← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

• من نفى الخلاف: الإمام الموفق ابن قدامة ت ٦٢٠ هـ، فقال: "وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به إلا أنه غير مقصود كدار مموه سقفها بالذهب؛ جاز لا أعلم فيه خلافًا" (١). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق جمهور فقهاء الأمصار على نفي الخلاف في جواز بيع الربوي بغير جنسه، ومعه من جنسه: الحنفية ببعض شروط (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية في الأصح عندهم (٤)، والحنابلة في ظاهر مذهبهم، وهو اختيار تقي الدين ابن تيمية، وابن القيم (٥)، وهو قول الحسن والشعبي والنخعي (٦)، ونقله ابن حزم عن الحكم بن عتيبة وابن سيرين وقتادة، وسليمان بن موسى، ومكحول، وسفيان (٧). • مستند نفي الخلاف: لجواز دخول الثمرة قبل بدو صلاحها في بيع الأصل تبعًا (٨) (٩).

стр. 2592

٢ - لأن الحاجة داعية إلى بيع ذلك، وشرائه، وقد عمت به البلوى، ولو منع ذلك وقع الناس في حرج شديد (١). ٣ - لأنه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصرف (٢). ٤ - لأن الدار المبيعة -وقد مُوِّه سقفُها بالذهب- بالذهب هي المقصودة، وهذه لا ربا فيها، والربوي الذي ظهر فيها وهو الذهب المموه به لم يكن مقصودًا في البيع، فوجوده كعدمه (٣). • الخلاف في المسألة: خالف ابن حزم في هذا، فقال بعدم الجواز حتى يفصل الربوي عن ما معه (٤). والقول الثاني عند الشافعية (٥)، والرواية الثانية عند أحمد: المنع، وهي ما عليه جماهير الأصحاب عند الحنابلة وقدموه ونصروه (٦). وعن أحمد رواية بالجواز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره [وهو شبيه بما اشترطه الحنفية] أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، ويشترط أن لا يكون حيلة على الربا (٧). • أدلة هذا الرأي: ١ - حديث فضالة بن عبيد الأنصاري (٨): أتي رسول اللَّه ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم؛ تباع، فأمر رسول اللَّه ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده, ثم قال لهم رسول اللَّه ﷺ : "الذهب بالذهب وزنًا بوزن" (٩).

стр. 2593

وعند أبي داود بلفظ: أتي النبي ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير، فقال النبي ﷺ : "لا. حتى يتميز بينه وبينه" فقال: إنما أردت الحجارة. فقال النبي ﷺ : "لا. حتى يتميز بينهما" (١). قال الإمام ابن حزم عقب استدلاله بهذين اللفظين: "فهذا رسول اللَّه ﷺ لم يلتفت نيته في أنه إنما كان غرضه الخرز، ويكون الذهب تبعًا, ولا راعى كثرة ثمن من قلته، وأوجب التمييز والموازنة ولا بد" (٢). ٢ - ولأن النبي ﷺ أمر أن لا يباع الذهب والفضة بشيء من نوعهما إلا عينًا بعين، فإذا خلط أو كان مضافا إليه شيء؛ فلا سبيل إلى تحقيق أمر النبي ﷺ بيعه عينًا بعين (٣). النتيجة: عدم تحقق نفي الخلاف على جواز بيع الربوي بغير جنسه، ومعه من جنسه؛ لخلاف من سبق من الفقهاء. [٢٠/ ٢٠] مسألة: الإجماع على فسخ عقد البيع المتضمن للربا . إذا المرء باع بيعًا أربى فيه، كأن باع ذهبًا بذهب أو فضة بفضة أو برًّا ببر أو شعيرًا بشعير أو تمرًا بتمر أو ملحًا بملح متفاضلًا أو نسيئة. أو باع بشرط أن يسلفه أو يقرضه أو شرط المشتري ذلك عليه، فالبيع محرم وفاسد وباطل ومفسوخ، وقد نقل الإجماع على هذا كما قد نفي الخلاف فيه. • من نقل الإجماع: ١ - الإمام ابن المنذر ت ٣١٨ هـ؛ فقال كما نقله عنه السبكي: "أجمع عوام [كذا] الأمصار: مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد،

стр. 2594

وإسحق، وأبو ثور، والنعمان [أبو حنيفة]، ويعقوب [أبو يوسف]، ومحمد بن الحسن (١) [الشيباني] على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح متفاضلًا يدًا بيد ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك؛ فقد أربى، والبيع مفسوخ" (٢). ٢ - الإمام أبو القاسم المهلب ابن أبي صفرة التميمي ت ٤٣٣ هـ (٣)، فقال: "لا خلاف بين العلماء أن كل من باع بيعًا فاسدًا أن بيعه مردود، وقول النبي ﵇: (أوَّهْ عين الربا) (٤)؛ دليل على فسخ البيع؛ لأن اللَّه تعالى قد أمر بذلك في كتابه، وقضى برد رأس المال بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] " (٥). ٣ - الإمام ابن عبد البر ت ٤٦٣ هـ، فقال: "وفي اتفاق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا مفسوخ أبدًا؛ دليل واضح على أن بيع عامل رسول اللَّه ﷺ الصاعين بالصاع في هذا الحديث (٦)؛ كان قبل نزول آية الربا، وقبل أن يتقدم إليهم رسول اللَّه ﷺ بالنهي عن التفاضل في ذلك" (٧). ٤ - الإمام الموفق ابن قدامة ت ٦٢٠ هـ، فقال: "ولو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه، أو شرط المشتري ذلك عليه؛ فهو محرم، والبيع باطل. . . ولا أعلم

стр. 2595

فيه خلافًا" (١). • الموافقون على الاتفاق: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم: الحنفية (٢) والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) على أن عقد البيع المتضمن الربا فاسد مفسوخ، وهو قول من ذكر ابن المنذر في حكايته الإجماع السابق. • مستند الاتفاق: قوله تعالى (٦): ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال الإمام الكاساني في معرض الكلام عن هذه المسألة: "لو انتفت [أي المماثلة بين البدلين في أموال الربا] فالبيع فاسد؛ لأنه بيع ربا، والبيع الذي فيه ربا فاسد؛ لأن الربا حرام بنص الكتاب الكريم، قال اللَّه : ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] " (٧). ٢ - حديث أبي سعيد الخدري (٨) قال: جاء بلال بتمر برني فقال له رسول اللَّه ﷺ : "من أين هذا"؟ فقال بلال: من تمر كان عندنا رديء، فبعت صاعين

стр. 2596

منه بصاع ليطعم النبي ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "أوَّه! عين الربا، لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري التمر؛ فبعه ببيع آخر، ثم اشتر به" (١). وفي رواية: أُتي رسول اللَّه ﷺ بتمر، فقال: "ما هذا التمر من تمرنا" فقال الرجل يا رسول اللَّه بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا الربا، فردوه، ثم بيعوا تمرنا، واشتروا لنا من هذا" (٢). قال الإمام ابن عبد البر في معرض الاستدلال لهذا المسألة: "وقد روى أن رسول اللَّه ﷺ أمر برد هذا البيع، وذلك محفوظ من حديث بلال، ومن حديث أبي سعيد الخدري أيضًا" (٣). وقال الإمام القرطبي عقب استدلاله بهذين الحديث بلفظيه: "قال علماؤنا: قوله: (أوه عين الربا) أي هو الربا المحرم نفسه لا ما يشبهه. وقوله: (فردوه) يدل على وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصح بوجه" (٤). ٣ - قوله ﷺ (٥): "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد" (٦). قال الإمام ابن عبد البر في معرض الاستدلال لهذا المسألة: "والبيع إذا وقع محرمًا فهو مفسوخ مردود، وإن جهله فاعله. قال رسول اللَّه ﷺ : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) " (٧).

стр. 2597

٤ - حديث يحيى بن سعيد (١)، أنه قال: أمر رسول اللَّه ﷺ السعدين (٢) أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة، فباعا كل ثلاثة بأربعة عينًا، أو كل أربعة بثلاثة عينًا؛ فقال لهما رسول اللَّه ﷺ : "أربيتما فَرُدَّا" (٣). قال الإمام ابن عبد البر في معرض استدلاله بهذا الخبر: "وفي قوله. . (أربيتما فردا) دليل على أن البيع الحرام مردود أبدًا؛ فإن فات رجع فيه إلى [القيمة عند] الفقهاء" (٤). وقال الإمام السرخسي أيضًا: "لأن مباشرته [أي العقد الفاسد] معصية، والإصرار على المعصية معصية؛ فلهذا قال ﷺ : (أربيتما فردا) " (٥). • الخلاف في المسألة: ليس هناك خلاف في هذه المسألة؛ إلا أن الخفية يرون أن العقد وإن كان فاسدًا إلا أنه لا يفسخ إن كان العوض مقبوضًا. فقال السرخسي مثلًا: "الفضل الخالي عن العوض إذا دخل في البيع كان ضد ما يقتضيه البيع؛ فكان حرامًا شرعًا، واشتراطه في البيع مفسد للبيع" (٦). ومؤدى كلامه أن العوض ما لم يكن مشروطًا لم يفسد البيع. وفصل ابن نجيم أكثر فقال: "من جملة صور البيع الفاسد جملة العقود الربوية، يملك العوض فيها بالقبض" (٧). • ودليلهم على هذا: أن الربا وسائر البيوع الفاسدة من قبيل ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه (٨).

стр. 2598

النتيجة: تحقق الإجماع ونفي الخلاف على كون عقد البيع الذي دخله الربا عقدًا فاسدًا. أما كونه مفسوخًا حتى بعد القبض فقد سبق خلاف الحنفية في ذلك. [٢١/ ٢١] مسألة: الإجماع على أنه لا ربا بين العبد وسيده إلا أن يكون على العبد دَيْنٌ . لا يجري الربا بين العبد وسيده، وعليه يجوز أن يبيع السيدُ لعبده درهمًا بدرهمين، أو نحو ذلك من الفضل الخالي عن العوض، وقد نقل الإجماع والاتفاق على هذا. • من نقل الإجماع والاتفاق: الإمام محمد بن الحسن التميمي الجوهري ت في حدود ٣٥٠ هـ، فقال: "وأجمعوا أنه لا ربا بين العبد وسيده إلا أن يكون على العبد دين" (١). الوزير ابن هبيرة ت ٥٦٠ هـ، فقال: "واتفقوا على أنه ليس بين السيد وبين عبده ربا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم على الاتفاق على أنه ليس بين السيد وبين عبده ربا: الحنفية وإن كان عليه دين عند بعضهم (٣)، والمالكية مع كراهته عندهم دون تحريمه (٤)، وألمح الشافعية إليه (٥)، وهو رواية

стр. 2599

عن أحمد، اختيار بعض أصحابه كابن أبي موسى، وأبي بكر (١)، وحكاه ابن حزم من قول الحسن وجابر بن زيد والنخعي والشعبي وسفيان الثوري وعثمان البتي والحسن بن حي والليث (٢). • مستند الإجماع والاتفاق: حديث (٣): "لا ربا بين العبد وسيده" (٤). ٢ - لأن هذا ليس ببيعٍ؛ لأن كسب العبد لمولاه فهو ما لرقبته، والبيع مبادلة ملك السيد بملك غيره (٥). أدلة المالكية على الكراهة: ١ - قول النبي ﵇ (٦): "الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقي المشبهات استبرأ لدينه وعرضه" (٧).

стр. 2600

قال الإمام أبو الوليد ابن رشد الجد في معرض استدلاله لرأيهم بالكراهة: "أن ربا السيد من عبده من المشتبهات التي من تركها أجر، ومن فعلها لم يأثم لقول النبي ﵇: (الحلال والحرام. .) -فذكره-" (١). ب- لأن ملك العبد لماله غير مستقر، فيجوز لسيده أن يأخذه منه، فلما جاز له أخذه بغير رضاه، لم يحرم عليه أن يأخذه منه ربا معه فيه (٢). • الخلاف في المسألة: خالف أحمدُ وجماهيرُ أصحابه، وهو المذهبُ عندهم (٣)، والظاهريةُ (٤)، فقالوا: يجري الربا بين العبد وسيده. وعليه لا يجوز أن يبيعه درهمًا بدرهمين، وهكذا. وأدلتهم على ذلك: ١ - حديث عبد اللَّه بن شداد (٥)، قال: مر الحسين بن علي ﵄ براع، فأهدى الراعي إليه شاة، فقال له الحسين: حر أنت أم مملوك؟ فقال: مملوك. فردها الحسين عليه؛ فقال له المملوك: إنها لي، فقبلها منه، ثم اشتراه، واشترى الغنم، فأعتقه وجعل الغنم له (٦). قال ابن حزم عقب الاستدلال بهذا الحديث: "فهذا الحسين تَقبَّل هدية المملوك إذ أخبره أنها له" (٧) أي أنه قد ثبتت بذلك الخبر ذمة مالية مستقلة للعبد.

стр. 2601

٢ - لأن اللَّه تعالى حرم الربا بصيغة العموم؛ ولم يخص عبدًا من حر (١). كما ذهب أكثر الحنفية إلى أنه إن كان عليه دين لا يجوز الربا بينهما (٢). • وأدلتهم على ذلك: أن ما في يد العبد ليس بملك للسيد عند أبي حنيفة فأصبح كالمكاتب، أما أبو يوسف ومحمد بن الحسن فلأنه تعلق به حق الغير فلا يخلو من شبه الربا (٣). النتيجة: عدم تحقق الاتفاق على أن لا ربا بين العبد وسيده؛ لخلاف الحنابلة؛ حيث هو المذهب عندهم، والظاهريةِ. [٢٢/ ٢٢] مسألة: الإجماع على جواز قليل الغور (٤). البيوع والمهور وغيرها من المعاملات لا تخلو من غور قليل وغبن يسير، فيعفى عنه، وقد نقل الإجماع على جوازه. • من نقل الإجماع: الإمام ابن عبد البر ت ٤٦٣ هـ، فقال: "وكثير الغرر لا يجوز بإجماع وقليله متجاوز عنه" (٥). الإمام النووي ت ٦٧٦ هـ؛ فقال: "أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير" (٦).

стр. 2602

• الموافقون على الإجماع: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم على الإجماع على جواز الغرر القليل: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: لأنه لا يسلم بيع من قليل الغرر (٥). • الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة. النتيجة: انعقاد الإجماع على جواز الغرر القليل والعفو عنه. [٢٣/ ٢٣] مسألة: الاتفاق على جواز الصرف (٦) إذا كان أحدهما دينًا وقبضه في المجلس. إذا كان أحد العوضين أو البدلين دينًا في عملية الصرف، فتصارفا به مع قبضه في المجلس؛ جاز ذلك، وقد نقل الاتفاق على هذا. • من نقل الاتفاق: الإمام الطحاوي ت ٣٢١ هـ، فقال: "واتفقوا -يعني

стр. 2603

هؤلاء الفقهاء الثلاثة [أبا حنيفة ومالكًا والشافعي]-على جواز الصرف إذا كان أحدهما دينًا وقبضه في المجلس" (١). الإمام ابن عبد البر ت ٤٦٣ هـ، فقال: "اتفق هؤلاء المذكورون [يعني أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وزفر والحسن بن حي] على جواز الصرف إذا كان أحدهما دينًا وقبضه في المجلس" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق جمهور الفقهاء على الاتفاق على جواز الصرف إذا كان أحد البدلين دينًا: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وهو الصحيح عند الحنابلة (٦). • مستند الاتفاق: ١ - خبر ابن عمر (٧)، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول اللَّه ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول اللَّه رويدك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم

стр. 2604

وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء" (١). قال الإمام شمس الدين ابن قدامة عقب استدلاله بهذا الحديث: "دل الحديث على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر وغيره مقاس عليه ودل على اشتراط القبض في المجلس قوله: (إذا تفرقتما وليس بينكما شيء" (٢). ٢ - لأنه إذا لم يقبض في المجلس قبل التفرق -والحال هكذا- صار بيع دين بدين وهو حرام (٣). • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في الرواية الثانية عنه في هذا، فقال بعدم الجواز (٤).

стр. 2605

النتيجة: عدم تحقق الاتفاق على جواز الصرف إذا كان أحد العوضين دينًا رغم قبضه في المجلس؛ لخلاف أحمد في رواية.

стр. 2606

الفصل الثاني مسائل الإجماع في صور من البيوع [٢٤/ ١] مسألة: من ابتاع سلعة ثم باعها مرابحة (١)، ثم ابتاعها بزيادة فأراد بيعها مرابحة وجب أن يبيعها على ثمنها الثاني لا الأول بالإجماع. كمن اشترى ثوبا بعشرة دراهم فباعه بخمسة عشر درهمًا ثم اشتراه باثني عشر درهمًا، وجب بيعها على ثمنه الثاني اثني عشر درهمًا. وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الإمام محمد بن الحسن التميمي الجوهري ت في حدود ٣٥٠ هـ، فقال: "وأجمعوا أن من ابتاع سلعة ثم باعها مرابحة، ثم ابتاعها. بزيادة، فأراد أن يبيعها؛ باعها على ثمنها الثاني لا الأول" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم على الإجماع في هذه المسألة: أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 2607

وهو قول عند الحنابلة (١) صوبه بعضُهم وضعَّف سواه (٢). • مستند الإجماع: ١ - لأنه الشراء الثاني مستقل فلا يدخل فيه ما قبله من ربح (٣). ٢ - لأنه لو تملكه بسبب هبة أو ميراث أو وصية فباعه، ثم اشتراه بعد ذلك؛ جاز له أن يبيعه مرابحة على ما اشتراه به (٤). ٣ - لأنه تهمة ولا تغرير بالمشتري (٥). ٤ - لأن العقد الثاني وهو الشراء ملك حادث غير لازم للبيع الأول (٦). • الخلاف في المسألة: خالف جماعة فقالوا: لا يجوز؛ بل عليه أن لا يبيعه مرابحة حتى يطرح ربحه الأول من رأس المال. وهم: أبو حنيفة وأتباعُه سوى صاحبيه (٧)، وهو المذهب والمستحب عند الحنابلة وعليه الأصحاب (٨) -ولكنه ضعيف عند المرداوي (٩) -، وابنُ سيرين (١٠).

стр. 2608

• أدلة هذا الرأي: ١ - لأن العقود في المرابحة تضم إلى بعضها، وبيوع الأمانة تقتضين أن يخبر بما قامت عليه به، كما تضم أجرة الخياط والقصار، وإن البائع استفاد بالشراء ثبوت الربح له لعدم رجوع المشتري في العقد الأول (عقد البيع) فقد أمن أن يرده عليه (١). ٢ - لأن الإخبار بحقيقة الأمر أبعد من التغرير بالمشتري (٢). النتيجة: عدم انعقاد الإجماع في هذه المسألة لخلاف أبي حنيفة والحنابلة. [٢٥/ ٢] مسألة: الإجماع حرمة الخديعة في البيع (٣). تَحْرُم الخديعة، حتى أصبح ذلك التحريم واضحًا لكل أحد، ولا يكاد يخفى عليه، ولا مراء فيه، كما أن الخديعة كذب، والكذب حرام، وقد نقل الإجماع على هذا، ونفي المراء فيه. • من نقل الإجماع: الإمام ابن حزم ت ٤٥٦ هـ، فقال: "حرم الخديعة. ولا يمتري أحد في أن بيع المرء بأكثر مما يساوي ما باع ممن لا يدري ذلك؛ خديعة للمشتري، وأن بيع المرء بأقل مما يساوي ما باع، وهو لا يدري ذلك؛ خديعة للبائع، والخديعة حرام لا تصح" (٤). الإمام ابن عبد البر ت ٤٦٣ هـ؛ فقال: "أما النجش فلا أعلم بين أهل العلم اختلافًا في أن معناه: أن يعطي الرجل الذي قد دسه البائع وأمره، في السلعة

стр. 2609

عطاء لا يريد شراءها به فوق ثمنها؛ ليغتر المشتري، فيرغب فيها" أو يمدحها بما ليس فيها، فيغتر المشتري حتى يزيد فيها. أو يفعل ذلك بنفسه ليغر الناس في سلعته وهو لا يعرف أنه ربها، وهذا معنى النجش عند أهل العلم. . . وهذا من فعل فاعله مكر وخداع لا يجوز عند أحد من أهل العلم لنهي رسول اللَّه ﷺ عن النَّجْشِ (١). . . وأجمعوا أن فاعله عاص للَّه إذا كان بالنهي عالمًا" (٢). الإمام الرافعي ت ٦٢٣ هـ؛ حيث قال: "النجش خديعة وتحريم الخديعة واضح لكل أحد" (٣). الإمام بدر الدين العيني ت ٨٥٥ هـ؛ فقال: "الكذب حرام بالإجماع جائز في مواطن بالإجماع أصلها الحرب" (٤). وقد سمى النبي ﵇ الحرب خدعة، فقال: "الحرب خدعة" (٥). وإذا كان الكذب جائز في الحرب، فالمقصود بالكذب هنا الخداع؛ فدل ذلك على أن تحريم الكذب تحريم للخديعة. واللَّه تعالى أعلم. الشيخ ابن قاسم النجدي ت ١٣٩٢ هـ؛ فقال: "وأجمعوا على تحريمه [أي النجش] لخبر: (هى عن النجش)، ولما فيه من تغرير المشتري وخديعته" (٦). وإذا كان النجش محرم بالإجماع للتغرير والخديعة؛ دل ذلك على أن الخديعة محرمة بالإجماع مثله. • الموافقون على حرمة الخديعة في البيع: وافق جمهور فقهاء الأمصار

стр. 2610

وأتباعهم على الإجماع ونفي المراء في تحريم الخديعة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع ونفي المراء: ١ - قوله تعالى (٦): ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]. ٢ - قوله ﵇: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" (٧). ٣ - قوله ﵇ (٨): "بيع المُحَفَّلاتِ (٩) خِلابة، ولا تحل الخِلابة لمسلم" (١٠).

стр. 2611

قال الشافعي: "وينبغي للمسلمين أن لا يخلبوا، والخِلابة: الخديعة" (١). وقال ابن تيمية عقب الاستدلال بهذا الحديث: "هذا نص في تحريم جميع أنواع الخلابة في البيع وغيره، والخلابة الخديعة" (٢). ٤ - قوله ﷺ (٣): "الخديعة في النار" (٤). • الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة. النتيجة: تحقق الإجماع على حرمة الخديعة لكونها كذبًا وتغريرًا وظلمًا. [٢٦/ ٣] مسألة: البيع التدليس (٥) والغش؛ نافذ بالإجماع. البيع إذا تم، وكان في المبيع تدليس أو عيب؛ نَفَذَ البيعُ، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الإمام ابن عبد البر ت ٤٦٣ هـ، فقال: "فيه [أي حديث المصراة (٦)] دليل على أن بيع المعيب بيع يقع صحيحًا، بدليل التخيير فيه؛ لأنه

стр. 2612

إن رضي المبتاع بالعيب جاز ذلك، ولو كان بيع المعيب فاسدًا أو حرامًا لم يصح الرضا به، وهذا أصل مجتمع عليه" (١). وقال أيضًا: "بيع تلقي السلع وقد أجمعوا أن البيع في ذلك غير مفسوخ" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم على الإجماع على نفاذ البيع مع العيب أو التدليس: الحنفية (٣)، والمالكية (٤) والشافعية (٥)، وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه الأصحاب (٦). • مستند الإجماع: قوله ﵇ في حديث المصراة (٧): "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعدُ؛ فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها: إن شاء

стр. 2613

أمسك، وإن شاء ردها وصاعَ تمر" (١). قال ابن عبد البر في معرض الاستدلال بهذا الحديث: "فيه دليل على أن بيع المعيب بيع يقع صحيحًا، بدليل التخيير فيه؛ لأنه إن رضي المبتاع بالعيب جاز ذلك، ولو كان بيع المعيب فاسدًا أو حرامًا لم يصح الرضا به" (٢). وقال الإمام الشيرازي في معرض استدلاله للمسألة: "إن باع ولم يبين العيب؛ صح البيع؛ لأن النبي ﷺ صحح البيع في المصراة مع التدليس بالتصرية" (٣). وقال الإمام تقي الدين السبكي عقب ذكر الاستدلال بهذا الحديث: "فإن النبي ﷺ جعل مشترى المصراة بالخيار إن شاء أمسك، وإن شاء رد مع التدليس الحاصل من البائع بالتصرية، وهي عيب مثبت للخيار بمقتضى الحديث؛ فدل على أن التدليس بالعيب وكتمانه لا يبطل البيع" (٤). ٢ - لأن للمشتري الخيار إذا كان يعلم حال المدلس أو المعيب إن شاء لم يرضه فرده، وإن شاء رضيه فأمضاه (٥). ٣ - لأن النبي ﷺ نهى عن التصرية، وجعلها تدليسًا، ثم قال: "من ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعًا" ولو كان البيع باطلًا بالتدليس لرد ولم يخير (٦). • الخلاف في المسألة: خالف هذا الإجماع فقال ببطلان البيع: أحمدُ في رواية قيل هي ظاهر منصوص الإمام، وهو اختيار بعض أصحابه (٧)، والظاهريةُ (٨).

стр. 2614

• أدلة هذا الرأي: ١ - قوله تعالى (١): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. ٢ - قوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" (٢). ٣ - لأنه أكل مال بالباطل (٣). ٤ - لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد (٤). ٥ - لظاهر النهي في حديث المصراة (٥). النتيجة: عدم انعقاد الإجماع على كون البيع مع التدليس واقع لخلاف أحمد في رواية وبعض أصحابه، والظاهرية. [٢٧/ ٤] مسألة: لا ينبغي أن يسوم (٦) المسلم على سوم أخيه المسلم ولا على الكتابي (٧) الذمي (٨) بالإجماع. لا يجوز لمسلم أن يسوم على سوم أحد سواء أكان هذا الأحد مسلمًا أو غير مسلم، وقد نقل الإجماع والاتفاق على هذا، كما نفي الخلاف فيه.

стр. 2615

• من نقل الإجماع: الإمام الطحاوي ت ٣٢١ هـ، فقال: "قال الأوزاعي: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه. قال أبو جعفر: ولا نعلم أحدًا قال بذلك غير الأوزاعي" (١). الإمام محمد بن الحسن التميمي الجوهري ت في حدود ٣٥٠ هـ، فقال: "وأجمعوا أنه لا ينبغي أن يسوم الرجل على سوم الرجل، ولا الكتابي الذمي" (٢). الإمام ابن بطال ت ٤٤٩ هـ، فقال: "الفقهاء كلهم يكرهون أن يسوم على سوم أخيه بعد السكون" (٣). الإمام ابن عبد البر ت ٤٦٣ هـ، فقال: "لا خلاف بينهم في كراهية بيع الرجل على بيع أخيه المسلم وسومه على سوم أخيه المسلم. . وكذلك لا أعلم خلافًا في أن الذمي لا يجوز لأحد أن يبيع على بيعه ولا يسوم على سومه، وأنه والمسلم في ذلك سواء" (٤). الوزير ابن هبيرة ت ٥٦٠ هـ، فقال: "واتفقوا على أن بيع السائمة على سوم أخيه، وبيعه على بيع أخيه مكروه" (٥). الإمام النووي ت ٦٧٦ هـ، فقال: "أجمع العلماء على منع البيع على بيع أخيه والشراء على شرائه والسوم على سومه" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)،

стр. 2616

المالكية (١)، وأكثر الشافعية (٢)، والحنابلة بالنسبة لحرمة سوم المسلم على المسلم دون الذمي (٣). • مستند الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف: ١ - قوله ﵊ (٤): "لا يستامُ الرجل على سوم أخيه" (٥). وهو خبر بمعنى النهي (٦). ٢ - أن ذكر الأخ في الحديث؛ خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له؛ فعليه المسلم والذمي في ذلك سواء (٧).

стр. 2617

٣ - لأن في السوم على الغير فيه إفساد وإنجاش، وكلاهما محرم (١). ٤ - لأن الذمى يدخل في النهي عن النجش، وعن ربح ما لم يضمن، وفي الشفعة أيضًا، وغيرها مما يتبع فيه الذمى للمسلم، فكذلك هذه المسألة يدخل الذمي في منع السوم عليه (٢). ٥ - لأن العلماء أجمعوا على كراهة سوم الذمي على سوم المسلم وعلى سوم الذمي إذا تحاكموا إلينا، فدل ذلك على أنهم داخلون في النهي (٣). ٨ - أن ذكر الأخ في الحديث؛ هو من باب الرقة والعطف على المسلم وليس للتقيد؛ والكافر كالمسلم في ذلك (٤). • الخلاف في المسألة: خالف في نفي الخلاف بالنسبة للذمي: أبو عبيد بن حَرْبَوَيْه (٥) من الشافعية (٦)، والحنابلة (٧)،

стр. 2618

والأوزاعي (١) فرأوا جواز سوم المسلم على الذمي. • أدلة هذا الرأي: أن الأخوة بين الذمي والمسلم منتفية، والنهي عن السوم في المسلمين خاصة؛ لأنه عليه الصلاة السلام قال: "لا يسوم أحدكم على سوم أخيه" (٢). ٢ - لأن خطاب رسول اللَّه ﷺ كان للمسلمين في أن لا يبع بعضهم على بيع بعض، فقال: "لا يبع أحد على بيع أخيه" يعني المسلم (٣). ٣ - ولأن وإلحاق غير المسلم بالمسلم إنما يصح إذا كان مثله، والذمي ليس كالمسلم، ولا حرمته كحرمته (٤). ٤ - أن القول بأن الحديث خرج مخرج الغلب إنما يصح جوابا متى كان المذكور لا يحمل معنًا خاصا لتخصيص الحكم به، لكن الحديث ذكر الأخوة الإسلامية وهي توجب زيادة احتياط في رعاية الحقوق وهي غير موجودة في الذمي (٥). النتيجة: عدم انعقاد الإجماع والاتفاق وعدم تحقق نفي الخلاف على المنع من سوم المسلم على الذمي خاصة لخلاف ابن حربويه الشافعي والحنابلة والأوزاعي. [٢٨/ ٥] مسألة: الذمي إذا كان عنده عبد فأسلم العبد أجبر على بيعه بالإجماع . إذا كان عند أحد من أهل الذمة رقيق فأسلموا أجبروا على بيعهم، وقد نقل الإجماع على هذا، كما نفي النزاع فيه.

стр. 2619

• من نقل الإجماع: الإمام ابن المنذر ت ٣١٨ هـ، فقال: "وأجمعوا أن رقيق أهل الذمة إذا أسلموا بيعوا عليهم" (١). الإمام شمس الدين ابن قدامة ت ٦٨٠ هـ، فقال: "لا يجوز استدامة الملك للكافر على المسلم إجماعًا" (٢). الإمام المرداوي ت ٨٨٥ هـ، فقال: "إن أسلم عبد الذمي أجبر على إزالة ملكه عنه بلا نزاع" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهريةُ على الإجماع في هذه المسألة، إلا أن الظاهرية قالوا: هو حر ساعة أسلم. ولا ولاء لأحد عليه لأنه خرج من ملكه فلا ينتظر حتى يباع عليه (٨). • مستند الإجماع ونفي النزاع: ١ - قوله تعالى (٩): ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

стр. 2620

قال الإمام ابن حزم عقب استدلاله بهذه الآية: "والرق أعظم السبيل" (١). ٢ - لأنه في إقرار تحت ملكه واستخدمه له قهرًا بموجب ملك اليمين، فيه ذل؛ فيجبر على إزالة هذا الذل (٢). ٣ - أن في إجباره على العتق؛ فيه دفع للذل عن العبد المسلم، وتجنبًا لسلطان الكافر عليه (٣). • الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف في هذه المسألة إلا ما سبق من رأي ابن حزم أنه بإسلامه أصبح حرًّا, ولا ينتظر حتى يباع. ولا يعد هذا خلافًا جوهريًّا. إذ الكل متفق على الأصل العام وهو وجوب إخراج من أسلم من سلطة الذمي؛ إذ لا ولاية عليه. النتيجة: تحقق الإجماع ونفي النزاع على إجبار الذمي على بيع من أسلم من رقيقه.

стр. 2621

الفصل الثالث مسائل الإجماع في مسائل الغصب [٢٩/ ١] مسألة: الإجماع على حرمة الغصب (١). الغصب كما سبق هو أخذ مال الغير بغير حق، وهو حرام، وقد نقل الإجماع والاتفاق على ذلك. • من نقل الإجماع: الإمام أبو الوليد ابن رشد الجد ت ٥٢٠ هـ، كما حكاه عنه القرافي فقال: "قال صاحب المقدمات: التعدي على رقاب الأموال سبعة أقسام لكل منها حكم يخصه وهي كلها مجمع على تحريمها وهي: الحِرابة والغصب والاختلاس والسرقة والخيانة والإدلال والجحد" (٢). الإمام الوزير ابن هبيرة ت ٥٦٠ هـ، فقال: "واتفقوا على أن الغصب حرام" (٣). الإمام الموفق ابن قدامة ت ٦٢٠ هـ، فقال: "الغصب هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع. . . وأجمع

стр. 2622

المسلمون على تحريم الغصب في الجملة" (١). الإمام شمس الدين المنهاجي الأسيوطي ت ٨٨٠ هـ، فقال: "الغصب محرم. والأصل في تحريمه: الكتاب، والسنة، والإجماع" (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • من مستند الإجماع والاتفاق: قوله تعالى (٨): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقوله تعالى (٩): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. وقوله تعالى (١٠): ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. وقوله تعالى (١١): ﴿وَالسَّارِقُ

стр. 2623

وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]. قال ابن قدامة عقب الاستدلال بهذه الآية: "والسرقة نوع من الغصب" (١). وقوله تعالى (٢): ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١]. قال الإمام الشربيني عقب الاستدلال بهذه الآية: "وإذا كان هذا في التطفيف وهو غصب القليل؛ فما ظنك بغصب الكثير؟ ! " (٣). - قوله ﷺ (٤): "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (٥). قال الإمام المنهاجي عقب استدلاله بهذا الحديث: "ومعنى ذلك: دماء بعضكم على بعض، وأموال بعضكم على بعض" (٦). - قوله ﷺ (٧): "من ظلم قيد شبر من أرض طُوِّقَهُ (٨) من سبع أرضين" (٩). - لأن الغصب عدوان وظلم ترفضه النفوس البشرية، وهما حرام (١٠).

стр. 2624

• الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة. النتيجة: تحقق الإجماع على أن حكم الغصب الحرمة. [٣٠/ ٢] مسألة: الاتفاق على جواز تأديب الغاصب بالضرب . من غصب أحدًا شيئًا أدب بالضرب ونحوه تعزيرًا (١)، وقد نقل الاتفاق على هذا. • من نقل الاتفاق: الإمام ابن حزم ت ٤٥٦ هـ، فقال: "واتفقوا أن الغاصب المجاهر الذي ليس محاربًا لا قطع عليه، واتفقوا أن التعزير يجب فيه من جلدة إلى عشرة" (٢). الإمام فخر الدين الزيلعي ت ٧٤٣ هـ، فقال: " (فصل في التعزير). . . اجتمعت الأمة على وجوبه في كبيرة لا توجب الحد، أو جناية لا توجب الحد" (٣).

стр. 2625

• الموافقون على الاتفاق: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم على تعزير الغاصب: الحنفية (١)، المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الاتفاق: ١ - أن تعزير الغاصب محتاج إليه لحق اللَّه تعالى (٦)، ولدفع الفساد (٧)، وللأذى الناجم عنه. ٢ - أن الغصب منكر من المنكرات وتغيير المنكر واجب (٨). ٣ - أنه لا بد من زجر الغاصب وأمثاله، ليتناهى الناس عن حرمات اللَّه (٩). • الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة. النتيجة: هو تحقق الإجماع على تعزير الغاصب.

стр. 2626

[٣١/ ٣] مسألة: الإجماع على صحة الوضوء بأرض مغصوبة . من توضأ في مكان مغصوب صح وضوؤه، وقد نقل فيه الإجماع. • من نقل الإجماع: الإمام النووي ت ٦٧٦ هـ، فقال: "لو ذبح بسكين حلال في أرض مغصوب أو توضأ بماء في أرض مغصوبة؛ فإنه تحصل الذكاة والوضوء بالإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: لم أجد في نصوص الفقهاء نصًّا على هذه المسألة إلا عند الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). أما الحنفية والمالكية فقد تكلموا عن عدم فساد الصلاة بالأرض المغصوبة، مع كونها حرامًا. وذلك عند الحنفية (٤)، لأن النهي إذا كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يعدم المنهي عنه ولا يمنع نفوذه شرعًا. وعند المالكية (٥) نحو هذا التعليل، فعندهم؛ لأن النهي لأمر خارج غير لازم فلا يقتضي الفساد. • مستند الإجماع: ١ - لأن فعل الطهارة وماءها لا يتعلق بغصب الأرض (٦). ٢ - لأن الإناء والمكان ليسا من شروط الطهارة فالنهي هنا يعود إلى أمر خارج كما لو صلى وفي إصبعه خاتم ذهب (٧). ٣ - لأن النهي لأمر خارج، وغير لازم؛ فلا يقتضي الفساد (٨).

стр. 2627

• الخلاف في المسألة: لم أعثر على خلاف في هذه المسألة، غير أن ابن حزم تكلم محق بطلان الوضوء من إناء مغصوب؛ لأنه لم يتوضأ الوضوء الذي أمره اللَّه تعالى به، والذي لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص للَّه تعالى (١). النتيجة: انعقاد الإجماع على صحة الوضوء بأرض مغصوبة. [٣٢/ ٤] مسألة: الصلاة في ثوب مغصوب حرام بالإجماع . لبسُ المغصوبِ والصلاةُ فيه؛ حرامٌ على الرجال والنساء جميعًا، وقد نقل الإجماع في ذلك. • من نقل الإجماع: الإمام الشوكاني ت ١٢٥٠ هـ، فقال: "المنع من لبس الثوب المغصوب فلكونه ملك الغير وهو حرام بالإجماع" (٢). الشيخ صديق حسن خان ت ١٣٠٧ هـ، فقال: " (ولا يصلي في ثوب حرير. . . ولا ثوب شهرة. . . ولا مغصوب) لكونه ملك الغير، وهو حرام بالإجماع" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم على حرمة الصلاة في الثوب المغصوب: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). وذكر ابن حزم حرمة الوضوء من الإناء

стр. 2628

المغصوب (١)، وبطلان الحج على بعير مغصوب (٢). ولم أجده نص على حرمة الصلاة في الثوب المغصوب، ولعله نوه بالنص على ما سبق على حرمة ما سواه. • مستند الإجماع: ١ - لأن العبادة لا تتأدي بما هو منهى عنه (٣). ٢ - لأن الصلاة مأمور بها وهي قربة وطاعة والصلاة منهي عنها على هذا الوجه إذ كيف يتقرب العبد بما هو عاص به؟ (٤). ٣ - أن ذلك فيه انتفاع بملك الغير بدون إذن، فلا يجوز أن ينتفع بملك الغير إلا بإذن (٥). • الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة. النتيجة: تحقق الإجماع على حرمة الصلاة في الثوب المغصوب. [٣٣/ ٥] مسألة: الصلاة في المكان المغصوب حرام بالإجماع . الصلاة في أي مكان مغصوب حرام، وقد نقل الإجماع على هذا. • من نقل الإجماع: قال الإمام النووي ت ٦٧٦ هـ، فقال: "الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم على حرمة الصلاة في المكان المغصوب: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)،

стр. 2629

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: ١ - لأن البقاء في الثوب المغصوب يحرم في غير الصلاة؛ فلأن يحرم في الصلاة أولى (٣). ٢ - لما في الانتفاع بالشيء المغصوب من ظلم لصاحبه (٤). • الخلاف في المسألة: لم أقف على خلاف أحد في هذه المسألة. النتيجة: تحقق الإجماع على حرمة الصلاة في المكان المغصوب. [٣٤/ ٦] مسألة: نفي الخلاف في حرمة أكل الغاصب من الذبيحة المغصوبة . الغاصب معتد على مال الغير، كما سبق من تعريف الغصب شرعًا أنه أخذ قال متقوم محترم مملوك للغير بطريق التعدي (٥). وعليه يكون ذبح الغاصب للمغصوب باطل حرام ويحرم أكله منها، وقد نفى الخلاف في هذا. • من نفى الخلاف: الإمام ابن حزم ت ٤٥٦ هـ؛ فقال: "ذبح المعتدي باطل محرم عليه معصية للَّه تعالى بلا خلاف" (٦). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف في بطلان ذبح

стр. 2630

الغاصب وحرمة أكله من الذبيحة: الحنابلة في رواية عن أحمد المشهور، والظاهر والصحيح الحل (١)، والظاهريةُ (٢)، وهو اختيار بعض أصحاب أحمد كأبي بكر (٣) وهو عبد العزيز ابن باقا (٤)، وابن القيم (٥)، وهو قول إسحاق بن راهويه وعكرمة (٦)،
следующие страницы →