن المنع من الصلاة باقٍ، حتى يُتم وضوءه، وعلى هذا حكى القرافي الإجماع. • من نقل الإجماع: القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال؛ لاستحالة رفع الواقع، فيتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع، وإذا ارتفع المنع ثبتت الإباحة، فيظهر بهذا البيان بطلان القول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو على حياله؛ لأن المنع باقٍ بالإجماع حتى تكمل الطهارة" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 309

• مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] الآية. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر عند القيام للصلاة بغسل الأعضاء كلها، وإذا لم يتم غسلها كاملة، فإنه لم يتم الامتثال للأمر، ولم يتحقق الوضوء المجيز للصلاة، فلم يرتفع الحدث حتى يتم طهارته، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄، أن النبي ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ذكر الوعيد لمن لا يتم الوضوء على العضو كاملًا، فدل على وجوب إتمام الوضوء كاملًا، وأنه لا يتحقق حتى يتم الأعضاء كلها، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 310

الباب السادس: مسائل الإجماع في باب المسح على الخفين [١ - ١٦٦] جواز المسح على الخفين: إذا توضأ المسلم، ثم لبس خفيه، فإنه يجوز له المسح عليهما، إذا أراد الوضوء، ويُكتفى بذلك من خَلع الخف غسل القدمين. • من نقل الإجماع: ابن المبارك (١٨١ هـ) حيث يقول: "ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز" (١). ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين وأحدث؛ أن له أن يمسح عليهما" (٢). وقال: "وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وكل من لقيت منهم؛ على القول به" (٣). ونقله عنه النووي (٤)، والعيني (٥)، وابن قاسم (٦). القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث يقول: "اتفق أهل العلم ومالك ﵀ على جواز المسح على الخفين" (٧). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول عن المسح على الخفين: "فأهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في ذلك، بالحجاز والعراق والشام وسائر البلدان؛ إلا قوما ابتدعوا؛ فأنكروا المسح على الخفين" (٨). وقال: "لا أعلم أحدًا من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخفين، من لا يختلف عليه فيه؛ إلا عائشة، وكذلك لا أعلم أحدًا من فقهاء المسلمين روي عنه إنكار ذلك؛ إلا مالكًا، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك، "مُوَطؤه" يشهد للمسح على الخفين في الحضر والسفر، وعلى ذلك جميع أصحابه وجماعة أهل السنة" (٩). ونقله

стр. 311

عنه الشوكاني (١). البغوي (٥١٦ هـ) حيث يقول: "أما المسح على الخفين، فجائز عند عامة أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم" (٢). محمد السمرقندي (٦١٥ هـ) حيث يقول في المسح على الخفين: "وثبوته بالإجماع". نقله عنه ابن عابدين (٣). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على جواز المسح على الخفين في السفر" (٤). وقال أيضًا: "وأجمعوا على من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وهو مسافر سفرًا مباحا تقصر في مثله الصلاة، ثم أحدث، فله أن يمسح عليهما" (٥). والإجماع هنا يصب في المسح عمومًا دون التفصيل. الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "فالمسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء، وعامة الصحابة ﵃؛ إلا شيئًا قليلًا، رُوي عن ابن عباس ﵁ أنه لا يجوز" (٦). وقال أيضًا: "وكذا الصحابة ﵃؛ أجمعوا على جواز المسح قولًا وفعلًا" (٧). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم" (٨). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين، في الحضر والسفر" (٩). وعبارة "كافة" من عبارات الإجماع الضعيفة. ونقل بعد ذلك اتفاق الصحابة على الجواز (١٠). وقال أيضًا: "وأجمع من يعتد به في الإجماع، على جواز المسح على الخفين، في

стр. 312

السفر والحضر؛ سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازِمة بيتها، والزَّمِن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم" (١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وكذلك اتفق الفقهاء على أن من توضأ وضوءًا كاملًا، ثم لبس الخفين؛ جاز له المسح بلا نزاع" (٢). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وقد ذكر في الباب الأول أن المسح على الخفين مجمع عليه بين الصحابة" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد اللَّه، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبو مسعود الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبو أمامة الباهلي؛ وأبو زيد الأنصاري، وسلمان، وبريدة، وعمرو بن أمية، ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأسامة بن زيد، وصفوان بن عسال، وأبو هريرة، وعوف بن مالك، وابن عمر، وأبو بكرة، وبلال، وخزيمة بن ثابت (٤)، والمشهور عند المالكية (٥)، وابن حزم (٦). • مستند الإجماع: ١ - حديث المغيرة بن شعبة ﵁، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين" فمسح عليهما (٧). ٢ - حديث حذيفة بن اليمان ﵄، قال: "كنت مع النبي ﷺ فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (٨).

стр. 313

٣ - حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: "جعل النبي ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (١). • وجه الدلالة: في الأولين من فعل النبي ﷺ ، وهي سنة فعلية. أما الثالث؛ ففيه ذكر أمر النبي ﷺ للماسح أن يعمل به يوما وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، فيدل على مشروعيته (٢)، وهو بالمناسبة من رواية علي رضي اللَّه تعالى عنه، خلافا لما رُوي من إنكاره للمسح على الخفين. • الخلاف في المسألة: رُوي الخلاف عن عائشة، وعلي، وابن عباس، وأبي هريرة، ومجاهد، وسعيد بن جبير (٣)، ورُوي عن أهل البيت (٤)، وخالف الشيعة والخوارج أيضًا، فقالوا: لا يجوز، وحكي عن أبي بكر بن داود (٥). ولكن ذكر ابن المبارك، أن كل من روي عنه أنه كره المسح على الخفين؛ رُوي عنه خلاف ذلك (٦). ورُوي ذلك عن مالك، ولكن أنكر صحتَها عنه أكثرُ القائلين بقوله (٧). واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فقراءة النصب تقتضي وجوب غسل الرجلين مطلقا؛ لأنه جعل الأرجل معطوفةً على الوجه واليدين، إذ حكمها الغسل، فكذا الأرجل. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في زمن الصحابة (٨)؛ لوجود المخالف في المسألة من بينهم -وإن أنكر صحةَ السند إليهم بعضُ العلماء- وذلك لشهرة الخلاف في المسألة، ومالك ﵀ أنكر المسح على الخفين في بداية الأمر؛ لما رأى عمل أهل

стр. 314

المدينة على ذلك، مما يدل على شهرة الخلاف في المسألة (١)، ولكن استقر الإجماع بعد ذلك بين الفقهاء على القول بالمسح على الخفين، فلم يُذكر الخلاف بين الفقهاء بعد ذلك، لتواتر النقل عن النبي ﷺ ، إلا ما روي عن مالك، وقد أنكر صحةَ الرواية عنه أكثرُ أصحابه، ولم يعملوا بها (٢)، فالإجماع في هذه المسألة من قبيل الإجماع بعد الخلاف، وهي مسألة أصولية معروفة، سبقت الإشارة لها عدة مرات، وهو حجة على الصحيح، خاصة مع ورود النصوص المتواترة في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢ - ١٦٧] اشتراط لبس الخفين على طهارة: إذا أراد المسلم الوضوء والمسح على الخفين، فإنه يشترط لذلك أن يكون قد أدخل الخفين على طهارة (٣). • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يمسح على الخفين إلا من لبسهما على طهارة" (٤). ونقله عنه القرافي بغير لفظه (٥). البغوي (٥١٦ هـ) حيث يقول: "وفيه (٦) دليل على أن المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبسهما على كمال الطهارة، وهذا قول عامة أهل العلم" (٧). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولو لبس خفيه وهو محدث، ثم أحدث قبل أن يتم الوضوء، ثم أتم، لا يجوز المسح بالإجماع" (٨). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وأما شرط المسح على الخفين؛ فهو أن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء، وذلك شيء مجمع عليه إلا خلافًا شاذًّا، وقد روي عن

стр. 315

ابن القاسم عن مالك" (١). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح خلافًا" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول في نقاش له: "وجواب آخر وهو: أن المسح رخصة، واتفقوا على اشتراط الطهارة له" (٣). ونقله عنه ابن قاسم (٤). ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث يقول: "وإنما يُمسح على خف رجل لا حدث فيها إجماعًا" (٥). ونقل ابن نجيم عبارته دون أن يشير (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن حزم (٧). • مستند الإجماع: حديث المغيرة بن شعبة ﵁، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فمسح عليهما (٨). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ رخص في هذا الحديث بالمسح على الخفين، وعلق تركه للأصل بأنه أدخلهما طاهرتين، فلا يجوز غيره إلا بدليل، ولا دليل على جواز المسح دون الطهارة قبله (٩). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة مالك في روايةٍ عنه (١٠)، وروي عن داود (١١)، فقالوا: الطهارة ليست بشرط في المسح. قالوا: المقصود في الحديث الطهارة من النجاسة (١٢)، أو الطهارة اللغوية (١٣). ولكن الرواية عن مالك رواية شذذها ابن رشد، ولم أجدها عند غيره. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وهو قول روي

стр. 316

عن عالمين من مذهبين مختلفين، مما يضعف دعوى الإجماع أكثر، واللَّه تعالى أعلم. [٣ - ١٦٨] المسح على الخفين جائز في السفر: إذا كان المسلم في سفر، وأراد الوضوء وهو لابسٌ خفيه، فإنه يجوز له المسح على الخفين. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على جواز المسح على الخفين في السفر" (١). وقال أيضًا: "وأجمعوا على من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وهو مسافر سفرًا مباحًا تقصر في مثله الصلاة، ثم أحدث، فله أن يمسح عليهما" (٢). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "مذهبنا ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين، في الحضر والسفر" (٣). وقال أيضًا: "وأجمع من يعتد به في الإجماع، على جواز المسح على الخفين، في السفر والحضر؛ سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازِمة بيتها، والزَّمِن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: ١ - حديث صفوان بن عسال ﵁، قال: "كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم" (٨). • وجه الدلالة: الحديث يدل على مسألتنا بالمطابقة، فقد روى صفوان ﵁ أن

стр. 317

النبي ﷺ كان يأمرهم بأن لا ينزعوا خفافهم في السفر ثلاثة أيام ولياليهن، مما يدل على استحباب المسح على الخفين، وهو جواز وزيادة، واللَّه تعالى أعلم (١). ٢ - حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: "جعل النبي ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم" يعني: في المسح على الخفين (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حدد للمسافر إذا مسح خفيه ثلاثة أيام ولياليهن، مما يدل على جواز المسح للمسافر تضمنًا، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من خالف في مسألة جواز المسح على الخفين ابتداءً، وما قيل هناك يقال هنا. النتيجة: أن الإجماع بعد الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة بعد الاختلاف قبلُ، واللَّه تعالى أعلم. [٤ - ١٦٩] المسح على الخفين مأخوذ من الأثر: بعد أن تم بحث مسألة الإجماع على شرعية المسح على الخفين، فقد حكي الإجماع على أن المسح على الخفين مأخوذ من طريق الأثر، وليس من القياس. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن المسح على الخفين مأخوذ من طريق الأثر، لا من طريق القياس" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: ١ - حديث علي ﵁، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يمسح على ظاهر الخفين" (٨).

стр. 318

• وجه الدلالة: أن عليًّا ﵁ نص على أن الدين ليس بالرأي، والمقصود هنا القياس، بمعنى أن العبادات لا يدخلها القياس، ولذا استدل بهذا الحديث منكرو القياس (١)، ثم قال بأنه رأى النبي ﷺ يمسح على الظاهر، وهذا استدلال منه على قوله الأول بأنه رَأَى، والواجب حينئذ الاتباع، مع أن القياس يقول بأن الباطن أولى بالمسح، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أننا لو قلنا بأنه من طريق القياس لوجب القول بالمسح على القفازين، وعلى كل ما غيب الذراعين، من غير علة ولا ضرورة، فدل على أن المسح على الخفين خصوص لا يقاس عليه ما كان في معناه (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٥ - ١٧٠] المسح على الخفين غير واجب: إذا أراد إنسان أن يتوضأ، وهو لابسٌ خفيه، فلا يجب عليه أن يمسح عليهما في وضوءه (٣). • من نقل الإجماع: الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "وظاهر قوله: (يأمرنا) (٤) للوجوب، ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره؛ فبقي للإباحة وللندب" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وابن حزم (١٠). • مستند الإجماع: غسل الرجلين ركن من أركان الوضوء، والواجب فيهما الغسل، ولكن رُخص للتيسير في المسح على الخفين، وليس أمامَنا إلا أمران؛ إما الغسل وهو الأصل، أو المسح وهو الرخصة، فإذا أوجبنا المسح فهو مقابل الأصل، ولا يمكن أن

стр. 319

يكون البدل أقوى من المبدل منه (الأصل)، وبهذا لا يقال بالوجوب. حتى من قال: إن المسح عزيمة، فيقال له: إنها عزيمة في مقابل واجب، فلا يمكن أن يقال بوجوب المسح عليه، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٦ - ١٧١] المسح مرة واحدة مجزئ: إذا مسح المتوضئ على خفيه مرة واحدة، فإن ذلك مجزئ. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن المسح على الخفين مرة واحدة مجزئ" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). هذه المسألة لم يفردها العلماء بالكلام في كتبهم -فيما وقفت عليه- بل هي تابعة لما ذكروه في إجزاء الغسلة الواحدة في الوضوء، فالمسح قائم مقام غسل الرجل، وهي عضو من أعضاء الوضوء، وقد سبق بيان المسألة بعنوان: (إجزاء الغسلة الواحدة إذا عمت)، ولذا لن أكرر بحث المسألة هنا. [٧ - ١٧٢] استيعاب الخف بالمسح لا يجب: إذا أراد المتوضئ أن يمسح على خفيه، فإنه لا يجب عليه استيعاب الخف بالمسح. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول عن استيعاب الخف بالمسح: "الإجماع على أنه لا يجب" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، وابن مسلمة، وجماعة من المالكية (٥)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: أن لفظ المسح على الخفين ورد عن النبي ﷺ مطلقًا، وفسره ﵊ بفعله، حيث ورد أنه مسح على الخفين دون أن يُحدّد تحديد

стр. 320

محدد، فيجب الرجوع إلى تفسيره، فكل ما يصح أن يقال فيه أنه مَسَحَ خفيه فهو مجزئ (١). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في الظاهر من المذهب (٢)، وهو وجه عند الحنابلة (٣)، فقالوا: يجب استيعاب الخف بالمسح. واحتجوا بأنه مسحٌ أُبدل عن غسل؛ فكان حكمه في الاستيعاب كالجبيرة (٤). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٨ - ١٧٣] المسح إلى الكعبين غير واجب: إذا أراد المتوضئ المسح على الخفين، فإنه لا يجب عليه المسح إلى الكعبين، وحكى العيني، وابن نجيم على هذا الإجماع. • من نقل الإجماع: العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "المسح إلى الكعبين غير واجب إجماعًا" (٥). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "وقال الجمهور: لم يثبت بالكتاب، وهو الصحيح بدليل قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾؛ لأن المسح غير مقدر بهذا بالإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وابن حزم (١٠). • مستند الإجماع: ١ - حديث حذيفة بن اليمان ﵄، قال: "كنت مع النبي ﷺ فبال، وتوضأ، ومسح على خفيه" (١١). ٢ - حديث علي ﵁، قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح
следующие страницы →