← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

صاحبه، ويستخرج ما عنده (١) وقد اتفقت الأمة على أن اختيار الإمام يكون بالشورى بين الجماعة جائز. • من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) قال: "لو كان هناك نص على رجل بعينه لما أجمعت الصحابة على جواز الشورى؛ لأن الشورى لا تجوز فيما يكون فيه نص من الرسول ﷺ . . . والشورى إنما هي الإجماع على الرأي، وتولية من يرون ذلك له" (٢) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "وإجماع الصحابة على الاختيار بعد موت النبي ﷺ ، وعلى تنفيذ عهد أبي بكر لعمر، وتنفيذ شورى عمر في الستة" (٣) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر بالستة" (٤)، نقله ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٥) والعيني (٨٥٥ هـ) (٦) الشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٧). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، والظاهرية (١٢). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة، والآثار:

стр. 3362

• أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (١). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٢). • وجه الدلالة: قال ابن العربي: "مدح اللَّه المشاور في الأمور، ومدح القوم الذين يمتثلون ذلك، وقد كان النبي ﷺ يشاور أصحابه في الأمور المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآثار كثير، ولم يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزلة من عند اللَّه على جميع الأقسام: من الفرض، والندب، والمكروه، والمباح، والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار اللَّه به علينا فكانوا يتشاورون في الأحكام، ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وإن أول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة" (٣). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَو كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أَحَدًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لَاسْتَخْلَفْتُ ابن أُمِّ عَبْدٍ" (٤). • وجه الدلالة: فيه إشارة إلى أن اختيار الخليفة يلزمه مشورة. الدليل الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "اسْتَشَارَ النبي ﷺ مَخْرَجَهُ إلى بَدْرٍ، فَأَشَارَ عليه أبو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشَارَ عُمَرَ، فَأَشارَ عليه عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ، فقال بَعْضُ الأَنْصَارِ: إِيَّاكُمْ يُرِيدُ نبي اللَّه ﷺ يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. . . " (٥). • وجه الدلالة: حرص النبي ﷺ على مشاورة أهل المشورة في الأمور العظام

стр. 3363

التي يتعلق بها مصير الأمة، وليس شيء أعظم من اختيار الخليفة، فلو تُرك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يردعهم عن الباطل رادع، لهلكوا، ولاستحوذ أهل الفساد على العباد (١). • ثانيًا: الآثار: الدليل الأول: ١ - قول عمر بن الخطاب ﵁: "من بَايَعَ رَجُلًا من غَيْرِ مَشُورَةٍ من المُسْلِمِينَ، فَلَا يُتَابَعَ هُو وَلا الَّذِي تَابَعَهُ، تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا" (٢). ٢ - ولما جعل عمر ﵁ الخلافة بين ستة من العشرة المبشرين بالجنة قال لهم: "فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَلْيُصَل لَكُمْ صُهَيْبٌ ثَلاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، فَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْكُمْ عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ" (٣). • وجه الدلالة: أوجب عمر ﵁ على أهل الحل والعقد التزام المشورة في اختيار الخليفة، وشدد على من يخالفها، وأمر بضرب عنقه، وفي ذلك دلالة على وجوبها. الدليل الثاني: قال المسور بن مخرمة ﵁: "إِنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا، فقال لهم عبد الرحمن: لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ على هذا الْأَمْرِ، وَلَكِنَّكُمْ إن شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ، فَجَعَلُوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما وَلَّوْا عَبْدَ الرحمن أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ عنى عبد الرحمن، حتى ما أَرَى أَحَدًا مِنَ الناس يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ، ولا يَطَأُ عَقِبَهُ، وَمَالَ النَّاسُ على عبد الرحمن يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي، حتى إذا كانت اللَّيْلَةُ التي أَصْبَحْنَا منها فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ"، قال الْمِسْوَرُ: "طَرَقَنِي عبد الرحمن بَعْدَ هَجْع من اللَّيْلِ، فَضَرَبَ الْبَابَ حتى اسْتَيْقَظْتُ، فقال: أَرَاكَ نَائِمًا! فَوَاللَّه ما اكْتَحَلتُ هذه الثَّلاثِ بِكَبِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ

стр. 3364

فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا، فَدَعَوْتُهُمَا له، فَشَاوَرَهُمَا، ثُمَّ دَعَانِي فقال: ادْعُ لي عَلِيًّا، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى إبْهَارِ اللَّيْلُ، ثُمَّ قام عَلِيٌّ من عِنْدِهِ وهو على طَمَعٍ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَن يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا، ثُمَّ قال: ادْعُ لي عُثْمَانَ، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا المُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ، وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَأَرْسَلَ إلى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إلى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مع عُمَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عبد الرحمن، ثُمَّ قال: أَمَّا بَعْدُ، يا عَلِيُّ، إني قد نَظَرْتُ في أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فلا تَجْعَلَنَّ على نَفْسِكَ سَبِيلًا، فقال: أُبَايِعُكَ على سُنَّةِ اللَّه وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْن من بَعْد، فَبَايَعَهُ عبد الرحمن، وَبَايَعَهُ الناس؛ المُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ، وَالْمُسْلِمُونَ" (١). • وجه الدلالة: فيه اجتماع الصحابة ﵃ على بيعة عثمان ﵁ من بعد مشورة. الدليل الثالث: جمع أبو بكر الصديق ﵁ الناس في مرضه الذي قُبض فيه وقال لهم: "أمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي". فقاموا في ذلك، وحلُّوا عنه، فلم تستقم لهم، فقالوا: ارأ لنا يا خليفة رسول اللَّه ﷺ . قال: "فلعلكم تختلفون؟ " قالوا: لا، قال: "فعليكم عهد اللَّه على الرضا؟ " قالوا: نعم. قال: "فأمهلوني انظر للَّه ودينه ولعباده"، فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان ﵄ فقال: "أشر علي برجل، واللَّه إنك عندي لها لأهل وموضع". فقال: عمر. فقال: "اكتب". فكتب حتى انتهى إلى الاسم، فغُشي عليه، ثم أفاق فقال: "اكتب عمر" (٢). • وجه الدلالة: مشاورة أبي بكر رضى اللَّه عنه لكبار الصحابة قبل ثبوت عهده إلى عمر ﵁.

стр. 3365

النتيجة: صحة الإجماع على أن اختيار الإمام يكون بالشورى بين الجماعة. [٢٨/ ٢٨] إجبار أهل البيعة إذا كان لا يصلح للإمامة إلا شخص واحد • المراد بالمسألة: إذا كان لا يصلح للإمامة إلا شخص واحد، فإنه يُجبر على البيعة. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "يشترط لانعقاد الإمامة: أن يجيب المبايع، فإن امتنع لم تنعقد إمامته، ولم يجبر عليها. قلت: إلا أن لا يكون من يصلح إلا واحد، فيجبر بلا خوف" (١) نقله القلقشندي (٢) (٨٢١ هـ) وقال: "فيجبر بلا خلاف" (٣) • من وافق على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 3366

• مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما يلي: ١ - لأنه إذا لم يصلح له غيره تعين هو؛ لإقامة هذه العبادة، فصار فرض عين عليه، فلو امتنع من القبول يأثم، كما في سائر فروض الأعيان (١). ٢ - صيانة لحقوق المسلمين ودفعًا لظلم الظالمين (٢). • من خالف الإجماع: الماوردي، قال: "فلا يجبر على الإمامة؛ لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار، وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها" (٣). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٢٩/ ٢٩] طرق انعقاد الإمامة • المراد بالمسألة: لا يكفي الشخص بمجرد صلوحه للإمامة وجمعه لشرائطها أن يصير إمامًا، بل لابد من ولوج إحدى الطرق المقررة لانعقاد الإمامة. • من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "إجماع الصحابة على الاختيار بعد موت النبي ﷺ ، وعلى تنفيذ عهد أبي بكر لعمر، وتنفيذ شورى عمر في الستة" (٤) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته؛ لما ذكرنا من الحديث والإجماع، وفي معناه من ثبتت إمامته بعهد النبي ﷺ ، أو بعهد إمام قبله إليه، فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته، وعمر ثبتت إمامته بعهد أبي بكر إليه، وأجمع الصحابة على قبوله" (٥) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين

стр. 3367

جماعة" (١)، نقله ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٢) والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٣) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "فيما تثبت به الإمامة: فإن الشخص بمجرد صلوحه للإمامة وجمعه لشرائطها لا يصير إماما، بل لا بد في ذلك من أمر آخر، وأنها تثبت بالنص من الرسول، ومن الإمام السابق بالإجماع، وتثبت أيضا ببيعة أهل الحل والعقد عند أهل السنة والجماعة، والمعتزلة، والصالحية من الزيدية، خلافًا للشيعة -أي: لأكثرهم- فإنهم قالوا: لا طريق إلا النص" (٤). ويتضح مما سبق من نقول أن الإمامة تنعقد بالطرق الآتية: ١ - استخلاف خليفة كما فعل نص النبي إشارة على أبي بكر وأبو بكر ﵁ على عمر أو كما وصى عمر على جماعة. ٢ - إجماع أهل الحل والعقد أو بيعة جماعة من العلماء أو أهل الرأي والتدبير. ٣ - أن يغلب عليها ذو شوكة ولو كان غير أهل لها كأن كان فاسقًا أو جاهلًا فتنعقد حينها للمصلحة. • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩).

стр. 3368

• مستند الإجماع: يستدل على ذلك بالآثار الدالة على اتفاق المصدر الأول، فمن بعدهم على اتباع الطرق المقررة لانعقاد الإمامة، فقد أجمعوا على الاختيار بعد موت النبي ﷺ ، وتابعوا أبا بكر ﵁ في استخلافه لعمر ﵁، وبايعوا عثمان ﵁ بعد تنفيذ شورى عمر ﵁ في الستة. وقد ذكرنا آنفًا الآثار الدالة على ذلك. النتيجة: صحة الإجماع على أنه لا يكفي الشخص بمجرد صلوحه للإمامة وجمعه لشرائطها أن يصير إمامًا، بل لابد من ولوج إحدى الطرق المقررة لانعقاد الإمامة. [٣٠/ ٣٠] تنفيذ عهد الإمام إذا أوصى بالإمامة إلى من يصلح لها • المراد بالمسألة: العهد لغة: الميثاق، فكل ما بين العباد من مواثيق فهو عهد، ومنه قيل: ولي العهد؛ لأنه ولي الميثاق الذي يؤخذ على من بايع الخليفة (١). العهد اصطلاحًا: أن يستخلف الإمام آخر بعده في الخلافة، ويعهد بها إليه (٢). وقد اتفق العلماء على تنفيذ عهد الإمام إذا أوصى بالإمامة إلى من يصلح لها. • من نقل الإجماع: أبو منصور البغدادي (٤٢٩ هـ) قال: "إذا أوصى بها الإمام إلى من يصلح لها وجبت على الأمة إنفاذ وصيته، كما أوصى بها أبو بكر إلى عمر، وأجمعت الصحابة على متابعته، فيها" (٣). الماوردي (٤٥٠ هـ) قال: "وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته" (٤) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "أصل تولية العهد ثابت قطعًا، مستند إلى إجماع حملة الشريعة" (٥). القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال:

стр. 3369

"إجماع الصحابة. . . على تنفيذ عهد أبى بكر لعمر" (١) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته؛ لما ذكرنا من الحديث والإجماع، وفي معناه من ثبتت إمامته بعهد النبي ﷺ ، أو بعهد إمام قبله إليه، فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته، وعمر ثبتت إمامته بعهد أبي بكر إليه، وأجمع الصحابة على قبوله" (٢) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "تثبت -الإمامة- بالنص من الرسول، ومن الإمام السابق بالإجماع" (٣) النووي (٦٧٦ هـ). قال: "أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف" (٤)، نقله ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٥) والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٦) ابن خلدون (٨٠٨ هـ) حيث قال بشأن ولاية العهد: "وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده" (٧) ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: "إطباق الصحابة على متابعة أبي بكر، ثم على طاعته في مبايعة عمر" (٨). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢)، والظاهرية (١٣).

стр. 3370

• مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من السنة، والآثار: • أولًا: السنة: حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بها، وَعَضُّوا عليها بِالنَّوَاجِذِ" (١). ومثله حديث حذيفة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (٢). • وجه الدلالة: أمر النبي ﷺ بلزوم سنته، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، ومن سنتهم ﵁ استخلاف من يصلح للإمامة، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ بعهده لعمر ﵁. • ثانيًا الآثار: جمع أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه الناس في مرضه الذي قُبض فيه وقال لهم: "أمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي". فقاموا في ذلك، وحلُّوا عنه، فلم تستقم لهم، فقالوا: ارأ لنا يا خليفة رسول اللَّه ﷺ . قال: "فلعلكم تختلفون؟ " قالوا: لا، قال: "فعليكم عهد اللَّه على الرضا؟ " قالوا: نعم. قال: "فأمهلوني أنظر للَّه ودينه ولعباده"، فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان ﵄ فقال: "أشر علي برجل، واللَّه إنك عندي لها لأهل وموضع". فقال: عمر. فقال: "اكتب". فكتب حتى انتهى إلى الاسم، فغُشي عليه، ثم أفاق فقال: "اكتب عمر" (٣).

стр. 3371

• وجه الدلالة: إجماع الصحابة ﵃ على خلافة عمر ﵁ بعد ثبوت عهد أبي بكر ﵁ إليه، وهو أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم. النتيجة: صحة الإجماع على تنفيذ عهد الإمام إذا أوصى بالإمامة إلى من يصلح لها. [٣١/ ٣١] رضاء الصحابة بخلافة الخلفاء الأربعة ﵃ • المراد بالمسألة: الاتفاق على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. • من نقل الإجماع: أبو الحسن الأشعري (٣٢٠ هـ) قال: "جملة ما عليه أهل الحديث والسنة: الإقرار باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله. . . ويقدمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليًّا -رضوان اللَّه عليهم- ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ " (١) أبو المظفر الإسفراييني (٢) (٤٧١ هـ) قال: "أجمعوا على خلافة الخلفاء الأربعة بعد الرسول ﷺ " (٣) جمال الدين الغزنوي (٤) (٥٩٣ هـ) قال: "الصحابة ﵃

стр. 3372

أجمعوا على خلافة أبي بكر الصديق ﵁ استدلالًا بتفويض النبي ﷺ ، واتفقوا عليه، وبثبوت خلافته تثبت خلافة عمر ﵁؛ لأنه هو الذي ولاه واستخلفه، وهكذا انعقد الإجماع، ثم بعد وفاة عمر ﵁ اجتمعت الصحابة ﵃ على خلافة عثمان ﵁، وهؤلاء الثلاثة كانوا قريشيين، ثم بعد وفاة عثمان ﵁ اجتمعت الصحابة على علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه، وهو قريشي" (١) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "أهل السنة يثبتون خلافة الخلفاء كلهم، ويستدلون على صحة خلافتهم بالنصوص الدالة عليها، ويقولون: إنها انعقدت بمبايعة أهل الشوكة لهم، وعلي بايعه أهل الشوكة، وإن كانوا لم يجتمعوا عليه كما اجتمعوا على من قبله" (٢) الذهبي (٧٤٨ هـ) قال: "أجمعوا على خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، إجماعًا لم يتهيأ مثله لعلي، فإنه استشهد وأهل الشام لم يبايعوه قط. . . وبالجملة خلافة علي حق، وهو إمام راشد، وإن تأخر عن بيعته طائفة كبيرة، فإنما الاعتبار بجمهور أهل الحل والعقد" (٣) ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: "إن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي" (٤)، نقله المباركلفوري (١٣٥٣ هـ) (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)،

стр. 3373

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما ثبت من آثار في بيعة الصحابة للخلفاء الأربعة ﵃: • أولًا: البيعة لأبي بكر الصديق رضى اللَّه عنه: ١ - قال عمر بن الخطاب ﵁ في وصف مبايعة المسلمين لأبي بكر الصديق ﵁ في سقيفة بني ساعدة: ". . . إِنَّا وَاللَّه مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضرْنَا مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ، فَيَكُونُ فَسَادٌ" (٣). ٢ - وقال ﵁ في خطبته حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْغَدَ مِنْ يَوْم تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ صاحِبُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ثَانِيَ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ"، قال أنس بن مالك ﵁: "وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ" (٤). ٣ - روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ". . . فلما قعد أبو بكر على المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير عليًّا، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول اللَّه ﷺ وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فبايعه، ثم لم ير الزبير بن العوام، فسأل عنه حتى جاؤوا به، فقال: ابن عمة رسول اللَّه ﷺ وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين! فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه ﷺ ، فبايعاه" (٥).

стр. 3374

• ثانيًا: عهد أبي بكر لعمر ﵄ وبيعة الناس له: ٤ - جمع أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه الناس في مرضه الذي قُبض فيه وقال لهم: "أمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي". فقاموا في ذلك، وحلُّوا عنه، فلم تستقم لهم، فقالوا: ارأ لنا يا خليفة رسول اللَّه ﷺ . قال: "فلعلكم تختلفون؟ " قالوا: لا، قال: "فعليكم عهد اللَّه على الرضا؟ " قالوا: نعم. قال: "فأمهلوني انظر للَّه ودينه ولعباده"، فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان ﵄ فقال: "أشر علي برجل، واللَّه إنك عندي لها لأهل وموضع". فقال: عمر. فقال: "اكتب". فكتب حتى انتهى إلى الاسم، فغُشي عليه، ثم أفاق فقال: "اكتب عمر" (١). • ثالثًا: تنفيذ شورى عمر رضى اللَّه عنه والبيعة لعثمان ﵁: ٥ - قال المسور بن مخرمة رضى اللَّه عنه: "إِنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا، فقال لهم عبد الرحمن: لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ على هذا الْأَمْرِ، وَلَكِنَّكُمْ إن شِئْتُمْ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ، فَجَعَلُوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما وَلَّوْا عَبْدَ الرحمن أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ على عبد الرحمن، حتى ما أَرَى أَحَدًا مِنَ الناس يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ، ولا يَطَأُ عَقِبَهُ، وَمَالَ النَّاسُ على عبد الرحمن يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي، حتى إذا كانت اللَّيْلَةُ التي أَصبَحْنَا منها فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ"، قال الْمِسْوَرُ: "طَرَقَنِي عبد الرحمن بَعْدَ هَجْعٍ من اللَّيْلِ، فَضَرَبَ الْبَابَ حتى اسْتَيْقَظْتُ، فقال: أَرَاكَ نَائِمًا! فَوَالله ما اكْتَحَلْتُ هذه الثَّلاثِ بِكَبِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا، فَدَعَوْتُهُمَا له، فَشَاوَرَهُمَا، ثُمَّ دَعَانِي فقال: ادْعُ لي عَلِيًّا، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى إبْهَارِ اللَّيْلُ، ثُمَّ قام عَلِيٌّ من عِنْدِهِ وهو على طَمَعٍ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَن يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا، ثُمَّ قال: ادْعُ لي عُثْمَانَ، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا المُؤَذِّنُ بِالصبْحِ، فَلَمَّا صَلَى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ، وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَأَرْسَلَ إلى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إلى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مع عُمَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا

стр. 3375

تَشَهَّدَ عبد الرحمن، ثُمَّ قال: أَمَّا بَعْدُ، يا عَلِيُّ، إني قد نَظَرْتُ في أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فلا تَجْعَلَنَّ على نَفْسِكَ سَبِيلًا، فقال: أُبَايِعُكَ على سُنَّةِ اللَّه وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْن من بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عبد الرحمن، وَبَايَعَهُ الناس؛ المُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ، وَالمُسْلِمُونَ" (١). • رابعًا: البيعة لعلي ﵁: اختلفت الروايات في وقت بيعة الناس لعلي بن أبي طالب ﵁، فقيل: إنه بويع بعد أربعة أيام من قتل عثمان رضى اللَّه عنه، وقيل: بعد خمسة، وقيل بعد ثلاثة، وقيل: بويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة، وقيل: بويع عقيب قتل عثمان، وأصح الروايات: أنه امتنع عن البيعة إلى أن دُفن عثمان، ثم بويع على منبر رسول اللَّه ﷺ ظاهرًا (٢). قال ابن حجر العسقلاني: "وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون، والأنصار، وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم، إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد ما كان" (٣). النتيجة: صحة الإجماع على خلافة الخلفاء الراشدين. [٣٢/ ٣٢] للإمام الحق في الاستخلاف أو عدم الاستخلاف • المراد بالمسألة: الاستخلاف لغة: الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة: أحدها: التغير، ومنه: قولهم: خلف فوه، إذا تغير وأخلف. والثاني: ضد قدام، ومنه: جلست خلف فلان أي بعده. والثالث: أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، كقول اللَّه -تعالى-: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (٤). والخلافة سميت كذلك؛ لأن الثاني يجيء بعد الأول قائمًا مقامه، ويُقال: خلفت فلانًا

стр. 3376

أخلفه تخليفًا واستخلفته أنا: جعلته خليفتي، واستخلفه: جعله خليفة. والخليفة: الذي يُستخلف ممن قبله (١). الاستخلاف اصطلاحًا: أن يعقد الإمام في حياته لآخر الخلافة بعده (٢). وقد أجمع العلماء على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي ﷺ في هذا، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر ﵁ (٣). • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتفقوا أن للإمام أن يستخلف قَبْل أم لا" (٤)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٥) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "اعتقد كافة علماء الدين تولية العهد مسلكًا في إثبات الإمامة، في حق المعهود إليه المولى، ولم ينف أحد أصلها" (٦) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "الاستخلاف غير لازم؛ إذ لم يفعله النبي ﷺ ، وانعقاد الخلافة بالتقديم والعقد من المتولي، كفعل أبي بكر لعمر، أو بعقد أهل الحل والعقد والاختيار، كفعل الصحابة بعد النبي ﷺ ، وهذا مما أجمع عليه المسلمون" (٧). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته؛ لِما ذكرنا من الحديث والإجماع، وفي معناه من ثبتت إمامته بعهد النبي ﷺ أو بعهد إمام قبله إليه، فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته، وعمر ثبتت إمامته بعهد أبي بكر إليه، وأجمع الصحابة على قبوله" (٨) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت

стр. 3377

وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تركه" (١)، نقله العظيم آبادي (بعد ١٣١٠ هـ) (٢)، والمباركفوري (١٣٥٣ هـ) (٣) الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) قال: "انعقد الإجماع على أن الخليفة يجوز له الاستخلاف وتركه، وعلى انعقاد الخلافة" (٤) الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) قال: "تنعقد -الإمامة- باستخلاف الإمام شخص عينه في حياته؛ ليكون خليفته بعده. . . وانعقد الإجماع على جوازه" (٥) الرملي (١٠٠٤ هـ) قال: "باستخلاف الإمام واحد بعده. . . وانعقد الإجماع على الاعتداد بذلك" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، والظاهرية (١١). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من السنة، والآثار: • أولًا: السنة: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في مرضه

стр. 3378

الذي توفي فيه: "لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ أَرَدْتُ- أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ، فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّه وَبَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّه وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ" (١) وفي رواية: قالت ﵂: قَالَ لي رَسُولُ اللَّه ﷺ في مَرَضِهِ: "ادْعِي لي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فإني أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَبَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى. وَيَأْبَى اللَّه وَالمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ" (٢). • وجه الدلالة: قال ابن تيمية: "النبي ﷺ دلَّ المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك" (٣). • ثانيًا: الآثار: ١ - جمع أبو بكر الصديق ﵁ الناس في مرضه الذي قُبض فيه وقال لهم: "أمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي". فقاموا في ذلك، وحلُّوا عنه، فلم تستقم لهم، فقالوا: ارأ لنا يا خليفة رسول اللَّه ﷺ . قال: "فلعلكم تختلفون؟ " قالوا: لا، قال: "فعليكم عهد اللَّه على الرضا؟ " قالوا: نعم. قال: "فأمهلوني أنظر للَّه ودينه ولعباده"، فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان ﵄ فقال: "أشر علي برجل، واللَّه إنك عندي لها لأهل وموضع". فقال: عمر. فقال: "اكتب". فكتب حتى انتهى إلى الاسم، فغُشي عليه، ثم أفاق فقال: "اكتب عمر" (٤). ٢ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قِيلَ لِعُمَرَ: أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟ قَالَ: "إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ

стр. 3379

مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: رَسُولُ اللَّه ﷺ " (١). • وجه الدلالة: فيهما دلالة على جواز الاستخلاف اقتداءً بفعل الصديق ﵁، أو تركه اقتداءً بفعل النبي ﷺ . النتيجة: صحة الإجماع على أن الخليفة يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تركه. [٣٣/ ٣٣] يتولى الإمامة من ساد الناس ثلاثة أيام إثر موت إمام لم يستخلف • المراد بالمسألة: اتفقوا على جواز أن يتولى الإمامة من ساد الناس ثلاثة أيام إثر موت الإمام ولم يستخلف. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتفقوا أن الإمام إذا مات ولم يستخلف، إن ساد الناس إمامًا مدة ثلاثة أيام إثر موت الإمام جائز" (٢) نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من السنة، والمعقول: • أولًا: السنة: ١ - حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضى اللَّه عنه قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ

стр. 3380

فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، ويُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّه فِيهِ بُرْهَانٌ" (١). ٢ - حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ ﷺ : "نَعَمْ"، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّة لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَاي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَان إِنْسٍ"، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (٢). • وجه الدلالة: فيهما دلالة على السمع والطاعة وترك الخروج على الأئمة؛ لئلا يشق عصا المسلمين، وألا يتسبب إلى سفك الدماء وهتك الحريم، إلا أن يكفر الإمام، ويُظهر خلاف دعوة الإسلام، فلا طاعة له، ويسري هذا على من ساد الناس ثلاثة أيام إمامًا. • ثانيًا: المعقول: قال الغزالي: "لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة، وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته؛ لأننا بين أن نحرِّك فتنة بالاستبدال، فما يلقى المسلمون منه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت المزية المصلحة، فلا يُهدم أصل المصلحة شغفًا بمزاياها، كالذي يبني قصرًا ويهدم مصرًا، وبين أن نحكم بخلو البلاد من الإمام، وبفساد الأقضية، وذلك محال، ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم؛ لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة؟ " (٣).

стр. 3381

• من خالف الإجماع: وجه لبعض الشافعية (١)، وقالوا: إنه يشترط لصحة إمامة المتغلب توفر شروط الإمامة فيه، على أن يكون زمن ذلك بعد موت الإمام المبايع له، وقبل نصب إمام جديد بالبيعة، أو أن يستولي على حي متغلب مثله، أما إذا استولى على الأمر وقهر إمامًا مولى بالبيعة أو بالعهد، فلا تثبت إمامته، ويبقى الإمام المقهور على إمامته شرعًا. والزيدية (٢)، ومناط استدلالهم: أنه تسلط على رقاب البلاد والعباد غلبة وقهرًا، فكيف تسبغ عليه الشرعية بالطاعة، والجهاد معه، ونحو ذلك؟ ونوقش: بأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي الدهماء، وتبييت الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض (٣). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٣٤/ ٣٤] الإمامة لا تكون موروثة • المراد بالمسألة: اتفاق أهل العلم على أن الإمامة لا تكون موروثة. • من نقل الإجماع: أبو منصور البغدادي (٤٢٩ هـ) قال: "كل من قال بها -أي بإمامة أبي بكر ﵁ قال: إن الإمامة لا تكون موروثة" (٤) ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها، ولا في أنها لا تجوز لمن لم يبلغ، حاشا الروافض، فإنهم أجازوا كلا الأمرين" (٥) أحمد بن يحيى المرتضى: "وَقَوْلُ الْعَبَّاسِيَّةِ إنَّهَا -أي: الإمامة- مَوْرُوثَةٌ مَرْدُود بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا" (٦). الخلاف في كون الإمامة موروثة: واختلفوا في جواز عهد الخليفة لأحد

стр. 3382

أقاربه على ثلاثة أقوال: القول الأول: صحة العهد من الأب أو الابن (١). أدلة القول الأول: ١ - أن الخليفة أمير الأمة، ونافذ الأمر لهم وعليهم، ومن ثم تتغلب صفته هذه على كونه والدًا أو ولد، وعليه فهو الأقدر على التعرف على المصلحة العامة للمسلمين، دون أن يؤدي ذلك إلى التهمة أو الشك في أمانته (٢). ٢ - أن الإمامة تخرج من الحقوق المتعلقة بالأمة، وتصبح من الحقوق الخالصة للخليفة يستقل فيها بنظره (٣). وكما قال ابن خلدون: "فهو وليهم والأمين عليهم، ينظر لهم ذلك في حياته، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته، ويقيم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها، ويثقون بنظره لهم في ذلك كما وثقوا به فيما قبل، وقد عُرِف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده. . . ولا يُتهم الإمام في هذا الأمر، وإن عهد إلى أبيه أو ابنه؛ لأنه مأمون على النظر لهم في حياته، فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته" (٤). ويناقش ذلك بما يلي: ١ - أن الإمامة ليست من الحقوق الخالصة للخليفة يتصرف فيها كيف شاء، كالوصية بماله، وإنما هي أمر يتعلق بالمسلمين جميعهم (٥). ٢ - أن القول بنفي التهمة حال إيثار الخليفة الابن أو الأب لا يقبله عقل أو منطق، أو حتى بحكم الطبيعة البشرية. ٣ - أن تنفيذ هذا الرأي إنما يعني وأد الشورى في مقتل، ناهيك عن مخالفته

стр. 3383

مبدأي المساواة والعدالة بين البشر، تلكم الأصول المستقرة في الإسلام. ٤ - ولا يقال: إن فعل معاوية ﵁ وغيره حجة في هذا الباب، وإلا فكيف بفعل صديق الأمة، وفاروقها، فهل فعلاه؟ ! ! (١). القول الثاني: عدم جواز العهد لوالد أو ولد إلا بموافقة أهل الحل والعقد (٢) ومفاد هذا القول أن عهد الخليفة لا يعد كافيًا لصحة الاستخلاف، وإنما مرد الأمر لأهل الحل والعقد؛ إذ هي من خالص حقوق الأمة، فإن رأوا المستخلَف صالحًا فبها ونعمت، وإلا فلا، فالعهد ليس إلا تزكية تجري مجرى الشهادة، فكما لا تجوز الشهادة لوالدٍ أو ولد للتهمة، فبالأحرى في الإمامة (٣). واستدلوا بأدلة، منها: • أولًا؛ القرآن الكريم: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أنكر اللَّه -تعالى- عليهم ما أنكروه من التمليك عليهم من ليس من أهل النبوة ولا الملك، وبين أن ذلك مستحق بالعلم والقوة لا بالنسب، ودل ذلك أيضًا على أنه لا حظ للنسب مع العلم وفضائل النفس، وأنها مقدمة عليه؛ لأن اللَّه أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منه نسبًا، وذكره للجسم هاهنا عبارة عن فضل قوته؛ لأن في العادة من كان أعظم جسمًا

стр. 3384

فهو أكثر قوة، ولم يرد بذلك عظم الجسم بلا قوة؛ لأن ذلك لا حظ له في القتال، بل هو وبال على صاحبه إذا لم يكن ذا قوة فاضلة" (١). • ثانيًا: فعل وإجماع الصحابة على أنه لابد من ولوج إحدى الطرق المقررة لانعقاد الإمامة، والتي ليس منها التوريث بحال. وقد ذكرنا آنفًا من نقل الإجماع على ذلك، ومستند الإجماع (٢). وقد كان الخلفاء الراشدون ﵃ بعيدين كل البعد عن مواطن الشبهة، فلم يعهد أبو بكر ﵁ لابنه، ولم يعهد عمر لابنه عبد اللَّه، وكان من فضلاء الصحابة، وقد اقترح ذلك على عمر بعض الصحابة -رضوان اللَّه تعالى عليهم- فقال: يا أمير المؤمنين أين أنت من عبد اللَّه بن عمر؟ فقال: "قاتلك اللَّه، واللَّه ما أردت بها اللَّه، أستخلف رجلًا لم يحسن يطلق امرأته؟ ! " (٣)، مع أنه جعله من أهل الشورى، إلا أنه نصَّ على أنه لا يتولى الخلافة، زيادة في الورع والبعد عن الشبهة. وكذلك عثمان ﵁ لم يعهد إلى أحد من أقاربه، مع أن كثيرًا من المؤرخين يتهمونه بحبِّه لهم رضوان اللَّه تعالى عليه. وكذلك علي ﵁ لم يعهد إلى الحسن، وقد طُلِبَ منه ذلك عند وفاته، فقال له الناس: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك -ولا نفقدك- فنبايع الحسن؟ قال: "ما آمركم، ولا أنهاكم، أنتم أبصر" (٤). وفي رواية: قالوا له: استخلف علينا، قال: "ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول اللَّه ﷺ " (٥). وذلك مبالغة منه

стр. 3385

-﵁ في التبري. • ثالثًا: المعقول: أن فى توريث الخلافة مظنة التهمة والشبهات والإيثار والمحاباة (١). القول الثالث: جواز تولية الأب دون الابن (٢) واستدلوا على ذلك بأن الجبلة البشرية تقضي بمحاباة الولد دون الوالد، فهي للولد مظنة الشبهة والإيثار والمحاباة خلافًا للوالد (٣). القول الرابع: جواز ترشيح أقاربه خلا الابن أو الأب، ومنهم من قيدها بموافقة أهل الحل والعقد، ومنهم من عدّها من الحقوق الخالصة للخليفة (٤). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٣٥/ ٣٥] جواز تعيين الإمام المتغلب • المراد بالمسألة: الإجماع على أن من قهر الناس متغلبًا، فهو ذو سلطان مطاع إذا أمر بطاعة اللَّه. • من نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) قال: "الفقهاء مجمعون على أن طاعة المتغلب واجبة، ما أقام على الجمعات والأعياد والجهاد، وأنصف المظلوم فى الأغلب، فإن طاعته خير من الخروج عليه". نقله ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٥) والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٦).

стр. 3386

أبو اليسر البزدوي (١) (٤٩٣ هـ) قال: "قال عامة أهل السنة والجماعة إن واحدًا لو غلب الناس وقعد إمامًا بالغلبة، وله شوكة وقوة، يصير إمامًا، وتنفذ أحكامه وقضاياه، وعند القدرية والخوارج والمعتزلة لا يكون إمامًا، والصحيح ما قاله أهل السنة والجماعة؛ لِمَا بيَّنا أن عامة بني مروان لم يعقد لهم أهل الرأي والتدبير والفقه لهم عقد الإمامة، وإنما جعلوا أنفسهم أئمة بالقهر، وإجماع العلماء أنهم صاروا أئمة، فلأنهم لو لم يصيروا أئمة أدى إلى الفساد ووقوع الفتن" (٢). محمد بن عبد الوهاب (٣) (١٢٠٦ هـ) قال: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلَّب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء" (٤).

стр. 3387

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من السنة والآثار والمعقول: • أولًا: السنة: ١ - حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّه فِيهِ بُرْهَانٌ" (٦). ٢ - حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ فيّ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَاي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَان إِنْسٍ"، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (٧).

стр. 3388

• وجه الدلالة: فيهما دلالة على السمع والطاعة وترك الخروج على الأئمة؛ لئلا يشق عصا المسلمين، وألا يتسبب إلى سفك الدماء وهتك الحريم، إلا أن يكفر الإمام، ويُظهر خلاف دعوة الإسلام، فلا طاعة له، ويسري هذا على من ساد الناس ثلاثة أيام إمامًا. • ثانيًا: الآثار: ١ - قول ابن عمر ﵄: "لا أقاتل في فتنة، وأصلى وراء من غلب" (١). ٢ - ثبت أن الصحابة ﵃ صلّوا خلف أئمة الجور من بني أمية، ورضوا بتقلدهم رئاسة الدولة (٢)، وروي عن عبد الكريم البكاء أنه قال: "أدركت عشرة من أصحاب النبي ﷺ كلهم يصلون خلف أئمة الجور" (٣). قال الشوكاني: "ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًّا، ولا يبعد أن يكون قوليًّا، على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير، وكانت الدولة إذا ذاك لبني أمية، وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى" (٤). • ثالثًا: المعقول: للضرورة وخوف الفتنة (٥)، وتقديمًا لأخف المفسدتين (٦)، ولينتظم شمل المسلمين (٧).

стр. 3389

قال النووي: "وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه: ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه" (١). وقال الغزالي: "لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة، وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته؛ لأننا بين أن نحرِّك فتنة بالاستبدال، فما يلقى المسلمون منه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت المزية المصلحة، فلا يُهدم أصل المصلحة شغفًا بمزاياها، كالذي يبني قصرًا ويهدم مصرًا، وبين أن نحكم بخلو البلاد من الإمام، وبفساد الأقضية، وذلك محال، ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم؛ لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة؟ " (٢). • من خالف الإجماع: الخوارج، والمعتزلة (٣) ووجه عند الشافعية إن لم يكن جامعًا لشرائط الخلافة بأن كان فاسقًا أو جاهلًا (٤). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف.

стр. 3390

الفصل الرابع مسائل الإجماع فيمن لا تصح إمامته [٣٦/ ٣٦] لا يجوز وجود أكثر من خليفة للمسلمين في مكان واحد • المراد بالمسألة: الاتفاق على أنه لا يجوز وجود أكثر من خليفة للمسلمين في مكان واحد. • من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) قال: "وما أجمع المسلمون عليه من أن يكون الخليفة واحدًا" (١)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٢) ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا متفرقان، ولا في مكانين ولا في مكان واحد" (٣)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٤) أبو اليسر البزودي (٤٩٣ هـ) قال: "والكرامية قالوا: لا بأس أن تعقد الإمامة لاثنين ولأكثر، فهم يعتبرون بالقضاء أنه يجوز عقد القضاء لأناس، ولكن عامة أهل السنة والجماعة قالوا: إن هذا خلاف إجماع الصحابة، وخلاف إجماع الأمة، فإنهم أجمعوا على خليفة واحد" (٥). أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخالف غير جائز، وقد حصل الإجماع عليه" (٦) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا" (٧) الإيجي (٧٥٦ هـ) قال: "قال

стр. 3391

الجارودية من الزيدية: الإمامة شورى في أولاد الحسن والحسين، فكل فاطمي خرج بالسيف داعيًا إلى الحق، وكان عالِمًا شجاعًا، فهو إمام؛ فلذلك جوزوا تعدد الأئمة، وهو خلاف الإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ (٧). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٨). • وجه الدلالة: قال ابن حزم: "حرم اللَّه التفرق والتنازع، وإذا كان إمامان فقد حصل التفرق المحرم، فوجد التنازع، ووقعت المعصية للَّه تعالى" (٩). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا" (١٠).

стр. 3392

• وجه الدلالة: قال النووي: "فيه أنه لا يجوز عقدها لخليفتين" (١). الدليل الثاني: حديث عرفجة ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ" (٢). • وجه الدلالة: قال الأمير الصنعاني: "من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين -والمراد أهل قطر كما قلناه- فإنه قد استحق القتل؛ لإدخاله الضرر على العباد" (٣). الدليل الثالث: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُر"، قالوا: فما تَأْمُرُنَا؟ قال: "فُوا بِبَيْعَةِ الأوَّلِ فَالأوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ" (٤). • وجه الدلالة: قال النووي: "ومعنى هذا الحديث: إذا بويع لخليفة بعد خليفة، فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد" (٥). الدليل الرابع: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إن اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جاء آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ" (٦).

стр. 3393

• وجه الدلالة: وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، وتحريم الخروج عن طاعته، ونقض بيعته لآخر. النتيجة: صحة الإجماع على أنه لا يجوز وجود أكثر من خليفة للمسلمين في مكان واحد. [٣٧/ ٣٧] لا يجوز وجود إمامين للمسلمين في مكانين • المراد بالمسألة: الاتفاق على أنه لا يجوز وجود إمامين للمسلمين في مكانين. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا متفرقان، ولا في مكانين ولا في مكان واحد" (١)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٢) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "إذا تيسر نصب إمام واحد يطبق خطة الإسلام، ويشمل الخليقة على تفاوت مراتبها في مشارق الأرض ومغاربها أثره؛ تعين نصبه، ولم يسع والحالة هذه نصب إمامين، وهذا متفق عليه لا يلقى فيه خلاف" (٣). النووي (٦٧٦ هـ) قال: "اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، وبعض المالكية (٦)، والأصح من الوجهين عند الشافعية (٧)، والحنابلة (٨)،

стр. 3394

والظاهرية (١). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة، ذكرناها آنفًا في مسألة عدم جواز وجود إمامين للمسلمين في مكان واحد (٢). • من خالف الإجماع: وجه عند الشافعية (٣) وأبو الحسن الأشعري (٤)، وبعض المالكية (٥)، وقالوا: تصح بيعتهما جميعًا؛ لأنه قد تدعو الحاجة إلى ذلك، وعلى ذلك كانت الخلافة الأموية بالأندلس، والخلافة الفاطمية ببلاد المغرب والديار المصرية، مع قيام الخلافة العباسية بالعراق، وانسحابها على سائر الأقطار والبلدان (٦). قال الجويني: "والذي تباينت فيه المذاهب: أن الحالة إذا كانت بحيث لا ينبسط رأي إمام واحد على الممالك، وذلك يتصور بأسباب لا يغمض منها اتساع الخطة، وانسحاب الإسلام على أقطار متباينة، وجزائر في لجج متقاذفة، وقد يقع قوم من الناس نبذة من الدنيا لا ينتهي إليهم نظر الإمام، وقد يتولج خط من ديار الكفر بين خطة الإسلام، وينقطع بسبب ذلك نظر الإمام عن الذين وراءه من المسلمين، فإذا اتفق ما ذكرناه فقد صار صائرون عند ذلك إلى تجويز نصب إمام في القطر الذي لا يبلغه أثر نظر الإمام" (٧). وأجاز تعدد الأئمة مطلقًا بعض الكرامية، والزيدية، وقالت الرافضة: لا يجوز أن يكون إمامان ناطقان في وقت واحد، بل يصح أن يكون أحدهما: صامت، والآخر ناطق، كما كان الحسين بن علي -بزعمهم- صامتًا في وقت

стр. 3395

الحسن ﵄ ثم نطق بعد موته (١). واستدلوا بما يلي: ١ - قول الأنصار يوم السقيفة: "منا أمير، ومنكم أمير" (٢). ونوقش: بأن قول الأنصار ﵃ لم يكن صوابًا، بل كان خطأ، واستقر الرأي نهاية على خلافه رجوعًا للحق، وتطبيقًا للأحاديث التي توجب القرشية (٣). ٢ - أمر علي والحسن مع معاوية ﵃ (٤) ونوقش: بما قاله ابن حزم: "وأما أمر علي والحسن ومعاوية فقد صح عن النبي ﷺ أنه أنذر بخارجة تخرج من طائفتين من أمة يقتلها أولى الطائفتين بالحق، فكان قاتل تلك الطائفة علي ﵁، فهو صاحب الحق بلا شك، وكذلك أنذر ﵇ بأن عمَّارًا تقتله الفئة الباغية، فصح أن عليًّا هو صاحب الحق، وكان علي السابق إلى الإمامة، فصح بعد أنه صاحبها، وأن من نازعه فيها فمخطئ، فمعاوية ﵁ مخطئ مأجور مرة لأنه مجتهد، ولا حجة في خطأ المخطئ، فبطل قول هذه الطائفة. . . وأما علي ومعاوية ﵄ فما سلَّم قط أحدهما للآخر، بل كل واحد منهما يزعم أنه المحق، وكذلك كان الحسن ﵁، إلى أن أسلم الأمر إلى معاوية" (٥). ٣ - أن ذلك يؤدي إلى كون كل واحد منهما أقوم بما لديه، وأضبط لما يليه، وبأنه لما جاز بعث نبيين في عصر واحد، ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة، كانت الإمامة أولى (٦).

стр. 3396

ونوقش: بأن ذلك يرده قوله ﷺ : "فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا"، ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق وحدوث الفتن (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٣٨/ ٣٨] لا تقصر الخلافة على بني هاشم • المراد بالمسألة: الاتفاق على أن الخلافة في جميع أفخاذ قريش، ولا تُقْصر على بني هاشم. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) قال في شروط الإمام: "ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش، فإن الإجماع فد انعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وليسوا من بني هاشم" (٢) الدمشقي (بعد ٧٨٥ هـ) قال: "اتفق الأئمة على أن الإمامة فرض. . . وعلى أن الأئمة من قريش، وأنها جائزة في جميع أفخاذ قريش" (٣) ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ) قال في شروط الإمام: ". . . قرشيًّا؛ لخبر: "الأئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (٤) إسناده جيد، لا هاشميًّا اتفاقًا" (٥) الحموي (١٠٥٦ هـ) قال: "قال الروافض: يجب الاقتصار على بني هاشم، وعينوا عليًّا وأولاده، وهذا القول باطل بإجماع الصحابة على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)،

стр. 3397

والشافعية (١)، والحنابلة (٢)، والظاهرية (٣). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالأحاديث الدالة على القرشية في الإمامة، والتي وردت عامة تشمل بني هاشم وغيرهم، ومنها: ١ - حديث معاوية ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ في قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ" (٤). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا يَزَالُ الأَمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَان" (٥). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ في هَذَا الشَّأْن، مُسْلِمُهُمْ تبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ" (٦). ٤ - حديث أبي بكر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قُرَيْشٌ وُلاةُ هَذَا الأَمْرِ، فَبَرُّ النَّاسِ تبَعٌ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ" (٧). ٥ - حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (٨). ونوقش ذلك: بما قاله الجويني: "ذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث في حكم المستفيض المقطوع بثبوته من حيث إن الأمة تلقته بالقبول، وهذا مسلك

стр. 3398

لا أوثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون لا يبلغون مبلغ عدد التواتر، والذي يوضح الحق في ذلك: أنَّا لا نجد في أنفسنا ثلج الصدور واليقين المثبوت بصدد هذا من فلق في رسول اللَّه ﷺ ، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد، فإذًا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة" (١). وأجيب عنه: بما قال ابن حزم: "هذه رواية جاءت مجيء التواتر، ورواها أنس بن مالك، وعبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب، ومعاوية، وروى جابر بن عبد اللَّه، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت معناها" (٢). قال ابن حجر: "وقد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيًّا لَمَّا بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يرو إلا عن أبي بكر الصديق" (٣). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرَّض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة" (٤). ونوقش: بأن هذه الأحاديث إنما هي على سبيل الإخبار، لا الأمر (٥). وأجيب عن ذلك: بما قاله ابن المنير (٦): "وجه الدلالة من الحديث -يقصد

стр. 3399

حديث: "لَا يَزَالُ الأمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ"- ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر، فإنه يكون مفهوم اللقب لا حجة فيه عند المحققين، وإنما الحجة وقوع المبتدأ معرفًا بلام الجنسية؛ لأن المبتدأ بالحقيقة هاهنا هو الأمر الواقع صفة لهذا، وهذا لا يوصف إلا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش، فيصير كأنه قال: لا أمر إلا في قريش، وهو كقوله: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" (١)، والحديث وإن كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الأمر، كأنه قال: ائتمروا بقريش خاصة، وقوله: "مَا بَقِىَ مِنْهُمُ اثْنَانِ" ليس المراد به حقيقة العدد، وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش، وهذا الحكم مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان" (٢). • من خالف الإجماع: وهم فئتان (٣): • أولًا: الراوندية (٤)؛ إذ حصروا الإمامة في العباس بن عبد المطلب وولده حتى انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور، واستدلوا بأن العباس كان عصب رسول اللَّه ﷺ ووارثه، فإذا كان ذلك كذلك فقد ورث مكانه. ونوقش: بأن هذا ليس بشيء، لأن ميراث العباس ﵁ لو وجب له لكان

стр. 3400

ذلك في المال خاصة، وأما المرتبة فما جاء قط في الديانات أنها تورث، فبطل هذا التمويه جملة، ولو جاز أن تورث المراتب لكان من رسول اللَّه ﷺ مكانًا ما، إذا مات وجب أن يرث تلك الولاية عاصبه ووارثه، وهذا ما لا يقولونه، فكيف وقد صح بإجماع جميع أهل القبلة حاشا الروافض أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا نُورَثُ، ما تَرَكنَا صَدَقَةٌ" (١)؟ وأيضًا لم يكن العباس محيطًا بميراث النبي ﷺ ، وإنما كان يكون له ثلاثة أثمانه فقط. وأما ميراث المكانة: فقد كان العباس ﵁ حيًّا قائمًا إذ مات النبي ﷺ ، فما ادعى العباس لنفسه قط في ذلك حقًّا، لا حينئذ، ولا بعد ذلك، وجاءت الشورى فما ذُكِر فيها، ولا أنكر هو ولا غيره تَرْكَ ذِكْرِه فيها؛ فصح أنه رأي محدث فاسد لا وجه له للاشتغال به، والخلفاء من ولده والأفاضل منهم من غير الخلفاء لا يرون لأنفسهم بهذه الدعوة؛ ترفعًا عن سقوطها ووهيها (٢). • ثانيًا: الشيعة: وهؤلاء قصروها في علي ﵁ وولده من بعده، وإن اختلفوا بعد ذلك، فزعمت الزيدية منهم أنها لا تكون إلا في ولد علي ﵁، في حين ادعت الرافضة الإمامية أنها في واحد مخصوص من أولاد علي ﵁، وهو: محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر المنتظر (٣). قال ابن حزم: "وعمدة هذه الطوائف كلها في الاحتجاج بأحاديث موضوعة مكذوبة، لا يعجز عن توليد مثلها من لا دين له ولا حياء، ولا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا فهم لا يصدقونا، ولا معنى لاحتجاجهم علينا بروياتهم فنحن
следующие страницы →