← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

القاري (١) (١٠١٤ هـ) قال: "وفي شرح العقائد الإجماع على أن نصب الإمام واجب" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع على أدلة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول، وسنقتصر فيما يلي على ذكر بعض أدلة الكتاب والسنة لوضوح

стр. 3257

الدلالة فيها: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١). • وجه الدلالة: قال القرطبي: "هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة" (٢). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) وقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٤) قال القرطبي: "أي: يجعل منهم خلفاء" (٥). • وجه الدلالة: أن وعد اللَّه -جل وعلا- ناجز لا محالة باستخلاف المؤمنين في الأرض، أي: "ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك" (٦). الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن طاعتهم فرع وجودهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٨). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: "لا يَحِلُّ لِثَلاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلاةٍ من الأرْضِ إلا أَمَّرُوا عليهم أَحَدَهُمْ" (٩). ومثله

стр. 3258

حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (١). وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان ثَلَاثَة في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٢). • وجه الدلالة: أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع" (٣). الدليل الثاني: حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (٤). أي: بيعة الإمام. • وجه الدلالة: أن البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، وبيعته فرع وجوده، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٥). الدليل الثالث: الأحاديث الدالة على وجوب السمع والطاعة، وطاعتهم فرع وجودهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٦)، ومنها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعْ الْأمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي" (٧).

стр. 3259

٢ - حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" (١). ٣ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" (٢). ٤ - حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَال ﷺ : "نَعَمْ"، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْر؟ قَال: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَال: "نَعَم"، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَال: "يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَاي، وَلَا يَسْتَنُّون بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إِنْسٍ"، قَال: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُول اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَال: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (٣). • من خالف الإجماع: لم يشذ عن هذا الإجماع إلا النجدات من الخوارج، والأصم، والفوطي من المعتزلة، وقد نقله غير واحد من أهل العلم كما سلف آنفًا. قال المخالفون: إن الواجب إنما هو إمضاء أحكام الشرع، فإذا تواطأت الأمة على العدل وتنفيذ أحكام اللَّه -تعالى- لم يحتج إلى إمام، ولا يجب نصبه (٤).

стр. 3260

ونوقش ذلك بأنهم محجوجون بكامل الأدلة المتقدمة، وعلى رأسها الإجماع السابق (١). قال ابن خلدون: "والذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار عن الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا، لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك، والنعي على أهله، ومرغبة في رفضه. واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته، ولا حظر القيام به، وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم والتمتع بالملذات، ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة وهي من توابعه، كما أثنى على العدل والنصفة وإقامة مراسم الدين والذب عنه، وأوجب وإزائها الثواب، وهي كلها من توابع الملك. إنما وقع الذم للملك على صفة وحال دون حال أخرى، ولم يذمه لذاته، ولا طلب تركه، كما ذم الشهوة والغضب من المكلفين، وليس مراده تركهما بالكلية لدعاية الضرورة إليها، وإنما المراد تصريفهما على مقتضى الحق، وقد كان لداود وسليمان - صلوات اللَّه وسلامه عليهما - الملك الذي لم يكن لغيرهما، وهما من أنبياء اللَّه -تعالى- وأكرم الخلق عنده. ثم نقول لهم: إن هذا الفرار عن الملك بعدم وجوب هذا النصب لا يغنيكم شيئًا؛ لأنكم موافقون على وجوب إقامة أحكام الشريعة، وذلك لا يحصل إلا بالعصبية والشوكة، والعصبية مقتضية بطبعها للملك، فيحصل الملك وإن لم ينصب إمام، وهو عين ما فررتم" (٢). النتيجة: صحة الإجماع في وجوب نصب الإمام. [٣/ ٣] الإمامة من أسباب إقامة المصالح الدينية والدنيوية • المراد بالمسألة: الإمامة: القيادة والقدوة (٣) الإقامة: التهذيب، وأقمت الشيء وقومته فقام واستقام، أي: اعتدل واستوى وزال عوجه (٤) المصالح:

стр. 3261

المنافع، واحدتها: مصلحة وهي المنفعة، والإصلاح: إزالة الفساد عن الشيء فكان نافعًا ومناسبًا ومفردها مصلحة (١). مفهوم المصالح في الاصطلاح: المصالح: وهي: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق. فالمصلحة: كل ما فيه جلب منفعة أو دفع مضرة (٢). فإذا أسلمت الأمة قيادتها لكبير فيها، واجتمعت الكلمة على رأيه، وخضعت الآراء لحكمه، كان ذلك سببًا في إقامة المصالح الدينية والدنيوية التي اشتملت عليها الأصول الخمسة (٣). وقد أجمع علماء الأمة على أن ذلك من أهم مقاصد الإمامة. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) قال: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم" (٤). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم ودنياهم" (٥). ملا على القاري (١٠١٤ هـ) قال: "الإجماع على أن نصب الإمام واجب؛ لأن كثيرًا من الواجبات الشرعية يتوقف عليه، كتنفيذ أحكام المسلمين، وإقامة حدودهم،

стр. 3262

وسد ثغورهم، وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمعة والأعياد، وتزويج الصغير والصغيرة اللذين لا أولياء لهما، وقسمة الغنائم، ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها آحاد الأمة" (١). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) قال: "إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول اللَّه ﷺ إلى هذه الغاية، فما هو مرتبط بالسلطان من مصالح الدين والدنيا، ولو لم يكن منها إلا جمعهم على جهاد عدوهم، وتأمين سبلهم، وإنصاف مظلومهم من ظالمه، وأمرهم بما أمرهم اللَّه به، ونهيهم عما نهاهم اللَّه عنه، ونشر السنن، وإماتة البدع، وإقامة حدود اللَّه، فمشروعية نصب السلطان هي من هذه الحيثية" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣) والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة وجوب نصب الإمام من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول؛ فنصبه مؤذّ لاستقامة البلاد والعباد، دينًا ودنيا.

стр. 3263

وقد نقلنا أدلة وجوب نصب الإمام من الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، والرد على من شذ عنه فيما سلف آنفًا (١). وفيما يلي مستند الإجماع من المعقول: ١ - لأن الإمام هو القائم بخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٢). ٢ - ولأن اللَّه -تعالى- قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. قال ابن رشد: "المعنى في هذا أن الذين ينتهون من الناس عن محارم الناس مخافة السلطان، أكثر من الذين ينتهون عنها لأمر اللَّه، ففي الإمام صلاح الدين والدنيا" (٣). ولقول اللَّه -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ (٤)، لأن قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة (٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أخبر أنه أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان لأجل قيام الناس بالقسط، وذكر أنه أنزل الحديد الذي به يُنصر هذا الحق، فالكتاب يهدى والسيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا. ولهذا كان قوام الناس بأهل الكتاب وأهل الحديد، كما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء، والعلماء" (٦). ٣ - ولأن أكثر الواجبات تتوقف عليه كالجمعة والأعياد (٧).

стр. 3264

قال ابن تيمية: "ولأن اللَّه -تعالى- أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، إقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة" (١). ٤ - ولأنه لا بد للمسلمين من حاكم؛ لئلا تذهب حقوق الناس (٢). قال الماوردي: "ثم لِمَا في السلطان من حراسة الدين والدنيا، والذب عنهما، ودفع الأهواء منه، وحراسة التبديل فيه، وزجر من شذ عنه بارتداد، أو بغى فيه بعناد، أو سعى فيه بفساد، وهذه أمور إن لم تنحسم عن الدين بسلطان قوي ورعاية وافية أسرع فيه تبديل ذوي الأهواء، وتحريف ذوي الآراء، فليس في بن زال سلطانه إلا بُدِّلت أحكامه، وطُمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر فيه وهاية أثر، كما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضًا، والتناصر عليه حتمًا، لم يكن للسلطان لبث ولا لأيامه صفو، وكان سلطان قهر، ومفسدة دهر، ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت وزعيم الأمة؛ ليكون الدين محروسًا بسلطانه، والسلطان جاريًا على سنن الدين وأحكامه" (٣). ٥ - ولأنه لو تُرك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يردعهم عن الباطل راح لهلكوا، ولاستحوذ أهل الفساد على العباد (٤)، وكما يقول القرافي: "لأن عدمها -أي: عدم الإمامة- يفضي إلى الهرج والتظالم، وذلك يجب السعي في إزالته، ولا طريق في مجرى العادة إلا الإمامة" (٥).

стр. 3265

النتيجة: صحة الإجماع على أن الإمامة من أسباب إقامة المصالح الدينية والدنيوية. [٤/ ٤] الإمامة إنما تجب عن طريق الشرع وليس العقل • المراد بالمسألة: أن وجوب نصب الإمام مأخوذ من الشرع، لا من العقل. • من نقل الإجماع: الشهرستاني (١) (٥٤٨ هـ) قال: "وجوب الإمامة سمعًا؛ لاتفاق الأمة بأسرهم من الصدر الأول إلى زماننا أن الأرض لا يجوز أن تخلو عن إمام قائم بالأمر" (٢) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة، ووجوبه بالشرع، لا بالعقل" (٣). نقله عنه ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٤) والعيني (٨٥٥ هـ) (٥)، والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٦) والعظيم آبادي (بعد ١٣١٠ هـ) (٧)، والمباركفوري (٨) (١٣٥٣ هـ) (٩) ابن خلدون (٨٠٨ هـ) قال: "إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين" (١٠).

стр. 3266

• من وافق على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة وجوب نصب الإمام من الكتاب، والسنة، وقد نقلناها فيما سلف آنفًا (٦). • من خالف الإجماع: وهم فريقان: الأول: من يوجب الإمامة على الناس عقلًا: وهم معتزلة بغداد (٧)، والجاحظ (٨) من معتزلة البصرة (٩). وقالوا: إن مدرك وجوبه العقل، وأن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل فيه (١٠).

стр. 3267

وقالوا أيضًا: إن أصل دفع المضرة واجب بحكم العقل قطعًا، فكذلك المضرة المظنونة يجب دفعها عقلًا؛ وذلك لأن الجزئيات المظنونة المندرجة تحت أصل قطعي الحكم، يجب إدراجها في ذلك الحكم قطعًا (١). ونوقش: بأن مبنى أدلة أهل السنة هي الشرع، ومنه وجوب دفع الضرر، قال -تعالى-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، وقال ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (٣). وأن العقل لا يُوجب ولا يحظر ولا يُقبِّح ولا يُحسِّن، وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع، لا من جهة العقل (٤). قال أبو يعلى: "إن العقل لا يُعلم به فرض الشيء ولا إباحته، ولا تحليل شيء ولا تحريمه" (٥). وقالوا بأن وجوب الإمامة بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر واستحالة حياتهم ووجودهم منفردين، ومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض، فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم، مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية، وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبوات في البشر (٦). ونوقش: بأن إحدى مقدماته أن الوازع إنما يكون بشرع من اللَّه تسلم له

стр. 3268

الكافة تسليم إيمان واعتقاد وهو غير مسلم؛ لأن الوازع قد يكون بسطوة الملك وقهر أهل الشوكة ولو لم يكن شرع، كما في أمم المجوس وغيرهم ممن ليس له كتاب أو لم تبلغه الدعوة، أو نقول: يكفي في رفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه بحكم العقل، فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هناك، ونصب الإمام هنا غير صحيح، بل كما يكون بنصب الإمام يكون بوجود الرؤساء أهل الشوكة أو بامتناع الناس عن التنازع والتظالم، فلا ينهض دليلهم العقلي المبني على هذه المقدمة؛ فدل على أن مدرك وجوبه إنما هو بالشرع وهو الإجماع (١). قال الماوردي (٢): "بل وجبت -أي: الإمامة- بالشرع دون العقل؛ لأن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزًا في العقل أن لا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل موجبًا لها، وإنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء عن التظالم والتقاطع، ويأخذ بمقتضى العدل في التناصف والتواصل، فيتدبر بعقله لا بعقل غيره، ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين، قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، ففرض علينا طاعة أولي الأمر فينا، وهم الأئمة المتأمرون علينا. وروى هشام بن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سَيَلِيَكُمْ بَعْدِي وُلَاةٌ، فَيَلِيَكُمُ البَرُّ بِبِرِّهِ، وَيَلِيَكُمُ الفَاجِرُ بِفِجُورِهِ، فَاسمَعُوا لَهُم وَأَطِيعُوا في كُلِّ مَا وَافَقَ الحَقَّ، فَإِنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ" (٤) ".

стр. 3269

الثاني: من يوجب الإمامة عقلًا على اللَّه -سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا-: وهم الشيعة الرافضة (١)، وقالوا: "الإمامة لطف، واللطف واجب على اللَّه تعالى" (٢). واللطف الواجب: "هو ما يقرب العبد إلى طاعة اللَّه تعالى، ويبعده عن معصيته بغير إلجاء ولا إكراه ولا إجبار" (٣). ونوقش: بأن هذا عين الجهل وسوء الأدب مع اللَّه ، قال -تعالى-: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤)، واللَّه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٥). ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، قال-تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٦). ونوقش: بأنه إذا قلتم إن الإمام لطف وهو غائب عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته؟ ! وإذا لم يكن لطفه حاصلًا مع الغيبة، وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفًا في الدين (٧). ويكفيك أن مطلوبهم بالإمامة أن يكون لهم رئيس معصوم يكون لطفًا في مصالح دينهم ودنياهم، وليس في الطوائف أبعد عن مصلحة اللطف والإمامة منهم، فإنهم يحتالون على مجهول ومعدوم، لا يُرى له عين ولا أثر، ولا يُسمع

стр. 3270

له حس ولا خبر، فلم يحصل لهم من الأمر المقصود بإمامته شيء، وأي من فرض إمامًا نافعًا في بعض مصالح الدين والدنيا كان خيرًا ممن لا ينتفع به في شيء من مصالح الإمامة (١). النتيجة: صحة الإجماع في أن الإمامة تجب شرعًا. [٥/ ٥] الإمامة فرض (٢) • المراد بالمسألة: أن الإمامة فرض كفاية كالجهاد وطلب العلم، إذا قام بها من هو أهل لها سقط فرضها عن كافة الناس، وإن لم يقم بها أحد أثم من الناس فريقان: أحدهما: أهل الحل والعقد حتى يختاروا للأمة إمامًا يقوم بأمرهم، والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب للإمامة أحدهم، ولا إثم ولا حرج على من عدا هذين الفريقين من سائر الأمة في تأخير إقامة الإمام، فإن لم يكن من يصلح إلا واحدًا تعين عليه ولزمه طلبها إن لم يبتدئوه (٣). وقد أجمع علماء الأمة على أن الإمامة فرض كفاية على هذا التفصيل. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتفقوا أن الإمامة فرض، وأنه لا بد من إمام" (٤) الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: "نصب الإمام الأعظم فرض بلا خلاف بين أهل الحق" (٥).

стр. 3271

الدمشقي (١) (٧٨٠ هـ) قال: "اتفق الأئمة على أن الإمامة فرض، وأنه لابد للمسلمين من إمام" (٢). الرملي الكبير (٣) (٩٥٧ هـ) قال: "قوله: (وهي فرض كفاية) -أي الخلافة- للإجماع" (٤). الحجاوي (٥) (٩٦٠ هـ) قال: "نصب الإمام الأعظم فرض كفاية، ويثبت بإجماع المسلمين عليه" (٦). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، والظاهرية (١١).

стр. 3272

• مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١). • وجه الدلالة: أن طاعتهم فرع وجودهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٢). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: "لا يَحِلُّ لِثَلاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلاةٍ من الْأًرْضِ إلا أَمَّرُوا عليهم أَحَدَهُمْ" (٣). ومثله حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا خَرَجَ ثَلَاثَة في سَفَرٍ فَلْيُوَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٤). وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان ثَلَاثَة في سَفَرٍ فَلْيُوَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٥). • وجه الدلالة: أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع" (٦). الدليل الثاني: حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (٧). أي: بيعة الإمام. • وجه الدلالة: أن البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام،

стр. 3273

وبيعته فرع وجوده، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١). النتيجة: صحة الإجماع في أن الإمامة فرض كفاية. [٦/ ٦] فضل الولايات • المراد بالمسألة: الولايات لغة: جمع ولاية، الواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب، ومن ذلك: الولي: القرب، يُقال: تباعد بعد ولي، أي: قرب، وجلس مما يليني، أي: يقاربني. ومن الباب المولى: المُعْتِق والمُعْتَق، والصاحب، والحليف، وابن العم، والناصر، والجار؛ كل هؤلاء من الولي وهو القرب، وكل من ولي أمر آخر فهو وليه، والوَلاء ولاء المُعْتِق، والمُوالاة ضد المعاداة. ويُقال: وَالَى بينهما وِلَاءً بالكسر، أي: تابع، وفَعَلَ هذه الأشياء على الولاء، أي: متتابعة، وتَوَالَى عليهم شهران: تتابع، واسْتَوْلَى على الأمد، أي: بلغ الغاية. والوِلاية بالكسر: السلطان، والوَلاية بالفتح والكسر: النصرة. وقيل: الوَلَايَةُ با لفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم (٢). الولايات اصطلاحًا: تنفيذ القول على الغير، شاء الغير أو أبي (٣). والولايات بهذا المعنى لها فضل وأجر عظيم على غيرها باتفاق، متى كانت في أهلها، وأعمالها صادرة في محلها. • من نقل الإجماع: عز الدين بن عبد السلام (٤) (٦٦٠ هـ) قال: "وعلى

стр. 3274

الجملة، فالعادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجرًا من جميع الأنام، بإجماع أهل الإسلام" (١). النووي (٦٧٦ هـ) قال: "من كان أهلًا للولاية وعدل فيها، فله فضل عظيم. . . وإجماع المسلمين منعقد عليه" (٢). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من السنة: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ. . . " (٨). • وجه الدلالة: أن الثواب العظيم في ذلك اليوم العظيم لعمل عظيم. قال النووي: " (الإمام العادل)، قال القاضي: هو كل من إليه نظر في شيء من مصالح المسلمين من الولاة والحكام، وبدأ به لكثرة مصالحه وعموم نفعه" (٩). ٢ - حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" (١٠).

стр. 3275

• وجه الدلالة: أن الإمام العادل: هو الذي يتبع أمر اللَّه بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، وقدَّمه في الذكر لعموم النفع به (١). قال النووي: "هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده من خلافة، أو إمارة، أو قضاء، أو حسبة. . . " (٢). النتيجة: صحة الإجماع على فضل الولايات.

стр. 3276

الفصل الثاني مسائل الإجماع في شروط الإمامة [٧/ ٧] يكون الإمام بالغًا • المراد بالمسألة: الاتفاق على اشتراط أن يكون الإمام بالغًا، ولا تجوز إمامة الصبي. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة، ولا إمامة صبي لم يبلغ، إلا الرافضة، فإنها تجيز إمامة الصغير الذي لم يبلغ، والحمل في بطن أمه، وهذا خطأ؛ لأن من لم يبلغ فهو غير مخاطب، والإمام مخاطب بإقامة الدين" (١) القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "أن يكون -الإمام- بالغًا عاقلًا، ولا خلاف في ذلك" (٢) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "يجب أن يكون -الإمام-. . . بالغًا لقصور عقل الصبي. . . فهذه الصفات شروط بالإجماع" (٣) الآمدى (٦٣١ هـ) قال: "شروط الإمام المتفق عليها ثمانية: . . . الخامس: أن يكون بالغًا" (٤) نقله الوشتاني الأبي المالكي (٨٢٧ هـ) (٥) الحموي (١٠٥٦ هـ) (٦) الدمشقي (بعده ٧٨ هـ) قال: "اتفق الأئمة على أن الإمامة فرض. . . وأن الإمامة لا تجوز لامرأة، ولا كافر، ولا صبي لم يبلغ" (٧) الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) قال "لا تصح إمامة صبي ومجنون بإجماعٍ" (٨) نقله الشرواني (١٣٠١ هـ)، والعبادي (٩٩٢ هـ) (٩) الشنقيطي (١٣٩٣ هـ)

стр. 3277

قال: "لا تجوز إمامة الصبي إجماعًا" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من السنة والمعقول: • أولًا: السنة: ١ - حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبرَ، وَعَنِ المَجْنُون حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ" (٧). • وجه الدلالة: رفع التكليف عن الصبي حتى يبلغ الحلم. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللَّه مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ، وَمِنْ إمارَةِ الصِّبْيانِ" (٨).

стр. 3278

• وجه الدلالة: التعوذ من إمارة الصبيان لشرها. قال المناوي: "الباروخ (١) على اليافوخ (٢) أهون من ولاية بعض الفروخ" (٣). • ثانيًا: المعقول: أن الصبي لا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره؟ والولاية المتعدية فرع الولاية القائمة (٤) ولأنه يمنع المقصود الذي هو إقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحماية المسلمين (٥). النتيجة: صحة الإجماع على اشتراط أن يكون الإمام بالغًا، ولا تجوز إمامة الصبي. [٨/ ٨] أن يكون الإمام عاقلًا • المراد بالمسألة: العقل لغة: الحجر والنهى، ضد الحمق، والجمع: عقول، والعاقل: الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه. وقيل: العقل: الحابس عن ذميم القول والفعل، والعاقل: الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أُخِذَ من قولهم: قد اعتقل لسانه، إذا حُبِس ومُنِع الكلام. وقيل: العقل: نقيض الجهل، وعقل يعقل عقلًا: إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله (٦). والعقل في الاصطلاح: صفة يميز بها بين الحسن والقبيح، وهذا يزيله

стр. 3279

الإغماء ونحوه، وقيل: هو غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات، أي: الحواس، وهذا لا يزيله إلا الجنون (١). قال المرداوي (٢): "أما زوال العقل فضربان: أحدهما: ما كان عارضًا مرجو الزوال كالإغماء، فهذا لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج منها؛ لأنه مرض قليل اللبس سريع الزوال. والضرب الثاني: ما كان لازمًا لا يُرجى زواله، كالجنون والخبل، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مطبقًا دائمًا لا يتخلله إفاقة، فهذا يمنع من عقد الإمامة واستدامتها، فإذا طرأ هذا بطلت به الإمامة بعد تحققه والقطع به. والثَّاني: أن يتخلله إفاقة يعود بها إلى حال السلامة، فيُنظر فيه، فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة، فهو كالمستديم يمنع من عقد الإمامة واستدامتها، ويخرج بحدوثه منها، وإن كان زمان الإفاقة أكثر من زمان الخبل منع من عقد الإمامة (٣). وقد أجمع علماء الأمة على اشتراط العقل في الإمام، فلا تنعقد الإمامة لمجنون بداية، ولا تستدام لمن طرأ عليه ثمة جنون، وبالأحرى تبطل بالجنون المطبق، وهو الذي لا تتخلله فترات إفاقة. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) قال: "وهو -أي: العقل- مجمع على اعتباره" (٤) ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "واتفقوا أن الإمامة لا تجوز لامرأة ولا لكافر ولا لصبي لم يبلغ، وأنه لا يجوز أن يُعقد لمجنون" (٥) الآمدي (٦٣١ هـ)

стр. 3280

قال: "شروط الإمامة المتفق عليها: . . . الرابع: أن يكون عاقلًا" (١) القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "أن يكون -الإمام- بالغًا عاقلًا، ولا خلاف في ذلك" (٢) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "يجب أن يكون -الإمام- عدلًا لئلا يجور، عاقلًا ليصلح للتصرفات. . . فهذه الصفات شروط بالإجماع" (٣) الدمشقي (بعد ٧٨٥ هـ) قال: "اتفق الأئمة على أن الإمامة فرض. . . . . وأن الإمامة لا تجوز لامرأة، ولا كافر، ولا صبي لم يبلغ، ولا مجنون" (٤) الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) قال: "لا تصح إمامة صبي ومجنون بإجماع" (٥). نقله عنه العبادي (٦) (٩٩٤ هـ)، والشرواني (٧) (١٣٠١ هـ) (٨). الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) قال: "أن يكون عاقلًا، فلا تجوز إمامة المجنون ولا المعتوه، وهذا لا نزاع فيه" (٩).

стр. 3281

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه-تعالى-: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٦). قال أبو بكر ابن العربي: "السفيه: المتناهي في ضعف العقل وفساده، كالمجنون والمحجور عليه" (٧). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٨). والمراد بالسفيه في هذه الآية: "كل جاهل بموضع خطأ ما يُمل وصوابه، من بالغي الرجال الذين لا يُولَّى عليهم"، قاله الطبري (٩). قال الشافعي: "أثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يُمل هو، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غَنَاء به عنه من ماله مقامه" (١٠).

стр. 3282

• وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- لم يجعل لضعيف العقل ولاية على نفسه، فإن لم يل أمر نفسه فأمر غيره أولى، فبالجنون تنسلب الولايات واعتبار الأقوال (١). • ثانيًا: السنة: حديث عائشة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُون حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ" (٢). • وجه الدلالة: أن العقل مناط التكليف؛ لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد: العلم بالمقصود والفهم للتكليف، ولا يتصوران في حق المجنون (٣). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [٩/ ٩] أن يكون الإمام ذكرًا • المراد بالمسألة: الاتفاق على أن يكون الإمام ذكرًا، وأن الإمامة لا تجوز لامرأة. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "واتفقوا أن الإمامة لا تجوز لامرأة" (٤) وقال: "وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة" (٥) أبو بكر ابن العربى (٥٤٣ هـ) قال: "رُوي في الصحيح عن النبي ﷺ قال حين

стр. 3283

بلغه أن كسرى لما مات ولَّى قومُه بنته: "لَنْ يَفْلُحُ قَوْمٌ وَلَّوا أَمْرَهُم امْرَأَةً" (١)، وهذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة، ولا خلاف فيه" (٢). نقله القرطبى (٦٧١ هـ) (٣) البغوي (٥١٠ هـ) قال: "اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إمامًا" (٤) الآمدى (٦٣١ هـ) قال: "شروط الإمام المتفق عليها ثمانية: . . . السادس: أن يكون ذكرًا" (٥) نقله الوشتاني الأبي المالكي (٦) (٨٢٧ هـ) (٧). القرطبى (٦٧١ هـ) قال: "أجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إمامًا" (٨) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "يجب أن يكون -الإمام-. . . ذكرًا؛ إذ النساء ناقصات عقل ودين. . . فهذه الصفات شروط بالإجماع" (٩) الدمشقي (بعد ٧٨٥ هـ) قال: "اتفق الأئمة على أن الإمامة فرض. . . . وأن الإمامة لا تجوز لامرأة" (١٠) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "ويجب كونه ذكرًا حرًّا مكلفًا إجماعًا" (١١) الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) قال: "الثاني من شروط الإمام الأعظم:

стр. 3284

كونه ذكرًا، ولا خلاف في ذلك بين العلماء" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). مستند الإجماع؛ يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: من الكتاب: قال اللَّه -تعالى-: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٧). قال ابن كثير: "ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم" (٨). وقال القرطبي: "لأن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء" (٩). • وجه الدلالة: أن الرجل قيم على المرأة، فهو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومقومها إذا اعوجت (١٠). • ثانيًا: من السنة: الدليل الأول: حديث أبي بكرة ﵁ قال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا

стр. 3285

أَمْرَهُمْ امْرَأَةً" (١) قال ابن الجوزي (٢): "في الحديث دليل على أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء ولا عقد النكاح" (٣). • وجه الدلالة: أن الإمام يحضره الرجال، ويُحتاج فيه إلى كمال رأي وتمام عقل وفطنة، والمرأة لا تحضر محافل الرجال، وهي ناقصة عقل، قليلة رأي وفطنة، وقد نبه اللَّه على ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٤)، فأشار -سبحانه- إلى كثير نسيانها وغلطها (٥). الدليل لثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ للنساء: "مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ"، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "ألَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ "، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ "، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا" (٦).

стр. 3286

• وجه الدلالة: قال أبو العباس القرطبي (١): "العقل الذي نُقِصَهُ النساء: هو التثبُّت في الأمور، والتحقيق فيها، والبلوغ فيها إلى غاية الكمال، وهُنَّ في ذلك غالبًا بخلافِ الرجال. . . والدِّين هنا يرادُ به: العباداتُ، وليس نقصانُ ذلك في حقِّهنَّ ذمًّا لهنَّ، وإنَّمَا ذكر النبيُّ ﷺ ذلك مِنْ أحوالهنَّ على معنى التعجيبِ من الرجال، حيثُ يغلبهم مَنْ نقَصَ عن درجتهم، ولم يبلُغْ كمالهم" (٢). النتيجة: صحة الإجماع على أن يكون الإمام ذكرًا، وأن الإمامة لا تجوز لامرأة. [١٠/ ١٠] أن يكون الإمام حرًّا • المراد بالمسألة: الاتفاق على أن الإمام الأعظم لا بُدَّ أن يكون حرًّا، ولا يجوز أن تكون الإمامة في العبد. • من نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) عن المهلب (٣) (٤٣٥ هـ) أنه قال "إنما أجمعت الأمة على أنه لا يجوز أن تكون الإمامة في العبد" (٤) نقله ابن حجر

стр. 3287

(٨٥٢ هـ) (١) الشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٢) أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) قال: "فإنه قد اتُّفِقَ على أن الإمام الأعظم، لا بُدَّ أن يكون حرًّا" (٣) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "يجب أن يكون -الإمام-. . . حرًّا؛ لئلا يشغله خدمة السيد ولئلا يُحتقر فيُعصى، فهذه الصفات شروط بالإجماع" (٤) الآمدى (٦٣١ هـ) قال: "شروط الإمام المتفق عليها ثمانية: . . . السابع: أن يكون حرًّا" (٥) نقله الوشتاني الأبي المالكي (٨٢٧ هـ) (٦). أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "ويجب كونه ذكرًا حرًّا مكلفا إجماعًا" (٧) الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) قال: "الثالث من شروط الإمام الأعظم: كونه حرًّا، فلا يجوز أن يكون عبدًا، ولا خلاف في هذا بين العلماء" (٨). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢).

стр. 3288

• مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قال اللَّه -تعالى-: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ (١). قال أبو بكر الجصاص: "أخبر أن مثل ما يعبدون مثل العبيد المماليك الذين لا يملكون شيئًا ولا يستطيعون أن يملكوا، تأكيدًا لنفي أملاكهم، ولو كان المراد عبدًا بعينه، وكان ذلك العبد ممن يجوز أن يملك، ما كان بينه وبين الحر فرق، وكان تخصيصه العبد بالذكر لغوًا، فثبت أن المعنى فيه نفي ملك العبيد رأسًا" (٢). وقال ابن العربي: "قال علماؤنا: إن الحياة والآدمية علة الملك، فهو آدمي حي، فجاز أن يملك كالحر، وإنما طرأ عليه الرق عقوبة، فصار للسيد عليه حق الحجر، وذمته خالية عن ذلك، فإذا أذن له سيده وفك الحجر عنه رجع إلى أصله في المالكية بعلة الحياة والآدمية، وبقاء ذمته خالية عن ذلك كله". • وجه الدلالة: إذا كان العبد لا ولاية له على نفسه؛ لأن ما يملكه ملك لسيده، فكيف يكون له ولاية على غيره؟ ! • ثانيًا: السنة: حديث جابر بن عبد اللَّه-﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ" (٣). قال أبو بكر الجصاص: "اتفق الفقهاء أنه لا يجوز له أن يتزوج إلا بإذن المولى، وأن المولى أملك بالعقد عليه منه بنفسه؛ لأن المولى لو زوجه وهو كاره لجاز عليه، ولو تزوج هو بغير إذن المولى لم يجز نكاحه" (٤).

стр. 3289

وقال الزركشي (١): "ولأن في ذلك تفويتًا لمنفعة السيد الواجبة له؛ لانشغاله بحقوق الزوجية، وأنه لا يجوز، وقد حكى ابن المنذر هذا إجماعًا" (٢). • وجه الدلالة: إذا سُلب العبد ولايته على نفسه في اختيار زوجه، فلأن يُسلب الولاية على غيره أولى وأعظم. • من خالف الإجماع: أولًا: الخوارج؛ إذ جوزوا أن يكون الإمام عبدًا (٣)، ولا اعتبار لشذوذهم. ثانيًا: ذهب ابن حزم (٤) والشوكاني (٥) إلى جواز إمامة العبد، واستدلالا بأحاديث صحيحة فيها الأمر بطاعة السلطان ولو كان عبدًا حبشيًّا، ومنها: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حبشي كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" (٦). ٢ - حديث أم الحصين ﵁ أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حجة الوداع ويقول: "وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّه، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا" (٧). ونوقش: بأن ذلك محمول على غير الإمامة العظمى أو محمول على الحث في بذل الطاعة للإمام (٨).

стр. 3290

قال الخطابي (١): "قد يُضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح منه الوجود، كقوله ﷺ : "مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مَفْحَصَ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ له بَيْتًا في الجَنَّةِ" (٢)، وقدر مفحص قطاة لا يكون مسجدًا لشخص آدمي" (٣). وقال الشنقيطي: "فالجواب من أوجه: الأول: أنه قد يُضرب المثل بما لا يقع في الوجود، فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يُتصور شرعًا أن يلي ذلك. الوجه الثاني: أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمرًا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد -وهو أظهرها- فليس هو الإمام الأعظم. الوجه الثالث: أن يكون أُطلق عليه اسم العبد نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا، مع أنه وقت التولية حرٌّ، ونظيره إطلاق اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا في قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (٤). وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار، أما لو تغلب عبدٌ حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب؛ إخمادًا للفتنة، وصونًا للدماء، ما لم يأمر بمعصية" (٥).

стр. 3291

النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١١/ ١١] أن يكون الإمام مجتهدًا • المراد بالمسألة: الاجتهاد في اللغة: أصل "الاجتهاد" في اللغة من مادة (ج هـ د)، ومنه الجهد بفتح الجيم وضمها: الطاقة، والجهد بالفتح: المشقة. يُقال: جَهَدَ دابته وأجْهَدَهَا، إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها، وجَهَدَ الرجل في كذا أي جدَّ فيه وبالغ، وجاهَدَ في سبيل اللَّه مُجَاهَدَةً وجِهَادًا، والاجْتِهادُ والتَّجَاهُدُ: بذل الوسع والمَجْهودِ، والجِهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أَو اللسان أَو ما أَطاق من شيء. فالاجْتِهادُ: افْتِعَال من الجُهْد، وهو: بَذْل الوسْع في طَلَب الأمر (١). الاجتهاد في الاصطلاح: عرَّف عددٌ من أهل الاصطلاح الاجتهاد بأنه: بذل المجتهد وسعه في الطلب بالآلات التي تشترط فيه (٢). فالاجتهاد عندهم استنباط واستخراج للمفقود، واتخاذ موقف إيجابي تجاه ما يطرأ من مسائل جديدة، وليس ترديدًا للموجود، وبه يستحق العالم لقب الفقيه. وقد اتفق العلماء على أن الإمام الأعظم يجب أن يكون عالِمًا مجتهدًا فى الأحكام الشّرعية، بحيث يستقل بالفتوى فى النوازل، وإثبات أحكام الوقائع نصًّا واستنباطًا؛ لأنّ من أكبر مقاصد الإمامة: فصل الخصومات، ودفع المخاصمات، ولن يتمّ ذلك دون هذا الشّرط. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلًا عالِمًا. . . " (٣) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "فالشرط أن يكون الإمام مجتهدًا، بالغًا

стр. 3292

مبلغ المجتهدين، مستجمعًا صفات المفتين، ولم يُؤثر في اشتراط ذلك خلاف" (١) الآمدى (٦٣١ هـ) قال: "شروط الإمام المتفق عليها ثمانية: الأول: أن يكون مجتهدًا فى الأحكام الشّرعية" (٢) - نقله الوشتاني الأبي المالكي (٨٢٧ هـ) (٣). القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "أن يكون -الإمام- ممن يصلح أن يكون قاضيًا من قضاة المسلمين، مجتهدًا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق عليه" (٤) الشاطبي (٥) (٧٩٠ هـ) قال: "إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع" (٦) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "يجب كونه مجتهدًا إجماعًا" (٧). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)،

стр. 3293

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والآثار، والمعقول: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٢). قال ابن كثير: "أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه" (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- اختار لهم طالوت ملكًا، واختيار اللَّه هو الحجة القاطعة، ثم بين لهم وجهي الاصطفاء: الأول: أن اللَّه زاده بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح. الثاني: وزاده بسطة في الجسم، الذي يظهر به الأثر في الحروب ونحوها (٤). • ثانيًا الآثار: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لما قُبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا، فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول اللَّه ﵁ لديننا، فقدمنا أبا بكر" (٥). • وجه الدلالة: قال الغزالي: "قال بعض السلف: ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء، ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين؛ لأن هؤلاء قاموا بين يدي اللَّه وبين خلقه، هذا بالنبوة، وهذا بالعلم، وهذا بعماد الدين وهو الصلاة. وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم أبي بكر الصديق ﵁ وعنهم- للخلافة" (٦).

стр. 3294

• ثالثًا: المعقول: قال أبو المعالي الجويني: "إن أمور معظم الدين تتعلق بالأئمة، فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلًّا بعلم الشريعة لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يشتت رأيه، ويخرجه عن رتبة الاستقلال. ولو قيل: إنه يُراجع المفتي مراجعة آحاد الناس المفتين. لكان ذلك محالًا، فإن الوقائع التي تُرفع إلى الإمام في الخطوب الجسام، والأمور العظام، لا تتناهى كثرة؛ إذ هو شرف العالمين، ومطمح أعين المسلمين، وقد لا يجد عند رفع واقعة إليه أعلم علماء القطر والناحية، فيتردد ويتبلد، ويبطل أثره في منصب الاستقلال، ولو جاز ذلك لساغ أن لا يكون الإمام ذا كفاية واستقلال، ثم يراجع الكفاءة، ويستشير ذوي الأحلام والدهاة، وهذا لا قائل به. فإذا كانت الإمامة زعامة الدين والدنيا، ووجب استقلاله بنفسه في تدبير الأمور الدنيوية، فكذلك يجب استقلاله بنفسه في الأمور الدينية، فإن أمور الدنيا على مراسم الشريعة تجري، فهي المتتبع والإمام في جميع مجال الأحكام، فالكفاية المرعية معناها الاستقلال ببداية الأصوب شرعًا في الأمور المنوطة بالإمام. فإن قيل: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا وقعت واقعة، وألمت به ملمة، اشتوروا ولم يأنفوا من المراجعة والمرادة، فأشعر ذلك من عادتهم بأن استقلال الإمام ليس شرطًا في الإمامة. قلنا: الخبر المشار إليه، والإمام المتفق عليه، ومن هو البحر الذي لا ينزف لا يبعد منه أن يستشير في آحاد الوقائع، ويستمد من نتائج القرائح، ويبحث في محادثة أطراف الكلام عن مآخذ الأحكام؟ ! كيف وقد ندب اللَّه رسوله ﷺ إلى الاستشارة فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١)، ولا منافاة بين بلوغ المرتبة العليا في العلوم، وبين التناظر

стр. 3295

والتشاور في المعضلات. ونحن نرى الإمام المستجمع خلال الكمال البالغ مبلغ الاستقلال، أن لا يغفل الاستضاءة في الإيالة وأحكام الشرع بعقول الرجال، فإن صاحب الاستبداد لا يأمن الحيدة من سنن السداد، ومن وفق الاستمداد من علوم العلماء كان حريًّا بالاستداد ولزوم طريق الاقتصاد، وسر الإمامة استتباع الآراء وجمعها على رأي صائب، ومن ضرورة ذلك استقلال الإمام. ثم هو محثوث على استقاء مزايا القرائح، وتلقى الفوائد والزوائد منها، فإن في كل عقل ميزة، ولكن اختلاف الآراء مفسدة لإمضاء الأمور، فإذا بحث عن الآراء إمام مجتهد، وعرضها على علمه الغزير، ونقد بالسبر والفكر الأصوب من وجوه الرأي، كان جالبًا إلى المسلمين ثمرات العقول، ودافعًا عنهم غائلة التباين والاختلاف، فكأن المسلمين يتحدون بنظر الإمام، وحسن تقديره وفحصه ونقره. ولا بد على كل حال من كون الإمام متبوعًا غير تابع، ولو لم يكن مجتهدًا في دين اللَّه للزمه تقليد العلماء، واتباعهم، وارتقاب أمرهم ونهيهم وإثباتهم ونفيهم، وهذا يناقض منصب الإمامة، ومرتبة الزعامة" (١). • المخالفون للإجماع: ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم اشتراط كون الإمام عالِمًا مجتهدًا، وقالوا: "الإمامة من مصالح الدين، ليس يحتاج إليها لمعرفة اللَّه -تعالى- وتوحيده، فإن ذلك حاصل بالعقل، لكنها يحتاج إليها لإقامة الحدود، والقضاء بين المتحاكمين، وولاية اليتامى والأيامى، وحفظ البيضة، وإعلاء الكلمة، ونصب القتال مع أعداء الدين، وحتى يكون للمسلمين جماعة، ولا يكون الأمر فوضى بين العامة، فلا يُشترط فيها أن يكون الإمام أفضل الأمة علمًا. . . " (٢). قال الشهرستاني: "ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك، حتى جوزوا أن
следующие страницы →