← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

ونوقش: بأن ذلك يرده قوله ﷺ : "فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا"، ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق وحدوث الفتن (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٣٨/ ٣٨] لا تقصر الخلافة على بني هاشم • المراد بالمسألة: الاتفاق على أن الخلافة في جميع أفخاذ قريش، ولا تُقْصر على بني هاشم. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) قال في شروط الإمام: "ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش، فإن الإجماع فد انعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وليسوا من بني هاشم" (٢) الدمشقي (بعد ٧٨٥ هـ) قال: "اتفق الأئمة على أن الإمامة فرض. . . وعلى أن الأئمة من قريش، وأنها جائزة في جميع أفخاذ قريش" (٣) ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ) قال في شروط الإمام: ". . . قرشيًّا؛ لخبر: "الأئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (٤) إسناده جيد، لا هاشميًّا اتفاقًا" (٥) الحموي (١٠٥٦ هـ) قال: "قال الروافض: يجب الاقتصار على بني هاشم، وعينوا عليًّا وأولاده، وهذا القول باطل بإجماع الصحابة على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)،

стр. 3397

والشافعية (١)، والحنابلة (٢)، والظاهرية (٣). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالأحاديث الدالة على القرشية في الإمامة، والتي وردت عامة تشمل بني هاشم وغيرهم، ومنها: ١ - حديث معاوية ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ في قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ" (٤). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا يَزَالُ الأَمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَان" (٥). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ في هَذَا الشَّأْن، مُسْلِمُهُمْ تبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ" (٦). ٤ - حديث أبي بكر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قُرَيْشٌ وُلاةُ هَذَا الأَمْرِ، فَبَرُّ النَّاسِ تبَعٌ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ" (٧). ٥ - حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (٨). ونوقش ذلك: بما قاله الجويني: "ذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث في حكم المستفيض المقطوع بثبوته من حيث إن الأمة تلقته بالقبول، وهذا مسلك

стр. 3398

لا أوثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون لا يبلغون مبلغ عدد التواتر، والذي يوضح الحق في ذلك: أنَّا لا نجد في أنفسنا ثلج الصدور واليقين المثبوت بصدد هذا من فلق في رسول اللَّه ﷺ ، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد، فإذًا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة" (١). وأجيب عنه: بما قال ابن حزم: "هذه رواية جاءت مجيء التواتر، ورواها أنس بن مالك، وعبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب، ومعاوية، وروى جابر بن عبد اللَّه، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت معناها" (٢). قال ابن حجر: "وقد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيًّا لَمَّا بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يرو إلا عن أبي بكر الصديق" (٣). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرَّض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة" (٤). ونوقش: بأن هذه الأحاديث إنما هي على سبيل الإخبار، لا الأمر (٥). وأجيب عن ذلك: بما قاله ابن المنير (٦): "وجه الدلالة من الحديث -يقصد

стр. 3399

حديث: "لَا يَزَالُ الأمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ"- ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر، فإنه يكون مفهوم اللقب لا حجة فيه عند المحققين، وإنما الحجة وقوع المبتدأ معرفًا بلام الجنسية؛ لأن المبتدأ بالحقيقة هاهنا هو الأمر الواقع صفة لهذا، وهذا لا يوصف إلا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش، فيصير كأنه قال: لا أمر إلا في قريش، وهو كقوله: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" (١)، والحديث وإن كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الأمر، كأنه قال: ائتمروا بقريش خاصة، وقوله: "مَا بَقِىَ مِنْهُمُ اثْنَانِ" ليس المراد به حقيقة العدد، وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش، وهذا الحكم مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان" (٢). • من خالف الإجماع: وهم فئتان (٣): • أولًا: الراوندية (٤)؛ إذ حصروا الإمامة في العباس بن عبد المطلب وولده حتى انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور، واستدلوا بأن العباس كان عصب رسول اللَّه ﷺ ووارثه، فإذا كان ذلك كذلك فقد ورث مكانه. ونوقش: بأن هذا ليس بشيء، لأن ميراث العباس ﵁ لو وجب له لكان

стр. 3400

ذلك في المال خاصة، وأما المرتبة فما جاء قط في الديانات أنها تورث، فبطل هذا التمويه جملة، ولو جاز أن تورث المراتب لكان من رسول اللَّه ﷺ مكانًا ما، إذا مات وجب أن يرث تلك الولاية عاصبه ووارثه، وهذا ما لا يقولونه، فكيف وقد صح بإجماع جميع أهل القبلة حاشا الروافض أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا نُورَثُ، ما تَرَكنَا صَدَقَةٌ" (١)؟ وأيضًا لم يكن العباس محيطًا بميراث النبي ﷺ ، وإنما كان يكون له ثلاثة أثمانه فقط. وأما ميراث المكانة: فقد كان العباس ﵁ حيًّا قائمًا إذ مات النبي ﷺ ، فما ادعى العباس لنفسه قط في ذلك حقًّا، لا حينئذ، ولا بعد ذلك، وجاءت الشورى فما ذُكِر فيها، ولا أنكر هو ولا غيره تَرْكَ ذِكْرِه فيها؛ فصح أنه رأي محدث فاسد لا وجه له للاشتغال به، والخلفاء من ولده والأفاضل منهم من غير الخلفاء لا يرون لأنفسهم بهذه الدعوة؛ ترفعًا عن سقوطها ووهيها (٢). • ثانيًا: الشيعة: وهؤلاء قصروها في علي ﵁ وولده من بعده، وإن اختلفوا بعد ذلك، فزعمت الزيدية منهم أنها لا تكون إلا في ولد علي ﵁، في حين ادعت الرافضة الإمامية أنها في واحد مخصوص من أولاد علي ﵁، وهو: محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر المنتظر (٣). قال ابن حزم: "وعمدة هذه الطوائف كلها في الاحتجاج بأحاديث موضوعة مكذوبة، لا يعجز عن توليد مثلها من لا دين له ولا حياء، ولا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا فهم لا يصدقونا، ولا معنى لاحتجاجهم علينا بروياتهم فنحن

стр. 3401

لا نصدقها، وإنما يجب أن يحتج الخصوم بعضهم على بعض بما يصدقه الذي تُقام عليه الحجة به، سواء صدقه المحتج أو لم يصدقه؛ لأن من صدَّق بشيء ملزمه القول به، أو بما يوجبه العلم الضروري، فيصير الخصم يومئذ مكابرًا منقطعًا أن ثبت على ما كان عليه" (١). النتيجة: صحة الإجماع على أن الخلافة في جميع أفخاذ قريش، ولا تُقْصَر على بني هاشم، ولا يعتد بمن خالف من الفرق الأخرى. [٣٩/ ٣٩] لا تجوز إمامة مولى قريش، ولا حليفهم، ولا ابن أخت قريش • المراد بالمسألة: الاتفاق على أنه لا تجوز إمامة مولى قريش، ولا حليفهم، ولا ابن أخت قريش. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "صح إجماع أهل الحق على أن الخلافة لا يستحقها مولى قريش، ولا حليفهم، ولا ابن أخت القوم، وإن كان منهم" (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ويستدل لذلك بالأحاديث الدالة على القرشية في

стр. 3402

الإمامة، ومنها: ١ - حديث معاوية ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ في قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَد إِلَّا كبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ" (١). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا يَزَالُ الأمْرُ في قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ" (٢). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "النَّاسُ تَبَع لِقُرَيْشٍ في هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكافِرُهُمْ تبَعٌ لِكَافِرِهِمْ" (٣). ٤ - حديث أبي بكر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قُرَيْشٌ وُلاةُ هَذَا الأَمْرِ، فَبَرُّ النَّاسِ تبَعٌ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ" (٤). ٥ - حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الأئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (٥). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرَّض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة" (٦). قال ابن حزم: "فإن قال قائل: إن قول رسول اللَّه ﷺ : "الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (٧)، يدخل في ذلك الحليف والمولى وابن الأخت؛ لقول رسول اللَّه ﷺ : "مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَابْنُ أُخْتِ

стр. 3403

القَوْمِ مِنْهُمْ" (١). فالجواب -وباللَّه تعالى التوفيق-: أن الإجماع قد تيقن وصح على أن حكم الحليف والمولى وابن الأخت كحكم من ليس له حليف ولا مولى ولا ابن أخت، فمن أجاز الإمامة في غير هؤلاء جوزها في هؤلاء، ومن منعها من غير قريش منعها من الحليف والمولى وابن الأخت، فإذا صح البرهان بألا يكون إلا في قريش، لا فيمن ليسس قرشيًّا، صح بالإجماع أن حليف قريش ومولاهم وابن أختهم كحكم من ليسس قرشيًّا" (٢). النتيجة: صحة الإجماع على أنه لا تجوز إمامة مولى قريش، ولا حليفهم، ولا ابن أخت قريش. [٤٠/ ٤٠] لا يجوز تولية الكافر الإمامة • المراد بالمسألة: اتفقوا على أنه لا تولى الإمامة لكافر. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "وَاتَّفَقُوا أَن الإمامة لَا تجوز لامْرَأَة وَلَا لكَافِر" (٣) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقد الإمامة للكافر" (٤)، نقله النووي (٦٧٦ هـ) (٥) الدمشقي (بعد ٧٨٥ هـ) قال: "اتفق الأئمة على أن الإمامة فرض. . . وأن الإمامة لا تجوز لامرأة ولا لكافر" (٦) ملا علي القاري (١٠١٤ هـ) قال: "أجمعوا على أن الإمامة لا تنعقد لكافر" (٧).

стр. 3404

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٦). • وجه الدلالة: أنه بكفر الإمام جعل أعظم سبيل على المؤمنين (٧). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "ينهى اللَّه -تعالى- عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني: مصاحبتهم، ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم" (٩). ولا قيام للإمامة بغير ذلك.

стр. 3405

• ثانيًا السنة: ١ - حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، ويُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّه فِيهِ بُرْهَانٌ" (١). ٢ - حديث عَوْفِ بن مَالِكٍ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عليهم، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ"، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّه، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فقال: "لَا، ما أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ" (٢). • وجه الدلالة: قال ابن بطال: "فدل هذا كله على ترك الخروج على الأئمة، وألا يُشق عصا المسلمين، وألا يتسبب إلى سفك الدماء وهتك الحريم، إلا أن يكفر الإمام، ويظهر خلاف دعوة الإسلام" (٣). النتيجة: صحة الإجماع على أن الإمامة لا تُولى لكافر.

стр. 3406

الفصل الخامس مسائل الإجماع فيما يجب للإمام على رعيته [٤١/ ٤١] وجوب طاعة الإمام وخدمته في كل أمر وتحرم إذا أمر بمعصية • المراد بالمسألة: الاتفاق على وجوب طاعة الإمام وخدمته في كل ما أمر، وتحرم طاعته وخدمته فيما يأمر به إذا كان معصية. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتَّفَقُوا أن الإمام الْوَاجِب إمامته، فإن طَاعَته فِي كل مَا أَمر مَا لم يكن مَعْصيّة فرض، والقتال دونه فرض، وخدمته فِيمَا أَمر بِهِ وَاجِبَة" (١)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٢) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته" (٣) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "لا خلاف في وجوب طاعة الأمراء فيما لا يخالف أمر اللَّه، ما لم يأمر بمعصية" (٤) نقله النووي (٦٧٦ هـ) (٥)، والعيني (٨٥٥ هـ) (٦) ابن القطان (٦٢٨ هـ) قال: "أجمعوا على أن السمع والطاعة واجبة لأئمة المسلمين" (٧) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "على أن أطيع اللَّه ورسوله، وأطيع أولي الأمر إذا أمروني بطاعة اللَّه، فإذا أمروني بمعصية اللَّه فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هكذا دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه أئمة المسلمين" (٨) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "يجب امتثال أوامر الإمام فيما يقوى به أمره، كالحقوق والشعار، إجماعًا، لا فيما يخص نفسه" (٩)

стр. 3407

الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) قال: "أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية اللَّه تعالى" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٧). روى ابن جرير الطبري أقوال السلف في المقصود بأولي الأمر في هذه الآية، ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: هم الأمراء والولاة؛ لصحة الأخبار عن رسول اللَّه بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة وللمسلمين مصلحة" (٨). وقال ابن كثير: "هذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال -تعالى-: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة اللَّه لا في معصية اللَّه" (٩).

стр. 3408

• وجه الدلالة: وجوب طاعة أولي الأمر ما أطاعوا اللَّه. • ثانيًا: السنة: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعْ الأمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي" (١). ٢ - حديث أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" (٢). ٣ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" (٣). ٤ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: بَعَثَ النَّبِي ﷺ سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِي ﷺ أَنَّ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا، فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا، فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِي ﷺ فِرَارًا مِنَ النَّارِ، أَفَنَدْخُلُهَا! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتِ النَّارُ، وَسَكَنَ غَضبُهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ" (٤). ٥ - حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ ﷺ : "نَعَمْ"، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَاي،

стр. 3409

وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ"، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (١). • وجه الدلالة: وجوب طاعة أولي الأمر ما أطاعوا اللَّه ولم يأمروا بمعصية. النتيجة: صحة الإجماع على وجوب طاعة الإمام وخدمته في كل ما أمر، وتحرم طاعته وخدمته فيما يأمر به إذا كان معصية. [٤٢/ ٤٢] أحكام من ولاه الإمام نافذة • المراد بالمسألة: اتفقوا أن أحكام من ولاه الإمام نافذة كأحكام الإمام. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتَّفَقُوا أن الإمام الْوَاجِب إمامته. . . وأحكامه وأحكام من ولَّى نافذة" (٢)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٣). السيد البكري (٤) (١٣٠٢ هـ) قال: "أجمعت الأمة -كما قاله الأذرعي (٥) - على تنفيذ أحكام الخلفاء الظلمة، وأحكام من ولوه" (٦). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)،

стр. 3410

والشافعية (١)، والحنابلة (٢)، والظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي" (٤). ٢ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: بَعَثَ النَّبِي ﷺ سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِي ﷺ أَنَّ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا، فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا، فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِي ﷺ فِرَارًا مِنَ النَّارِ، أَفَنَدْخُلُهَا! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتِ النَّارُ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ" (٥). • وجه الدلالة: لَمَّا كان الإمام منصوبًا لنوعين من المصالح: اللذين بهما انتظام الملة والمدن، وإنما بُعث النبي ﷺ لأجلهما، والإمام نائبه ومنفذ أمره، كانت طاعته طاعة رسول اللَّه ﷺ ، ومعصيته معصية رسول اللَّه ﷺ ، إلا أن يأمر بالمعصية، فحينئذ ظهر أن طاعته ليست بطاعة اللَّه، وأنه ليس نائب رسول اللَّه ﷺ (٦). النتيجة: صحة الإجماع على أن أحكام من ولاه الإمام نافذة كأحكام الإمام.

стр. 3411

[٤٣/ ٤٣] أحكام من عزله الإمام غير نافذة • المراد بالمسألة: العزل لغة: الإبعاد والتنحية، يُقال: عزله عن الأمر أو العمل، أي: أبعده عنه ونحاه (١) العزل اصطلاحًا: لا يختلف الفحوى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فعزل الإمام لوالٍ أو قاضٍ يعني: إبعاده وتنحيته عن ولايته (٢). وقد اتفقوا على انتفاء نفوذ حكم من عزله الإمام، على أنه إذا حكم في أشياء قبل بلوغه العزل فإن أحكامه تنفذ؛ لضرورة الناس، وصيرورة مصالحها. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتَّفَقُوا أن الإمام الْوَاجِب إمامته. . . وعزله من عزل نَافِذ" (٣)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)،

стр. 3412

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي: ١ - أنه بعزله انتهت ولايته، ومبدأ ولايته كان بتعيين الإمام له، فإن عزله لم تعد له ثمة ولاية. ٢ - ولأنه نائب عن الإمام يخرج من ذلك بكل ما يُخرج الوكيل (٣). النتيجة: صحة الإجماع على أن أحكام من عزله الإمام غير نافذة. [٤٤/ ٤٤] مناصحة الإمام إذا كان ممن يسمع النصيحة • المراد بالمسألة: المناصحة لغة: من النصح وهو نقيض الغش، يُقال: نصحت له نصيحتي نصوحًا: أي أخلصت له، والاسم: النصيحة (٤). والنصيحة: كلمة يُعبر بها عن جملة، هي: إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يُعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها (٥). المناصحة اصطلاحًا: إخلاص القول والعمل من الغش. قال القرطبي: "النصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق، وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم، والقيام بواجب حقهم" (٦). وقد اتفق العلماء على وجوب النصح لأئمة المسلمين، حالة كونهم ممن يقبلون النصيحة.

стр. 3413

• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "وأما مناصحة ولاة الأمر فلم يختلف العلماء في وجوبها، إذا كان السلطان يسمعها ويقبلها" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "المقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه" (٨)، الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٩). • وجه الدلالة: في الآية مدحٌ لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير، وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم المدح، ولحقهم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم (١٠).

стр. 3414

• ثانيًا السنة: الدليل الأول: حديث تميم الداري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: "للَّهِ، وَلكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" (١). قال ابن حجر: "والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن" (٢). • وجه الدلالة: في هذا الحديث أن من الدين النصح لأئمة المسلمين، وهذا أوجب ما يكون، فكل من واكلهم وجالسهم، وكل من أمكنه نصح السلطان لزمه ذلك، إذا رجا أن يسمع منه (٣). الدليل الثاني: حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ على إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (٤). • وجه الدلالة: جعل رسول اللَّه ﷺ النصيحة للمسلمين شرطًا في الذي يبايع عليه، كالصلاة والزكاة (٥). النتيجة: صحة الإجماع على وجوب النصح لأئمة المسلمين متى كانوا يقبلون النصيحة. [٤٥/ ٤٥] يجوز لإمام قبول الهدايا • المراد بالمسألة: أجمع العلماء على أن الإمام له أن يقبل الهدية أو يردها. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) قال: "روي عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 3415

"إنَّا نَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَنُكَافِئُ عَلَيْهَا" (١)، وأجمع المسلمون على إباحتها" (٢) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "وقبوله -أي: النبي ﵁ الهدية من المسلمين والكفار أشهر وأعرف عند العلماء من أن يحتاج إلى شاهد على ذلك ما هنا، إلا أن ذلك لا يجوز لغير النبي ﵇ إذا كان قبولها على جهة الاستبداد بها دون رعيته؛ لأنه إنما أقبل ذلك إليه من أجل أنه أمير رعيته، وليس النبي ﵇ في ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء اللَّه عليه من غير قتال من أموال الكفار، من ما جلوا عنه بالرعب، من غير إيجاف بخيل ولا ركاب، يكون له دون سائر الناس، ومن بعده من الأئمة حكمه في ذلك خلاف حكمه، لا يكون له خاصة دون سائر المسلمين، بإجماع من العلماء" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من السنة: ١ - حديث الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵁ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّه ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا في وَجْهِهِ قَالَ: "أَمَا إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (٧). ٢ - حديث عَائِشَةَ ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ويُثِيبُ عليها" (٨).

стр. 3416

٣ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "أُهْدِيَ لِلنَّبِي ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا. . . " (١). ٤ - حديث أنس ﵁ قال: "إِنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِي ﷺ " (٢). • وجه الدلالة: يؤخذ من هذه الأحاديث جواز قبول الإمام للهدايا، ولو من مشرك، إلا تكون مقابل إبطال حق، أو إحقاق باطل. ونوقش: ١ - بأن النبي ﷺ ذم هدايا العمال، كما سيأتي في أدلة المخالفين. ٢ - وأن قبول الهدية من خواص النبي ﷺ ، وهو معصوم مما يُتقى على غيره منها (٣). • من خالف الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)،

стр. 3417

والظاهرية (١) واستدلوا على ذلك بأدلة من السنة، والآثار: • أولًا: السنة: حديث أَبى حُمَيْدٍ السَّاعِدِي ﵁ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِي ﷺ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ، عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ لِي، فَقَالَ النبي ﷺ : "فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ (٢)، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ (٣)، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ (٤) (٥). • وجه الدلالة: حرمة الإهداء للعمال، فكيف برئيسهم؛ فتعليل النبي -كما ذكر ابن عابدين- دليل على تحريم الهدية التي سببها الولاية (٦). • ثانيًا: الآثار: قول عمر بن عبد العزيز ﵀: "إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية، وهي لنا رشوة" (٧). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٤٦/ ٤٦] تحريم الخروج على الإمام العادل • المراد بالمسألة: اتفقت الأمة على حرمة الخروج عن طاعة الإمام العادل. • من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "لا يجوز الخروج على الإمام العدل باتفاق" (٨). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي ﷺ من نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم كما تقدم بيانه، ثم الأمة متفقة على خلاف هذا، فإنها لم تقتل كل من تولى

стр. 3418

أمرها، ولا استحلت ذلك" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "هذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال -تعالى-: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة اللَّه لا في معصية اللَّه" (٨). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ (٩). • وجه الدلالة: قال ابن جرير الطبري: "لأنه بفعله ذلك يخرج ممن وعده اللَّه الجنة بوفائه بالبيعة، فلم يضر بنكثه غير نفسه، ولم ينكث إلا عليها" (١٠).

стр. 3419

• ثانيًا: السنة: ١ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" (١). ٢ - حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّه فِيهِ بُرْهَانٌ" (٢). ٣ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: بَعَثَ النَّبِي ﷺ سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِي ﷺ أن تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا، فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا، فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِي ﷺ فِرَارًا مِنَ النَّارِ، أَفَنَدْخُلُهَا! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتِ النَّارُ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ" (٣). • وجه الدلالة: قال ابن حجر العسقلاني: "ومقتضاه: أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل" (٤). ٤ - حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إن اسْتَطَاعَ، فإنْ جاء آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ" (٥).

стр. 3420

• وجه الدلالة: وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، وتحريم الخروج عن طاعته. النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [٤٧/ ٤٧] تحريم الخروج على الإمام الفاسق • المراد بالمسألة: اتفقت الأمة على حرمة الخروج عن طاعة ولي الأمر، والصبر على جوره وفسقه؛ توقيًا للفتن وإراقة الدماء، إلا إن دعا إلى كفر، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين" (١) نقله زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) (٢)، وعبد الحميد الشرواني (١٣٠١ هـ) (٣) ملا علي القاري (١٠١٤ هـ) قال: "وخروج جماعة من السلف على الجورة كان قبل استقرار الإجماع على حرمة الخروج على الجائر" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩).

стр. 3421

• مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "هذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال -تعالى-: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة اللَّه لا في معصية اللَّه" (٢). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ (٣). • وجه الدلالة: قال ابن جرير الطبري: "فإنما ينقض بيعته؛ لأنه بفعله ذلك يخرج ممن وعده اللَّه الجنة بوفائه بالبيعة، فلم يضر بنكثه غير نفسه، ولم ينكث إلا عليها" (٤). • ثانيًا: السنة: ١ - حديث أم سلمة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ من رضي وَتَابَعَ"، قالوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قال: "لَا، ما صَلَّوْا" (٥). • وجه الدلالة: فيه عدم جواز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق، ما لم يغيروا شيئًا من قواعد الإسلام (٦). ٢ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ

стр. 3422

بَعْدِي أَثَرَةً (١) وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا"، قالوا: فما تَأْمُرُنَا يا رَسُولَ اللَّه؟ قال: "أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّه حَقَّكُمْ" (٢). ٣ - حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَاي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَان إِنْسٍ"، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (٣). • وجه الدلالة: يستدل من هذه الأحاديث على وجوب طاعة أولي الأمر ما أطاعوا اللَّه ولم يأمروا بمعصية. ٤ - حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﷺ قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، ويُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّه فِيهِ بُرْهَانٌ" (٤). • وجه الدلالة: قال ابن حجر العسقلاني: "ومقتضاه: أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل" (٥). • من خالف الإجماع: اختلف العلماء في مسألة الخروج على الإمام الفاسق، فقال البعض بعزله مطلقًا، وقال آخرون بالتفصيل:

стр. 3423

أولًا: القائلون بالعزل مطلقًا: الحنفية إن أمنوا وقوع الفتن (١)، والشافعي في القديم (٢)، وإليه ذهب بعض أصحابه (٣)، وهو قول بعض الحنابلة (٤)، والظاهرية إن استمر على فسقه بعد نصحه (٥)، والزيدية (٦)، والمعتزلة (٧)، والخوارج (٨). وذهب الجصاص إلى أنه مذهب أبي حنيفة، وقال: "لا فرق عند أبى حنيفة بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة، ولا يكون حاكمًا، كما لا تقبل شهادته ولا خبره. . . وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة وأحكامه غير نافذة؟ ! . . . " (٩). ونُقل عن الإمام مالك القول به (١٠). ونُقل عن الإمام أحمد أنه قال: "من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامة، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا" (١١). وقال ابن حزم: "إن سلَّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك" (١٢).

стр. 3424

• واستدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (١). • وجه الدلالة: أراد أن الظالم لا يكون إمامًا (٢). قال الجصاص: "فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق، وأنه لا يكون خليفة، وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته" (٣). ونوقش: بانتفاء النص على الخروج على الأئمة، وإن كان ثمة نهي لتولية الفاسق ابتداءً. ٢ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٤). • وجه الدلالة: الأمر بقتال الفئة الباغية، والتي معها الإمام الجائر؛ إذ يجب على المسلمين نصرتها وقتاله وإن لم يكن كفر كفرًا بواحًا. ٣ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن السكوت على الإمام الفاسق، وعدم الخروج عليه، هو عين التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه، وإنكاره بالخروج ونحوه من التعاون على البر والتقوى. ٤ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 3425

وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١). ٥ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ألا ترى أن فسق وجور الحاكم منكر عظيم؟ • ثانيًا: السنة: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (٣). ٢ - أخرج مسلم في صحيحه عن طَارِقِ بن شهَابٍ أنه قال: أَوَّلُ من بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يوم الْعِيدِ قبل الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إليه رَجُلٌ فقال: الصَّلَاةُ قبل الْخُطْبَةِ، فقال: قد تُرِكَما هنالك، فقال أبو سَعِيدٍ الخدري ﵁: أَمَّا هذا فَقَدْ قَضى ما عليه، سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان" (٤). • وجه الدلالة: في الحديثين أمر إيجاب لتغيير المنكر باليد لمن قدر على ذلك عند أئمة الجور (٥).

стр. 3426

ونوقش: بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نص على ذلك الإمام أحمد، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح. فحينئذٍ جهاد الأمراء باليد: بأن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل: أن يريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل ذلك جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يُخشى منه أن يقتله الأمراء وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف فيُخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٤٨/ ٤٨] معاقبة الخارج عن طاعة الإمام • المراد بالمسألة: من سعى في إثارة الفتن، وترك طاعة الإمام، بالتهييج، أو الخروج للقتال ونحو ذلك، يُعاقب اتفاقًا. • من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) قال: "لم يختلف أصحاب رسول اللَّه ﷺ في وجوب قتال الفئة الباغية بالسيف، إذا لم يردعها غيره" (٢). ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "وَاتَّفَقُوا أن الإمام إذا كَانَ من ولد على وكان عدلا وَلم تتقدم بيعَته بيعَة أُخْرَى لإنسان حَيّ وَقَامَ عَلَيْهِ من هُوَ دونه أن قتال الآخر وَاجِب" (٣). وقال: "ورجعوا إلى الاتفاق على قتال أهل الردة، بعد اختلاف عظيم كان منهم، ولكن الخلاف في هذا من أفحش الخطأ" (٤) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي، متى خرجوا على الإمام، وخالفوا رأى الجماعة، وشقوا العصا، وجب قتالهم بعد إنذارهم والاعتذار إليهم" (٥). نقله النووي

стр. 3427

(٦٧٦ هـ) (١) وابن مفلح (٧٦٣) (٢) والعراقي (٨٠٦ هـ) (٣) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "أجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة" (٤) الشوكاني (١٢٥٠ هـ) قال: "واعلم أن قتال البغاة جائز إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١١). • وجه الدلالة: قال القرطبي: "في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية، المعلوم بغيها على الإمام، أو على أحد من المسلمين" (١٢). • ثانيًا: السنة: ١ - حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إن اسْتَطَاعَ،

стр. 3428

فَإِنْ جاء آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ" (١). ٢ - حديث عرفجة ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ"، وفي رواية: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هذه الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْف كَائِنًا من كان" (٢). • وجه الدلالة: قال النووي: "فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، ويُنهى عن ذلك، فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدرًا" (٣). ٣ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُون مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٤). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج والبغاة، وهو إجماع العلماء" (٥). النتيجة: صحة الإجماع في معاقبة الخارج على الإمام. [٤٩/ ٤٩] حرمة نقض بيعة الإمام • المراد بالمسألة: يحرم نقض بيعة الإمام اتفاقًا، إلا لموجب شرعي يقتضي انتقاضها، كنحو ردة الإمام. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) قال -عقب روايته لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ

стр. 3429

-﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ" (١) -: "وعلى ذلك الأمر بلا اختلاف". • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ (٧). قال ابن جرير الطبري: "فإنما ينقض بيعته؛ لأنه بفعله ذلك يخرج ممن وعده اللَّه الجنة بوفائه بالبيعة، فلم يضر بنكثه غير نفسه، ولم ينكث إلا عليها" (٨). • وجه الدلالة: حرمة نقض البيعة بعد إقامتها. • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ" (٩).

стр. 3430

• وجه الدلالة: الوعيد الشديد على نكث البيعة من أجل الدنيا، فدل على عظم جرمه. الدليل الثاني: "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إن اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جاء آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ" (١). • وجه الدلالة: وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة وعدم نقضها. الدليل الثالث: حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (٢). أي: بيعة الإمام. • وجه الدلالة: وجوب عقد البيعة للإمام وعدم نقضها. الدليل الرابع: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أَعْطَى بَيْعَتَهُ ثُمَّ نَكَثَهَا، لَقِيَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَتْ مَعَهُ يَمِينُهُ" (٣). • وجه الدلالة: فداحة فعل من نكث البيعة. وفي نكث البيعة والخروج على الإمام تفرقة للكلمة، وفي الوفاء بها تحصين للفروج والأموال، وحقن للدماء (٤). النتيجة: صحة الإجماع على حرمة نقض بيعة الإمام.

стр. 3431

الفصل السادس مسائل الإجماع في حكم عزل الإمام ومبطلات الإمامة [٥٠/ ٥٠] لا يجوز عزل الإمام بغير عذر • المراد بالمسألة: لا يجوز لأهل الحل والعقد خلع الإمام ما دام لم يأت بما يستحق عزله. • من نقل الإجماع: أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر، وهذا مجمع عليه" (١)، نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٢) المرداوي (٨٨٥ هـ) قال: "وهل لهم عزله إن كان بسؤاله؟ فحكمه حكم من عزل نفسه، وإن كان بغير سؤاله لم يجز بغير خلاف" (٣) الحجاوي (٩٦٠ هـ) قال: "ولهم عزله إن سأل العزل، لقول الصديق: (أقيلوني أقيلوني)، وإلا حرم إجماعًا" (٤) البهوتي (١٠٥١ هـ) قال: "وإن لم يسأل العزل حرم عزله إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما يلي: ١ - لأنا لو جوزنا ذلك لأدى إلى الفساد؛ لأن الآدمي ذو بدرات، فلا بد من

стр. 3432

تغير الأحوال في كل وقت، فيعزلون واحدًا، ويولون آخر، وفي كثرة العزل والتولية زوال الهيبة، وفوات الغرض من انتظام الأمر (١). ٢ - ولأنه الحافظ الأمين، فخلعه بغير ذنب جنته يداه مخالفة لهدي رسول اللَّه ﷺ (٢). النتيجة: صحة الإجماع على أنه لا يجوز عزل الإمام بغير عذر. [٥١/ ٥١] ليس للإمام أن يعزل نفسه بعد انعقاد إمامته بغير عذر • المراد بالمسألة: إذا عزل الإمام نفسه بعد انعقاد إمامته بغير عذر، لم ينعزل إجماعًا. • من نقل الإجماع: أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْعَزِلَ بَعْدَ انْعِقَادِ إمَامَتِهِ إجْمَاعًا" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والأصح عند الشافعية (٦)، وهو وجه عند الحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما يلي: ١ - لأن الحق في ذلك للمسلمين، لا له (٨). ٢ - ولأنه تقلد حقوق المسلمين فليس له التخلي عنها (٩). • من خالف الإجماع: ١ - الشافعية في وجه: وقالوا: ينعزل لو عزل الإمام نفسه من غير عذر من

стр. 3433

عجز أو طلب تخفيف (١). واستدلوا: بأن إلزامه الاستمرار قد يضر به في آخرته ودنياه (٢). ٢ - الشافعية في وجه: وفرّقوا حال لم يول غيره، أو ولى من هو دونه، فلا ينعزل، وإن ولى مثله أو أفضل منه ففى الانعزال وجهان (٣). ٣ - الحنابلة في وجه (٤). واستدلوا بأدلة من السنة، والآثار، والمعقول: • أولًا: السنة: حديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قال: أَخْرَجَ النَّبِي ﷺ ذَاتَ يَوْم الْحَسَنَ، فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يُصلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٥). • وجه الدلالة: قال العيني: "ولم يكن ذلك لعلة ولا لذلة ولا لقلة، وقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، فصالحه رعاية لمصلحة دينه ومصلحة الأمة، وكفى به شرفًا وفضلًا" (٦). ونوقش: بأنه في غير محل النزاع، ألا ترى أن ما فعله الحسن ﵁ لموجب المصلحة العامة؟ • ثانيًا: الآثار: روي أن أبا بكر ﵁ قام بعدما بويع له، وبايع له علي بن أبي طالب ﵁ وأصحابه، قام ثلاثًا يقول: "أيها الناس، قد أقلتكم بيعتكم، هل من كاره؟ "، فيقوم علي ﵁ في أوائل الناس فيقول: "لا واللَّه، لا نقيلك، ولا نستقيلك أبدًا، قدمك رسول اللَّه ﷺ تصلي

стр. 3434

بالناس، فمن ذا يؤخرك؟ " (١). قال القرطبي: "فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه، ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله، فلما أقرته الصحابة على ذلك عُلِم أن للإمام أن يفعل ذلك" (٢). ونوقش: بأنه ضعيف، وفي متنه نكارة (٣)، وعلى فرض صحته فهو يدل على الزهد في الولاية، والورع فيها، وخوف اللَّه أن لا يقوم بحقوقها (٤). • ثالثًا: المعقول: ١ - أن الإمام ناظر للغيب، فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه، فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، وكذلك الإمام يجب أن يكون مثله (٥). ٢ - ولأن تصرفه على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين، فله عزل نفسه" (٦). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٥٢/ ٥٢] إذا طرأ على الإمام الكفر انعزل • المراد بالمسألة: أجمعوا على عزل الإمام إذا طرأ عليه الكفر. • من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "لا خلاف بين المسلمين

стр. 3435

أنه لا تنعقد الإمامة للكافر، ولا تستديم له إذا طرأ عليه" (١)، نقله النووي (٦٧٦ هـ) (٢) وعبد الحميد الشرواني (١٣٠١ هـ) (٣) ابن حجر (٨٥٢ هـ) قال: "ينعزل -الإمام- بالكفر إجماعًا" (٤) ملا علي القاري (١٠١٤ هـ) قال: "أجمعوا على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، ولو طرأ عليه الكفر انعزل" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١١). • وجه الدلالة: أنه بكفر الإمام جعل أعظم سبيل على المؤمنين (١٢). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ
следующие страницы →