٢٣٢ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعى - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - للإمام أبي العباس أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي ثم الحموي ت ٧٧٠ هـ - طبعة المكتبة العلمية - بيروت - والشرح الكبير للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي الشافعي ت ٦٢٣ هـ.
٢٣٣ - المطلع على أبواب المقنع - للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي ت ٧٠٩ هـ - طبعة ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م - المكتب الإسلامي، بيروت، تحقيق/ محمد بشير الأدلبي. والمقنع للإمام ابن قدامة صاحب "المغنى".
٢٣٤ - معجم لغة الفقهاء - وضع أ. د/ محمد رواس قلعه جي، د/ حامد صادق قنيبي - الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م - دار النفائس- بيروت - لبنان.
٢٣٥ - المعجم الوسيط- للأساتذة/ إبراهيم مصطفى، وأحمد الزيات، وحامد عبد القادر، ومحمد النجار - طبعة دار الدعوة - تحقيق/ مجمع اللغة العربية - القاهرة.
٢٣٦ - منازل الحروف- للإمام أبي الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد اللَّه الرماني ت ٣٨٨ هـ - دار الفكر - عثمان - تحقيق إبراهيم السامرائي.
سابعًا: دراسات إسلامية، وفكرية عامة:
٢٣٧ - بدائع الفوائد - للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية ت ٧٥١ هـ - الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ، ١٩٩٦ م - مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة - تحقيق/ هشام عبد العزيز عطا، وعادل عبد الحميد العدوي، وأشرف أحمد.
стр. 3187
سلسلة الرسائل الجامعية (٧٢)
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي
[٥] مسائل الإجماع في الأحكام السلطانية
إعداد
د. فهد بن صالح بن محمد اللحيدان
стр. 3188
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة حصل بها الباحث على درجة الدكتوراة بتقدير ممتاز من جامعة الملك سعود بالرياض
стр. 3189
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن من إكرام اللَّه -تعالى- لهذه الأمة أن بعث فيها محمدًا ﷺ نبيًّا، وجعل رسالته خاتمة الرسالات ومهيمنة عليها، وهذا يقتضي أن تكون أحكامها صالحة لكل زمان ومكان؛ لذا فقد حفظ اللَّه -تعالى- أصل هذه الرسالة من التحريف والتبديل، وهيَّأ لخدمتها علماء أفذاذًا خدموا أحكامها وحددوا الأصول التي تستند عليها تلك الأحكام، فجعلوا القرآن الكريم هو الأصل الأول الذي تُستنبط منه الأحكام، تليه السنة المطهرة المؤكدة والمفصلة والمبينة لأحكام القرآن، ثم الإجماع (١).
فهو حق مقطوع به في دين اللَّه ، وأصل عظيم من أصول الدين، ومصدر مهم من مصادر التشريع، وركيزة أساسية من ركائز اللَّه، مستمدة من كتاب اللَّه الكريم وسنة رسوله ﷺ ، وقال لأحكام القرآن في الرتبة والمنزلة.
إلا أن مسائل الإجماع كثيرة في كتب الفقه، ونقلها يختلف باختلاف العلماء في المسائل الفقهية، الأمر الذي جعل كثيرًا من هذه المسائل بحاجة إلى التحقق من نقل الإجماع عليه من خلال البحث والدراسة المستفيضة، ولَمَّا كانت مسائل الإجماع كثيرة جدًّا بحيث لا يستطيع باحث أن يجمعها كلها، لذا فقد تبنى مشروع هذا البحث نخبة من أعضاء هيئة التدريس في مسار الفقه وأصوله من قسم الثقافة الإسلامية كلية التربية بجامعة الملك سعود، فكان هذا البحث بعنوان: (مسائل الإجماع في الأحكام السلطانية جمعًا ودراسة) سائلًا المولى
стр. 3190
العلي القدير التوفيق في القول والعمل، وأن يغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم.
مشكلة البحث: تعد الأحكام السلطانية من أوسع أبواب الفقه، فمسائلها متفرقة في بعض أبواب الفقه، مما يتطَلَّب جُهدًا في جمع شتاتها، فمنها ما هو محل اتفاق، ومنها ما وقع فيه الخلاف، شأنها شأن أبواب الفقه الأخرى، والمسائل التي نُقل فيها الإجماع بحاجة إلى إمعان النظر والدراسة، وصولًا إلى كون هذه المسألة مجمعا عليها أم لا؟ فقد يكتشف الباحث أن هناك نوع تساهل في إطلاق الإجماع، فمنهم من يعتد بخلاف الواحد والاثنين، ومنهم من لا يعتد بذلك، كما أن كثيرًا من العلماء يسوقون الإجماع من غير ذكر المستند عليه؛ لكونه حاضرًا في أفهامهم، الأمر الذي يتطلَّب بحثًا ومراجعة للوصول إلى ما استند إليه ذلك الإجماع (١).
ولا شك أن ذلك كله بحاجة إلى جهد واسع ونظر فاحص؛ للوصول إلى حقيقة الإجماع في تلك المسائل، ومن ثم كان هذا البحث لجمع مسائل الإجماع التي نُقِلَت في أبواب الأحكام السلطانية، ودراسة كل مسألة على حدة.
حدود البحث: تتعلق حدود البحث بجانبين:
الجانب الأول: الجانب الصياغي، فسأقتصر فيه على لفظ الإجماع ومشتقاته، وهي: الألفاظ الصريحة للإجماع، نحو: أجمع العلماء، إجماعًا، بالإجماع. ألفاظ الاتفاق، نحو: اتفق العلماء، اتفاقًا، بالاتفاق. عبارات نفي الخلاف، نحو: لا نعلم فيه خلافًا، بلا خلاف، ونحوها.
الجانب الثاني: الجانب الموضوعي: وذلك في أبواب الأحكام السلطانية وفروعها، وقد بلغت المسائل التي ستحتويها الدراسة مبدئيًا ما يقارب ثنتين وخمسين ومائتي مسألة قابلة للزيادة مستقبلًا مع البحث والاطلاع.
стр. 3191
أما المراجع: فقد اعتمدت لجنة المشروع عددًا من المراجع التي يُحكى فيها الإجماع، أضفت إليها ما دعت الحاجة إلى الرجوع إليه، وهي مرتبة على النحو التالي:
أولا: كتب التفسير:
١ - تفسير ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي (١) (ت ٣٢٧ هـ)، تحقيق: أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية، صيدا.
٢ - تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء (٢) (ت ٧٧٤ هـ)، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١ هـ.
٣ - جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (٣) (ت ٣١٠ هـ)، طبعة مؤسسة دار الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.
стр. 3192
٤ - لأحكام القرآن للقرطبي (١) (ت ٦٧١ هـ)، طبعة دار الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ.
ثانيًا: شرح السنة:
١ - الجامع المختصر من السنن عن رسول اللَّه ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل للترمذي (٢) (ت ٢٧٩ هـ)، بتحقيق أحمد شاكر وآخرين، طبعة إحياء التراث العربي، بيروت.
٢ - شرح السنة للبغوي (٣) (ت ٥١٦ هـ)، بتحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.
٣ - شرح صحيح البخاري، علي بن خلف بن بطال (٤) (ت ٤٤٩ هـ)، تحقيق:
стр. 3193
أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ.
٤ - عارضة الأحوذي لابن العربي (١) (ت ٥٤٦ هـ)، بتحقيق جمال المرعشلي، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.
٥ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر (٢) (ت ٨٥٣ هـ)، تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، طبعة دار السلفية.
٦ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني (٣) (ت ١٢٥٥ هـ)، بتحقيق صوفي العطار، طبعة دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ.
стр. 3194
ثالثًا: الكتب المتخصصة في نقل الإجماع:
١ - الإجماع لابن المنذر (١) (ت ٣١٨ هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.
٢ - الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة (٢) (ت ٥٦٠ هـ)، بتحقيق محمد ابن حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.
٣ - الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطان الفاسي (٣) (ت ٦٢٨ هـ)، بتحقيق: د. فاروق حمادة، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.
٤ - مراتب الإجماع لابن حزم (٤) (ت ٤٥٦ هـ)، طبعة دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.
стр. 3195
٥ - نقد مراتب الإجماع لابن تيمية (١) (ت ٧٢٨ هـ)، طبعة دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ، مطبوع مع الإجماع لابن حزم.
رابعًا: المذهب الحنفي:
١ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (٢) (ت ٩٧٠ هـ)، طبعة دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤١٣ هـ.
٢ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (٣) (ت ٥٨٧ هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.
٣ - البناية في شرح الهداية للعيني (٤) (ت ٨٥٥ هـ)، بتحقيق أيمن صالح
стр. 3196
شعبان، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.
٤ - فتح القدير لابن الهمام (١) (ت ٨٦١ هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت.
خامسًا: المذهب المالكي:
١ - الاستذكار لابن عبد البر (٢) (ت ٤٦٣ هـ)، بتحقيق سالم محمد عطا ومحمد على معوض، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.
٢ - الذخيرة للقرافي (٣) (ت ٦٨٤ هـ)، بتحقيق أحمد حجي وآخرين، طبعة دار التربية الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٤ م.
стр. 3197
سادسًا: المذهب الشافعي:
١ - الأم للشافعي (١) (ت ٢٠٤ هـ)، طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٣ هـ.
٢ - روضة الطالبين وعمدة المفتين، للنووي (٢) (ت ٦٧٦ هـ)، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ.
٣ - المجموع شرح المهذب للنووي، طبعة دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ.
٤ - مغني المحتاج للشربيني (٣) (ت ٩٧٧ هـ)، بتحقيق على معوض وعادل عبد الموجود، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.
سابعًا: المذهب الحنبلي:
١ - جامع الرسائل لابن تيمية، بتحقيق محمد رشاد سالم، طبعة دار المدني، القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٨٩ هـ.
٢ - جامع المسائل لابن تيمية، جمع وتحقيق محمد عزيز شمس، من
стр. 3198
مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي بجدة طبعة عالم الفوائد، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.
٣ - حاشية الروض المربع لعبد الرحمن بن قاسم (١) (ت ١٣٩٢ هـ)، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.
٤ - المغني شرح مختصر الخرقي لابن قدامة (٢) (ت ٦٢٠ هـ)، بتحقيق د. عبد اللَّه التركي وعبد الفتاح الحلو، دار هجر، القاهرة، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.
ثامنًا: كتب الأحكام السلطانية:
١ - الأحكام السلطانية لأبي يعلى البغدادي (٣) (ت ٤٥٨ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.
стр. 3199
٢ - الأحكام السلطانية للماوردي (١) (ت ٤٥٠ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.
٣ - الاستخراج لأحكام الخراج، لابن رجب الحنبلي (٢)(٧٩٥)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.
٤ - الخراج للقاضي أبي يوسف (٣) (ت ١٨٢ هـ)، دار المعرفة، بيروت، طبعة ١٣٩٩ هـ.
٥ - الرتبة في طلب الحسبة للماوردي، دار الرسالة، بدون تاريخ.
٦ - السياسة الشرعية لابن تيمية، بتحقيق د. صالح اللحان، طبعة مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.
٧ - الطرق الحكمية لابن القيم (٤) (٧٥١ هـ)، مكتبة دار البيان، بدون تاريخ.
стр. 3200
٨ - مسألة الحسبة لابن تيمية، تحقيق محمد النجدي، طبعة دار إيلاف، بدون تاريخ.
تاسعًا: كتب أخرى:
١ - إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي (١) (ت ٥٠٥ هـ)، دار المعرفة، بيروت.
٢ - الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح المقدسي (٢) (ت ٧٦٣ هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وعمر القيام، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٧ هـ.
٣ - أصول الفقه (حاشية على شرح الإسنوي المسمى نهاية السول شرح منهاج الأصول على متن المنهاج للبيضاوي)، لمحمد أبي النور زهير (٣) (ت ١٤٠٧ هـ)، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة ١٩٩٨ م.
٤ - إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، بتحقيق طه عبد الرؤوف سعيد، طبعة دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ م.
٥ - الإمامة والرد على الرافضة، لأبي نعيم الأصبهاني (٤) (ت ٤٣٠)،
стр. 3201
بتحقيق: د. علي بن محمد الفقيهي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الثالثة ١٤١٥ هـ.
٦ - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، أحمد بن يحيى المرتضى (١) (ت ٨٤٠ هـ)، دار الكتاب الإسلامي.
٧ - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، بتحقيق شعيب الأرناؤوط، طبعة دار الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة عشر ١٤٠٧ هـ.
٨ - سبل السلام شرح بلوغ المرام، للأمير الصنعاني (٢) (ت ١١٨٢ هـ)، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٢ هـ.
٩ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، تحقيق: علي بن محمد الدخيل اللَّه، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثالثة ١٤١٨ هـ.
١٠ - غياث الأمم في التياث الظلم، لأبي المعالي الجويني (٣) (ت ٤٧٨ هـ)،
стр. 3202
بتحقيق: مصطفى حلمي، وفؤاد عبد المنعم، دار الدعوة للنشر والتوزيع، الإسكندرية.
١١ - مجموع الفتاوى لابن تيمية، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، عام ١٤١٦ هـ.
١٢ - المحلى بالآثار لابن حزم، بتحقيق أحمد شاكر، طبعة دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ.
١٣ - مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.
١٤ - منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.
١٥ - المواقف، للإيجي (١) (ت ٧٥٦ هـ)، بتحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.
مصطلحات البحث:
مسائل الإجماع: المسائل: هي المطالب التي يُبَرْهَنْ عليها في العلم، ويكون الغرض من ذلك العلم معرفتها (٢) الإجماع: عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد في عصر من العصور على حكم واقعة من الوقائع (٣).
стр. 3203
الأحكام السلطانية: الأحكام: جمع، مفرده: حكم. وفي اللغة: القضاء، وأصل معناه: المنع، يقال: حكمت عليه بكذا، إذا منعته من خلافه (١). أما في الاصطلاح الشرعي: فعند الأصوليين: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أو تخييرًا أو وضعًا (٢). أما عند الفقهاء: أثر خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أو تخييرًا، أو وضعًا (٣). السلطانية: فهي متعلقة بالسلطة والتسلط والسلطان، فالسين واللام والطاء أصل واحد، ويُراد بها القوة والقهر، وقيل: الشديد (٤) وعرفت الأحكام السلطانية بأنها: هي التي تشمل أحكام الإمامة العظمى وما يتفرع عنها من ولايات داخل دولة الإسلام أو خارجها (٥).
أهمية الموضوع، وأسباب اختياره:
تتضح أهمية الموضوع، وأسباب اختياره من خلال الآتي:
١ - كونه يتعلق بما يكون سببًا في حفظ الدين وحراسته، وسياسة الدنيا وسيرها على النهج السليم.
٢ - أن معرفة مسائل الإجماع في أبواب الأحكام السلطانية يساعد على معرفة واجبات الإمام وواجبات الرعية.
٣ - أن التحقق من الإجماع وخلافه ودراسة مسائله له أهمية بالغة، حيث إن الناقلين للإجماع متفاوتون، فمنهم من يتساهل في حكايته، ومنهم من
стр. 3204
ينقله ويقصد به قول الجماهير من الفقهاء، ومنهم من يقصد به إجماع المذهب عندهم.
٤ - يُعد الإجماع المصدر الثالث من مصادر التشريع، فقد أجمع العلماء على حجيته، واشترطوا معرفته لبلوغ رتبة الاجتهاد، ولا يحل لمكلف أن يُخالف الإجماع بعد أن علمه، قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
٥ - أن وجود مسائل الإجماع في مؤلفات خاصة بها يُعين طلاب العلم والمشتغلين بالفقه الإسلامي على الوقوف على تلك المسائل والاستفادة منها، كما يُسهم في تضييق دائرة الخلاف بين المسلمين.
أهداف البحث: تتلخص أهداف البحث فيما يلي:
١ - بيان التحقق من وقوع الإجماع من عدمه في هذه المسائل محل الدراسة.
٢ - بيان مستند الإجماع في مسائل أبواب البحث.
٣ - بيان جوانب الاتفاق التي وقعت بين الفقهاء في المسائل المتعلقة بالأحكام السلطانية.
٤ - بيان من قال بالإجماع في تلك المسائل من العلماء، ومن نقل ذلك الإجماع، كذلك بيان من خالف الإجماع.
أسئلة البحث: سيجيب البحث -بإذن اللَّه تعالى- على عدة أسئلة، منها:
١ - ما مسائل الإجماع التي وقع فيها الاتفاق بين العلماء في الأحكام السلطانية؟
٢ - ما مستند الإجماع في مسائل البحث، وما مدى سلامته من المخالفة؟
٣ - ما جوانب الاتفاق التي وقعت بين الفقهاء في المسائل المتعلقة بالأحكام السلطانية؟
٤ - من قال بالإجماع في تلك المسائل من العلماء ومن نقل ذلك الإجماع؟
стр. 3205
منهج البحث: سأقوم في دراستي باتِّباع منهجين علميين بإذن اللَّه:
١ - المنهج الاستقرائي: وذلك بجمع المسائل التي حُكي فيها الإجماع، ودراستها وتمحيصها.
٢ - المنهج الاستنباطي: وذلك بدراسة المسائل المقيدة دراسة علمية، أخلص في نهايتها إلى إثبات صحة الإجماع من عدمه.
إجراءات البحث:
١ - حصر جميع الإجماعات الواردة في مسائل الأحكام السلطانية، من خلال الرجوع إلى جميع الكتب المعتمدة، مراعيًا في ذلك الطبعات المعتمدة لهذه الكتب في هذا المشروع.
٢ - أعنون المسألة التي حكي فيها الإجماع بصيغة مناسبة شاملة، وأشرح إذا كانت تحتاج إلى شرح وتفصيل وتمييز عن غيرها من المسائل المشتبهة بها.
٣ - أذكر أول من ذكر الإجماع أو الاتفاق أو نفى الخلاف، ثم أذكر من نقله بعده مراعيًا الترتيب الزمني في ذلك.
٤ - أذكر النص الذي حُكي فيه الإجماع بعينه، وعند تكرار ذكر الإجماع لعالم واحد في المسألة الواحدة فإني أكتفي بذكر نص واحد هو أوضحها وأصرحها، وأشير إلى بقية النصوص في الهامش بذكر الكتاب والجزء والصفحة.
٥ - إذا كان العالم قد حكى عن غيره ممن هم من أصحاب الكتب المعتمدة في المشروع، كأن ينقل ابن قدامة الإجماع عن ابن المنذر مثلًا، فإني أكتفي بذكر نص ابن المنذر، ثم أقول: ونقله عنه ابن قدامة.
وكذلك إذا كانت صيغة الإجماع التي أتى بها المتأخر موافقة لصيغة الإجماع التي أتى بها من قبله ممن هم من أصحاب الكتب المعتمدة في المشروع، مثال ذلك: إذا كانت صيغة الإجماع التي ذكرها ابن حزم موافقة للصيغة التي ذكرها ابن عبد البر أو قريبة منها، فإني أقول بعد ذكر نص الإجماع لابن عبد البر: وذكره بهذا النص ابن حزم.
стр. 3206
٦ - أذكر الإجماعات على ترتيب كتابي الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى، وحسب ما تراه اللجنة المُشَكَلة للتنسيق في هذا المشروع، وكذلك ترتيب المسائل داخل الأبواب. وإذا كانت المسألة يتناولها أكثر من باب فإني أذكرها في الباب الأول، ثم أحيل عليها في الباب الذي بعده منعًا للتكرار.
٧ - إذا لم يذكر علماء المذهب الفقهي صيغة الإجماع في المسألة إلا أنهم يتفقون في حكمها، فإني أبين ذلك من خلال الرجوع إلى كتابين -على الأقل- من كتبهم المعتبرة.
٨ - أذكر مستند الإجماع من النصوص الشرعية إن عُلِم، فإن لم يظهر ذلك فإني أذكره بطرق الاستنباط الأخرى، مراعيًا أن تكون الصيغة شاملة ومختصرة.
٩ - عزو الآيات إلى سورها، وتخريج الأحاديث والآثار مع بيان درجة الحديث، وإذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما فأكتفي بتخريجه منهما أو من أحدهما دون الإشارة إلى من خرَّجه من غيرهما، أما بالنسبة لترجمة الأعلام غير المشهورين فسيكون في الهامش أو في آخر الرسالة حسب ما تراه اللجنة.
١٠ - بعد ذكر المسألة التي حكي فيها الإجماع أنظر هل يوجد نقض للإجماع؟ إما بالنص على أن الإجماع منقوض أو حكاية خلاف في هذه المسألة أو نحو ذلك. وأبذل جهدي في التحقق من المسألة التي لم يحك الإجماع فيها إلا عالم أو عالمان مع اشتهار أحدهما بالتساهل في حكاية الإجماع، ويكون ذلك بالرجوع إلى كتب الخلاف والتأكد من عدم وجود خلاف مذهبي في هذه المسألة.
١١ - عند سلامة الإجماع أذكر النتيجة مع بيان تحقق الإجماع المحكي في المسألة من عدمه.
١٢ - إذا وُجِد خرق للإجماع -سواء كان معتبرًا أو غير معتبر- أتحقق من هذا الخلاف، وأذكر الخلاف المحكي في المسألة مع العزو إلى الكتب
стр. 3207
المعتبرة من الكتب المعتمدة في المشروع، أو غيرها من المؤلفات الأخرى بحسب المذاهب الفقهية. وعند ذكر الخلاف في المسألة أذكر الأدلة التي استدل بها المخالف ثم أبين ما يترجح لي في المسألة التي خرق فيها الإجماع وأذكر النتيجة.
خطة البحث: تتكون خطة البحث من مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة، وفهارس بيانها كالتالي:
المقدمة: وتشتمل على أهمية الإجماع، وأسباب اختياري للإجماع في الأحكام السلطانية، وبيان حدود البحث ومصطلحاته، مع الإشارة إلى الدراسات السابقة، وبيان أهداف البحث، والمنهج الذي سوف أتبعه، مع ذكر الإجراءات والطريقة التي سأسير عليها بإذن اللَّه.
التمهيد: في تعريف الإجماع والأحكام السلطانية ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإجماع لغة واصطلاحًا.
المبحث الثاني: مكانة الإجماع في التشريع وحجيته.
المبحث الثالث: شروط الإجماع.
المبحث الرابع: تعريف الأحكام السلطانية وأهم الكتب التي أُلِّفت فيها.
الباب الأول: مسائل الإجماع في الإمامة وفيه تمهيد وثمانية فصول: التمهيد: ويتضمن التعريف بالإمامة، وبيان أهميتها، ومشروعيتها.
الفصل الأول: مسائل الإجماع في نصب الإمام.
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في شروط الإمام.
الفصل الثالث: مسائل الإجماع في كيفية اختيار الإمام.
الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيمن لا تصح إمامتهم.
الفصل الخامس: مسائل الإجماع فيما يجب على الرعية تجاه الإمام.
الفصل السادس: مسائل الإجماع في حكم عزل الإمام ومبطلات الإمامة.
стр. 3208
الفصل السابع: مسائل الإجماع في واجبات الإمام.
الفصل الثامن: مسائل الإجماع في الشورى.
الباب الثاني: مسائل الإجماع في الحسبة وفيه تمهيد وأربعة فصول:
التمهيد: ويتضمن التعريف بالحسبة.
الفصل الأول: مسائل الإجماع في حكم الحسبة.
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في مواطن الحسبة.
الفصل الثالث: مسائل الإجماع في شروط المحتسب.
الفصل الرابع: مسائل الإجماع في شهادة المحتسب.
الباب الثالث: مسائل الإجماع في تصرفات الإمام في موارد بيت مال المسلمين وفيه تمهيد وأربعة فصول.
التمهيد: ويتضمن التعريف ببيت المال، الخراج، الفيء، الغنيمة، إحياء الأموات.
الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب الخراج.
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الفيء والغنيمة.
الفصل الثالث: مسائل الإجماع في إحياء الموات.
الفصل الرابع: مسائل الإجماع في أخذ الإمام للزكاة.
الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث، والتوصيات التي أرى أهميتها.
الفهارس: وتشتمل على: فهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.
стр. 3209
التمهيد
تعريف الإجماع والأحكام السلطانية
المبحث الأول: تعريف الإجماع لغة واصطلاحًا: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريفه في اللغة: الإجماع: مصدر أجمع (١)، والجيم والميم والعين أصل واحد يدل على انضمام الشيء (٢). وأجمعت كذا، أكثر ما يُقال فيما يكون جمعًا يتوصل إليه بالفكرة (٣)، ومنه قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٤)، وقول اللَّه -تعالى-: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ (٥). وقال الفراء (٦): "الإجماع: العزم على الأمر والإحكام عليه، تقول: أجمعت الخروج وأجمعت عليه" (٧). ومنه قول ابن عمر ﵄: "أُصَلِّي صَلَاةَ المُسَافِرِ، ما لم أُجْمِعْ مُكْثًا" (٨)، أي: ما لم أعزم
стр. 3210
على الإقامة (١).
المطلب الثاني: الإجماع اصطلاحًا: ذُكرت للإجماع تعريفات كثيرة في كتب الأصول تختلف بحسب اختلاف العلماء في طائفة من الأمور المتعلقة بالإجماع، من شروط وأركان وغير ذلك (٢).
ولذا فإني سأقتصر على أشمل هذه التعريفات في إدراكه لمعنى الإجماع الأصولي وهو: "اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ في عصر بعد وفاته على حكم شرعي" (٣).
شرح التعريف ومحترزاته: [ اتفاق]: معناه الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو أطبق بعضهم على الاعتقاد، وبعضهم على القول أو الفعل الدالين على الاعتقاد، أو السكوت أو التقرير، وهو جنس يشمل كل اتفاق (٤).
وقولنا: [المجتهدين] قيد أول في التعريف يخرج به اتفاق غير المجتهدين، كما يخرج به اتفاق بعض المجتهدين، قلَّوا أو كثروا؛ كإجماع أهل المدينة، أو أهل البيت، أو الخلفاء الأربعة، أو الشيخين.
وقولنا: [من أمة محمد ﷺ ] احتراز عن اتفاق مجتهدي الشرائع السالفة (٥).
стр. 3211
وقولنا: [في عصر] يخرج تخصيص الإجماع بعصر معين، كعصر الصحابة مثلًا. وقولنا: [بعد وفاته] يخرج الاتفاق الذي يكون في حياته، فمتى وُجِد قوله ﷺ فلا عبرة بقول غيره (١).
وقولنا: [على حكم شرعي] يخرج الإجماع على ما ليس حكمًا شرعيًّا؛ لأن ذلك لا يعتبر حجة، والإجماع على الحكم يعم حالتي الإثبات والنفي (٢).
وتعميم المجمع عليه ليشمل الأمور اللغوية -ككون الفاء للترتيب أو التعقيب- والأمور الاقتصادية، والأمور العقلية، ذهب إليه بعض الحكماء (٣).
وأطلق بعضهم الأمر حتى قال بوجوب اتباع إجماع آراء المجتهدين في أمر الحروب ونحوها. وُيرد عليه: أن تارك الاتباع إن أثم فهو أمر شرعي، وإلا فلا معنى للوجوب (٤).
стр. 3212
المبحث الثاني مكانة الإجماع وحجيته
المطلب الأول: مكانة الإجماع: قال ابن حزم ﵀: "الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية، يُرجع إليه، ويُفزع نحوه، ويُكفَّر من خالفه، إذا قامت عليه الحجة أنه إجماع" (١).
المطلب الثاني: حجية الإجماع: ذهب جمهور الأصوليين إلى أن الإجماع حجة شرعية يجب المصير إليها والعمل بمقتضاها (٢)، ولم يخالفهم إلا الإمام أحمد (٣) في رأي له (٤)، وطوائف من الرافضة والخوارج والمعتزلة، وهي فرق
стр. 3213
اتفق أهل العلم على ضلالها، كما أنهم حادثون بعد الاتفاق، فلا يُعتد بقولهم (١).
وقد نقل إجماع الأصوليين كل من: القاضي البيضاوي (٢)، وأمير بادشاه
стр. 3214
الحسيني (١)، والآمدي (٢)، وابن أمير الحاج (٣). واستدلوا على حجية الإجماع بأدلة من الكتاب والسنة والقياس:
أولًا: أدلة حجية الإجماع من القرآن: الدليل الأول: استدلوا بقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤).
• وجه الدلالة: أن اللَّه -تعالى- قد جمع بين مشاقة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور، فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة (٥).
стр. 3215
كما أنه إذا أجمع المؤمنون على أمر في قضية فمن شاقهم فقد خالفهم واتبع غير سبيلهم، وبذلك كان عرضة للوعيد المذكور في الآية (١).
وقد نوقش هذا الاستدلال: بأن المراد من السبيل في قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليس هو الإجماع، بل يحتمل أن يكون المراد سبيلهم وطريقهم في متابعة الرسول ﷺ ، أو في مناصرته، أو في الاقتداء به، وإذا وجد الاحتمال في الدليل سقط به الاستدلال (٢).
وأجيب عن هذه المناقشة: بأنه لو كان المراد من ما ذكره المعترضون، للزم أن تكون مخالفة سبيلهم هي عين المشاقة للرسول ﷺ ، وذلك يستلزم التكرار في الآية الكريمة، مع أن العطف يقتضي المغايرة. وإذا كان كلام العقلاء يصان عن التكرار بدون فائدة، فمن باب أولى كلام اللَّه تعالى (٣).
فإن قيل: إن الوعيد في الآية إنما في مخالفة سبيل المؤمنين مع مشاقة الرسول.
قلنا: هما متلازمان، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عن الرسول ﷺ ، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف للَّه، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بيَّنه الرسول، وهذا هو الصواب (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا يوجد قط مسألة مجمع عليها
стр. 3216
إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص كالأمثال المضروبة في القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر كما يُقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أُخِذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص" (١).
الدليل الثاني: كما استدلوا على حجية الإجماع بقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢).
• وجه الدلالة: أن الوسط: العدل الخيار، فيكون اللَّه -تعالى- قد أخبر عن خيرية هذه الأمة، وهذا يقتضي أن يكونوا عدولًا، ويوجب عصمتهم عن الخطأ، ولا يقدمون على شيء من المحظورات، وهذا يوجب أن يكون قولهم حجة (٣).
فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل، فإذا شهدوا أن اللَّه أمر بشيء فقد أمر به، وإذا شهدوا أن اللَّه نهى عن شيء فقد نهى عنه (٤).
وقد نوقش الاستدلال بهذه الآية؛ بأن العدالة هي عبارة عن فعل الواجبات واجتناب المنهيات، وهذا من فعل العبد، وأن اللَّه -تعالى- قد أخبر بأنه قد جعلهم وسطًا فتكون العدالة التي فسرت بها الآية غير الوسطية التي جعلها اللَّه -تعالى- للأمة المحمدية.
وأجيب عن ذلك: بأن العدالة من فعل اللَّه -تعالى- الذي عدَّل الأمة
стр. 3217
المحمدية لعلمه الأزلي بأنهم سيكونون عدولًا، وهو خبر صادق لا يحتمل الكذب (١).
الدليل الثالث: واستدلوا أيضًا بقول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢).
• وجه الدلالة: أن اللَّه وصف أمة محمد ﷺ بأنهم يأمرون بكل معروفٍ وينهون عن كل منكرٍ، فانتفى أن تجتمع الأمة - وللَّه الحمد - على ضلالة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه" (٣).
ثانيًا: أدلة حجية الإجماع من السنة: استدلوا بأحاديث منها:
قوله ﷺ : "من فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةَ جَاهِلِيَّة" (٤). وقوله ﷺ : "مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الجَمَاعَةَ" (٥). وقوله ﷺ : "إِنَّ اللَّه لَا يجْمَعُ
стр. 3218
أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ" (١).
• وجه الدلالة من الأحاديث: هذه الأحاديث مع غيرها من الأحاديث الدالة على نفس المعنى تلقتها الأمة بالقبول، ولم يدفعها أحد من سلف الأمة وخلفها من موافقي الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه، والاستدلال بهذه الأحاديث يفيد حصول العلم الضروري بأن قصد رسول اللَّه ﷺ من جملة هذه الأخبار -وإن لم يتواتر آحادها-: تعظيم شأن هذه الأمة، والإخبار بعصمتها عن الخطأ، وكذلك أن هذه الأخبار مشهورة عن الصحابة والتابعين، وهم متمسكون بها في إثبات الإجماع من غير خلاف؛ إذ المعلوم إن كان لا أصل لها لاشتد النكير وظهر (٢).
قال الشافعي: "إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة وأبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى؛ لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمِر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة
стр. 3219
فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء اللَّه" (١).
ثالثًا: أدلة حجية الإجماع من المعقول: ثبت عن طريق التواتر المعنوي ما يفيد عصمة هذه الأمة عن الخطأ، وأنها لا تجتمع على ضلالة، وهذا موجب لصدقها قطعًا، ولذلك كان قولها حجة (٢).
стр. 3220
المبحث الثالث شروط الإجماع
ينعقد الإجماع بتوفر عدد من الشروط، ولقد اخترت منها ما هو أكثر صلة بموضوع الدراسة، ومن تلك الشروط:
الشرط الأول: اتفاق الأكثر: اختلف العلماء في شرط أن يكون الاتفاق في الإجماع واقعًا من كل المجتهدين، إذا كان المقصود بيان الحكم الشرعي لمسألة ما على قولين:
القول الأول: أنه لا بد من اتفاق الجميع على المسألة، بحيث إذا خالف في الحكم واحد أو أكثر فإن الإجماع لا ينعقد، وإن كان القائلون هم الأكثر (١).
وقد استدل أصحاب هذا القول بأمرين هما: الدليل الأول: إن الأدلة الدالة على حجية الإجماع جاءت بألفاظ دالة على العموم والاستغراق كلفظ المؤمنين في قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، والأمة في قوله ﷺ : "إِنَّ اللَّه لَا يجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ" (٣)(٤).
وإذا استعملا في الأكثر فذلك بطريق التجوز، ولا يُصار إلى ذلك إلا بقرينة، ولا قرينة مع هذه النصوص (٥).
الدليل الثاني: أن الأدلة الدالة على عصمة الأمة مثل قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤمِنِينَ﴾. إنما شهدت بالعصمة لمجموع الأمة، ومجموع الأمة ليس بحاصل مع خلاف الواحد والاثنين (٦).
стр. 3221
القول الثاني: أن مخالفة الواحد أو الاثنين لا تؤثر في الإجماع، وهو قول الطبري، والجصاص (١)، وبعض المعتزلة، وقد أومأ إليه الإمام أحمد (٢).
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّه لَا يَجْمَعُ أمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّه مع الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ" (٣).
• وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن الأكثر هم الجماعة مع وجود المخالف، فقد جعل اللَّه الحق مع الأكثر. وأجيب عنه: بأن المراد بالجماعة في الحديث الكل، والذين شذوا خالفوا بعد الموافقة (٤).
الدليل الثاني: اعتمدت الأمة في خلافة أبي بكر ﵁ على أنه إجماع، فقد اتفق عليه الأكثرون، وخالف في ذلك جماعة، كعلي بن أبي طالب، وسعد بن عبادة، ولولا أن قول الأكثر حجة مع مخالفة الأقل لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة بالإجماع (٥) وأجيب عنه: برجوع علي وسعد ﵄ إلى المبايعة، كما أن الإمامة لا يلزم انعقادها حصول الإجماع، بل تكفي بيعة الأكثر (٦).
الدليل الثالث: ما رواه أنس ﵁، قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ على ضَلَالَةٍ، فإذا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأعْظَمِ" (٧).
стр. 3222
• وجه الدلالة: يدل ظاهر الحديث على أن الحق مع السواد الأعظم، وأن المنفرد بقوله مخطئ (١) وأجيب عن ذلك: بحمل السواد الأعظم أو الجماعة على الكل حقيقة، ويرجّح ذلك ما ورد في حديث ابن عباس ﵄: "وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ" (٢)، أي: من خرج عن رأي الكل، ولو لم يكن إجماعًا وحجة لما استحق المخالف لذلك النار؛ لأن الاتفاق واقع على أن المجتهد مأجور وليس مأزورًا (٣).
الترجيح: ويظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لقوة أدلة القائلين به وقوة مناقشتهم لأدلة أصحاب القول الثاني.
الشرط الثاني: استناد الإجماع إلى دليل: وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه لا بد للإجماع من مستند (٤).
وخالف في ذلك بعض المتكلمين (٥)، فقالوا: يجوز أن ينعقد الإجماع عن طريق الإلهام فيحصل لهم تبخيتًا، وهذا قول ساقط وخلاف لا يعتد به، ولذلك أسقطه بعض أهل العلم ولم يحكه، كالغزالي، والشيرازي (٦)، بل وصفه الآمدي بالشذوذ (٧).
стр. 3223
الشرط الثالث: أن يكون المجمعون من العلماء المجتهدين: واختلفوا في شرط المعتبر موافقتهم في الإجماع -العلماء أم جميع الأمة- على قولين: القول الأول: أنه لا يعتبر قول العوام في الإجماع، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم (١)، بل قال بعضهم: لا يعتبر قولهم بالاتفاق (٢).
واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بإجماع الصحابة ﵃، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه (٣).
وقد أجيب عن ذلك: بأنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال العلماء، فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على غيرهم من المجتهدين من بعدهم؛ لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم مشروطًا بموافقة العامة لهم، وإن لم يكن ذلك شرطًا في وجوب اتباع العامة لهم فيما يفتون به (٤).
ويُجاب عن هذا الجواب بأنه إذا سلّم أن العامي يجب عليه تقليد العالم، سقط قول العامي؛ لأن العالِم هو المتصرف فيهم (٥).
الدليل الثاني: أن العامي بالنسبة إلى فهم الأدلة وطرق الاجتهاد كالصبيان، فقوله إذًا بغير مستند، وهو خطأ، والخطأ لا عبرة به (٦).
القول الثاني: يعتبر قول العوام في الإجماع. ودليلهم في ذلك: أن العوام من الأمة، فيتناولهم لفظ الأدلة، فلا تقوم الحجة بدونهم (٧).
стр. 3224
الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن القول الأول هو الراجح، وذلك لقوة أدلته، وضعف دليل القول الثاني.
الشرط الرابع: هو عدالة المجمعين: وبهذا الشرط يستبعد الفاسق من المجمعين، سواء كان فسقة بالكذب، أو شرب الخمر، أو الزنا، أو تعاطي الربا، أو غير ذلك من المعاصي القادحة في العدالة (١).
وقد ذكر أبو حامد الغزالي أن شرط العدالة إنما هو لجواز الاعتماد على أقوال المجتهد، أما هو في نفسه فله أن يجتهد، إن كان عالمًا ويؤخذ باجتهاده، أما العدالة عنده فهي شرط لقبول الفتوى، لا لصحة الاجتهاد (٢).
الشرط الخامس: أن يكون المجمعون أحياء وموجودين: المعتبر في الإجماع أهل عصره من المجتهدين الأحياء الموجودين، فيبطل الالتفات إلى الماضين كما بطل -على القطع- الالتفات إلى اللاحقين، ولولا ذلك لما تُصوِّر إجماعٌ بعد موت واحد من المسلمين في زمان الصحابة والتابعين، وقد اعترفوا بصحة إجماع الصحابة بعد رسول اللَّه ﷺ ، وبعد موت من مات بعد رسول اللَّه ﷺ ، وليس ذلك إلا لأن الماضي لا يُعتبر والمستقبل لا يُنتظر.
أما اعتبار جميع مجتهدي الأمة في جميع العصور فغير ممكن؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم الانتفاع بالإجماع إلى يوم القيامة (٣).
ويدخل تحت هذا الشرط مسألة: انقراض العصر. وقد اختلف العلماء في انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أولا؛ فذهب بعضهم إلى اعتباره شرطًا. ومنهم من فصَّل وقال: إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما لا يكون انقراض العصر شرطًا، وإن كان الإجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم وسكت الباقون عن الإنكار مع اشتهاره فيما بينهم فهو شرط (٤).
стр. 3225
وذهب جمهور العلماء إلى أن انقراض العصر ليس شرطًا في صحة الإجماع (١) وأن المعتبر في إجماع مجتهدي عصر من العصور اتفاقهم ولو في لحظة واحدة.
وهذا هو المختار، فلا يُشترط أن ينقرض عصر المجمعين، أو يمضي زمن طويل على اتفاقهم، بل متى اتفقوا واستقر قولهم، وعلم ذلك منهم، انعقد الإجماع؛ لأن اشتراط انقراض عصر المجمعين يؤدي إلى تعذر وقوع الإجماع؛ لتلاحق المجتهدين.
ولعل من اشترط انقراض العصر أراد بذلك زيادة التثبت في نسبة قول المجمعين إليهم، والاطلاع على أحوالهم للعلم باستقرارهم على أقوالهم.
ويُجاب عن ذلك: بأنه إذا حصل التأكد من وقوع الاتفاق والعلمُ بموافقة جميع المجتهدين، ولو في لحظة واحدة، فلا يُلتفت بعد حصول الإجماع إلى مخالفة من خالف، سواء كان من أهل الإجماع أو من غيرهم.
أما إذا نُقِل الاتفاق دون التأكد من استقرار جميع المجتهدين على أقوالهم، فالإجماع المنقول لا يكون صحيحًا، سواء انقرض العصر أو لم ينقرض.