← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١١/ ١١] أن يكون الإمام مجتهدًا • المراد بالمسألة: الاجتهاد في اللغة: أصل "الاجتهاد" في اللغة من مادة (ج هـ د)، ومنه الجهد بفتح الجيم وضمها: الطاقة، والجهد بالفتح: المشقة. يُقال: جَهَدَ دابته وأجْهَدَهَا، إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها، وجَهَدَ الرجل في كذا أي جدَّ فيه وبالغ، وجاهَدَ في سبيل اللَّه مُجَاهَدَةً وجِهَادًا، والاجْتِهادُ والتَّجَاهُدُ: بذل الوسع والمَجْهودِ، والجِهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أَو اللسان أَو ما أَطاق من شيء. فالاجْتِهادُ: افْتِعَال من الجُهْد، وهو: بَذْل الوسْع في طَلَب الأمر (١). الاجتهاد في الاصطلاح: عرَّف عددٌ من أهل الاصطلاح الاجتهاد بأنه: بذل المجتهد وسعه في الطلب بالآلات التي تشترط فيه (٢). فالاجتهاد عندهم استنباط واستخراج للمفقود، واتخاذ موقف إيجابي تجاه ما يطرأ من مسائل جديدة، وليس ترديدًا للموجود، وبه يستحق العالم لقب الفقيه. وقد اتفق العلماء على أن الإمام الأعظم يجب أن يكون عالِمًا مجتهدًا فى الأحكام الشّرعية، بحيث يستقل بالفتوى فى النوازل، وإثبات أحكام الوقائع نصًّا واستنباطًا؛ لأنّ من أكبر مقاصد الإمامة: فصل الخصومات، ودفع المخاصمات، ولن يتمّ ذلك دون هذا الشّرط. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلًا عالِمًا. . . " (٣) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "فالشرط أن يكون الإمام مجتهدًا، بالغًا

стр. 3292

مبلغ المجتهدين، مستجمعًا صفات المفتين، ولم يُؤثر في اشتراط ذلك خلاف" (١) الآمدى (٦٣١ هـ) قال: "شروط الإمام المتفق عليها ثمانية: الأول: أن يكون مجتهدًا فى الأحكام الشّرعية" (٢) - نقله الوشتاني الأبي المالكي (٨٢٧ هـ) (٣). القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "أن يكون -الإمام- ممن يصلح أن يكون قاضيًا من قضاة المسلمين، مجتهدًا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق عليه" (٤) الشاطبي (٥) (٧٩٠ هـ) قال: "إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع" (٦) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "يجب كونه مجتهدًا إجماعًا" (٧). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)،

стр. 3293

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والآثار، والمعقول: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٢). قال ابن كثير: "أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه" (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- اختار لهم طالوت ملكًا، واختيار اللَّه هو الحجة القاطعة، ثم بين لهم وجهي الاصطفاء: الأول: أن اللَّه زاده بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح. الثاني: وزاده بسطة في الجسم، الذي يظهر به الأثر في الحروب ونحوها (٤). • ثانيًا الآثار: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لما قُبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا، فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول اللَّه ﵁ لديننا، فقدمنا أبا بكر" (٥). • وجه الدلالة: قال الغزالي: "قال بعض السلف: ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء، ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين؛ لأن هؤلاء قاموا بين يدي اللَّه وبين خلقه، هذا بالنبوة، وهذا بالعلم، وهذا بعماد الدين وهو الصلاة. وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم أبي بكر الصديق ﵁ وعنهم- للخلافة" (٦).

стр. 3294

• ثالثًا: المعقول: قال أبو المعالي الجويني: "إن أمور معظم الدين تتعلق بالأئمة، فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلًّا بعلم الشريعة لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يشتت رأيه، ويخرجه عن رتبة الاستقلال. ولو قيل: إنه يُراجع المفتي مراجعة آحاد الناس المفتين. لكان ذلك محالًا، فإن الوقائع التي تُرفع إلى الإمام في الخطوب الجسام، والأمور العظام، لا تتناهى كثرة؛ إذ هو شرف العالمين، ومطمح أعين المسلمين، وقد لا يجد عند رفع واقعة إليه أعلم علماء القطر والناحية، فيتردد ويتبلد، ويبطل أثره في منصب الاستقلال، ولو جاز ذلك لساغ أن لا يكون الإمام ذا كفاية واستقلال، ثم يراجع الكفاءة، ويستشير ذوي الأحلام والدهاة، وهذا لا قائل به. فإذا كانت الإمامة زعامة الدين والدنيا، ووجب استقلاله بنفسه في تدبير الأمور الدنيوية، فكذلك يجب استقلاله بنفسه في الأمور الدينية، فإن أمور الدنيا على مراسم الشريعة تجري، فهي المتتبع والإمام في جميع مجال الأحكام، فالكفاية المرعية معناها الاستقلال ببداية الأصوب شرعًا في الأمور المنوطة بالإمام. فإن قيل: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا وقعت واقعة، وألمت به ملمة، اشتوروا ولم يأنفوا من المراجعة والمرادة، فأشعر ذلك من عادتهم بأن استقلال الإمام ليس شرطًا في الإمامة. قلنا: الخبر المشار إليه، والإمام المتفق عليه، ومن هو البحر الذي لا ينزف لا يبعد منه أن يستشير في آحاد الوقائع، ويستمد من نتائج القرائح، ويبحث في محادثة أطراف الكلام عن مآخذ الأحكام؟ ! كيف وقد ندب اللَّه رسوله ﷺ إلى الاستشارة فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١)، ولا منافاة بين بلوغ المرتبة العليا في العلوم، وبين التناظر

стр. 3295

والتشاور في المعضلات. ونحن نرى الإمام المستجمع خلال الكمال البالغ مبلغ الاستقلال، أن لا يغفل الاستضاءة في الإيالة وأحكام الشرع بعقول الرجال، فإن صاحب الاستبداد لا يأمن الحيدة من سنن السداد، ومن وفق الاستمداد من علوم العلماء كان حريًّا بالاستداد ولزوم طريق الاقتصاد، وسر الإمامة استتباع الآراء وجمعها على رأي صائب، ومن ضرورة ذلك استقلال الإمام. ثم هو محثوث على استقاء مزايا القرائح، وتلقى الفوائد والزوائد منها، فإن في كل عقل ميزة، ولكن اختلاف الآراء مفسدة لإمضاء الأمور، فإذا بحث عن الآراء إمام مجتهد، وعرضها على علمه الغزير، ونقد بالسبر والفكر الأصوب من وجوه الرأي، كان جالبًا إلى المسلمين ثمرات العقول، ودافعًا عنهم غائلة التباين والاختلاف، فكأن المسلمين يتحدون بنظر الإمام، وحسن تقديره وفحصه ونقره. ولا بد على كل حال من كون الإمام متبوعًا غير تابع، ولو لم يكن مجتهدًا في دين اللَّه للزمه تقليد العلماء، واتباعهم، وارتقاب أمرهم ونهيهم وإثباتهم ونفيهم، وهذا يناقض منصب الإمامة، ومرتبة الزعامة" (١). • المخالفون للإجماع: ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم اشتراط كون الإمام عالِمًا مجتهدًا، وقالوا: "الإمامة من مصالح الدين، ليس يحتاج إليها لمعرفة اللَّه -تعالى- وتوحيده، فإن ذلك حاصل بالعقل، لكنها يحتاج إليها لإقامة الحدود، والقضاء بين المتحاكمين، وولاية اليتامى والأيامى، وحفظ البيضة، وإعلاء الكلمة، ونصب القتال مع أعداء الدين، وحتى يكون للمسلمين جماعة، ولا يكون الأمر فوضى بين العامة، فلا يُشترط فيها أن يكون الإمام أفضل الأمة علمًا. . . " (٢). قال الشهرستاني: "ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك، حتى جوزوا أن

стр. 3296

يكون الإمام غير مجتهد، ولا خبير بمواقع الاجتهاد، ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد، فيراجعه في الأحكام، ويستفتي منه في الحلال والحرام" (١). واعتبر ابن حزم (٢) هذا الشرط من الشروط المستحبة لا الواجبة، وإلى هذا القول ذهب أكثر الحنفية (٣). وقال الغزالي: "وليست رتبة الاجتهاد مما لابد منه في الإمامة ضرورة، بل الورع الداعي إلى مراجعة أهل العلم فيه كاف، فإذا كان المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع، فأي فرق بين أن يعرف حكم الشرع بنظره، أو يعرفه باتباع أفضل أهل زمانه؟ ! ! " (٤). • واستدلوا بما يلي (٥): ١ - تعذر حصول هذا الشرط مع بقية الشروط في شخص واحد، خصوصًا في هذه الأزمان، حيث ضعف الوازع الديني عند الناس، وضعفت هممهم عن طلب العلم وبلوغ مرتبة الاجتهاد فيه. ٢ - أنه طالما كان المقصود من تصريف الأمور أن يكون على وفق ما يقضي به الشرع الإسلامي، فإنه من الممكن حصول ذلك بالاستعانة بالعلماء المجتهدين، واستفتائهم في كل أمر يحتاج فيه إليهم. النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٢/ ١٢] أن يكون الإمام بصيرًا بأمور الحرب • المراد بالمسألة: البصيرة لغة: البصر العين إلا أنه مذكر، وقيل: البصر حاسة الرؤية. يُقال: فلان نظر ببصره فرأى، ورأى ببصيرته فاهتدى. والبصيرة

стр. 3297

-أيضًا-: الحجة، والبصر نفاذ في القلب، وبصر القلب: نظره وخاطره، والبصيرة: عقيدة القلب. وقيل: البصيرة الفطنة (١). البصيرة اصطلاحًا: العلم بالشيء، وهي من المعاني القلبية (٢). وقيل: البصيرة: نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمل، أي: قوة القلب المدركة، وقيل: البصيرة: فقه القلب في حل إشكال مسائل الخلاف، فيما لا يتعلق العلم به تعلق القطع، وحقيقتها نور يقذف في القلب يستدل به العقل الخالط عشواء على سبيل الإصابة (٣). وقد اتفق العلماء على أن الإمام الأعظم يجب أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف، بصيرًا بأمور الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية البيضة. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "أن يكون -الإمام- ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية البيضة. . . الدليل على هذا كله: إجماع الصحابة ﵃؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه لابد من أن يكون ذلك كله مجتمعًا فيه" (٤) نقله الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) (٥) الآمدى (٦٣١ هـ) قال: "شروط الإمام المتفق عليها ثمانية: الثاني: أن يكون بصيرًا بأمور الحرب، وترتيب الجيوش، وحفظ الثغور" (٦) نقله الوشتاني الأبي المالكي (٨٢٧ هـ) (٧). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)،

стр. 3298

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: ويستدل لذلك بحديث أبي ذر ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي. ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرَ إنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا" (٣). • وجه الدلالة: قال النووى: "هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية" (٤). فيجب أن يكون الإمام قادرًا على سياسة الرعية، وتدبير مصالحهم الدينية والدنيوية؛ لأن الحوادث التي تحدث في الدولة تُرفع إليه، فيتسنى له البت فيها، ولن تتبين له المصلحة إلا إذا كان على قدر من الحكمة والرأي والتدبير، فحقيقة الإمامة: خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (٥). قال الجويني: "وسر الإمامة استتباع الآراء وجمعها على رأي صائب، ومن ضرورة ذلك استقلال الإمام. . . ولا بد على كل حال من كون الإمام متبوعًا غير تابع" (٦). • المخالفون للإجماع: خالف عدد من العلماء الإجماع، ولم يروا هذا الشرط معتبرًا، وذهبوا إلى أن الإمام له أن يستشير في ذلك أصحاب الرأي والمشورة، وذلك لتعذر حصول هذا الشرط مع بقية الشروط في شخص واحد (٧).

стр. 3299

النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٣/ ١٣] أن يكون الإمام عدلًا • المراد بالمسألة: العدل لغة: القصد والتوسط في الأمور بين طرفي الإفراط والتفريط، وقيل: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور، عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلًا، وهو عادل من قوم عدول، وعدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدلته (١). والعدل من الناس: المرضي قوله وحكمه. وتُسمى التسوية بين الأشياء: عدلًا؛ لأن التسوية ضرب من ضروب العدل. والعَدَالَةُ: صفة توجب مراعاتها الاحتراز عما يخلّ بالمروءة عادة ظاهرًا، فالمرة الواحدة من صغائر الهفوات وتحريف الكلام لا تخل بالمروءة ظاهرًا؛ لاحتمال الغلط والنسيان والتأويل، بخلاف ما إذا عُرف منه ذلك وتكرر، فيكون الظاهر الإخلال، وُيعتبر عرف كلّ شخص، وما يعتاده من لبسه، وتعاطيه للبيع والشراء، وحمل الأمتعة، وغير ذلك، فإذا فعل ما لا يليق به لغير ضرورة قدح وإلا فلا (٢). العدل في الاصطلاح: عند الرجوع إلى استعمالات العلماء لكلمة العدل، لا نجدهم، قد ابتعدوا كثيرًا عن المعنى اللغوي وهو: التوسط بين الإفراط والتفريط. فالعدل في الحكم: المساواة، أو هو الذي لا يميل به الهوى؛ فيجور في الحكم. قال القرافي عن العدل: "المجتنب للكبائر، المتقي للصغائر، ذو مروة وتمييز، وليست العدالة أن يمحض الطاعة حتى لا تشوبها معصية لتعذره، لكن من كانت الطاعة أكثر حاله، وهو مجتنب الكبائر يحافظ على ترك الصغائر، يستعمل المروءة التي تليق بمثله في دينه ودنياه" (٣). وبهذا المعنى الاصطلاحي اتفق علماء الأمة على أنه لا بد أن يكون الإمام عدلًا. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "وأما جماعة أهل السنة

стр. 3300

وأئمتهم فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلًا عالِمًا عدلًا. . . " (١) الآمدى (٦٣١ هـ) قال: "شروط الإمام المتفق عليها ثمانية: . . . الرابع: أن يكون عاقلًا مسلمًا عدلًا" (٢) نقله الوشتاني الأبي المالكي (٨٢٧ هـ) (٣). القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "الحادي عشر: أن يكون -الإمام- عدلًا؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق" (٤) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي الخلافة أن يكون عدلًا أهلًا للشهادة" (٥) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "يجب أن يكون -الإمام- عدلًا. . . فهذه الصفات شروط بالإجماع" (٦) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "الثالث: (العدالة) بإجماع السلف" (٧). • الموافقون على الإجماع: المالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، والظاهرية (١١). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة، والمعقول: أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ

стр. 3301

إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ (١). قال الطبري: "هذا خبر من اللَّه جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إمامًا يقتدي به أهل الخير" (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- أراد أن الظالم لا يكون إمامًا (٣). قال الشوكاني: "استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد" (٤). قال الجصاص: "فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق، وأنه لا يكون خليفة، وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته" (٥). • ثانيًا: السنة: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ. . . " الحديث (٦) قال القاضي عياض: "هو كل من إليه نظر في شيء من مصالح المسلمين من الولاة والحكام، وبدأ به لكثرة مصالحه وعموم نفعه" (٧). ومثله: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ على مَنَابِرَ من نُورٍ عن يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وما وَلُوا" (٨). قال النووي: "هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده من خلافة، أو إمارة، أو قضاء، أو حسبة. . . " (٩).

стр. 3302

• وجه الدلالة: أن الفضل العظيم والثواب الجزيل رُتب على أمر عظيم، وهو: عدل الإمام، مما يدل على اشتراط العدالة في الإمام. • ثالثًا: المعقول: ١ - قد ثبت أن الإمام إنما يُقام لإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم، إلى غير ذلك، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها، فلو جوزنا أن يكون فاسقًا أدى إلى إبطال ما أُقيم لأجله (١). ٢ - أن من لا عدالة له لا يؤمن على نفسه فضلًا عن أن يؤمن على عباد اللَّه، ويوثق به في تدبير دينهم ودنياهم، ومعلوم أن وازع الدين وعزيمة الورع لا تتم أمور الدين والدنيا إلا بها، ومن لم يكن كذلك خبط في الضلالة، وخلط في الجهالة، واتبع شهوات نفسه، وآثرها على مراضي اللَّه ومراضي عباده؛ لأنه مع عدم تلبسه بالعدالة وخلوه من صفات الورع لا يبالي بزواجر الكتاب والسنة، ولا يبالي أيضًا بالناس؛ لأنه قد صار متوليًّا عليهم، نافذ الأمر والنهي فيهم (٢). ٣ - قال الجويني: "والأب الفاسق على فرط حدبه وإشفاقه على ولده لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق لا يتقي اللَّه، ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء، ولم ينهض رأيه بسياسة نفسه؟ فأنى يصلح خطة الإسلام؟ " (٣). • من خالف الإجماع: الحنفية، وقالوا: يكره تقليد الفاسق، ويُعزل به، إلا لفتنة (٤) واستدلوا على ذلك: بأنه قد ثبت أن الصحابة صلّوا خلف أئمة الجور

стр. 3303

من بني أمية، ورضوا بتقلدهم رئاسة الدولة (١). كما في الأثر عن عبد الكريم البكاء (٢)، قال: "أدركت عشرة من أصحاب النبي ﷺ كلهم يصلون خلف أئمة الجور" (٣). ونوقش: بأن ذلك في حال التغلب لا في حال الاختيار (٤). وقسّم الماوردي الفسق المانع لعقد الإمامة واستدامتها على ضربين، فقال: "فأما الجرح في عدالته -وهو الفسق- فهو على ضربين: أحدهما: ما تابع فيه الشهوة، والثاني: ما تعلق فيه بشبهة. فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح، وهو: ارتكابه للمحظورات، وإقدامه على المنكرات تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد. وقال بعض المتكلمين: يعود إلى الإمامة بعوده إلى العدالة، من غير أن يُستأنف له عقد ولا بيعة؛ لعموم ولايته، ولحوق المشقة في استئناف بيعته. وأما الثاني منهما فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها، فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد

стр. 3304

الإمامة ومن استدامتها، ويخرج بحدوثه منها؛ لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل، وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة، ولا يخرج به منها، كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة" (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٤/ ١٤] أن يكون الإمام قويًا • المراد بالمسألة: القوة لغة: نقيض الضعف، والجمع: قوى، ويكون ذلك في البدن والعقل (٢). القوة اصطلاحًا: لا يختلف المعنى الاصطلاحي للقوة عن المعنى اللغوي، فقيل: هي شدة البأس، والقدرة على القيام بصعاب الأمور (٣). وقد اتفق العلماء على أن الإمام يجب يكون له من قوة البأس، وشدة المراس، قدر ما لا يهوله إقامة الحدود، وضرب الرقاب، وإنصاف المظلوم من الظالم. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلًا عالِمًا عدلًا محسنًا قويًّا على القيام كما يلزمه في الإمامة" (٤). نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٥). الآمدى (٦٣١ هـ) قال: "شروط الإمام المتفق عليها ثمانية: الثالث: أن يكون له من قوة البأس، وعظم المراس، ما لا تهوله إقامة الحدود، وضرب الرقاب، وإنصاف المظلومين من الظّالمين، من غير فظاظة" (٦) نقله الوشتاني الأبي المالكي

стр. 3305

(٨٢٧ هـ) (١) الحموي (٢) (١٠٥٦ هـ) (٣) القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "الثالث: أن يكون -الإمام- ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية البيضة، وردع الأمة، والانتقام من الظالم، والأخذ للمظلوم. . . الدليل على هذا كله: إجماع الصحابة ﵃؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعًا فيه" (٤) نقله الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) (٥) النووى (٦٧٦ هـ) قال: ". . . هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لاسيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية. . . وإجماع المسلمين منعقد عليه" (٦) الشوكاني (١٢٥٠ هـ) قال: "ولا نزاع في أن الدخول في الولاية لمن يضعف عنها لا يحل" (٧). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)،

стр. 3306

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بالكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ (٣). قال ابن تيمية: "أخبر أنه أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان لأجل قيام الناس بالقسط، وذكر أنه أنزل الحديد الذي به يُنصر هذا الحق، فالكتاب يهدى والسيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا. ولهذا كان قوام الناس بأهل الكتاب وأهل الحديد، كما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء، والعلماء" (٤). • وجه الدلالة: في الآية إشارة إلى إعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، "وما يزع اللَّه بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن" (٥). ٢ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن السفيه والضعيف ومن لا يقدر على شيء لا بد له من ولي،

стр. 3307

ومن لا بد له من ولي لا يجوز أن يكون وليًّا للمسلمين (١). ٣ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ (٢). • وجه الدلالة: قال قتادة (٣): "ونبي اللَّه ﷺ قد علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب اللَّه وحدود اللَّه ولفرائض اللَّه ولإقامة كتاب اللَّه، وأن السلطان عزة من اللَّه جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، وأكل شديدهم ضعيفهم" (٤). وقال ابن كثير: "لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه" (٥). • ثانيًا: السنة: حديث أبي ذر ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي. ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرَ إنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَة، إلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا" (٦). • وجه الدلالة: قال النووى: "هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية" (٧). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.

стр. 3308

[١٥/ ١٥] أن لا يكون الإمام بخيلًا ولا كذابًا ولا جبانًا • المراد بالمسألة: الاتفاق على أنه لا يجوز أن يكون الإمام بخيلًا أو كذابًا أو جبانًا. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "الخليفة على المسلمين لا يجوز أن يكون كذابًا ولا بخيلًا ولا جبانًا، وقد أجمع العلماء أن الإمام يجب أن لا يكون فيه هذه الخلال السوء" (١). نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من السنة: ١ - حديث جُبَيْر بْنُ مُطْعِم أن رسول اللَّه ﷺ قَالَ: "لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذهِ الْعِضَاهِ (٨) نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا

стр. 3309

وَلَا جَبَانًا" (١). • وجه الدلالة: قال ابن حجر: "فيه ذم الخصال المذكورة، وهي: البخل، والكذب، والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها" (٢). ولأن الولاية لا تصلح إلا بالمناصحة، فإذا كان بخيلًا لم يناصحه أحد. . . وإذا كان كذابًا لم يوثق بوعده ولا بوعيده، فلم يرج خيره، ولم يخف شره، ولا بهاء لسلطانٍ لا يُرهب. . . وإذا كان جبانًا اجترأ عليه عدوه، وضاعت ثغوره (٣). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "شَرُّ ما في رَجُلٍ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ" (٤). • وجه الدلالة: أن ذم هذه الصفات يوجب عدم تولية من يتصف بها؛ لأن الإمامة متضمنة حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، ولا يقدم على ذلك بخيلٌ ولا جبانٌ. النتيجة: صحة الإجماع على عدم جواز كون الإمام بخيلًا أو كذابًا أو جبانًا. [١٦/ ١٦] لا يشترط أن يكون الإمام معصومًا • المراد بالمسألة: العصمة لغة: وردت لعدة معانٍ، منها: العصمة: المنع، وعصمة اللَّه عبده أن يعصمه مما يوبقه، عصمه يعصمه عصمًا: منعه ووقاه،

стр. 3310

وفي التنزيل: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ -أي: يمنعني من الماء- ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (١)، أي: لا معصوم إلا المرحوم (٢). والعصمة: الحفظ، يُقال: عصمه اللَّه من المكروه: وقاه وحفظه، واعتصمتُ باللَّه لجأُتُ إليه (٣). والعصمة: القلادة، والجَمع الأعْصام، والمِعْصم: موضع السِّوار من السَّاعد (٤). وأصل العصمة: الحبل، وكل ما أمسك شيئًا فقد عصمه (٥). والعصمة: السبب؛ قال الطبري: "ولذلك قيل للحبل: عصام، وللسَّبب الذي يتسبَّب به الرجل إلى حاجته: عصام" (٦). وخلاصة القول: أن هذه المعاني كلّها للعِصْمة ترجع إلى المعنى الأول الذي هو المنْع، فالحفظ منع للشَّيء من الوقوع في المكْروه أو المحظور، والقلادة تَمنع من سقوط الخرز منها، والحبْل يمنع من السُّقوط والتردِّي، والسَّبب يمنع صاحبه عمَّا يكره. العصمة اصطلاحًا: هي حفظ اللَّه لعبده من الوقوع في الذُّنوب والمعاصي، وارتكاب المنكرات والمحرَّمات. وقيل: هي ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها، وبعبارة أخرى: قوة من اللَّه -تعالى- في عبده تحمله على فعل الخير وتزجره عن الشر، مع بقاء الاختيار؛ تحقيقًا للابتلاء والامتحان. فالعصمة لا تزيل المحنة والتكليف (٧). عصمة الأنبياء: هي ملكة تمنع عن الفجور، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكد بتتابع الوحي إليهم بالأوامر الداعية إلى

стр. 3311

ما ينبغي، والنواهي الزاجرة عما لا ينبغي (١). قال ابن حجر: "وعصمة الأنبِياء -عليْهِم الصَّلاة والسَّلام-: حِفْظُهم من النقائص، وتَخصيصهم بالكمالات النفيسة، والنصرة والثَّبات في الأمور، وإنْزال السَّكينة. والفرق بينهم وبين غيرهم: أن العِصْمة في حقِّهم بطريق الوجوب، وفي حقِّ غيرهم بطريق الجواز" (٢). وقال قوم: هي خاصية تكون في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها صدور الذنب عنه. ويكذب هذا القول: أنه لو كان صدور الذنب ممتنعًا لما استحق المدح بتركه؛ إذ لا مدح ولا ثواب بترك ما هو ممتنع، لأنه ليس مقدورًا داخلًا تحت الاختيار. وأيضًا فالإجماع منعقد على أن الأنبياء مكلفون بترك الذنوب مثابون به، ولو كان الذنب ممتنعًا عنهم لما كان الأمر كذلك "إذ لا تكليف بترك الممتنع ولا ثواب عليه (٣). وبهذا المعنى الاصطلاحي للعصمة اتفق علماء الأمة على أنه لا يُشترط أن يكون الإمام معصومًا. • من نقل الإجماع: أبو بكر الباقلاني (٤) (٤٠٣ هـ) قال: "ويدل على هذا -أي: عدم اشتراط عصمة الإمام- اعتراف الخلفاء الراشدين بأنهم غير

стр. 3312

معصومين، وترك إنكار الأمة أو واحد منهم تولى الأمر، مع اعترافهم بنفي العصمة عنهم" (١) الآمدي (٦٣١ هـ) قال: "الأمة من السلف أجمعت على صحة إمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، مع إجماعهم على أن العصمة لم تكن واجبة لهم" (٢). نقله الوشتاني الأبي المالكي (٨٢٧ هـ) (٣) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "اتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا فى كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول اللَّه ﷺ " (٤) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "أن يكون -الإمام- معصومًا شرطها الإمامية والإسماعيلية، ويبطله أن أبا بكر لا تجب عصمته اتفاقًا" (٥) زكريا الأنصاري (٦) (٩٢٦ هـ) قال: "ولا يشترط كونه. . . ولا معصومًا باتفاق من يعتد به" (٧). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، والظاهرية (١٢).

стр. 3313

• مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة. • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). • وجه الدلالة: لم يأمر اللَّه -جل وعلا- بالرد عند التنازع إلا إلى اللَّه والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول ﷺ لأمرهم بالرد إليه؛ فدل القرآن أن لا معصوم إلا الرسول ﷺ (٢). الدليل الثاني: قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (٣)، وقال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٤). • وجه الدلالة: دل القرآن -في غير موضع- على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قُدِّر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول ﷺ هو الذي فرَّق اللَّه به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسَّم اللَّه به عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي، وليست هذه المرتبة لغيره، فهو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى (٥). • ثانيًا: السنة: حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّمَا

стр. 3314

الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ" (١)، وفي رواية: "لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّه" (٢)، ومثله حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا طَاعَة لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخالق" (٣)، وحديثا أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّه فَلَا تُطِيعُوه" (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه لم يأمر بطاعة الأئمة مطلقًا، بل أمر بطاعتهم في طاعة اللَّه دون معصيته، وهذا يُبيّن أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة اللَّه ليسوا معصومين (٥). • من خالف الإجماع: الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، فقد بالغوا في تقديس أئمتهم وقربوهم من مرتبة الرسل بإظهار المعجزة على أيديهم، والعصمة من الذنوب، وزعموا أن كل الأئمة معصومون عن الخطأ والنسيان، وعن اقتراف الكبائر والصغائر، وفرّقوا بين الرسل والأئمة في أن الرسل يوحى إليهم دون الأئمة. قال المجلسي: "اعلم أنّ الإماميّة اتّفقوا على عصمة الأئمّة ﵈ من الذّنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلًا، لا عمدًا ولا نسيانًا، ولا لخطأ في التّأويل، ولا للإسهاء من اللَّه سبحانه" (٦). فأثبت للأئمة العصمة من جميع الأوجه المتصورة، من المعصية كلها الصغيرة والكبيرة، ومن الخطأ، ومن السهو والنسيان.

стр. 3315

فلا يُعتد بخلاف الشيعة الإمامية، وكيف يُعتد بخلافهم ولم يستقم لهم ثمة دليل واحد فيما زعموه؟ ! ! ! النتيجة: صحة الإجماع على أنه لا يشترط أن يكون الإمام معصومًا. [١٧/ ١٧] أن يكون الإمام قرشيًا • المراد بالمسألة: أن الإمامة العظمى مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد إجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم. • من نقل الإجماع: أبو منصور البغدادي (٤٢٩ هـ) قال: "وحاصل الخبر وإجماع الصحابة دليلين على أن الخلافة لا تصلح لغير قريش، ولا اعتبار بخلاف من خالف الإجماع بعد حصوله" (١). ابن بطال (٤٤٩ هـ) قال: "ومما يدل على كون الإمام قرشيًّا اتفاق الأمة في المصدر الأول وبعده من الأعصار على اعتبار ذلك في صفة الإمام قبل حدوث الخلاف في ذلك، فثبت أن الحق في اجتماعها وإبطال قول من خالفها" (٢) الماوردي (٤٥٠ هـ) قال في شروط الإمام: "أن يكون من قريش؛ لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه" (٣) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "فالشرط أن يكون الإمام قرشيًّا، ولم يخالف في اشتراط النسب غير ضرار بن عمرو (٤)، وليس ممن يُعتبر خلافه ووفاقه" (٥) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم" (٦)، نقله النووي

стр. 3316

(٦٧٦ هـ) (١) والعراقي (٢) (٨٠٦ هـ) (٣) وابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٤) والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٥) الشهرستاني (٥٤٨ هـ) قال: "الأمة أجمعت على أنها -أي: الإمامة- لا تصلح لغير قريش" (٦) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "أجمع الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة بعد الخلاف، وعلى أن الأئمة من قريش" (٧) الآمدي (٦٣١ هـ) قال: "وأجمعوا على اشتراط القرشية، ولم يوجد له نكير، فصار إجماعًا مقطوعًا به" (٨). نقله الوشتاني الأبي المالكي (٨٢٧ هـ) (٩) أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) قال: "استقر أمر الخلافة والملك في قريش شرعًا ووجودًا. . . ولم يخالف فيه أحدٌ، وهو إجماع السَّلف والخلف" (١٠) التفتازاني (١١) (٧٩٣ هـ) قال: "واتفقت الأمة على اشتراط كونه -أي: الإمام- قرشيًّا" (١٢) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "لنا إجماع

стр. 3317

الصحابة على اعتبار النسب؛ لقوله ﷺ : "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (١) (٢). ابن أمير الحاج (٨٧٩ هـ) قال: "احتجاج أهل الإجماع على أن من شرط الإمام أن يكون قرشيًّا" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من السنة: ١ - حديث معاوية ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ في قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ" (٩). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا يَزَالُ الأَمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ" (١٠).

стр. 3318

٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ في هَذَا الشَّأْن، مُسْلِمُهُمْ تبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تبَعٌ لِكَافِرِهِمْ" (١). ٤ - حديث أبي بكر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قُرَيْشٌ وُلاةُ هَذَا الأَمْرِ، فَبَرُّ النَّاسِ تبَعٌ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ" (٢). ٥ - حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (٣). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرَّض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة" (٤). • من خالف الإجماع: الخوارج (٥)، وجمهور المعتزلة (٦)، وبعض المرجئة، وقالوا: إن الإمامة جائزة في كل من قام بالكتاب والسنة قرشيًّا كان أو عربيًّا أو

стр. 3319

ابن عبد (١). وذهب ضرار بن عمرو الغطفاني إلى أن الإمامة تصلح في غير قريش حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي قدمنا النبطي؛ إذ هو أقل عددا وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة (٢). واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن معيار الأفضلية عند اللَّه بالتقوى لا بالنسب، فمن كان أتقى كان أكرم على اللَّه، فكان أولى بالإمامة (٤). • ثانيًا: السنة: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حبشي كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" (٥). ٢ - حديث أم الحصين ﵁ أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حجة الوداع ويقول: "وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَاب اللَّه، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا" (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه قد أمر بطاعة رسوله فمن عصاه فقد عصى أمر اللَّه، وأن الرسول ﷺ قد أمر بطاعة الأمير، فمن عصاه فقد عصى اللَّه ورسوله. ولا خلاف في وجوب طاعة الأمراء فيما لا يخالف أمر اللَّه وما لم يأمر بمعصية (٧).

стр. 3320

ونوقش: بأن ذلك محمول على غير الإمامة العظمى أو محمول على الحث في بذل الطاعة للإمام (١). قال الخطابي: "قد يُضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح منه الوجود، كقوله ﷺ : "مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسجِدًا وَلَوْ مَفْحَصَ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ له بَيْتًا في الجَنَّةِ" (٢)، وقدر مفحص قطاة لا يكون مسجدًا لشخص آدمي" (٣). وقال الشنقيطي: "فالجواب من أوجه: الأول: أنه قد يُضرب المثل بما لا يقع في الوجود، فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يُتصور شرعًا أن يلي ذلك. الوجه الثاني: أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمرًا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد -وهو أظهرها- فليس هو الإمام الأعظم. الوجه الثالث: أن يكون أُطلق عليه اسم العبد نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا، مع أنه وقت التولية حرٌّ، ونظيره إطلاق اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا في قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (٤). وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار، أما لو تغلب عبدٌ حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب؛ إخمادًا للفتنة، وصونًا للدماء، ما لم يأمر بمعصية" (٥). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَخْرُجَ رَجُلٌ من قَحْطَان يَسُوقُ الناس بِعَصَاهُ" (٦).

стр. 3321

٤ - حديث ذي مِخْمَرٍ الحبشي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كَانَ هَذَا الأمْرُ في حِمْيَرَ، فَنَزَعَهُ اللَّه- منهم، فَجَعَلَهُ في قُرَيْشٍ، وسَيَعُودُ إِلَيْهِمْ" (١). النتيجة: صحة الإجماع على أن الإمامة العظمى مختصة بقريش.

стр. 3322

الفصل الثالث مسائل الإجماع في تسمية الإمام وكيفية اختياره [١٨/ ١٨] تسمية أبي بكر خليفة رسول اللَّه بعد وفاته ﷺ - • المراد بالمسألة: اتفاق علماء الأمة على تسمية أبي بكر ﵁ خليفة رسول اللَّه، بعد وفاته ﷺ . • من نقل الإجماع: ابن أبي عاصم (١) (٢٨٧ هـ) قال: "واتفق المسلمون على بيعته، وعلموا أن الصلاح فيها، فسموه: خليفة رسول اللَّه ﷺ ، وخاطبوه بها" (٢) أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ) قال: "وقد أجمع هؤلاء الذين أثنى اللَّه عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ وسموه: خليفة رسول اللَّه ﷺ " (٣) ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "إجماع الأمة حينئذ جميعًا على أن سموه خليفة رسول اللَّه ﷺ ، ولو كانوا أرادوا ذلك أنه خليفة على الصلاة؛ لكان أبو بكر مستحقًا لهذا الاسم في حياة النبي ﷺ ، والأمة كلها مجمعة على أنه لم يستحق أبو بكر هذا الاسم في حياة النبي ﷺ ، وأنه إنما استحقه بعد موت النبي ﷺ ؛ إذ ولي خلافته على الحقيقة" (٤) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "وأجمعوا أن أبا بكر كان يكتب: من خليفة رسول اللَّه، في

стр. 3323

كتبه كلها" (١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "اتفق هؤلاء الذين شهد اللَّه لهم بالصدق وجميع إخوانهم من الأنصار ﵃ على أن سموه خليفة رسول اللَّه ﷺ " (٢)، نقله الذهبي (٣) (٧٤٨ هـ) (٤) الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) قال: "رئيت الصحابة يوم مات رسول اللَّه ﷺ لم يقضوا شيئًا من أمر دفنه وتجهيزه حتى أحكموا أمر البيعة، ونصبوا أبا بكر، وكانوا يسمونه خليفة رسول اللَّه ﷺ " (٥) ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: "إطباق الناس على تسمية أبي بكر خليفة رسول اللَّه" (٦) العيني (٨٥٥ هـ) قال: "أجمع المؤرخون وغيرهم على أنه يلقب خليفة رسول اللَّه ﷺ حاشا ابن خالويه" (٧) ابن حجر الهيتمي (٨) (٩٧٣ هـ) قال: "من شهد له اللَّه بالصدق لا يكذب، فلزم أن ما أطبقوا عليه من قولهم لأبي بكر: يا خليفة رسول اللَّه، صادقون فيه" (٩).

стр. 3324

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما ورد من آثار عن الصحابة والتابعين ﵃: ١ - سُئل أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة (٦): لم كان أبو بكر يكتب: من أبي بكر خليفة رسول اللَّه، ثم كان عمر يكتب بعده: من عمر بن الخطاب خليفة أبي بكر، مَنْ أول من كتب أمير المؤمنين؟ . . . " إلى آخر الأثر (٧). ٢ - كتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى خالد بن الوليد ﵁ وهو باليمامة: "من عبد اللَّه أبي بكر خليفة رسول اللَّه ﷺ إلى خالد بن الوليد والذين معه من

стр. 3325

المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان. . . " (١). ٣ - روي عن معاوية بن قرة (٢) أنه قال: "ما كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يشكُّون أن أبا بكر خليفة رسول اللَّه ﷺ ، وما كانوا يسمونه إلا: خليفة رسول اللَّه ﷺ ، وما كانوا يجتمعون على خطأ أو ضلالة، وما كانوا يكتبون إلا: إلى أبي بكر خليفة رسول اللَّه ﷺ ، وما كان يكتب إلا: من أبي بكر خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فما زالوا كذلك حتى توفي" (٣). ٤ - روي عن سعيد بن المسيب (٤) أن عمر بن الخطاب لَمَّا وليَّ الخلافة خطب الناس على منبر رسول اللَّه ﷺ وقال: ". . . ثم قمت ذلك المقام مع أبي بكر خليفة رسول اللَّه ﷺ بعده" (٥).

стр. 3326

• وجه الدلالة: أن أبا بكر رضى اللَّه عنه كان يُسمي نفسه في رسائله إلى الأمراء وغيرهم: خليفة رسول اللَّه، وهو ما اتفق عليه المسلمون في مناداته وكتاباتهم له. النتيجة: صحة الإجماع على تسمية أبي بكر ﵁ خليفة رسول اللَّه، بعد وفاته ﷺ . [١٩/ ١٩] أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من سمي أمير المؤمنين • المراد بالمسألة: اتفق علماء الأمة على أن أول من سُمِّي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أول من سُمِّي أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب ﵁، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وأما ما توهمه بعض الجهلة في مسيلمة (١) فخطأ صريح وجهل قبيح مخالف لإجماع العلماء، وكتبهم متظاهرة على نقل الاتفاق على أن أول من سُمِّي أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب ﵁" (٢) ابن خلدون (٨٠٨ هـ) قال: "واتفق أن دعا بعض الصحابة عمر ﵁: يا أمير المؤمنين، فاستحسنه الناس واستصوبوه ودعوه به. . . وذهب لقبًا له في الناس، وتوارثه الخلفاء من بعده" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)،

стр. 3327

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما ورد من آثار عن الصحابة والتابعين ﵃: ١ - روي عن أبي بكر بن أبي حثمة عن جدته الشفاء (٣) أن عاملين قدما من العراق إلى المدينة، فوجدا عمرو بن العاص ﵁، فقالا له: يا عمرو استأذن لنا على أمير المؤمنين عمر، فوثب عمرو فدخل على عمر ﵄ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص؟ ! لتخرجن مما قلت، قال: نعم، قدم لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فقالا لي: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقلت: أنتما واللَّه أصبتما اسمه، وإنه الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من ذلك اليوم (٤). ٢ - لما كان عام الرمادة وأجدبت الأرض، كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص ﵁ "من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص: لعمري ما تنالي إذا سمنت ومن قبلك أن أعجف أنا ومن قبلي، ويا غوثاه" (٥). ٣ - جاء في وصية عمر بن الخطاب ﵁: "بِسْم اللَّه الرحمن الرَّحِيم، هذا

стр. 3328

ما أَوْصَى بِهِ عبد اللَّه عُمَرُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ إن حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ: إن ثَمْغًا (١)، وَصِرْمَةَ ابنِ الْأَكْوَعِ (٢)، وَالْعَبْدَ الذي فيه، وَالْمِائَةَ سَهْمٍ التي بِخَيْبَرَ، وَرَقِيقَهُ الذي فيه، وَالْمِائَةَ التي أَطْعَمَهُ مُحَمَّد ﷺ بِالْوَادِي، تَلِيهِ حَفْصَةُ ما عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ من أَهْلِهَا. . . " (٣). • وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب ﵁ سمى نفسه في وصيته وفي رسائله إلى الأمراء وغيرهم: أمير المؤمنين، وهو ما اتفق عليه المسلمون في مناداته وكتاباتهم له. النتيجة: صحة الإجماع على أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من سُمي أمير المؤمنين. [٢٠/ ٢٠] تحري الأفضل للإمامة • المراد بالمسألة: الأفضل لغة: من الفضل وهو ضد النقص، والفضيلة: الدرجة الرفيعة، والتفاضل بين القوم: أن يكون بعضهم أفضل من بعض، ورجل فاضل: ذو فضل، ورجل مفضول: قد فضله غيره (٤) الأفضل اصطلاحًا: هو الأصلح. قال أبو المعالي الجويني: فلو فرضنا مستجمعًا للشرائط، بالغًا في الورع الغاية القصوى، وقدرنا آخر أكفأ منه، وأهدى إلى طرق السياسة والرياسة، وإن لم يكن في الورع مثله، فالأكفأ أولى بالتقديم. ولو كان أحدهما أفقه، والثاني أعرف بتجنيد الجنود، وعقد الأولوية والبنود، وجر العساكر والمناقب، وترتيب المراتب والمناصب، فلينظر ذو الرأي إلى حكم الوقت، فإن كان إكناف خطة الإسلام إلى الاستقامة،

стр. 3329

والممالك منتفضة عن ذوي العرامة، ولكن ثارت بدع وأهواء، واضطربت مذاهب ومطالب وآراء، والحاجة ماسة إلى من يسوس الأمور الدينية أمس، فالأعلم أولى. وإن تصورت الأمور على الضد مما ذكرناه، ومست الحاجة إلى شهامة وصرامة، وبطَّاش يحمل الناس على الطاعة ولا يحاش، فالأشهم أولى بأن يُقدَّم" (١). وقد اتفق علماء الأمة على وجوب تحري الأصلح للقيام على الخلق بما يستصلحهم. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع العلماء أن الإمام يجب. . . أن يكون أفضل أهل وقته حالًا، وأجملهم خصالًا، إن قدر على ذلك" (٢)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٣) القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم" (٤) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "إجماع الصحابة على تحرى الأفضل" (٥) ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): "أما الخلافة وهي الإمامة الكبرى، فلا يجوز أن يتركوا الأفضل، وعليه إجماع الأمة" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)،

стр. 3330

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٣). قال ابن كثير: "أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه" (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- اختار لهم طالوت ملكًا، واختيار اللَّه هو الحجة القاطعة، ثم بين لهم وجهي الاصطفاء: الأول: أن اللَّه زاده بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح. الثاني: وزاده بسطة في الجسم، الذي يظهر به الأثر في الحروب ونحوها. فكان قويًّا في دينه وبدنه، وذلك هو المعتبر (٥). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ (٦). • وجه الدلالة: قال ابن تيمية: "الولاية لها ركنان: القوة والأمانة. . . فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها" (٧). • ثانيًا: السنة: حديث عَائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ :
следующие страницы →