← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

الفصل السادس مسائل الإجماع في حكم عزل الإمام ومبطلات الإمامة [٥٠/ ٥٠] لا يجوز عزل الإمام بغير عذر • المراد بالمسألة: لا يجوز لأهل الحل والعقد خلع الإمام ما دام لم يأت بما يستحق عزله. • من نقل الإجماع: أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر، وهذا مجمع عليه" (١)، نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٢) المرداوي (٨٨٥ هـ) قال: "وهل لهم عزله إن كان بسؤاله؟ فحكمه حكم من عزل نفسه، وإن كان بغير سؤاله لم يجز بغير خلاف" (٣) الحجاوي (٩٦٠ هـ) قال: "ولهم عزله إن سأل العزل، لقول الصديق: (أقيلوني أقيلوني)، وإلا حرم إجماعًا" (٤) البهوتي (١٠٥١ هـ) قال: "وإن لم يسأل العزل حرم عزله إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما يلي: ١ - لأنا لو جوزنا ذلك لأدى إلى الفساد؛ لأن الآدمي ذو بدرات، فلا بد من

стр. 3432

تغير الأحوال في كل وقت، فيعزلون واحدًا، ويولون آخر، وفي كثرة العزل والتولية زوال الهيبة، وفوات الغرض من انتظام الأمر (١). ٢ - ولأنه الحافظ الأمين، فخلعه بغير ذنب جنته يداه مخالفة لهدي رسول اللَّه ﷺ (٢). النتيجة: صحة الإجماع على أنه لا يجوز عزل الإمام بغير عذر. [٥١/ ٥١] ليس للإمام أن يعزل نفسه بعد انعقاد إمامته بغير عذر • المراد بالمسألة: إذا عزل الإمام نفسه بعد انعقاد إمامته بغير عذر، لم ينعزل إجماعًا. • من نقل الإجماع: أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْعَزِلَ بَعْدَ انْعِقَادِ إمَامَتِهِ إجْمَاعًا" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والأصح عند الشافعية (٦)، وهو وجه عند الحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما يلي: ١ - لأن الحق في ذلك للمسلمين، لا له (٨). ٢ - ولأنه تقلد حقوق المسلمين فليس له التخلي عنها (٩). • من خالف الإجماع: ١ - الشافعية في وجه: وقالوا: ينعزل لو عزل الإمام نفسه من غير عذر من

стр. 3433

عجز أو طلب تخفيف (١). واستدلوا: بأن إلزامه الاستمرار قد يضر به في آخرته ودنياه (٢). ٢ - الشافعية في وجه: وفرّقوا حال لم يول غيره، أو ولى من هو دونه، فلا ينعزل، وإن ولى مثله أو أفضل منه ففى الانعزال وجهان (٣). ٣ - الحنابلة في وجه (٤). واستدلوا بأدلة من السنة، والآثار، والمعقول: • أولًا: السنة: حديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قال: أَخْرَجَ النَّبِي ﷺ ذَاتَ يَوْم الْحَسَنَ، فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يُصلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٥). • وجه الدلالة: قال العيني: "ولم يكن ذلك لعلة ولا لذلة ولا لقلة، وقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، فصالحه رعاية لمصلحة دينه ومصلحة الأمة، وكفى به شرفًا وفضلًا" (٦). ونوقش: بأنه في غير محل النزاع، ألا ترى أن ما فعله الحسن ﵁ لموجب المصلحة العامة؟ • ثانيًا: الآثار: روي أن أبا بكر ﵁ قام بعدما بويع له، وبايع له علي بن أبي طالب ﵁ وأصحابه، قام ثلاثًا يقول: "أيها الناس، قد أقلتكم بيعتكم، هل من كاره؟ "، فيقوم علي ﵁ في أوائل الناس فيقول: "لا واللَّه، لا نقيلك، ولا نستقيلك أبدًا، قدمك رسول اللَّه ﷺ تصلي

стр. 3434

بالناس، فمن ذا يؤخرك؟ " (١). قال القرطبي: "فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه، ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله، فلما أقرته الصحابة على ذلك عُلِم أن للإمام أن يفعل ذلك" (٢). ونوقش: بأنه ضعيف، وفي متنه نكارة (٣)، وعلى فرض صحته فهو يدل على الزهد في الولاية، والورع فيها، وخوف اللَّه أن لا يقوم بحقوقها (٤). • ثالثًا: المعقول: ١ - أن الإمام ناظر للغيب، فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه، فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، وكذلك الإمام يجب أن يكون مثله (٥). ٢ - ولأن تصرفه على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين، فله عزل نفسه" (٦). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٥٢/ ٥٢] إذا طرأ على الإمام الكفر انعزل • المراد بالمسألة: أجمعوا على عزل الإمام إذا طرأ عليه الكفر. • من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "لا خلاف بين المسلمين

стр. 3435

أنه لا تنعقد الإمامة للكافر، ولا تستديم له إذا طرأ عليه" (١)، نقله النووي (٦٧٦ هـ) (٢) وعبد الحميد الشرواني (١٣٠١ هـ) (٣) ابن حجر (٨٥٢ هـ) قال: "ينعزل -الإمام- بالكفر إجماعًا" (٤) ملا علي القاري (١٠١٤ هـ) قال: "أجمعوا على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، ولو طرأ عليه الكفر انعزل" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١١). • وجه الدلالة: أنه بكفر الإمام جعل أعظم سبيل على المؤمنين (١٢). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ

стр. 3436

الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). • وجه الدلالة: ينهى اللَّه -تعالى- عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين (٢). • ثانيًا السنة: حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، ويُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّه فِيهِ بُرْهَانٌ" (٣). • وجه الدلالة: أنه بكفر الإمام تنخرم وظيفته الأساسية، ويبطل مقصودها من حراسة الدين وسياسة الدنيا؛ فوجب عزله. النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم وجود المخالف. [٥٣/ ٥٣] لا ينعزل الإمام بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق • المراد بالمسألة: اختلف أهل العلم فيما إذا انعقدت الإمامة لعدل ثم طرأ عليه فسق، فمن قائل باستدامة العقد ما لم يصل به الفسق إلى ترك الصلاة أو الكفر، ومن قائل بأنه يستحق العزل وتنتقض بيعته، وفصل آخرون في قول ثالث. بَيْدَ أنه من المستقر عليه أنه ليس كل من استحق العزل يُعزل، وإنما مدار الأمر على فقه السياسة الشرعية، والمصالح المبتغاة من ذلك، وعظيم الأضرار التي ستنجم بالبلاد والعباد فيما لو فشلت محاولة عزله، وبالأحرى فإن كانت ثمة فتنة أكبر لم يجز عزله، ألا ترى أنه لا يجوز إنكار المنكر بمنكر أعظم منه؟ أما إذا أمنت الفتنة، وقدر على عزله بوسيلة لا تؤدي إلى فتنة، فحالئذ يتولى أهل الحل والعقد القيام بعزله، أليسوا هم الذين دشنوا معه عقد الإمامة؟ فهم الذين يملكون نقضه.

стр. 3437

• من نقل الإجماع: أبو اليسر البزدوي (٤٩٣ هـ) قال: "وجه قول أهل السنة والجماعة -في أن الإمام إذا جار أو فسق لا ينعزل- إجماع الأمة؛ فإنهم رأوا الفساق أئمة" (١) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق"، وقال -أيضًا-: "قال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق، والظلم، وتعطيل الحقوق" (٢)، نقله المباركفوري (١٣٥٣ هـ) (٣) ملا علي القاري (١٠١٤ هـ) قال: "أجمع أهل السنة على أن السلطان لا يُعزل بالفسق؛ لتهييج الفتن في عزله، وإراقة الدماء، وتفريق ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي (٧)، ومذهب الحنابلة (٨)، والظاهرية -إن كف وآب إلى الحق- (٩). ونُسب إلى الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة التي حدثت بين علي ومعاوية ﵄، وهم: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، ﵃ وأرضاهم (١٠). وهو قول الحسن البصري (١١)، ومذهب عامة أهل الحديث.

стр. 3438

قال أبو يعلى: "ذكر شيخنا أبو عبد اللَّه في كتابه عن أصحابنا أنه لا ينخلع بذلك، أي: بفسق الأفعال، كأخذ الأموال وضرب الأبشار، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شئ مما يدعو إليه من معاصي اللَّه تعالى" (١). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة، والآثار: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢). • وجه الدلالة: قال ابن تيمية: "والفاسق إذا أمر بما هو طاعة للَّه لم تحرم طاعة اللَّه، ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها، كما أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه، ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق، فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقًا إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول ﷺ . . . فأمر بطاعة اللَّه مطلقًا، وأمر بطاعة الرسول؛ لأنه لا يأمر إلا بطاعة اللَّه، ومن يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك" (٣). • ثانيًا: السنة: ١ - حديث أم سلمة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ من رضي وَتَابَعَ"، قالوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قال: "لَا، ما صَلَّوْا" (٤). • وجه الدلالة: أن ظلم الأمراء أو فسقهم لا يقتضي عزلهم والخروج عليهم، ما لم يغيروا شيئًا من قواعد الإسلام (٥).

стр. 3439

• ثانيًا: السنة: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُوْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (١). ٢ - أخرج مسلم في صحيحه عن طَارِقِ بن شِهَاب أنه قال: أَوَّلُ من بَدَأَ بِالْخُطبَةِ يوم الْعِيدِ قبل الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إليه رَجُلٌ فقال: الصلَاةُ قبل الْخُطْبَةِ، فقال: قد تُرِكَ ما هنالك، فقال أبو سَعِيدٍ الخدري ﵁: أَمَّا هذا فَقَدْ قَضَى ما عليه، سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (٢). • وجه الدلالة: في الحديثين أمر إيجاب لتغيير المنكر باليد لمن قدر على ذلك عند أئمة الجور (٣). ونوقش: بأن التغيير باليد لا يستلزم عزلهم وقتالهم، بل يكفي أن يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك (٤). ثانيًا: من فصّل من جهة فحوى الفسق: قسّم الماوردي الفسق المانع لعقد الإمامة واستدامتها على ضربين، فقال: "فأما الجرح في عدالته -وهو الفسق- فهو على ضربين: أحدهما: ما تابع فيه الشهوة، والثاني: ما تعلق فيه بشبهة. فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح، وهو: ارتكابه للمحظورات،

стр. 3440

٢ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً (١) وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا"، قالوا: فما تَأْمُرُنَا يا رَسُولَ اللَّه؟ قال: "أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّه حَقَّكُمْ" (٢). • وجه الدلالة: فيه الأمر بألا ننزع يدًا من طاعة، ولا أن ننابذهم، بل نسأل اللَّه الذي لنا، ونقوم بالحق الذي علينا، وفيه استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة، فإنه لا شك أن استئثار الولاة بالمال دون الرعية يوجب أن تثور الرعية وتطالب بحقها، ولكن الرسول ﷺ أمر بالصبر على هذا، وأن نقوم بما يجب، وأن نسأل اللَّه الذي لنا" (٣). ٣ - حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ ﷺ : "نَعَمْ"، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَاي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَان إِنْسٍ"، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (٤). • وجه الدلالة: فيه الأمر بألا ننزع يدًا من طاعة، ولا أن ننابذهم، ما لم يأمروا بمعصية. ونوقش: بأن أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق، وضرب ظهره بغير حق، إثم وعدوان وحرام، فالمُسَلِّم ماله للأخذ ظلمًا، وظهره للضرب ظلمًا، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه، معاون لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن (٥).

стр. 3441

ونوقش: بأن ذلك في حال التغلب لا في حال الاختيار (١). • من خالف الإجماع: أولًا: القائلون بالعزل مطلقًا: الحنفية إن أمنوا وقوع الفتن (٢)، والشافعي في القديم (٣)، وإليه ذهب بعض أصحابه (٤)، وهو قول بعض الحنابلة (٥)، والظاهرية إن استمر على فسقه بعد نصحه (٦)، والزيدية (٧)، والمعتزلة (٨)، والخوارج (٩). وذهب الجصاص إلى أنه مذهب أبي حنيفة، وقال: "لا فرق عند أبى حنيفة بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة، ولا يكون حاكمًا، كما لا تقبل شهادته ولا خبره. . . وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة وأحكامه غير نافذة؟ ! . . . " (١٠). ونقل عن الإمام مالك القول به (١١). ونُقل عن الإمام أحمد أنه قال: "من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامة، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا" (١٢).

стр. 3442

وقال ابن حزم: "إن سلَّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك" (١). واستدلوا بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٢). • وجه الدلالة: أراد أن الظالم لا يكون إمامًا (٣). قال الجصاص: "فثبت بدلالة هذه الآية بطلان إمامة الفاسق" (٤). ٢ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن السكوت على الإمام الفاسق، وعدم الخروج عليه، هو عين التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه، وإنكاره بعزله والخروج ونحوه من التعاون على البر والتقوى. ٣ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٦). ٤ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفسق وجور الحاكم منكر عظيم.

стр. 3443

• ثانيًا: السنة: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُوْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (١). ٢ - أخرج مسلم في صحيحه عن طَارِقِ بن شِهَاب أنه قال: أَوَّلُ من بَدَأَ بِالْخُطبَةِ يوم الْعِيدِ قبل الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إليه رَجُلٌ فقال: الصلَاةُ قبل الْخُطْبَةِ، فقال: قد تُرِكَ ما هنالك، فقال أبو سَعِيدٍ الخدري ﵁: أَمَّا هذا فَقَدْ قَضَى ما عليه، سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (٢). • وجه الدلالة: في الحديثين أمر إيجاب لتغيير المنكر باليد لمن قدر على ذلك عند أئمة الجور (٣). ونوقش: بأن التغيير باليد لا يستلزم عزلهم وقتالهم، بل يكفي أن يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك (٤). ثانيًا: من فصّل من جهة فحوى الفسق: قسّم الماوردي الفسق المانع لعقد الإمامة واستدامتها على ضربين، فقال: "فأما الجرح في عدالته -وهو الفسق- فهو على ضربين: أحدهما: ما تابع فيه الشهوة، والثاني: ما تعلق فيه بشبهة. فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح، وهو: ارتكابه للمحظورات،

стр. 3444

وإقدامه على المنكرات تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد. وقال بعض المتكلمين: يعود إلى الإمامة بعوده إلى العدالة، من غير أن يُستأنف له عقد ولا بيعة؛ لعموم ولايته، ولحوق المشقة في استئناف بيعته. وأما الثاني منهما فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها، فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، ويخرج بحدوثه منها؛ لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل، وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة، ولا يخرج به منها، كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة" (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٥٤/ ٥٤] تبطل الإمامة بالإقعاد الميؤوس والجذام والعمى الميؤوس • المراد بالمسألة: اشترط أهل العلم سلامة الأعضاء مما يعوق استيفاء الحركة للنهوض بمهام الإمامة الكبرى اتفاقًا، فلا تصح إمامة مقطوع الرجلين بدايةً؛ إذ يحول ذلك بينه وبين أداء مهامه لو ولي الإمامة، ويمنع استدامتها فيما لو طرأ عليه بعدئذ، وكذلك لو طرأ عليه علة تتآكل منها الأعضاء وتتساقط، أو حل به عمى ميؤوس. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلًا، عالِمًا، عدلًا، محسنًا، قويًّا على القيام كما يلزمه في الإمامة" (٢). ولا يكون قويًّا على القيام بمهام الإمامة وقد ألم به إقعاد ميؤوس، أو اعتراه الجذام، أو حل به عمى ميؤوس. أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "وَتَبْطُلُ إمَامَتُهُ بِالْجُنُونِ

стр. 3445

الْمُطْبِقِ، وَالْعَمَى الميؤوس، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، إجْمَاعًا" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: واستدلوا بالكتاب، والمعقول: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٦). قال ابن كثير: "ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه" (٧). • وجه الدلالة: أنه بدأ بالعلم، ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء، فسلامة الأعضاء من شرط اصطفائه للملك (٨). • ثانيًا: المعقول: ١ - أن المقصود بالولاية العامة هو تدبير أمور الناس على العموم

стр. 3446

والخصوص، وإجراء الأمور مجاريها، ووضعها مواضعها على وجه التمام (١)، ويحول دون ذلك الإقعاد والعمى والجذام. ٢ - ولأن ذلك يؤثر في تمام عمله وقيامه بما جعل إليه (٢). ٣ - ويمنع استيفاء الحركة للنهوض بمهام الإمامة. ٤ - ويعود بالضرر على حقوق ومصالح الأمة، والضرر ممنوع. • من خالف الإجماع: خالف ابن حزم الظاهري الإجماع وأجاز إمامة من في خلقه عيب، وقال: "ولا يضر الإمام أن يكون في خلقه عيب، كالأعمى، والأصم، والأجدع، والأجذم، والذي لا يدان له ولا رجلان، ومن بلغ الهرم، ما دام يعقل، ولو أنه ابن مائة عام، ومن يعرض له الصرع ثم يفيق، ومن بويع أثر بلوغه الحلم وهو مستوف لشروط الإمامة، فكل هؤلاء إمامتهم جائزة؛ إذ لم يمنع منها نص قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا نظر، ولا دليل أصلًا، بل قال -تعالى-: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) " (٤). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٥٥/ ٥٥] تبطل الإمامة بالجنون الذي لا يُرجى زواله • المراد بالمسألة: أجمع علماء الأمة على اشتراط العقل في الإمام، فلا تُستدام لمن طرأ عليه جنون لا يُرجى زواله. • من نقل الإجماع: الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "الجنون المطبق الذي لا يُرجى زواله يتضمن الانخلاع بالإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)،

стр. 3447

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٥). قال أبو بكر ابن العربي: "السفيه: المتناهي في ضعف العقل وفساده، كالمجنون والمحجور عليه" (٦). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٧). والمراد بالسفيه في هذه الآية: "كل جاهل بموضع خطأ ما يُمل وصوابه، من بالغي الرجال الذين لا يُولَّى عليهم"، قاله الطبري (٨). قال الشافعي: "أثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يُمل هو، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غَنَاء به عنه من ماله مقامه" (٩). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- لم يجعل لضعيف العقل ولاية على نفسه، فإن لم يل أمر نفسه فأمر غيره أولى، فبالجنون تنسلب الولايات واعتبار الأقوال (١٠). • ثانيًا: السنة: حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "رُفِعَ

стр. 3448

الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ" (١). • وجه الدلالة: أن العقل مناط التكليف؛ لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد: العلم بالمقصود والفهم للتكليف، ولا يتصورا في حق المجنون (٢). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [٥٦/ ٥٦] يعزل الإمام نفسه إذا لم يقدر على القيام بأعباء الإمامة • المراد بالمسألة: قد يرى الإمام عجزه عن القيام بمهام الإمامة؛ لهرم، أو مرض، أو لدرء فتنة ونحوها، فانه يجب عليه أن يعزل نفسه؛ حرصًا على مصلحة المسلمين. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) قال: "لما اتُّفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، كذلك الإمام يجب أن يكون مثله" (٣) الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) قال: "إن كان عزله لنفسه لموجب يقتضي ذلك، كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة، فلا نزاع في جواز عزل نفسه؛ ولذا أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول اللَّه ﷺ الحسن بن علي ﵄ بعزل نفسه، وتسليمه الأمر إلى معاوية ﵁، بعد أن بايعه أهل العراق؛ حقنًا لدماء المسلمين" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)،

стр. 3449

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من السنة، والآثار، والمعقول: • أولًا: السنة: حديث أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قال: أَخْرَجَ النَّبِي ﷺ ذَاتَ يَوْمِ الْحَسَنَ، فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يُصلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٢). • وجه الدلالة: قال العيني: "ولم يكن ذلك لعلة ولا لذلة ولا لقلة، وقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، فصالحه رعاية لمصلحة دينه ومصلحة الأمة، وكفى به شرفًا وفضلًا" (٣). ونوقش: بأنه في غير محل النزاع، ألا ترى أن ما فعله الحسن ﵁ لموجب المصلحة العامة؟ • ثانيًا: الآثار: روي أن أبا بكر ﵁ قام بعدما بويع له، وبايع له علي بن أبي طالب ﵁ وأصحابه، قام ثلاثًا يقول: "أيها الناس، قد أقلتكم بيعتكم، هل من كاره؟ "، فيقوم علي ﵁ في أوائل الناس فيقول: "لا واللَّه، لا نقيلك، ولا نستقيلك أبدًا، قدمك رسول اللَّه ﷺ تصلي بالناس، فمن ذا يؤخرك؟ " (٤). قال القرطبي: "فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه، ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله، فلما أقرته الصحابة على ذلك عُلِم أن للإمام أن يفعل ذلك" (٥). ونوقش: بأنه ضعيف، وفي متنه نكارة (٦)، وعلى فرض صحته فهو يدل على الزهد في الولاية، والورع فيها، وخوف اللَّه ألا يقوم بحقوقها (٧).

стр. 3450

• ثالثًا: المعقول: ١ - أن العزل إذا تحقق وجب زوال ولايته؛ لفوات المقصود منها (١). ٢ - ولأنه كما لم تلزم الإجابة إلى المبايعة، لا يلزمه الثبات (٢). • من خالف الإجماع: الشافعية في وجه (٣). قال القلشقندي: "أما إذا عزل نفسه لغير عجز ولا ضعف، بل آثر الترك؛ طلبًا للتخفيف، حتى لا تكثر أشغاله في الدنيا، ويتسع حسابه في الآخرة، ففيه لأصحابنا الشافعية وجهان في التتمة: أحدهما: الانعزال؛ لأنه كما لم تلزم الإجابة إلى المبايعة لا يلزمه الثبات، والثاني: لا ينعزل؛ لأن الصديق ﵁ قال: (أقيلوني)، ولو كان عزل نفسه مؤثرًا لَمَا طلب الإقالة" (٤). واستدلوا كذلك بما يلي: ١ - لأنه لا يحق له أن يعزل نفسه إلا بموجب قرار من انعقدت إمامته من قبلهم، ألا وهم أهل الحل والعقد، أليسوا نواب الأمة جمعاء؟ (٥). ٢ - ولأنه تقلد حقوق المسلمين فليس له التخلي عنها (٦). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٥٧/ ٥٧] يجب على المسلمين اختيار إمام إذا مات إمامهم • المراد بالمسألة: اتفاق الأمة جمعاء على وجوب تولية إمام لو مات إمامهم. • من نقل الإجماع: الخطابي (٣٨٨ هـ) قال: "رُئيت الصحابة يوم مات رسول اللَّه ﷺ لم يقضوا شيئًا من أمر دفنه وتجهيزه حتى أحكموا أمر البيعة، ونصبوا أبا بكر إمامًا وخليفة" (٧). نقله عنه الحافظ العراقي

стр. 3451

(٨٠٦ هـ) (١) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "لابد من إقامة خليفة، وهذا مما أجمع المسلمون عليه بعد النبي ﷺ في سائر الأعصار خلافًا للأصم" (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي: ١ - حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: "لا يَحِلُّ لِثَلاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلاةٍ من الْأَرْضِ إلا أَمَّرُوا عليهم أَحَدَهُمْ" (٨). ٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (٩). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (١٠). • وجه الدلالة: أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أوجب ﷺ

стр. 3452

تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع" (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.

стр. 3453

الفصل السابع مسائل الإجماع في واجبات الإمام [٥٨/ ٥٨] من واجبات الإمام حفظ الدين • المراد بالمسألة: إذا أسلمت الأمة مقادتها لكبير فيها، واجتمعت الكلمة على رأيه، وخضعت الآراء لحكمه، كان ذلك سببًا في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وقد أجمع علماء الأمة على أن ذلك من أهم واجبات الإمام. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) قال: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع" (١) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون على الاستخلاف فيمن يقيم لهم أمر دينهم ودنياهم" (٢). ملا علي القاري (١٠١٤ هـ) قال: "الإجماع على أن نصب الإمام واجب؛ لأن كثيرًا من الواجبات الشرعية يتوقف عليه، كتنفيذ أحكام المسلمين، وإقامة حدودهم، وسد ثغورهم، وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمعة والأعياد، وتزويج الصغير والصغيرة اللذين لا أولياء لهما، وقسمة الغنائم، ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها آحاد الأمة" (٣). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) قال: "إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول اللَّه ﷺ إلى هذه الغاية، فما هو مرتبط بالسلطان من مصالح الدين والدنيا، ولو لم يكن منها إلا جمعهم على جهاد عدوهم، وتأمين سبلهم، وإنصاف مظلومهم من ظالمه، وأمرهم بما أمرهم اللَّه به، ونهيهم عما نهاهم اللَّه عنه، ونشر السنن، وإماتة البدع، وإقامة حدود اللَّه، فمشروعية نصب السلطان هي من هذه الحيثية" (٤).

стр. 3454

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة وجوب نصب الإمام من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول، فنصبه مؤدٍّ لحفظ الدين واستقامة الدنيا. وقد نقلنا أدلة وجوب نصب الإمام من الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، والرد على من شذ عنه فيما سلف آنفًا (٦). وفيما يلي مستند الإجماع من المعقول: ١ - لأن الإمام هو القائم بخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٧). ٢ - ولأن اللَّه -تعالى- قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. قال ابن رشد: "المعنى في هذا أن الذين ينتهون من الناس عن محارم الناس مخافة السلطان، أكثر من الذين ينتهون عنها لأمر اللَّه، ففي الإمام صلاح الدين والدنيا" (٨). ولقول اللَّه -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ (٩)؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا

стр. 3455

الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أخبر أنه أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان لأجل قيام الناس بالقسط، وذكر أنه أنزل الحديد الذي به يُنصر هذا الحق، فالكتاب يهدى والسيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا. ولهذا كان قوام الناس بأهل الكتاب وأهل الحديد، كما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء، والعلماء" (٢). ٣ - ولأن أكثر الواجبات تتوقف عليه كالجمعة والأعياد (٣). قال ابن تيمية: "ولأن اللَّه -تعالى- أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة" (٤). وقال الماوردي: "ثم لِمَا في السلطان من حراسة الدين والدنيا، والذب عنهما، ودفع الأهواء منه، وحراسة التبديل فيه، وزجر من شذ عنه بارتداد، أو بغى فيه بعناد، أو سعى فيه بفساد، وهذه أمور إن لم تنحسم عن الدين بسلطان قوي ورعاية وافية أسرع فيه تبديل ذوي الأهواء، وتحريف ذوي الآراء، فليس دين زال سلطانه إلا بُدِّلت أحكامه، وطُمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر فيه وهاية أثر، كما أن السلطان إن لم يكن على دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضًا، والتناصر عليه حتمًا، لم يكن للسلطان لبث ولا لأيامه صفو، وكان سلطان قهر، ومفسدة دهر، ومن هذين الوجهين وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت وزعيم الأمة؛ ليكون الدين

стр. 3456

محروسًا بسلطانه، والسلطان جاريًا على سنن الدين وأحكامه" (١). ٥ - ولأنه لو تُرك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يردعهم عن الباطل رادع لهلكوا، ولاستحوذ أهل الفساد على العباد (٢)، وكما يقول القرافي: "لأن عدمها -أي: عدم الإمامة- يفضي إلى الهرج والتظالم، وذلك يجب السعي في إزالته، ولا طريق في مجرى العادة إلا الإمامة" (٣). النتيجة: صحة الإجماع على أن من آكد واجبات الإمام حفظ الدين. [٥٩/ ٥٩] قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الدين • المراد بالمسألة: الاتفاق على قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على قتالهم، حتى يؤدوا حق اللَّه في الزكاة، كما يلزمهم ذلك في الصلاة" (٤) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "أجمع المسلمون على قتل الممتنع عن أداء الصلاة والزكاة مكذبًا بهما" (٥) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "أجمع الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة" (٦) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "أيما طائفة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت عن بعض شرائعه الظاهرة المتواترة، فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين" (٧). وقال أيضًا: "أجمع علماء المسلمين على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، حتى يكون الدين كله للَّه" (٨) نقله ابن مفلح (٧٦٣) (٩) والمرداوي

стр. 3457

(٨٨٥ هـ) (١) والبهوتي (١٠٥١ هـ) (٢) ومحمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦ هـ) (٣) ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: "اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة" (٤) العيني (٨٥٥ هـ) قال: "أجمع العلماء على أن من نصب الحرب في منع فريضة، أو منع حقًّا يجب عليه لآدمي وجب قتاله" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة، والآثار: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١١). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، كان حقًّا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه" (١٢).

стр. 3458

• ثانيًا: السنة: حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). • وجه الدلالة: قال ابن تيمية: "فإذا كان الذين يقومون الليل، ويصومون النهار، ويقرؤون القرآن، أمر النبي ﷺ بقتالهم؛ لأنهم فارقوا السنة والجماعة، فكيف بالطوائف الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام؟ " (٢). ثالثًا: الآثار: قال أبو بكر ﵁: "واللَّه لَأُقَاتِلَنَّ من فَرَّقَ بين الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فإن الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، واللَّه لو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلى رسول اللَّه ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ على مَنْعِهَا". قال عُمَرُ ﵁: "فَوَالله ما هو إلا أَنْ رأيت أَنْ قد شَرَحَ اللَّه صَدْرَ أبي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ" (٣). النتيجة: صحة الإجماع على قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام. [٦٠/ ٦٠] قتال الخوارج وأشباههم إذا فارقوا جماعة المسلمين • المراد بالمسألة: الاتفاق على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي، متى خالفوا رأي الجماعة، وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، أن قتالهم واجب بعد إنذارهم والاعتذار إليهم. • من نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) قال: "قال المهلب (٤) (٤٣٥ هـ)

стр. 3459

وغيره: أجمع العلماء أن الخوارج إذا خرجوا على الإمام العدل، وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، أن قتالهم واجب، وأن دماءهم هدر" (١) القاضي عياض (٥٤٤ هـ) قال: "أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي، متى خالفوا رأي الجماعة، وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، أن قتالهم واجب بعد إنذارهم والاعتذار إليهم" (٢) نقله النووي (٦٧٦ هـ) (٣) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "أجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة، فإن أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة، وعلي ﵁ قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان" (٤) ابن القطان (٦٢٨ هـ) قال: "أجمعوا على أن قتال الخارجين حلال، إذا سفكوا الدماء، وأباحوا الحرم" (٥) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "اتفق الصحابة وعلماء المسلمين على قتال الخوارج" (٦) الدمشقي (بعد ٧٨٥ هـ) قال: "اتفق الأئمة على أن الإمامة فرض، وأنه لابد للمسلمين من إمام يقيم شعائر الدين. . . وأنه لو خرج على إمام المسلمين أو عن طاعته طائفة ذات شوكة، وكان لهم تأويل مشتبه ومطاع فيهم، فإنه يُباح قتالهم، حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه، فإذا فاءوا كف عنهم" (٧) البهوتي (١٠٥١ هـ) قال: "أجمع الصحابة على قتالهم، فإن أبا بكر قاتل مانعي الزكاة، وعليًّا قاتل أهل الجمل وأهل صفين" (٨) الشوكاني (١٢٥٠ هـ) قال: "اعلم أن قتال البغاة

стр. 3460

جائز إجماعًا" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة، والآثار. • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال القرطبي: "في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية، المعلوم بغيها على الإمام، أو على أحد من المسلمين" (٨). • ثانيًا: السنة: ١ - حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إن اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جاء آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ" (٩). ٢ - حديث عرفجة ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ،

стр. 3461

فَاقْتُلُوهُ"، وفي رواية: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هذه الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا من كان" (١). • وجه الدلالة: قال النووي: "فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، ويُنهى عن ذلك، فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل" (٢). ٣ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَان قَوْمٌ أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج والبغاة، وهو إجماع العلماء" (٤). النتيجة: صحة الإجماع على قتال الخوارج وأشباههم إذا فارقوا جماعة المسلمين. [٦١/ ٦١] أن الحج يقيمه الإمام أو نائبه • المراد بالمسألة: اتفقوا على أن إقامة الحج إلى الخلفاء، ومن جعلوا ذلك إليه وأمروه عليه. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "ولا خلاف بين العلماء أن الحج يقيمه السلطان للناس، ويستخلف عليه من يقيمه لهم على شرائعه وسننه، فيصلون خلفه برًّا كان أو فاجرًا أو مبتدعًا، ما لم تخرجه بدعته عن الإسلام" (٥)

стр. 3462

ابن رشد الحفيد (١) (٥٩٥ هـ) قال: "ولا خلاف بينهم أن إقامة الحج هي للسلطان الأعظم، أو لمن يقيمه السلطان الأعظم لذلك، وأنه يُصلى وراءه برًّا كان السلطان أو فاجرًا أو مبتدعًا" (٢) ابن القطان (٦٢٨ هـ) قال: "أجمعوا أن يُغزى معهم -أي: مع الأئمة- العدو، ويحج معهم البيت" (٣) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول اللَّه ﷺ باطنًا وظاهرًا. . . ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فجارًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩). • مستند الإجماع: يُستدل على ذلك بما رُوي عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر ﵃ قال: "كَتَبَ عبد المَلِكِ إلى الْحَجَّاجِ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابن عُمَرَ في الْحَجِّ، فَجَاءَ ابن عُمَرَ ﵁ وأنا معه يوم عَرَفَةَ حين زَالَتْ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ

стр. 3463

سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصفَرَةٌ، فقال: ما لك يا أَبَا عبد الرحمن؟ فقال: الرَّوَاحَ إن كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، قال: هذه السَّاعَةَ؟ قال: نعم، قال: فَأَنْظِرْنِي حتى أُفِيضَ على رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ، فَنَزَلَ حتى خَرَجَ الْحَجَّاجُ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أبي، فقلت: إن كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى عبد اللَّه، فلما رَأَى ذلك عبد اللَّه قال: صَدَقَ" (١). • وجه الدلالة: قال ابن حجر العسقلاني: "فيه أن إقامة الحج إلى الخلفاء" (٢). كما يُستدل بأن إقامة الحج من شعائر الإسلام، المنوط بالإمام الحفاظ عليه؛ لأنه القائم بخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٣). النتيجة: صحة الإجماع على أن إقامة الحج إلى الخلفاء، ومن جعلوا ذلك إليه وأمروه عليه. [٦٢/ ٦٢] إذن الإمام بإقامة الجمعة • المراد بالمسألة: الاتفاق على إذن الإمام بإقامة الجمعة. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطحاوي (٤) (٣٢١ هـ) -بعد أن ذكر ما رُوي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: "الزكاة، والحدود، والفيء، والجمعة إلى السلطان"- قال: "ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه" (٥) نقله أبو بكر

стр. 3464

الجصاص (٣٧٠ هـ) (١) وابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٢) والأمير الصنعاني (١١٨٢ هـ) (٣) والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٤) والمباركفوري (١٣٥٣ هـ) (٥) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "لا يختلف العلماء أن الذي يقيم الجمعة السلطان، وأن ذلك سنة مسنونة" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، وفي قول للإمام أحمد (٨). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من السنة، والآثار، والمعقول: • أولًا: السنة: حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الجُمُعَةَ، فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي، وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّه لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَلَا زَكاةَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّه عَلَيْهِ" (٩). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الإمام شرطًا لإلحاق الوعيد بتارك الجمعة (١٠).

стр. 3465

ونوقش: بأن الحديث ضعيف. وأجيب: بما قاله العيني: "هذا روي من طرق كثيرة ووجوه مختلفة، فحصل له بذلك قوة، فلا يمنع من الاحتجاج به" (١). • ثانيًا: الآثار: ١ - رُوي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: "الزكاة، والحدود، والفيء، والجمعة إلى السلطان" (٢). ٢ - وقال عبد اللَّه بن محيريز (٣): "الحدود، والفيء، والزكاة، والجمعة إلى السلطان" (٤). • ثالثًا: المعقول: ١ - لأنه لو لم يشترط السلطان لأدى إلى الفتنة؛ لأن هذه صلاة تؤدى بجمع عظيم، والتقدم على جميع أهل المصر يُعد من باب الشرف، وأسباب العلو والرفعة، فيتسارع إلى ذلك كل من جُبل على علو الهمة والميل إلى الرئاسة، فيقع بينهم التجاذب والتنازع، وذلك يؤدي إلى التقاتل والتقالي، ففوض ذلك إلى الوالي؛ ليقوم به، أو ينصب من رآه أهلًا له، فيمتنع غيره من الناس عن المنازعة، لما يرى من طاعة الوالي، أو خوفًا من عقوبته (٥). ٢ - ولأنه لو لم يفوض إلى السلطان لا يخلو إما أن تؤدي كل طائفة حضرت

стр. 3466

الجامع، فيؤدي إلى تفويت فائدة الجمعة، وهي: اجتماع الناس لإحراز الفضيلة على الكمال، وإما أن لا تؤدى إلا مرة واحدة، فكانت الجمعة للأولين، وتفوت عن الباقين، فاقتضت الحكمة أن تكون إقامتها متوجهة إلى السلطان؛ ليقيمها بنفسه، أو بنائبه، عند حضور عامة أهل البلدة، مع مراعاة الوقت المستحب (١). • من خالف الإجماع: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - أن عليًّا ﵁ صلى الجمعة بالناس وعثمان ﵁ محصور، فلم ينكره أحد، وصوب ذلك عثمان ﵃ وأمر بالصلاة معهم (٦). ٢ - أنه قيل لعثمان بن عفان ﵁: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ. فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ" (٧). قال ابن قدافة: "وما ذكروه إجماعًا لا يصح، فإن الناس يقيمون الجمعات في القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صح أنه لم يقع إلا ذلك لكان إجماعًا على جواز ما وقع، لا على تحريم غيره، كالحج يتولاه الأئمة وليس بشرط فيه" (٨). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف.

стр. 3467

[٦٣/ ٦٣] لا يقيم الإمام الجمعة بعرفات • المراد بالمسألة: الاتفاق على أنه لا يقيم الإمام الجمعة في عرفات. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: "أجمعوا أنه لا تجوز الجمعة بعرفات، وإن أقامها أمير العراق، أو الخليفة نفسه" (١) فخر الدين الزيلعي (٢) (٧٤٣ هـ) قال: "إن اتفق يوم عرفة يوم الجمعة لا يُصلي فيها الجمعة اتفاقًا" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي: ١ - أن المصر من شرائط الجمعة، وعرفات ليس في حكم المصر؛ إذ ليس لها أبنية، إنما هي فضاء، وليست من فناء مكة؛ لأنها من الحل (٨). ٢ - ولأن النبي ﷺ لم يصل الجمعة بعرفة في حجة الوداع.

стр. 3468

٣ - لأن من شرطها أن يصليها مستوطنون، والحاضرون كلهم ليسوا مقيمين هناك، والجمعة تسقط بالسفر القصير بالاتفاق (١). • من خالف الإجماع: الظاهرية: فإن وافق الإمام يوم عرفة يوم جمعة: جهر، وهي صلاة جمعة؛ ولأن النص لم يأت بالنهي عن ذلك (٢). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [٦٤/ ٦٤] قيام الإمام على الأعياد • المراد بالمسألة: الاتفاق على قيام الإمام على الأعياد. • من نقل الإجماع: ابن القطان (٦٢٨ هـ) قال: "أجمعوا أن يُغزى معهم -أي: مع الأئمة- العدو، ويحج معهم البيت، وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها، وتصلى معهم الجمع والأعياد" (٣) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول اللَّه ﷺ باطنًا وظاهرًا. . . ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فجارًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: يمكن أن يستدل على ذلك بأن إقامة الأعياد من شعائر

стр. 3469

الإسلام، المنوط بالإمام الحفاظ عليه، لأنه القائم بخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (١). النتيجة: صحة الإجماع على قيام الإمام على الأعياد. [٦٥/ ٦٥] جواز جباية الإمام للزكاة • المراد بالمسألة: للإمام جباية الزكاة اتفاقًا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٩ هـ) قال: "أجمعوا على أن الزكاة كانت تدفع لرسول اللَّه ﷺ ، ولرسله، وعماله، وإلى من أمر بدفعها إليه" (٢)، نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٣) أبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ) -بعد أن ذكر ما رُوي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: "الزكاة، والحدود، والفيء، والجمعة إلى السلطان"- قال: "ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه" (٤) نقله أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ) (٥) وابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) (٦) والأمير الصنعاني (١١٨٢ هـ) (٧) والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٨) والمباركفوري (١٣٥٣ هـ) (٩) ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتَّفَقُوا على أَن الإمام الْعدْل الْقرشِي إليه قبض الزَّكَاة" (١٠) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "لا خلاف بين العلماء أن للإمام المطالبة بالزكاة، وأن من أقر بوجوبها عليه أو قامت عليه بها بينة، كان للإمام أخذها منه" (١١)، نقله

стр. 3470

ابن القطان (٦٢٨ هـ) (١) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "للإمام ولاية في أخذها، ولذلك يأخذها من الممتنع اتفاقًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة، والآثار: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ (٨). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "أمر اللَّه -تعالى- رسوله ﷺ بأن يأخُذَ من أموالهم صدقَة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام" (٩). ونوقش: بأن هذا خطاب للنبي ﷺ ، فلا يلتحق غيره فيه به. وأجيب عن ذلك: بما قاله ابن العربي: "هذا كلام جاهل بالقرآن، غافل عن مأخذ الشريعة، متلاعب بالدين، متهافت في النظر؛ فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابًا واحدًا، ولكن اختلفت موارده على وجوه، منها في غرضنا هذه ثلاثة: الأول: خطاب توجه إلى جميع الأمة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١٠)، وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١١)
следующие страницы →