← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

القول الثاني: أن مخالفة الواحد أو الاثنين لا تؤثر في الإجماع، وهو قول الطبري، والجصاص (١)، وبعض المعتزلة، وقد أومأ إليه الإمام أحمد (٢). وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّه لَا يَجْمَعُ أمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّه مع الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ" (٣). • وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن الأكثر هم الجماعة مع وجود المخالف، فقد جعل اللَّه الحق مع الأكثر. وأجيب عنه: بأن المراد بالجماعة في الحديث الكل، والذين شذوا خالفوا بعد الموافقة (٤). الدليل الثاني: اعتمدت الأمة في خلافة أبي بكر ﵁ على أنه إجماع، فقد اتفق عليه الأكثرون، وخالف في ذلك جماعة، كعلي بن أبي طالب، وسعد بن عبادة، ولولا أن قول الأكثر حجة مع مخالفة الأقل لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة بالإجماع (٥) وأجيب عنه: برجوع علي وسعد ﵄ إلى المبايعة، كما أن الإمامة لا يلزم انعقادها حصول الإجماع، بل تكفي بيعة الأكثر (٦). الدليل الثالث: ما رواه أنس ﵁، قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ على ضَلَالَةٍ، فإذا رَأَيْتُمْ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأعْظَمِ" (٧).

стр. 3222

• وجه الدلالة: يدل ظاهر الحديث على أن الحق مع السواد الأعظم، وأن المنفرد بقوله مخطئ (١) وأجيب عن ذلك: بحمل السواد الأعظم أو الجماعة على الكل حقيقة، ويرجّح ذلك ما ورد في حديث ابن عباس ﵄: "وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ" (٢)، أي: من خرج عن رأي الكل، ولو لم يكن إجماعًا وحجة لما استحق المخالف لذلك النار؛ لأن الاتفاق واقع على أن المجتهد مأجور وليس مأزورًا (٣). الترجيح: ويظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لقوة أدلة القائلين به وقوة مناقشتهم لأدلة أصحاب القول الثاني. الشرط الثاني: استناد الإجماع إلى دليل: وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه لا بد للإجماع من مستند (٤). وخالف في ذلك بعض المتكلمين (٥)، فقالوا: يجوز أن ينعقد الإجماع عن طريق الإلهام فيحصل لهم تبخيتًا، وهذا قول ساقط وخلاف لا يعتد به، ولذلك أسقطه بعض أهل العلم ولم يحكه، كالغزالي، والشيرازي (٦)، بل وصفه الآمدي بالشذوذ (٧).

стр. 3223

الشرط الثالث: أن يكون المجمعون من العلماء المجتهدين: واختلفوا في شرط المعتبر موافقتهم في الإجماع -العلماء أم جميع الأمة- على قولين: القول الأول: أنه لا يعتبر قول العوام في الإجماع، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم (١)، بل قال بعضهم: لا يعتبر قولهم بالاتفاق (٢). واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بإجماع الصحابة ﵃، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه (٣). وقد أجيب عن ذلك: بأنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال العلماء، فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على غيرهم من المجتهدين من بعدهم؛ لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم مشروطًا بموافقة العامة لهم، وإن لم يكن ذلك شرطًا في وجوب اتباع العامة لهم فيما يفتون به (٤). ويُجاب عن هذا الجواب بأنه إذا سلّم أن العامي يجب عليه تقليد العالم، سقط قول العامي؛ لأن العالِم هو المتصرف فيهم (٥). الدليل الثاني: أن العامي بالنسبة إلى فهم الأدلة وطرق الاجتهاد كالصبيان، فقوله إذًا بغير مستند، وهو خطأ، والخطأ لا عبرة به (٦). القول الثاني: يعتبر قول العوام في الإجماع. ودليلهم في ذلك: أن العوام من الأمة، فيتناولهم لفظ الأدلة، فلا تقوم الحجة بدونهم (٧).

стр. 3224

الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن القول الأول هو الراجح، وذلك لقوة أدلته، وضعف دليل القول الثاني. الشرط الرابع: هو عدالة المجمعين: وبهذا الشرط يستبعد الفاسق من المجمعين، سواء كان فسقة بالكذب، أو شرب الخمر، أو الزنا، أو تعاطي الربا، أو غير ذلك من المعاصي القادحة في العدالة (١). وقد ذكر أبو حامد الغزالي أن شرط العدالة إنما هو لجواز الاعتماد على أقوال المجتهد، أما هو في نفسه فله أن يجتهد، إن كان عالمًا ويؤخذ باجتهاده، أما العدالة عنده فهي شرط لقبول الفتوى، لا لصحة الاجتهاد (٢). الشرط الخامس: أن يكون المجمعون أحياء وموجودين: المعتبر في الإجماع أهل عصره من المجتهدين الأحياء الموجودين، فيبطل الالتفات إلى الماضين كما بطل -على القطع- الالتفات إلى اللاحقين، ولولا ذلك لما تُصوِّر إجماعٌ بعد موت واحد من المسلمين في زمان الصحابة والتابعين، وقد اعترفوا بصحة إجماع الصحابة بعد رسول اللَّه ﷺ ، وبعد موت من مات بعد رسول اللَّه ﷺ ، وليس ذلك إلا لأن الماضي لا يُعتبر والمستقبل لا يُنتظر. أما اعتبار جميع مجتهدي الأمة في جميع العصور فغير ممكن؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم الانتفاع بالإجماع إلى يوم القيامة (٣). ويدخل تحت هذا الشرط مسألة: انقراض العصر. وقد اختلف العلماء في انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أولا؛ فذهب بعضهم إلى اعتباره شرطًا. ومنهم من فصَّل وقال: إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما لا يكون انقراض العصر شرطًا، وإن كان الإجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم وسكت الباقون عن الإنكار مع اشتهاره فيما بينهم فهو شرط (٤).

стр. 3225

وذهب جمهور العلماء إلى أن انقراض العصر ليس شرطًا في صحة الإجماع (١) وأن المعتبر في إجماع مجتهدي عصر من العصور اتفاقهم ولو في لحظة واحدة. وهذا هو المختار، فلا يُشترط أن ينقرض عصر المجمعين، أو يمضي زمن طويل على اتفاقهم، بل متى اتفقوا واستقر قولهم، وعلم ذلك منهم، انعقد الإجماع؛ لأن اشتراط انقراض عصر المجمعين يؤدي إلى تعذر وقوع الإجماع؛ لتلاحق المجتهدين. ولعل من اشترط انقراض العصر أراد بذلك زيادة التثبت في نسبة قول المجمعين إليهم، والاطلاع على أحوالهم للعلم باستقرارهم على أقوالهم. ويُجاب عن ذلك: بأنه إذا حصل التأكد من وقوع الاتفاق والعلمُ بموافقة جميع المجتهدين، ولو في لحظة واحدة، فلا يُلتفت بعد حصول الإجماع إلى مخالفة من خالف، سواء كان من أهل الإجماع أو من غيرهم. أما إذا نُقِل الاتفاق دون التأكد من استقرار جميع المجتهدين على أقوالهم، فالإجماع المنقول لا يكون صحيحًا، سواء انقرض العصر أو لم ينقرض.

стр. 3226

المبحث الرابع تعريف الأحكام السلطانية وأهم الكتب التي أُلّفت فيها أولا: تعريف الأحكام السلطانية: الأحكام: جمع، مفرده: حكم. وفي اللغة: القضاء، وأصل معناه: المنع، يقال: حكمت عليه بكذا، إذا منعته من خلافه. وتأويله المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، والحكمة هذا قياسها لأنها تمنع من الجهل (١). أما في الاصطلاح الشرعي: فعند الأصوليين: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أو تخييرًا أو وضعًا (٢). أما عند الفقهاء: أثر خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أو تخييرًا، أو وضعًا (٣). السلطانية: فهي متعلقة بالسلطة والتسلط والسلطان، فالسين واللام والطاء أصل واحد، وُيراد بها القوة والقهر، وقيل: الشديد (٤). وعرفت الأحكام السلطانية بأنها: تلك التي تشمل أحكام الإمامة العظمى وما يتفرع عنها من ولايات داخل دولة الإسلام أو خارجها (٥). وقد خلص الدكتور فؤاد عبد المنعم في كتابه (شيخ الإسلام ابن تيمية والولاية السياسية الكبرى في الإسلام) (٦) أن المراد بالأحكام السلطانية: الأحكام المتعلقة بولاة الأمور مما يحسن فيه التقدير ويحكم به التدبير، وهي الأحكام المتعلقة بالإمامة والولايات التي تصدر عنها. ثانيًا: أهم الكتب التي ألفت في الأحكام السلطانية: فيما يلي قائمة بأهم

стр. 3227

المؤلفات القديمة في فقه الأحكام السلطانية مرتبة حسب وفاة مؤلفيها: ١ - الخراج: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم (ت ١٨٢ هـ). ٢ - السير الكبير: محمد بن الحسن الشيباني (١) (ت ١٨٩ هـ). ٣ - الخراج: يحيى بن آدم القرشي (٢) (ت: ٢٠٤ هـ). ٤ - الأموال: أبو عبيد القاسم بن سلام (٣) (ت ٢٢٤ هـ). ٥ - الأحكام السلطانية: علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت ٤٥٠ هـ). ٦ - قوانين الوزارة: الماوردي. ٧ - أدب القاضي: الماوردي. ٨ - غياث الأمم في التياث الظلم: أبو المعالي الجويني إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ). ٩ - نهاية الرتبة في طلب الحسبة: أبو الحسن الشيرازي (ت ٥٨٩ هـ).

стр. 3228

١٠ - العقد الفريد للملك السعيد: محمد بن طلحة القرشي (١) (ت: ٦٥٢ هـ) ١١ - السياسة الشرعية: شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ). ١٢ - الحسبة في الإسلام: ابن تيمية. ١٣ - معالم القربة في أحكام الحسبة: ابن الأخوة (٢) (ت ٧٢٩ هـ). ١٤ - تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام: بدر الدين ابن جماعة (٣) (ت ٧٣٣ هـ). ١٥ - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ابن القيم (ت ٧٥١ هـ). ١٦ - أحكام أهل الذمة: ابن القيم. ١٧ - الاستخراج لأحكام الخراج، لابن رجب الحنبلي (٧٩٥)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ. ١٨ - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: ابن فرحون (٤) (ت ٧٩٩ هـ).

стр. 3229

١٩ - لسان الحكام في معرفة الأحكام: ابن الشحنة (١) (ت ٨٨٢ هـ). ٢٠ - السياسة الشرعية لزين الدين بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت ٩٧٠ هـ). ٢١ - السياسة الشرعية لإبراهيم بن يحيى بن بخشي المشهور بـ (دده خليفة) (٢) (ت ٩٧٣ هـ). ٢٢ - الجواهر المضيئة في بيان الآداب السلطانية: عبد الرؤوف المناوي (٣) (ت ١٠٣١ هـ). ٢٣ - أحكام الخراج في الفقه الإسلامي للدكتور محمد عثمان شبير.

стр. 3230

الباب الأول مسائل الإجماع في الإمامة وفيه تمهيد وثمانية فصول: التمهيد: التعريف بالإمامة وبيان أهميتها ومشروعيتها. الفصل الأول: مسائل الإجماع في نصب الإمام. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في شروط الإمامة. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في كيفية اختيار الإمام. الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيمن لا تصح إمامتهم. الفصل الخامس: مسائل الإجماع فيما يجب على الرعية تجاه الإمام. الفصل السادس: مسائل الإجماع في حكم عزل الإمام ومبطلات الإمامة. الفصل السابع: مسائل الإجماع في واجبات الإمام. الفصل الثامن: مسائل الإجماع في الشورى.

стр. 3231

التمهيد تعريف الإمامة وبيان أهميتها ومشروعيتها المبحث الأول: تعريف الإمامة لغة واصطلاحًا: المطلب الأول: الإمامة في اللغة: الإمامة مصدر من "أمَّ"، والأمُّ -بالفتح-: القصد، يُقال: أَمّه وأممه وتأممه إذا قصده (١). وأمَّهم وأمَّ بهم: تقدمهم، وهي الإمامة. والإمام: كل ما ائتم به من رئيس أو غيره (٢)، يقول الأزهري: "الإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين" (٣). وفي التنزيل: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (٤)، أي: إمام هدى أو إمام ضلالة، في أحد وجوه التفسير (٥). والجمع: أئمة، أصلها: أممة، مثل: مثال وأمثلة، ولكن الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية، وألقيت حركتها على الهمزة، فقيل: أئمة. وإمام كل شيء قيِّمُه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول اللَّه ﷺ إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، وإمام الجند قائدهم، وهذا أيَّمُ من هذا وأوَّم من هذا، أي: أحسن إمامة منه، قلبوها إلى الياء مرة وإلى الواو أخرى كراهية التقاء الهمزتين. وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به: اقتدى به. والإمام: الخيط الذي يُمَدُّ على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه سقف البناء،

стр. 3232

وإمام الغلام في المكتب ما يتعلمه كل يوم، والإمام: المثال، أي: ما امتثل عليه (١). والإمام: الطريق الواسع، وبه فُسِّر قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِنَّهُمَا لبَإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (٢)، أي: بطريق يأتمون به في سفرهم ويهتدون به، يبين لمن ائتم به استقامته (٣). والدليل: إمام السفر، والحادي: إمام الإبل، وإن كان وراءها لأنه الهادي لها (٤). إلى غير ذلك من المعاني المقاربة. وخلاصة ما سبق: أن الإمام في اللغة: القائد، والقدوة، وقيِّم الأمر المصلح له، والإمامة: القيادة. المطلب الثاني: الإمامة في الاصطلاح: ورد عن أهل السنة والجماعة ومخالفيهم عدة تعريفات للإمامة، منها: ١ - هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (٥). ٢ - الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٦). ٣ - الإمامة: رياسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا (٧). ٤ - هي: نيابة عن الرسول ﷺ في إقامة الدين، بحيث يجب

стр. 3233

على كافة الأمم الاتباع (١). ٥ - هي خلافة الرسول ﷺ في إقامة الدين، بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة (٢). ٦ - وذهب الزيدية إلى أن الإمامة: رئاسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ليس فوقه يد إلا يد اللَّه (٣). ٧ - وذهب الإمامية إلى أن الإمامة: رئاسة الدين والدنيا، ومنصب إلهي يختاره اللَّه بسابق علمه، ويأمر النبي بأن يدل الأمة عليه، ويأمرهم باتباعه (٤). ويُلاحظ أن التعريفات الخمسة الأولى تتفق في اعتبار الإمامة خلافة للنبوة شاملة لأمور الدنيا والدين، أما تعريفا الزيدية والإمامية فيظهر فيهما أثر عقيدة الفرقتين في الإمام والإمامة. وأشمل هذه التعريفات هو التعريف الأول: "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها". • شرح التعريف ومحترزاته: قولنا: [حمل الكافة] يخرج به ولايات الأمراء والقضاة وغيرهم؛ لأن لكل منهم حدوده الخاصة به وصلاحيته المقيدة. وقولنا: [على مقتضى النظر الشرعي] تقييد لسلطة الإمام بأن تكون موافقة للشريعة الإسلامية، وفيه أيضًا وجوب سياسة الدنيا بالدين، لا بالأهواء والشهوات والمصالح الفردية. وقولنا: [في مصالحهم الأخروية والدنيوية] بيان لاشتمال مسؤولية الإمام لمصالح الدين والدنيا، لا الاقتصار على أحدهما. ويصف العلماء "الإمامة" أحيانًا بـ "الإمامة العظمى" أو "الإمامة الكبرى" تمييزًا لها عن الإمامة في الصلاة، على أنهم إذا أطلقوا لفظ "الإمامة" فإنهم

стр. 3234

يريدون به "الإمامة الكبرى" أو العامة، كما نُقل ذلك عن ابن حزم ﵀ (١). المطلب الثالث: لفظ "الإمام" في الكتاب والسنة: لم يرد لفظ "الإمامة" في القرآن الكريم، بينما ورد لفظ "الإمام" في مواضع عدة، فجاء بصيغة الإفراد، في قول اللَّه -تعالى-: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (٢)، أي: مُصَيِّرُك للناس إمامًا يؤتم به، ويُقتدى به (٣). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَاْجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٤)، أي: أئمة يقتدي بنا من بعدنا (٥). وجاء بصيغة الجمع، في قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (٦)، أي: أئمة يؤتم بهم في الخير في طاعة اللَّه في اتباع أمره ونهيه، ويقتدى بهم (٧). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَّارِثيِنَ﴾ (٨)، أي: ولاة وملوكًا (٩). كما ورد بمعنى: من يؤتم بهم في الشر، كقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (١٠)، أي: جعلنا فرعون وقومه أئمة يأتم بهم أهل العتو على اللَّه والكفر به (١١). لكن لا ينصرف لفظ "الإمام" إلى أئمة الباطل إلا إذا قُيّد، كما في الآيات السابقة، أما إن كان على إطلاقه فإنه ينصرف إلى أئمة الهدى.

стр. 3235

وقد ورد أيضًا لفظ "الإمام" و"الأئمة" في مواطن عديدة من السنة المطهرة، ومن ذلك: قوله ﷺ : "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّه في ظِلِّهِ يوم لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ. . . " (١). وقوله ﷺ : "الْإِمَامُ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (٢). والمراد: الحاكم أو الخليفة. وقوله ﷺ : "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ولا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي" (٣). أي: أئمة الضلالة. المطلب الرابع: الترادف بين ألفاظ: الإمام والخليفة وأمير المؤمنين: باستعراض الأحاديث النبوية والآثار المروية عن الصحابة والتابعين الواردة في باب الخلافة والإمامة، لا نجد فيها تفريقًا بين لفظ "الخليفة"، ولفظ "الإمام"، وبعد تولية ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب ﵁ أضيف إليها لفظ: "أمير المؤمنين". وقد ذهب العلماء إلى أن هذه الألفاظ الثلاثة مترادفة، وأن هذا الترادف من قبيل دلالتها وإطلاقها على ذات واحدة، أما من حيث معانيها فلكل واحدة منها معناها الخاص بها، مثل القرآن، والفرقان، والهدى، والنور، فهي مترادفة من حيث دلالتها على القرآن، ومتباينة من حيث معانيها. قال النووي: "يجوز أن يُقال للإمام: الخليفة، والإمام، وأمير المؤمنين" (٤). وقال الماوردي: "ويجوز أن يُقال: خليفة رسول اللَّه ﷺ " (٥). وقال البغوي: "ولا بأس أن يُسمى القائم بأمور المسلمين أمير المؤمنين، والخليفة، وإن كان مخالفًا لبعض سير أئمة العدل؛ لقيامه بأمر المؤمنين وسمع

стр. 3236

المؤمنين له، ويُسمَّى خليفة لأنه خلف الماضي قبله وقام مقامه" (١). وقال ابن خلدون (٢): "قد بينا حقيقة هذا المنصب، وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا، به تسمى: خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإمامًا، فأما تسميته إمامًا فتشبيها بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال: الإمامة الكبرى، وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته، فيُقال: خليفة بإطلاق، وخليفة رسول اللَّه، واختُلِف في تسميته: خليفة اللَّه، فأجازه بعضهم اقتباسًا من الخلافة العامة التي للآدميين في قول اللَّه -تعالى-: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣)، وقوله: ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (٤)، ومنع الجمهور منه؛ لأن معنى الآية ليس عليه (٥)، وقد نهى أبو بكر عنه لما دُعي به، وقال: "لست خليفة اللَّه، ولكني خليفة رسول اللَّه ﷺ " (٦)،

стр. 3237

ولأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب" (١). ويفسر بعضهم الترادف بين الإمامة والخلافة بقوله: "سمِّيت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين يخلف النبي ﷺ في إدارة شؤونهم، وتُسمى إمامة لأن الخليفة كان يُسمى إمامًا، ولأن طاعته واجبة، ولأن الناس كانوا يسيرون وراءه كما يصلون وراء من يؤمهم الصلاة" (٢). وأرجع بعضهم سبب استعمال المسلمين ألفاظ "الإمام"، و"الخليفة"، و"أمير المؤمنين" إلى أنه ابتعاد بالمفهوم الإسلامي للدولة ورياستها عن النظام الملكي بمفهومه القديم عند الأمم الأخرى من الفرس والرومان المختلف اختلافا أساسيًا عن المفهوم الإسلامي الجديد (٣). وقد كان الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ﵁ يُلقب بالخليفة كما يلقب بالإمام، ومع خلافة عمر بن الخطاب ﵁ استعمل المسلمون لقب: "أمير المؤمنين" (٤). المطلب الخامس: استعمالات لفظي الخلافة والإمامة: يغلب استعمال لفظ "الإمامة" عادة عند أهل السنة في مباحثهم العقدية والفقهية، بينما يغلب استعمالهم لفظ "الخلافة" في مباحثهم التاريخية، وسبب ذلك أنهم كانوا يردون في هذه المباحث العقدية والفقهية على المبتدعة كالشيعة والخوارج. فالإمامة ركن من أركان الإيمان عند الشيعة، ولذلك يفرقون بين الإمامة والخلافة، فيعتبرون الإمامة رئاسة دين، والخلافة رئاسة دولة (٥)، ويدَّعون أن

стр. 3238

عليًّا ﵁ كان إمامًا زمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. وذهب أيضًا الرافضة الباطنية (١)، وبعض المعتزلة (٢) إلى التفريق بين الإمامة والخلافة. وادعى بعض المعاصرين أن أهل السنة استعملوا لفظ "الإمامة" تأثرًا بالشيعة (٣)، ويرى بعضهم أنه من اختراعات الشيعة (٤). وهذا غير صحيح؛ لاستعمال المسلمين هذا اللفظ قبل انشقاق الشيعة عن الجماعة، ولورود لفظ "إمام" و"أئمة" في بعض الآيات والأحاديث كما سبق، ولاستعمال الصحابةُ رضوان اللَّه عليهم له.

стр. 3239

المبحث الثاني أهمية الإمامة يُعد منصب الإمامة العظمي أعلى رتبة دينية في خلافة النبوة، فالإمام خليفة عن النبي ﷺ في تدبير مصالح الخلائق وضبطها وفق نصوص الشريعة، لكن مع فارق واحد بينه وبين النبي ﷺ ، وهو: أن النبي ﷺ كان يتلقى بالوحي الأحكام التي يُلزم بها أمته، أما الإمام فهو يتلقاها من النصوص الثابتة من الكتاب والسنة، أو مما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكن ثم نص أو إجماع اجتهد في شأنها في إطار الأدلة العامة والقواعد الثابتة. وتتبين الأهمية القصوى لمنصب الإمامة من الأسباب التالية: ١ - يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لحراسة الدين من رأس (١). ٢ - إن اللَّه -جل وعلا- أمر عباده المسلمين بالاجتماع ونبذ الفرقة، فقال -تعالى-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢)، وحذر نبيه ﷺ من مفارقة الجماعة بقوله: "من فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ" (٣)، ولا يمكن لأي أمة أن تنجو من بلاء التفرق والتنازع إلا إذا أسلمت قيادتها لكبير فيها، تجتمع الكلمة على رأيه، وتخضع الآراء لحكمه، ويكون من سائر أفراد الأمة كالقطب من الدائرة، يجسد وحدتهم، ويرعى بقيادته قوتهم، وهي حاجة ماسة في استقامة النظام، واتساق الأوضاع، يشعر بها حتى عالم الحيوانات والبهائم (٤).

стр. 3240

٣ - الأمة الإسلامية معرضة في كل وقت لظهور طائفة فيها تبغي وتشق عصا المسلمين بسائق من الأهواء أو الأفكار الجانحة باسم الدين والإصلاح. ولا سبيل إلى إطفاء نار مثل هذه الفتنة إلا بواسطة إمام مسلم عادل، يوضح للأمة المنهج السليم، ويحذرها من الانصياع للسبل الأخرى، فإن الأمة عندئذ لا يمكن أن تقع -بسبب الجهالة- في الحيرة أو اللبس، لأن ما يأمر به الإمام هو الذي يجب العمل به في حكم اللَّه . أما عند غياب هذا الإمام، فإن أصحاب الدعوات المختلفة من شأنهم أن يوقعوا أشتات المسلمين في حيرة مهلكة، لا مناص منها؛ إذ سرعان ما ينقسم المسلمون شيعًا وأحزابًا متطاحنة، وما هو إلا أن يفنيها الشقاق، ويهلكها الخلاف (١).

стр. 3241

المبحث الثالث مشروعية الإمامة أجمع سلف الأمة، وأهل السنة، وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام -أي توليته على الأمة- واجب على المسلمين شرعًا (١) لا عقلًا فقط، كما قال الأصم (٢) من المعتزلة، وغيره. ذلك لأن الوجوب يؤخذ من الشرع، إلا أن يُفسر الواجب بالفعل الذي فيه فائدة وفي تركه أدنى مضرة، وعند ذلك لا يُنكر عقلًا وجوب نصب الإمام؛ لما فيه من الفوائد ودفع المضار في الدنيا (٣). قال ابن حزم: "اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج، على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام اللَّه، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول

стр. 3242

اللَّه ﷺ ، حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يشاطوا الحق بينهم. . . وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي من الرد عليه وإبطاله: إجماع كل من ذكرنا على بطلانه، والقرآن والسنة قد وردا بإيجاب الإمام" (١). وقال القرطبي: "ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما رُوي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتَّبعه على رأيه ومذهبه" (٢). وهذا الإجماع من سائر المسلمين على وجوب الإمامة لا يرتفع به إلى مبادئ العقيدة كما هو الأمر عند معظم فرق الشيعة؛ ولذلك فإنّه لا يتعلق به كفر عند الإخلال التصديقي به كما هو عندهم، ولكنه مجرد عصيان كالعصيان المترتب على الخلل في فروع الأحكام، بل إن هذا الوجوب وجوب كفائي متوجه إلى أهل الحل والعقد باعتبارهم الممثلين للأمة، النائبين عنها في هذه المهمة العظيمة، فإذا تقاعس أهل الحل والعقد عن ذلك لحق الإثم بكل من له قدرة واستطاعة حتى يسعى لإقامة هذا الواجب بحسب وسعه. أدلة وجوب نصب الإمامة: استدلوا على وجوب نصب الإمام بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقواعد الشرعية، وسنقتصر فيما يلي على ذكر بعض أدلة الكتاب والسنة لوضوح الدلالة فيها: أولًا: الأدلة من القرآن الكريم: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣). روى ابن جرير الطبري أقوال السلف في المقصود بأولي الأمر في هذه الآية، ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: هم الأمراء

стр. 3243

والولاة؛ لصحة الأخبار عن رسول اللَّه بالأمر بطاعة الأئمة والولاة، فيما كان للَّه طاعة، وللمسلمين مصلحة" (١). وقال ابن كثير: "هذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال -تعالى-: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه، ﴿وَأَطِيعُواْ الْرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما "أمروكم به من طاعة اللَّه لا في معصية اللَّه" (٢). • وجه الدلالة: أن الأمر بطاعة أولي الأمر -وهم الأئمة- يدل على وجوب نصب ولي الأمر؛ لأن اللَّه -تعالى- لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده، فدل على أن إيجاد إمام للمسلمين واجب عليهم (٣). الدليل الثاني: قال اللَّه -تعالى- مخاطبًا رسوله ﷺ : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٤). وقال اللَّه -تعالى-: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٥). قال ابن كثير: "أي: فاحكم يا محمد بين الناس -عربهم وعجمهم أميهم وكتابيهم- بما أنزل اللَّه إليك من هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك" (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- أمر رسوله ﷺ بأن يحكم بين العباد بما شرعه في كتابه، والنبي ﷺ قدوة للأمة ومُتَّبَعًا لهم، فأمره ونهيه يكون أمرًا ونهيًا لأمته، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق (٧)، ويدل لذلك قول اللَّه -تعالى-:

стр. 3244

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١)، ولم يقل: "إذا طلقت النساء فطلقهن"، فدل على أن خطابه خطاب لأمته، وهنا لم يرد دليل على التخصيص، فيكون خطابًا للمسلمين جميعًا بإقامة الحكم بما أنزل اللَّه إلى يوم القيامة، ولا يعني إقامة الحكم والسلطان إلا إقامة الإمامة؛ لأن ذلك من وظائفها، ولا يمكن القيام به على الوجه الأكمل إلا عن طريقها، فتكون جميع الآيات الآمرة بالحكم بما أنزل اللَّه دليلًا على وجوب نصب إمام يتولى ذلك (٢). الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أخبر أنه أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان لأجل قيام الناس بالقسط، وذكر أنه أنزل الحديد الذي به يُنصر هذا الحق، فالكتاب يهدى والسيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا. ولهذا كان قوام الناس بأهل الكتاب وأهل الحديد، ما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء، والعلماء" (٤). • وجه الدلالة: أن مهمة الرسل ومن أتى بعدهم من أتباعهم إقامة العدل بين الناس على وفق ما في الكتاب المنزل، ونصرة ذلك بالقوة، وهذا لا يأتي لأتباع الرسل إلا بتنصيب إمام يقيم فيهم العدل، وينظم جيوشهم المناصرة. ومن الأدلة القرآنية أيضًا: جميع آيات الحدود والقصاص ونحوها من الأحكام التي يلزم القيام بها وجود الإمام، وآيات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها من الآيات. ثانيًا الأدلة من السنة: وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ فيها دلالة على

стр. 3245

وجوب نصب الإمام، منها: الدليل الأول: حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَة مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (١). أي: بيعة الإمام. • وجه الدلالة: هذا الحديث واضح الدلالة على وجوب نصب الإمام؛ لأنه إذا كانت البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، فنصب الإمام واجب (٢). الدليل الثاني: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: "لا يَحِلُّ لِثَلاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلاةٍ من الأرْضِ إلا أَمَّرُوا عليهم أَحَدَهُمْ" (٣). ومثله حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٤). وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُوَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٥). قال الشوكاني: "وفيها دليل على أنه يُشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمروا عليهم أحدهم؛ لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى الإتلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه، ويفعل ما يطابق هواه،

стр. 3246

فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ شرع ذلك لثلاثة في فلاة من الأرض أو في سفر، فمشروعيته لأهل القرى والأمصار أولى وأحرى؛ لأنهم يحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم، وإقامة العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، وإقامة الحج، والجمع والأعياد، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع" (٢). إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الحكام فيما لا معصية فيه، وأحاديث البيعة، ومنها حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ (مَنْ أَعْطَى إمَامًا صَفَقةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإنْ جَاءَ آخر يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرَ) (٣) فدلّ ذلك على وجوب تنصيبه (٤).

стр. 3247

الفصل الأول مسائل الإجماع في نصب الإمامة [١/ ١] فضل النبوة على الإمامة • المراد بالمسألة: النبوة في اللغة: النون والباء والحرف المعتل ومنه النبي والنباوة: وهو ما يدل على ارتفاع في الشيء عن غيره، كأنه المفضل على سائر الناس برفع منزلته، وقيل الطريق الواضح (١). والنبأ الخبر ومنه المنبئ: المخبر، لأنه أنبأ عن اللَّه تعالى فتحققت نبوته بمجرد ذلك وتثبت له أوصاف العلو والارتفاع (٢). وبالنظر إلى النبوة في الاصطلاح الشرعي نجد أنها قد اشتملت على هذه المعاني جميعا، فهي إخبار عن اللَّه، ورفعة لصاحبها، وهي الطريق الموصلة إلى اللَّه. فاستظهر بعضهم أن الرسول: هو من أنزل إليه كتاب وشرع مستقل، والنَّبي: هو من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة (٣). وبهذا المعنى الاصطلاحي للنبوة أجمع علماء الأمة على أن الأنبياء أفضل الخلق، وبالأحرى فهم أفضل من الأئمة. • من نقل الإجماع: أبو الحسن الزوندويستي (٤) (٣٨٢ هـ) قال: "أجمعت

стр. 3248

الأمة على أن الأنبياء أفضل الخليقة" (١). نقله ابن نجيم (٩٧٠ هـ) (٢) والطحطاوي (٣) (١٢٣١ هـ) (٤)، وابن عابدين (٥) (١٢٥٢ هـ) (٦). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "والأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين" (٧). ابن كثير (٧٧٤ هـ) قال: "النبوة أعلى رتبة بلا خلاف" (٨). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)،

стр. 3249

والشافعية (١)، والحنابلة (٢)، والظاهرية (٣). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) وقول اللَّه -تعالى-: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٥). • وجه الدلالة: أمر اللَّه -جل وعلا- بطاعته مطلقًا، وأمر بطاعة رسوله ﷺ ، لأنه لا يأمر إلا بطاعة اللَّه، ومن يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة (٦)، فدل ذلك على أن رتبة الرسول ﷺ أفضل من رتبة الأئمة. الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (٧). وقول اللَّه -تعالى- ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٨). • وجه الدلالة: دل القرآن -في غير موضع- على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة غيره، ومن عصى الرسول كان من أهل

стр. 3250

الوعيد وإن قُدِّر أنه أطاع من ظن أنه معصوم (١). فكل من سوى الرسول ﷺ يؤخذ من قوله ويترك؛ وذلك لفضل الأنبياء على سائر البشر، وفيهم الأئمة فدل على أن النبوة أفضل من الإمامة. • ثانيًا: السنة: حديث سعد بن أبي وقاص ﷺ قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الناس أَشَدُّ بَلَاءً؟ قال: "الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ" (٢) أي: الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى في الرتبة والمنزلة، يُقال: هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير، وأماثل الناس: خيارهم (٣) وهؤلاء فيهم الأئمة وغيرهم فدل على علو مرتبة النبوة على مرتبة الإمامة. • وجه الدلالة: قال أولًا: "ثُمَّ الأمْثَلُ" بلفظ (ثم)، وقال ثانيًا: "فَالأمْثَلُ" بالفاء؛ للإعلام بالبعد والتراخي في المرتبة بين الأنبياء وغيرهم، وعدم ذلك بين غير الأنبياء" (٤). • من خالف الإجماع: الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، فقد بالغوا في تقديس أئمتهم وقربوهم من مرتبة الرسل بإظهار المعجزة على أيديهم، والعصمة من الذنوب، وزعموا أن كل الأئمة معصومون عن الخطأ والنسيان، وعن اقتراف الكبائر والصغائر، وفرّقوا بين الرسل والأئمة في أن الرسل يوحى إليهم دون الأئمة (٥).

стр. 3251

قال المجلسي (١) (١١١١ هـ): "اعلم أنّ الإماميّة اتّفقوا على عصمة الأئمّة

стр. 3252

عليهم السّلام من الذّنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلًا، لا عمدًا ولا نسيانًا، ولا لخطأ في التّأويل، ولا للإسهاء من اللَّه سبحانه" (١). فأثبت للأئمة العصمة من جميع الأوجه المتصورة، من المعصية كلها الصغيرة والكبيرة، ومن الخطأ، ومن السهو والنسيان. فلا يُعتد بخلاف الشيعة الإمامية، وكيف يُعتد بخلافهم ولم يستقم لهم ثمة دليل واحد فيما زعموه؟ ! ! ! النتيجة: صحة الإجماع في فضل مرتبة النبوة على مرتبة الإمامة. [٢/ ٢] وجوب نصب الإمام • المراد بالمسألة: النَّصْبُ: إقامة الشيء ورفعه قائمًا منتصبًا، من الانتصاب وهو المثول والإشراف والتطاول، وتَنَصَّبَ فلان وانْتَصَبَ إذا قام رافعًا رأسه (٢) والإمام: القائد، والقدوة، وقيِّم الأمر المصلح له (٣). ونصب الإمام في الاصطلاح: اختيار خليفة للمسلمين نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا؛ ليقيم فيهم أحكام اللَّه -تعالى-، ويسوسهم بأحكام الشريعة، وتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخلافة (٤). وبهذا المعنى فإن نصب الإمام واجب (٥) بإجماع العلماء.

стр. 3253

• من نقل الإجماع: أبو منصور البغدادي (١) (٤٢٩ هـ) قال: "قال جمهور أصحابنا من المتكلمين والفقهاء مع الشيعة والخوارج وأكثر المعتزلة بوجوب الإمامة، وأنها فرض واجب، وخالفهم شرذمة من القدرية، كأبي بكر الأصم، وهشام الفوطي (٢)، وقد اجتمعت الصحابة على وجوبها، ولا اعتبار بخلاف الفوطي والأصم فيها مع تقدم الإجماع على خلاف قوليهما" (٣). ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج، على وجوب الإمامة. . . حاشا النجدات من الخوارج. . . وقول هذه الفرقة ساقط، يكفي من الرد عليه وإبطاله: إجماع كل من ذكرنا على بطلانه" (٤). أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "نصب الإمام عند الإمكان واجب، وذهب عبد الرحمن بن كيسان الأصم إلى أنه لا يجب. . . وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة واتفاق العلماء

стр. 3254

قاطبة" (١) ونقله عنه أبو عبد اللَّه المواق (٢) (٨٩٧ هـ) (٣). ابن رشد الجد (٤) (٥٢٠ هـ) قال: "لا اختلاف بين الأمة في وجوب الإمامة" (٥). القاضي عياض (٦) (٥٤٤ هـ) قال: "لا بد من إقامة خليفة، وهذا مما أجمع المسلمون عليه بعد النبي ﷺ في سائر الأعصار خلافًا للأصم" (٧). النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب

стр. 3255

خليفة" (١). نقله عنه ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٢) والعيني (٨٥٥ هـ) (٣)، والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٤) والعظيم آبادي (٥) (بعد ١٣١٠ هـ) (٦). ابن عادل الدمشقي (٧) (بعد سنة ٨٨٠ هـ) قال: "لا خلاف في وجوب ذلك -أي: نصب الإمام- بَيْنَ الأمة، إلا ما رُوي عن الأصَمّ وأتباعه" (٨). ملا على

стр. 3256

القاري (١) (١٠١٤ هـ) قال: "وفي شرح العقائد الإجماع على أن نصب الإمام واجب" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع على أدلة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول، وسنقتصر فيما يلي على ذكر بعض أدلة الكتاب والسنة لوضوح

стр. 3257

الدلالة فيها: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١). • وجه الدلالة: قال القرطبي: "هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة" (٢). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) وقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٤) قال القرطبي: "أي: يجعل منهم خلفاء" (٥). • وجه الدلالة: أن وعد اللَّه -جل وعلا- ناجز لا محالة باستخلاف المؤمنين في الأرض، أي: "ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك" (٦). الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن طاعتهم فرع وجودهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٨). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: "لا يَحِلُّ لِثَلاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلاةٍ من الأرْضِ إلا أَمَّرُوا عليهم أَحَدَهُمْ" (٩). ومثله

стр. 3258

حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (١). وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان ثَلَاثَة في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٢). • وجه الدلالة: أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع" (٣). الدليل الثاني: حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (٤). أي: بيعة الإمام. • وجه الدلالة: أن البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، وبيعته فرع وجوده، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٥). الدليل الثالث: الأحاديث الدالة على وجوب السمع والطاعة، وطاعتهم فرع وجودهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٦)، ومنها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعْ الْأمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي" (٧).

стр. 3259

٢ - حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" (١). ٣ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" (٢). ٤ - حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَال ﷺ : "نَعَمْ"، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْر؟ قَال: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَال: "نَعَم"، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَال: "يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَاي، وَلَا يَسْتَنُّون بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إِنْسٍ"، قَال: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُول اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَال: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (٣). • من خالف الإجماع: لم يشذ عن هذا الإجماع إلا النجدات من الخوارج، والأصم، والفوطي من المعتزلة، وقد نقله غير واحد من أهل العلم كما سلف آنفًا. قال المخالفون: إن الواجب إنما هو إمضاء أحكام الشرع، فإذا تواطأت الأمة على العدل وتنفيذ أحكام اللَّه -تعالى- لم يحتج إلى إمام، ولا يجب نصبه (٤).

стр. 3260

ونوقش ذلك بأنهم محجوجون بكامل الأدلة المتقدمة، وعلى رأسها الإجماع السابق (١). قال ابن خلدون: "والذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار عن الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا، لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك، والنعي على أهله، ومرغبة في رفضه. واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته، ولا حظر القيام به، وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم والتمتع بالملذات، ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة وهي من توابعه، كما أثنى على العدل والنصفة وإقامة مراسم الدين والذب عنه، وأوجب وإزائها الثواب، وهي كلها من توابع الملك. إنما وقع الذم للملك على صفة وحال دون حال أخرى، ولم يذمه لذاته، ولا طلب تركه، كما ذم الشهوة والغضب من المكلفين، وليس مراده تركهما بالكلية لدعاية الضرورة إليها، وإنما المراد تصريفهما على مقتضى الحق، وقد كان لداود وسليمان - صلوات اللَّه وسلامه عليهما - الملك الذي لم يكن لغيرهما، وهما من أنبياء اللَّه -تعالى- وأكرم الخلق عنده. ثم نقول لهم: إن هذا الفرار عن الملك بعدم وجوب هذا النصب لا يغنيكم شيئًا؛ لأنكم موافقون على وجوب إقامة أحكام الشريعة، وذلك لا يحصل إلا بالعصبية والشوكة، والعصبية مقتضية بطبعها للملك، فيحصل الملك وإن لم ينصب إمام، وهو عين ما فررتم" (٢). النتيجة: صحة الإجماع في وجوب نصب الإمام. [٣/ ٣] الإمامة من أسباب إقامة المصالح الدينية والدنيوية • المراد بالمسألة: الإمامة: القيادة والقدوة (٣) الإقامة: التهذيب، وأقمت الشيء وقومته فقام واستقام، أي: اعتدل واستوى وزال عوجه (٤) المصالح:
следующие страницы →