← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

• وجه الدلالة: أن أبا بكر رضى اللَّه عنه كان يُسمي نفسه في رسائله إلى الأمراء وغيرهم: خليفة رسول اللَّه، وهو ما اتفق عليه المسلمون في مناداته وكتاباتهم له. النتيجة: صحة الإجماع على تسمية أبي بكر ﵁ خليفة رسول اللَّه، بعد وفاته ﷺ . [١٩/ ١٩] أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من سمي أمير المؤمنين • المراد بالمسألة: اتفق علماء الأمة على أن أول من سُمِّي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أول من سُمِّي أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب ﵁، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وأما ما توهمه بعض الجهلة في مسيلمة (١) فخطأ صريح وجهل قبيح مخالف لإجماع العلماء، وكتبهم متظاهرة على نقل الاتفاق على أن أول من سُمِّي أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب ﵁" (٢) ابن خلدون (٨٠٨ هـ) قال: "واتفق أن دعا بعض الصحابة عمر ﵁: يا أمير المؤمنين، فاستحسنه الناس واستصوبوه ودعوه به. . . وذهب لقبًا له في الناس، وتوارثه الخلفاء من بعده" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)،

стр. 3327

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما ورد من آثار عن الصحابة والتابعين ﵃: ١ - روي عن أبي بكر بن أبي حثمة عن جدته الشفاء (٣) أن عاملين قدما من العراق إلى المدينة، فوجدا عمرو بن العاص ﵁، فقالا له: يا عمرو استأذن لنا على أمير المؤمنين عمر، فوثب عمرو فدخل على عمر ﵄ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص؟ ! لتخرجن مما قلت، قال: نعم، قدم لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فقالا لي: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقلت: أنتما واللَّه أصبتما اسمه، وإنه الأمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من ذلك اليوم (٤). ٢ - لما كان عام الرمادة وأجدبت الأرض، كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص ﵁ "من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص: لعمري ما تنالي إذا سمنت ومن قبلك أن أعجف أنا ومن قبلي، ويا غوثاه" (٥). ٣ - جاء في وصية عمر بن الخطاب ﵁: "بِسْم اللَّه الرحمن الرَّحِيم، هذا

стр. 3328

ما أَوْصَى بِهِ عبد اللَّه عُمَرُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ إن حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ: إن ثَمْغًا (١)، وَصِرْمَةَ ابنِ الْأَكْوَعِ (٢)، وَالْعَبْدَ الذي فيه، وَالْمِائَةَ سَهْمٍ التي بِخَيْبَرَ، وَرَقِيقَهُ الذي فيه، وَالْمِائَةَ التي أَطْعَمَهُ مُحَمَّد ﷺ بِالْوَادِي، تَلِيهِ حَفْصَةُ ما عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ من أَهْلِهَا. . . " (٣). • وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب ﵁ سمى نفسه في وصيته وفي رسائله إلى الأمراء وغيرهم: أمير المؤمنين، وهو ما اتفق عليه المسلمون في مناداته وكتاباتهم له. النتيجة: صحة الإجماع على أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من سُمي أمير المؤمنين. [٢٠/ ٢٠] تحري الأفضل للإمامة • المراد بالمسألة: الأفضل لغة: من الفضل وهو ضد النقص، والفضيلة: الدرجة الرفيعة، والتفاضل بين القوم: أن يكون بعضهم أفضل من بعض، ورجل فاضل: ذو فضل، ورجل مفضول: قد فضله غيره (٤) الأفضل اصطلاحًا: هو الأصلح. قال أبو المعالي الجويني: فلو فرضنا مستجمعًا للشرائط، بالغًا في الورع الغاية القصوى، وقدرنا آخر أكفأ منه، وأهدى إلى طرق السياسة والرياسة، وإن لم يكن في الورع مثله، فالأكفأ أولى بالتقديم. ولو كان أحدهما أفقه، والثاني أعرف بتجنيد الجنود، وعقد الأولوية والبنود، وجر العساكر والمناقب، وترتيب المراتب والمناصب، فلينظر ذو الرأي إلى حكم الوقت، فإن كان إكناف خطة الإسلام إلى الاستقامة،

стр. 3329

والممالك منتفضة عن ذوي العرامة، ولكن ثارت بدع وأهواء، واضطربت مذاهب ومطالب وآراء، والحاجة ماسة إلى من يسوس الأمور الدينية أمس، فالأعلم أولى. وإن تصورت الأمور على الضد مما ذكرناه، ومست الحاجة إلى شهامة وصرامة، وبطَّاش يحمل الناس على الطاعة ولا يحاش، فالأشهم أولى بأن يُقدَّم" (١). وقد اتفق علماء الأمة على وجوب تحري الأصلح للقيام على الخلق بما يستصلحهم. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع العلماء أن الإمام يجب. . . أن يكون أفضل أهل وقته حالًا، وأجملهم خصالًا، إن قدر على ذلك" (٢)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٣) القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم" (٤) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "إجماع الصحابة على تحرى الأفضل" (٥) ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): "أما الخلافة وهي الإمامة الكبرى، فلا يجوز أن يتركوا الأفضل، وعليه إجماع الأمة" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)،

стр. 3330

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٣). قال ابن كثير: "أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه" (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- اختار لهم طالوت ملكًا، واختيار اللَّه هو الحجة القاطعة، ثم بين لهم وجهي الاصطفاء: الأول: أن اللَّه زاده بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح. الثاني: وزاده بسطة في الجسم، الذي يظهر به الأثر في الحروب ونحوها. فكان قويًّا في دينه وبدنه، وذلك هو المعتبر (٥). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ (٦). • وجه الدلالة: قال ابن تيمية: "الولاية لها ركنان: القوة والأمانة. . . فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها" (٧). • ثانيًا: السنة: حديث عَائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 3331

"لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أبو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ" (١). قال ملا علي القاري: "فإذا ثبت هذا فقد ثبت استحقاق الخلافة، ولا ينبغي أن يُجعل المفضول خليفة مع وجود الفاضل" (٢). • وجه الدلالة: فيه دليل على فضله في الدين على جميع الصحابة، فكان تقديمه في الخلافة أيضًا أولى وأفضل (٣). النتيجة: صحة الإجماع على وجوب تحري الأفضل للإمامة. [٢١/ ٢١] جواز عقد الإمامة للمفضول مع وجود الفاضل للمصلحة • المراد بالمسألة: انعقد إجماع الأمة من لدن صحابة رسول اللَّه ﷺ ومن سار على هديهم من علماء الأمة على جواز عقد الإمامة للمفضول مع وجود الفاضل تحقيقا لمصلحة المسلمين. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "صح بما ذكرنا إجماع جميع الصحابة ﵃ على جواز إمامة المفضول، ثم عبدهم عمر ﵁

стр. 3332

إلى ستة رجال، ولا بد أن لبعضهم على بعض فضلًا، وقد أجمع أهل الإسلام حينئذٍ على أنه إن بويع أحدهم فهو الإمام الواجبة طاعته، وفي هذا إطباق منهم على جواز إمامة المفضول" (١) الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "إذا كانت الحاجة في مقتضى الإيالة تقتضي تقديم المفضول قُدِّم لا محالة؛ إذ الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة، فإذا كان في تقديم الفاضل اختباطها وفسادها، وفي تقديم المفضول ارتباطها وسدادها، تعين إيثار ما فيه صلاح الخليقة باتفاق أهل الحقيقة" (٢) القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "علم عمر رضى اللَّه عنه وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك، واجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم" (٣) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "وفي جواز تولية المفضول خلاف مذكور في أدب القضاء فإن لم تتفق الكلمة إلا عليه جازت توليته بلا خلاف لتندفع الفتنة، ولو نشأ من هو أفضل من المفضول لم يعدل إلى الناشئ بلا خلاف" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، المالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من السنة وبعض الآثار عن الصحابة ﵃:

стр. 3333

• أولًا: السنة: الدليل الأول: حديث عبد اللَّه بن عُمَرَ ﵄ قال: بَعَثَ النبي ﷺ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عليهم أُسَامَةَ بن زَيْدٍ، فَطَعَنِ بَعْضُ الناس في إِمَارَتِهِ، فقال النبي ﷺ : "إن تَطْعُنُوا في إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُون في إِمَارَةِ أبيه من قَبْلُ، وَايْمُ اللَّه إن كان لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ" (١). • وجه الدلالة: قال النووي: "فيه جواز إمارة العتيق، وجواز تقديمه على العرب، وجواز تولية الصغير على الكبار، فقد كان أسامة صغيرًا جدًّا، توفي النبي ﷺ وهو ابن ثمان عشرة سنة وقيل: عشرين، وجواز تولية المفضول على الفاضل للمصلحة" (٢). الدليل الثاني: حديث عَائِشَةَ ﵂ قالت: ما بَعَثَ رسول اللَّه ﷺ زَيْدَ بن حَارِثَةَ في جَيْشٍ قَطُّ إلا أَمَّرَهُ عليهم، وَلَوْ بَقِيَ بَعْدَهُ لَاسْتَخْلَفَهُ" (٣). • وجه الدلالة: أن حارثة ﵁ كان من موالي النبي ﷺ ، وفي ذلك "جواز إمارة المولى، وجواز تولية المفضول على الفاضل للمصلحة" (٤). • ثانيًا: الآثار: لما طُعن عمر بن الخطاب ﵁، وعلم الصحابة أنه ميِّتٌ، "قَالُوا: أَوْصِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ. قَالَ: مَا أَجِدُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ أَوْ الرَّهْطِ، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ" (٥). • وجه الدلالة: أن عمر ﵁ جعل الخلافة بين ستة من العشرة المبشرين

стр. 3334

بالجنة، منهم: عثمان وعلي -رضي اللَّه تعالى عنهما- وهما أفضل أهل زمانهما بعد عمر، فلو تعين الأفضل لعين عمر أفضلهما، فدل عدم تعيينه على جواز تعيين المفضول مع وجود الفاضل. قال ابن حجر: "والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد أنه كان لا يُراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة، مع اجتناب ما يخالف الشرع فيها، فلأجل هذا استخلف معاوية، والمغيرة بن شعبة، وعمرو ابن العاص، مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم، كأبي الدرداء في الشام، وابن مسعود في الكوفة" (١). • من خالف الإجماع: أبو يعلى (٢)، وطوائف من الأشاعرة (٣)، ومن المعتزلة: كالنظام (٤)، والجاحظ (٥)، والخوارج (٦)، وجميع الرافضة والشيعة (٧).

стр. 3335

واستدلوا بأدلة من السنة، والآثار: • أولًا: السنة: ١ - حديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى عَشَرَةِ أَنْفُسٍ عَلِمَ أَنَّ فِي الْعَشَرَةِ أَفْضَلَ مِمَّنِ اسْتَعْمَلَ، فَقَدْ غَشَّ اللَّه وَرَسُولَهُ، وَغَشَّ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ" (١). ٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ تَوَلَّى منِ أُمَرَاءِ المُسْلِمِينَ شيئًا فَاسْتَعْمَلَ عليهم رَجُلًا، وهو يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ من هو أَوْلَى بِذلِكَ وَأَعْلَمُ منه بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَدْ خَانَ اللَّه وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ المُؤْمِنِينَ" (٢). • وجه الدلالة: أن من عدل عن الفاضل إلى المفضول فقد خان اللَّه ورسوله وجميع المسلمين، ولا خير في فعل هذه صفته. ونوقش: بأن الحديثين ضعيفان، فإن صحَّا فمحل ذلك ما إذا لم يقتض الحال والوقت خلافه، وإلا أنيط بالمصلحة، وعلى ذلك يُنزَّل تأمير المصطفى

стр. 3336

- ﷺ لعمرو بن العاص ﵁ على قوم فيهم أبو بكر وعمر ﵄ (١). • ثانيًا: الآثار: ١ - روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لِيَعْلَمْ مَنْ وَلِيَ هَذَا الأَمْرَ مِنْ بَعْدِي أَنْ سَيُرِيدُهُ عَنْهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، إِنِّي لَأُقَاتِلُ النَّاسَ عَنْ نَفْسِي قِتَالًا، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَقْوَى عَلَيْهِ مِنِّي لَكُنْتُ أُقَدَّمُ فَتُضرَبُ عُنُقِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلِيَهِ" (٢). ٢ - وقال ﵁: "إِنِّي لَأَتَحَرَّجُ أَنْ أَسْتَعْمِلَ الرَّجُلَ وَأَنَا أَجِدُ أَقْوَى مِنْهُ" (٣). • وجه الدلالة: وجوب اختيار الأفضل للإمامة. ونوقش: بأنه حجة لأصحاب القول الآخر، ألا ترى أنه دعا إلى الأصلح للإمامة؟ قال ابن حجر: "والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد أنه كان لا يُراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة، مع اجتناب ما يخالف الشرع فيها، فلأجل هذا استخلف معاوية، والمغيرة بن شعبة، وعمرو ابن العاص، مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم، كأبي الدرداء في الشام، وابن مسعود في الكوفة" (٤). النتيجة: عدم صحة الإجماع، لوجود الخلاف. [٢٢/ ٢٢] أن النبي ﷺ لم ينص على خليفته • المراد بالمسألة: أن النبي ﷺ لم ينص على خليفته من بعده، لا على أبي بكر ﵁، ولا على غيره. • من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) قال: "وأجمعوا على عقد البيعة

стр. 3337

لأبي بكر بآرائهم، ولم يدَّعِ أحد منهم نصًّا على أبي بكر ولا غيره، ولو كان هناك نص لما خفي عليهم، وهو معظم أمر دينهم، ودنياهم" (١) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "النبي ﷺ لم ينص على خلافة أبى بكر، ولا على علي، ولا على العباس، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وأن عقد ولاية أبى بكر ﵁ بالاختيار والإجماع لا بالنص" (٢). أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) قال: "لم ينص النبي ﷺ على خليفة، لا على أبي بكر، ولا على غيره، وهذا هو مذهب جماعة من أهل السنة، والصحابة، ومن بعدهم. . . وكل من ذكر له خلاف في هذه المسألة لا يُعتد بخلافه. . . والمسألة إجماعية قطعية" (٣) نقله ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٤) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "النبي ﷺ لم ينص على خليفة، وهو إجماع أهل السنة وغيرهم" (٥)، نقله الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) (٦) والمباركفوري (١٣٥٣ هـ) (٧). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١).

стр. 3338

• مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما ثبت من آثار عن الصحابة ﵃: ١ - قال عمر بن الخطاب ﵁ في وصف مبايعة المسلمين لأبي بكر الصديق ﵁ في سقيفة بني ساعدة: ". . . إِنَّا وَاللَّه مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ، فَيَكُونُ فَسَادٌ" (١). ٢ - وقال ﵁ في خطبته حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْم تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ثَانِيَ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ"، قال أنس بن مالك ﵁: "وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ" (٢). • وجه الدلالة: قال أبو العباس القرطبي: "اختلفوا في ذلك يوم السَّقيفة، وقال كل واحد منهم ما عنده في ذلك من النظر، ولم ينقل منهم أحدٌ نصًّا على رجل بعينه، ولو كان عندهم نصٌّ لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم، والخطب المهم الجسيم، والحاجة الفادحة، مع عدم التقية والتواطُؤ من ذلك الجمع على الكتمان" (٣). ونوقش: بعدم مبايعة علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام ﵄ لأبي بكر الصديق ﵁. وأجيب بما يلي: ١ - روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ". . . فلما قعد أبو بكر على المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير عليًّا، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول اللَّه ﷺ وختنه، أردت أن تشق عصا

стр. 3339

المسلمين! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فبايعه، ثم لم ير الزبير بن العوام، فسأل عنه حتى جاؤوا به، فقال: ابن عمة رسول اللَّه ﷺ وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه ﷺ فبايعاه" (١). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "وفيه فائدة جليلة: وهي مبايعة علي بن أبي طالب، إما في أول يوم، أو في اليوم الثاني من الوفاة، وهذا حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتال أهل الردة" (٢). ٢ - ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: ". . . فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِي وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بالذي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الذي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِى بَكْرٍ وَلَا إِنْكَارًا للذي فَضَّلَهُ اللَّه بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لنَا في الأَمْرِ نَصِيبًا فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ، فَوَجَدْنَا في أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بذَلِكَ المُسْلِمُونَ وَقَالُوا أَصبْتَ. فَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ" (٣).

стр. 3340

• وجه الدلالة: ولو كان عندهم نصٌّ لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم، والخطب المهم الجسيم، والحاجة الفادحة، مع عدم التقية -والتواطُؤ من ذلك الجمع على الكتمان (١). ٣ - ثبت في الصحيح أن عائشة ﵂ "سُئلت: من كان رسول اللَّه ﷺ مُسْتَخْلِفًا لو اسْتَخْلَفَهُ؟ قالت: أبو بَكْرٍ، فَقِيلَ لها: ثُمَّ من بَعْدَ أبي بَكْرٍ؟ قالت: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لها: من بَعْدَ عُمَرَ؟ قالت: أبو عُبَيْدَةَ بن الْجَرَّاحِ. ثُمَّ انْتَهَتْ إلى هذا" (٢). • وجه الدلالة: قال النووي: "فيه دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي ﷺ على خلافته صريحًا، بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته، ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولًا، ولذكر حافظ النص ما معه، ولرجعوا إليه، لكن تنازعوا أولًا، ولم يكن هناك نص، ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر" (٣). • من خالف الإجماع: وبصدد النص على أبي بكر ﵁ فهما قسمان: الأول: من قال بالنص الخفي والإشارة على أبي بكر ﵁، وبه قال الحسن البصري (٤)، وجماعة من أهل الحديث (٥)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٦).

стр. 3341

واستدلوا بأدلة، منها: ١ - حديث عائشة ﵂ أنها قالت: لما مَرِضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَأُذِّنَ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: "إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى، فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ منْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنْ الْوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ مَكَانَكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ (١). • وجه الدلالة: قال ابن حجر: "وإن كان في التنصيص على إمامة أبي بكر فى مرضه إشارة إلى أنه أحق بالخلافة، فهو بطريق الاستنباط لا النص" (٢). ٢ - حديث ابن عباس ﵄ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصبٌ رَأْسَهُ بخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمِّ قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ مِن النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافةَ، وَلَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ" (٣). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "وهذا قاله في آخر حياته ﷺ ، علمًا منه أن أبا بكر ﵁ سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرًا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى

стр. 3342

المسجد إلا بابه ﵁" (١). الثاني: من قال بالنص الجلي على خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وهو قول جماعة من أهل الحديث (٢)، وبه قال ابن حزم (٣)، وابن حجر الهيتمي (٤). واستدلوا -فوق الأدلة المتقدمة- بأدلة أخرى، منها: ١ - حديث جبير بن مطعم ﵁ قال: أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ -كَأَنَّهَا تُرِيدُ المَوْتَ- قَالَ: "إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ" (٥). ٢ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه: "لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ أَرَدْتُ- أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ، فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبِى اللَّه وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّه وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ" (٦). وفي رواية: قالت ﵂: قَالَ لي رَسُولُ اللَّه ﷺ في مَرَضِهِ: "ادْعِي لي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كتَابًا، فإني أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى. وَيَأْبَى اللَّه وَالمُؤْمِنونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ" (٧).

стр. 3343

قال ابن حزم: "وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر" (١). وقال ابن تيمية: "التحقيق أن النبي ﷺ دلَّ المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك. . . فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول اللَّه ﷺ بيانًا قاطعًا للعذر، ولكن لما دلَّهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين، وفهموا ذلك، حصل المقصود" (٢). وبصدد النص على غير أبي بكر ﵁: قال ابن الراوندي (٣): نص على العباس ﵁ (٤). وقالت الشيعة والرافضة: نص على علي ﵁ (٥). ونوقش ذلك: بأن هذه دعاوى باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحس؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار أبي بكر ﵁، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر ﵁، وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم

стр. 3344

يخالف في شيء من هذا أحد، ولم يدَّعِ علي ولا العباس ولا أبو بكر وصية في وقت من الأوقات، وقد اتفق علي والعباس على جميع هذا من غير ضرورة مانعة من ذكر وصية لو كانت، فمن زعم أنه كان لأحد منهم وصية فقد نسب الأمة إلى اجتماعها على الخطأ واستمرارها عليه، وكيف يحل لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى المواطأة على الباطل في كل هذه الأحوال، ولو كان شيء لنُقِل، فإنه من الأمور المهمة (١). قال النووي: "أما ما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي، وأول من كذبهم علي ﵁ بقوله: "ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة. . . " (٢) الحديث، ولو كان عنده نص لذكره، ولم يُنقل أنه ذكره في يوم من الأيام، ولا أن أحدًا ذكره له، واللَّه أعلم" (٣). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٢٣/ ٢٣] تعيين الإمام يكون بالبيعة • المراد بالمسألة: البيعة لغة: من البيع، وهي: الصفقة من صفقات البيع، يُقال: بايعه مبايعة وبياعًا: عارضه بالبيع، فهي: معاهدة ومعاقدة، كل من طرفيها باع ما عنده لصاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره (٤). البيعة اصطلاحًا: هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي، هذا مدلولها حيثما ورد

стр. 3345

هذا اللفظ، ومنه: بيعة الرضوان يوم الحديبية، وبيعة الخلفاء (١). وقد اتفق علماء الأمة على أن تعيين الإمام باختيار أهل الحل والعقد، ثم مبايعته من قبلهم، ومن قبل الأمة. • من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) قال: "وأجمعوا على عقد البيعة لأبي بكر ﵁ " (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته" (٣) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل، والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة" (٤)، نقله ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٥)، والعيني (٨٥٥ هـ) (٦)، والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٧) والعظيم آبادي (بعد ١٣١٠ هـ) (٨)، والمباركفوري (١٣٥٣ هـ) (٩) الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) قال: "انعقد الإجماع على أن الخليفة يجوز له الاستخلاف وتركه، وعلى انعقاد الخلافة، بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل، والعقد لإنسان إذا لم يستخلفه الخليفة" (١٠). الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "وتثبت -الإمامة-أيضًا ببيعة أهل الحل والعقد، عند أهل السنة والجماعة، والمعتزلة، والصالحية من الزيدية، خلافًا للشيعة، أي: لأكثرهم، فإنهم قالوا: لا طريق إلا النص" (١١).

стр. 3346

من وافق على الإجماع؛ الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما ثبت من آثار عن الصحابة ﵃: ١ - قال عمر بن الخطاب ﵁ في وصف مبايعة المسلمين لأبي بكر الصديق ﵁ في سقيفة بني ساعدة: ". . . إِنَّا وَاللَّه مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ، فَيَكُونُ فَسَادٌ" (٦). ٢ - وقال ﵁ في خطبته حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْم تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ثَانِيَ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ"، قال أنس بن مالك ﵁ "وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ" (٧). ٣ - روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ". . . فلما قعد أبو بكر على المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير عليًّا، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول اللَّه ﷺ وختنه، أردت أن تشق عصا

стр. 3347

المسلمين! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فبايعه، ثم لم ير الزبير بن العوام، فسأل عنه حتى جاؤوا به، فقال: ابن عمة رسول اللَّه ﷺ وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فبايعاه" (١). • وجه الدلالة: انعقاد الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁ بالبيعة. • من خالف الإجماع: قال ابن الراوندي: نص على العباس ﵁، وقالت الشيعة والرافضة: نص على علي ﵁ (٢). ونوقش ذلك: بأن هذه دعاوى باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحس؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار أبي بكر ﵁ (٣). النتيجة: صحة الإجماع أن تعيين الإمام يكون بالبيعة. [٢٤/ ٢٤] لا يشترط مبايعة كل الناس للإمام • المراد بالمسألة: أنه لا يُشترط في تعيين الإمام أن يبايعه كل الناس. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "صح إجماعهم على أن الإمامة تنعقد بواحد" (٤) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أما البيعة، فقد اتفق العلماء على أنه لا يُشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد" (٥) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف؛ لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة، فضلًا عن إجماع الأمة، هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا

стр. 3348

هذا" (١). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) قال: "ليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل من يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين، فإن هذا الاشتراط في الأمرين مردود بإجماع المسلمين، أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم" (٢). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما ثبت من آثار عن الصحابة ﵃: ١ - قال عمر بن الخطاب ﵁ في وصف مبايعة المسلمين لأبي بكر الصديق ﵁ في سقيفة بني ساعدة: ". . . فقلت: ابْسُطْ يَدَكَ يا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ. . . وَإِنَّا واللَّه مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ، فَيَكُونُ فَسَادٌ" (٨). ٢ - وقال ﵁ في خطبته حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْم تُوُفِّيَ

стр. 3349

النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ثَانِيَ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ"، قال أنس بن مالك ﵁: "وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ" (١). • وجه الدلالة: أن بيعة أبي بكر ﵁ انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة، ﵃ (٢). ٣ - جعل عمر ﵁ الخلافة بين ستة من العشرة المبشرين بالجنة، فقال لهم عبد الرحمن بن عوف ﵁: "لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ على هذا الْأَمْرِ، وَلَكِنَّكُمْ إن شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ". فَجَعَلُوا ذلك إلى عبد الرحمن. . . فَأَرْسَلَ إلى من كان حَاضِرًا من المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إلى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مع عُمَرَ، فلما اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عبد الرحمن، ثُمَّ قال: "أَمَّا بَعْدُ يا عَلِيُّ، إني قد نَظَرْتُ في أَمْرِ الناس، فلم أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فلا تَجْعَلَنَّ على نَفْسِكَ سَبِيلًا"، فقال -لعثمان رضى اللَّه عنه-: "أُبَايِعُكَ على سُنَّةِ اللَّه وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ من بَعْدِهِ"، فَبَايَعَهُ عبد الرحمن، وَبَايَعَهُ الناس المُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَالمُسْلِمُونَ (٣). • وجه الدلالة: أن أولئك الخمسة ﵃ قد تبرؤوا من الاختيار، وجعلوه إلى واحد منهم يختار لهم وللمسلمين من رآه أهلًا للإمامة، وهو عبد الرحمن بن عوف ﵁، وما أنكر ذلك أحد من الصحابة الحاضرين، ولا الغائبين إذ بلغهم ذلك (٤). النتيجة: صحة الإجماع على أنه لا يُشترط مبايعة كل الناس للإمام.

стр. 3350

[٢٥/ ٢٥] لا يشترط إجماع كل أهل الحل والعقد على بيعة الإمام • المراد بالمسألة: أنه لا يشترط اتفاق أهل الحل والعقد كلهم على بيعة الإمام. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "صح إجماعهم على أن الإمامة تنعقد بواحد" (١) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أما البيعة، فقد اتفق العلماء على أنه لا يُشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد" (٢) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف؛ لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة، فضلًا عن إجماع الأمة، هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا هذا" (٣). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) قال: "ليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل من يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين، فإن هذا الاشتراط في الأمرين مردود بإجماع المسلمين، أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم" (٤). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وخلاف الأصح عند الشافعية (٧)، ورواية عن أحمد (٨)، والظاهرية (٩).

стр. 3351

• مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما ثبت من آثار عن الصحابة ﵃: ١ - قال عمر بن الخطاب ﵁ في وصف مبايعة المسلمين لأبي بكر الصديق ﵁ في سقيفة بني ساعدة: ". . . فقلت: ابْسُطْ يَدَكَ يا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ وَنَزَوْنَا (١) عَلَى سَعْدِ بْن عُبَادَةَ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ (٢). فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ (٣). قَالَ عُمَرُ: وَإِنَّا واللَّه مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ، فَيَكُونُ فَسَادٌ" (٤). ٢ - وقال ﵁ في خطبته حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْم تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُول اللَّه ﷺ ثانِيَ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ"، قال أنس بن مالك ﵁: "وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ" (٥). • وجه الدلالة: عدم إجماع أهل الحل والعقد على اختيار أبي بكر ﵁ كسعد بن عبادة، وإن تم الإجماع على بيعته نهاية. ٣ - جعل عمر ﵁ الخلافة بين ستة من العشرة المبشرين بالجنة، فقال لهم عبد الرحمن بن عوف ﵁: "لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ على هذا الْأَمْرِ، وَلَكِنَّكُمْ إن شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ". فَجَعَلُوا ذلك إلى عبد الرحمن. . . فَأَرْسَلَ إلى من كان

стр. 3352

حَاضِرًا من المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إلى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مع عُمَرَ، فلما اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عبد الرحمن، ثُمَّ قال: "أَمَّا بَعْدُ يا عَلِيُّ، إني قد نَظَرْتُ في أَمْرِ الناس، فلم أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فلا تَجْعَلَنَّ على نَفْسِكَ سَبِيلًا"، فقال -لعثمان ﵁: "أُبَايِعُكَ على سُنَّةِ اللَّه وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ من بَعْدِهِ"، فَبَايَعَهُ عبد الرحمن، وَبَايَعَهُ الناس المُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَالمُسْلِمُونَ (١). • وجه الدلالة: أن أولئك الخمسة ﵃ قد تبرؤوا من الاختيار، وجعلوه إلى واحد منهم يختار لهم وللمسلمين من رآه أهلًا للإمامة، وهو عبد الرحمن بن عوف ﵁، وما أنكر ذلك أحد من الصحابة الحاضرين، ولا الغائبين إذ بلغهم ذلك (٢). • من خالف الإجماع: الطائفة الأولى: الأصم من المعتزلة (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، قالوا بإجماع الأمة كلها على من اختير من قبل أهل الحل والعقد. ونوقش: بأنه لا يلتفت إلى إجماع الدهماء، فإن ذلك لا يصح؛ لأن طبقة الدهماء لابد أن تكون مقلدة لفئة منها تؤثر عليها بالدعاية والضجيج، فلا تستطيع أن تحكم في أناة وتعقل لتختار الإمام العادل، ومن ثم فإن أهل الحل والعقد -وهم الطليعة الواعية، والفئة المستنيرة من أهل الاجتهاد من الأمة- هم الجديرون باختيار الإمام؛ لأنهم سيحملون وزره إذا لم يتحروا في اختياره الصواب، وسيكونون شركاءه في مآثمه ومظالمه (٥).

стр. 3353

الطائفة الثانية: اشترطت إجماع أهل الحل والعقد، كالقاضي أبي يعلى (١)، وابن خلدون (٢). ونوقش: ١ - بأنه تكليف ما لا يُطاق، وما ليس في الوسع، وما هو أعظم الحرج، واللَّه -تعالى- يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣)، ويقول -جل وعلا-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤) (٥). ٢ - وبما حدث في سقيفة بني ساعدة؛ إذ لم يك إلا بعض أهل الحل والعقد الذين بايعوا أبا بكر ﵁. ٣ - وأن قياس ذلك على الإجماع لا محل له، ألا ترى أنه قياس مع الفارق؟ الطائفة الثالثة: استلزمت عددًا محددًا لأهل الحل والعقد، وإن اختلفوا فيه (٦): ١ - فمن قائل بالأربعين؛ لأن عقد الإمامة فوق عقد الجمعة، ولا تنعقد بأقل من أربعين. ٢ - ومن قائل بخمسة؛ لأن عمر ﵁ قد جعلها شورى في ستة، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة، كما قال الماوردي. ٣ - وقائل بأربعة؛ قياسًا على أكثر نصاب الشهود. ٤ - وقول بثلاثة؛ لأنهم جماعة لا تجوز مخالفتهم.

стр. 3354

٥ - وقول باثنين؛ لأن الاثنين أقلّ الجمع، وليكونا حاكمًا وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين، وعزاه الماوردي لعلماء الكوفة. ٦ - ومن قائل بواحد؛ لأن العباس قال لعلي ﵄: "امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول اللَّه ﷺ بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان" (١). ولأن عمر لما بايع أبا بكر ﵄ تبعه الصحابة على ذلك ووافقوه، ولأنه حُكْمٌ، وحكم واحد نافذ، وبه قال أبو الحسن الأشعري (٢)، والإيجي (٣)، والغزالي (٤)، وإمام الحرمين (٥)، شريطة -عند الأخيرين- أن يكون ذا شوكة، وإلا فلا، والقرطبي (٦)، وعند جمهور الشافعية (٧)، أنها تنعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة من العلماء، والرؤساء، وسائر وجوه الناس، المتصفين بصفات الشهود، ولو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفى؛ لأن الأمر إذا لم يكن صادرًا عن رأي من له تقدم في الوضع وقول مقبول، لم تؤمن إثارة فتنة. ونوقشت هذه الأقوال: ١ - بأنه لا يجوز قياس عدد أهل الحل والعقد على عدد من تصح بهم الجمعة، أو الشهود، أو النكاح، أو غيرها؛ لأنه قياس مع الفارق، وليس قول أي طائفة منها أولى من القول الآخر، ثم كيف يُترك مصير الأمة لواحد أو اثنين

стр. 3355

أو مجموعة صغيرة بعد تغير العصور وفساد الناس؟ (١) ٢ - أما الاستناد لبيعة أبي بكر وعمر ﵄ فمردود بأنها تمت بمبايعة كبار المهاجرين والأنصار، ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوا أبا بكر، وامتنع الصحابة عن البيعة، لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة (٢). ٣ - وكذلك في بيعة عثمان ﵁، لم يصر إمامًا باختيار بعضهم -أي بعض الستة- بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان، لم يتخلف عن بيعته أحد (٣). ٤ - أما الاستناد على صحة بيعة الواحد بمبادرة عمر في بيعة أبي بكر، ومتابعة الصحابة له، فغير صحيح، ألا ترى أن أحدًا لا تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر؟ فهم بالأحرى موافقون على فعل عمر، وإلا أليس عمر القائل: "من بَايَعَ رَجُلًا من غَيْرِ مَشُورَةٍ من المُسْلِمِينَ، فَلَا يُتَابَعَ هُو وَلا الَّذِي تَابَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا" (٤)؟ وكونه هو السابق إلى البيعة، فلا بد في كل بيعة من سابق (٥). ٥ - أما الزعم بأن العباس قال لعلي بن أبي طالب ﵄ بعد موت النبي ﷺ : "امدد يدك أبايعك"، فهي من التُّرَّهات التي لا دليل عليها، ولم تصح. وفي الجملة: فإن القول بعقدها بواحد من النوادر التي لا حكم لها. والراجح من هذه الأقوال واللَّه أعلم هو قول الطائفة الثالثة والذي استلزم التقييد بعدد محدد من أهل الحل والعقد، أمَّا تحديد العدد فيجب أن يصار فيه إلى ما تقتضيه ضرورة كل عصر ومصر. النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف.

стр. 3356

[٢٦/ ٢٦] إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر الصديق ﵁ - • المراد بالمسألة: الاتفاق على خلافة أبي بكر الصديق ﵁. • من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) قال: "اختلفوا بعد وفاة النبي ﷺ في أمر الإمامة، فقالت الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير)، ثم أجمعوا على بيعة أبي بكر الصديق ﵁، فانحسم ذلك الخلاف، وصح الإجماع" (١) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "عقد ولاية أبى بكر ﵁ بالاختيار والإجماع" (٢) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته" (٣) القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "الإجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر" (٤)، نقله الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) (٥) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار أبي بكر" (٦)، نقله الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) (٧) وملا علي القاري (١٠١٤ هـ) (٨) والمباركفوري (١٣٥٣ هـ) (٩) ابن كثير (٧٧٤ هـ) قال: "بايعه في المسجد جماعة من الصحابة، ووقعت شبهة لبعض الأنصار، وقام في أذهان بعضهم جواز استخلاف خليفة من الأنصار، وتوسط بعضهم بين أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار، حتى بين لهم الصديق أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، فرجعوا إليه وأجمعوا عليه" (١٠) ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: "إطباق الصحابة على متابعة أبي بكر ﵁ " (١١) ابن حجر

стр. 3357

الهيتمي (٩٧٣ هـ) قال: "إجماعهم على خلافته قاض بإجماعهم على أنه أهل لها" (١) البهوتي (١٠٥١ هـ) قال: "ويثبت نصب الإمام بإجماع المسلمين عليه، كإمامة أبي بكر الصديق ﵁ خليفة رسول اللَّه ﷺ " (٢). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من السنة، والآثار الواردة عن الصحابة ﵃: • أولًا: السنة: الدليل الأول: حديث عائشة ﵂ أنها قالت: لما مَرِضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَأُذِّنَ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: "إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصلَّى، فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنْ الْوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَكَانَكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ (٨). • وجه الدلالة: فيه إشارة إلى أنه أحق بالخلافة (٩).

стр. 3358

الدليل الثانى: حديث ابن عباس ﵄ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأسَهُ بخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ" (١). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "وهذا قاله في آخر حياته ﷺ ، علمًا منه أن أبا بكر ﵁ سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرًا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه ﵁" (٢). الدليل الثالث: حديث جبير بن مطعم ﵁ قال: أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ -كَأَنَّهَا تُرِيدُ المَوْتَ- قَالَ: "إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ" (٣). الدليل الرابع: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه: "لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ أَرَدْتُ- أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ، فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّه وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّه وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ" (٤) وفي رواية: قالت ﵂: قَالَ لي رَسُولُ اللَّه ﷺ في مَرَضِهِ: "ادْعِي لي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كتَابًا، فإني أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى. وَيَأْبَى اللَّه وَالمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ" (٥). قال ابن تيمية: "النبي ﷺ دلَّ المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم

стр. 3359

إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك" (١). • ثانيًا: الآثار: الدليل الأول: روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ". . . فلما قعد أبو بكر على المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير عليًّا، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول اللَّه ﷺ وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فبايعه، ثم لم ير الزبير بن العوام، فسأل عنه حتى جاؤوا به، فقال: ابن عمة رسول اللَّه ﷺ وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فبايعاه" (٢). • وجه الدلالة: إجماع الصحابة على اختيار أبي بكر ﵁ خليفة للمسلمين. الدليل الثاني: ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: ". . . فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بالذي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الذي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِى بَكْرٍ وَلَا إِنْكَارًا للذي فَضَّلَهُ اللَّه بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا في الأَمْرِ نَصيبًا فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ، فَوَجَدْنَا في أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ وَقَالُوا أَصَبْتَ. فَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ" (٣). • وجه الدلالة: قال النووي: "في هذا الحديث بيان صحة خلافة أبي بكر، وانعقاد الإجماع عليها" (٤). • من خالف الإجماع: زعم ابن الراوندي أن النبي ﷺ نص على العباس

стр. 3360

-﵁ (١)، وزعمت الشيعة والرافضة أنه نص على علي ﵁، وادعوا أنه كان إمامًا زمن خلافة أبي بكر ﵁ (٢). ونوقش ذلك: بأن هذه دعاوى باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحس؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار أبي بكر ﵁ (٣). قال النووي: "أما ما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي، وأول من كذبهم علي ﵁ بقوله: "ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة. . . " (٤) الحديث، ولو كان عنده نص لذكره، ولم يُنقل أنه ذكره في يوم من الأيام، ولا أن أحدًا ذكره له، واللَّه أعلم" (٥). النتيجة: صحة الإجماع على خلافة أبي بكر الصديق ﵁. [٢٧/ ٢٧] جعل الإمامة بالشورى بين الجماعة • المراد بالمسألة: الشورى لغة: فُعْلَى من: شار يشور شورًا، إذا عرض الأمر على الخيرة حتى يعلم المراد منه. فالشين والواو والراء أصلان مطردان: الأول: إبداء شيء وإظهاره وعرضه، ومنه قولهم: شرت الدابة شورًا، إذا عرضتها، وشاورت فلانًا في أمري: عرضته عليه. والثاني: أخذ شيء، ومنه قولهم: شرت العسل أشوره، إذا استخرجته واجتنيته، وشاورت فلانًا في أمري، أخذت رأيه (٦). الشورى اصطلاحًا: هي الاجتماع على الأمر؛ ليستشير كل واحد منهم

стр. 3361

صاحبه، ويستخرج ما عنده (١) وقد اتفقت الأمة على أن اختيار الإمام يكون بالشورى بين الجماعة جائز. • من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) قال: "لو كان هناك نص على رجل بعينه لما أجمعت الصحابة على جواز الشورى؛ لأن الشورى لا تجوز فيما يكون فيه نص من الرسول ﷺ . . . والشورى إنما هي الإجماع على الرأي، وتولية من يرون ذلك له" (٢) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "وإجماع الصحابة على الاختيار بعد موت النبي ﷺ ، وعلى تنفيذ عهد أبي بكر لعمر، وتنفيذ شورى عمر في الستة" (٣) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر بالستة" (٤)، نقله ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٥) والعيني (٨٥٥ هـ) (٦) الشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٧). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، والظاهرية (١٢). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة، والآثار:

стр. 3362

• أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (١). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢). • وجه الدلالة: قال ابن العربي: "مدح اللَّه المشاور في الأمور، ومدح القوم الذين يمتثلون ذلك، وقد كان النبي ﷺ يشاور أصحابه في الأمور المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآثار كثير، ولم يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزلة من عند اللَّه على جميع الأقسام: من الفرض، والندب، والمكروه، والمباح، والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار اللَّه به علينا فكانوا يتشاورون في الأحكام، ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وإن أول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة" (٣). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَو كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أَحَدًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لَاسْتَخْلَفْتُ ابن أُمِّ عَبْدٍ" (٤). • وجه الدلالة: فيه إشارة إلى أن اختيار الخليفة يلزمه مشورة. الدليل الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "اسْتَشَارَ النبي ﷺ مَخْرَجَهُ إلى بَدْرٍ، فَأَشَارَ عليه أبو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشَارَ عُمَرَ، فَأَشارَ عليه عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ، فقال بَعْضُ الأَنْصَارِ: إِيَّاكُمْ يُرِيدُ نبي اللَّه ﷺ يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. . . " (٥). • وجه الدلالة: حرص النبي ﷺ على مشاورة أهل المشورة في الأمور العظام

стр. 3363

التي يتعلق بها مصير الأمة، وليس شيء أعظم من اختيار الخليفة، فلو تُرك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يردعهم عن الباطل رادع، لهلكوا، ولاستحوذ أهل الفساد على العباد (١). • ثانيًا: الآثار: الدليل الأول: ١ - قول عمر بن الخطاب ﵁: "من بَايَعَ رَجُلًا من غَيْرِ مَشُورَةٍ من المُسْلِمِينَ، فَلَا يُتَابَعَ هُو وَلا الَّذِي تَابَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا" (٢). ٢ - ولما جعل عمر ﵁ الخلافة بين ستة من العشرة المبشرين بالجنة قال لهم: "فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَلْيُصَل لَكُمْ صُهَيْبٌ ثَلاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، فَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْكُمْ عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ" (٣). • وجه الدلالة: أوجب عمر ﵁ على أهل الحل والعقد التزام المشورة في اختيار الخليفة، وشدد على من يخالفها، وأمر بضرب عنقه، وفي ذلك دلالة على وجوبها. الدليل الثاني: قال المسور بن مخرمة ﵁: "إِنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا، فقال لهم عبد الرحمن: لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ على هذا الْأَمْرِ، وَلَكِنَّكُمْ إن شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ، فَجَعَلُوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما وَلَّوْا عَبْدَ الرحمن أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ عنى عبد الرحمن، حتى ما أَرَى أَحَدًا مِنَ الناس يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ، ولا يَطَأُ عَقِبَهُ، وَمَالَ النَّاسُ على عبد الرحمن يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي، حتى إذا كانت اللَّيْلَةُ التي أَصْبَحْنَا منها فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ"، قال الْمِسْوَرُ: "طَرَقَنِي عبد الرحمن بَعْدَ هَجْع من اللَّيْلِ، فَضَرَبَ الْبَابَ حتى اسْتَيْقَظْتُ، فقال: أَرَاكَ نَائِمًا! فَوَاللَّه ما اكْتَحَلتُ هذه الثَّلاثِ بِكَبِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ

стр. 3364

فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا، فَدَعَوْتُهُمَا له، فَشَاوَرَهُمَا، ثُمَّ دَعَانِي فقال: ادْعُ لي عَلِيًّا، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى إبْهَارِ اللَّيْلُ، ثُمَّ قام عَلِيٌّ من عِنْدِهِ وهو على طَمَعٍ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَن يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا، ثُمَّ قال: ادْعُ لي عُثْمَانَ، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا المُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ، وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَأَرْسَلَ إلى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إلى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مع عُمَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عبد الرحمن، ثُمَّ قال: أَمَّا بَعْدُ، يا عَلِيُّ، إني قد نَظَرْتُ في أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فلا تَجْعَلَنَّ على نَفْسِكَ سَبِيلًا، فقال: أُبَايِعُكَ على سُنَّةِ اللَّه وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْن من بَعْد، فَبَايَعَهُ عبد الرحمن، وَبَايَعَهُ الناس؛ المُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ، وَالْمُسْلِمُونَ" (١). • وجه الدلالة: فيه اجتماع الصحابة ﵃ على بيعة عثمان ﵁ من بعد مشورة. الدليل الثالث: جمع أبو بكر الصديق ﵁ الناس في مرضه الذي قُبض فيه وقال لهم: "أمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي". فقاموا في ذلك، وحلُّوا عنه، فلم تستقم لهم، فقالوا: ارأ لنا يا خليفة رسول اللَّه ﷺ . قال: "فلعلكم تختلفون؟ " قالوا: لا، قال: "فعليكم عهد اللَّه على الرضا؟ " قالوا: نعم. قال: "فأمهلوني انظر للَّه ودينه ولعباده"، فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان ﵄ فقال: "أشر علي برجل، واللَّه إنك عندي لها لأهل وموضع". فقال: عمر. فقال: "اكتب". فكتب حتى انتهى إلى الاسم، فغُشي عليه، ثم أفاق فقال: "اكتب عمر" (٢). • وجه الدلالة: مشاورة أبي بكر رضى اللَّه عنه لكبار الصحابة قبل ثبوت عهده إلى عمر ﵁.

стр. 3365

النتيجة: صحة الإجماع على أن اختيار الإمام يكون بالشورى بين الجماعة. [٢٨/ ٢٨] إجبار أهل البيعة إذا كان لا يصلح للإمامة إلا شخص واحد • المراد بالمسألة: إذا كان لا يصلح للإمامة إلا شخص واحد، فإنه يُجبر على البيعة. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "يشترط لانعقاد الإمامة: أن يجيب المبايع، فإن امتنع لم تنعقد إمامته، ولم يجبر عليها. قلت: إلا أن لا يكون من يصلح إلا واحد، فيجبر بلا خوف" (١) نقله القلقشندي (٢) (٨٢١ هـ) وقال: "فيجبر بلا خلاف" (٣) • من وافق على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
следующие страницы →