← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

أَهْلِي (١)، وَايْمُ اللَّه! ما عَلِمْتُ على أَهْلِي من سُوءٍ" (٢). • وجه الدلالة: قال ابن حجر: "والحاصل: أنه استشارهم فيما يفعل بمن قذف عائشة" (٣). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١١٩/ ١١٩] لم يستشر النبي ﷺ الأمة فيما نزل فيه وحي • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ لم يستشر أصحابه فيما نزل فيه وحي. • من نقل الإجماع: الفخر الرازي (٦٠٦ هـ) قال: "اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند اللَّه لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة؛ لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس" (٤) ابن عادل الدمشقي (بعد سنة ٨٨٠ هـ) قال: "اتفقوا على أن كلَّ ما نزل فيه وحي من عند اللَّه لم يجز للرسول ﷺ أن يشاورَ الأمةَ فيه؛ لأن النصَّ إذا جاء بطل الرأي والقياس" (٥) الخازن (٦) (٧٤١ هـ) قال: "اتفق العلماء على أن كل ما نزل فيه وحي من اللَّه -تعالى- لم يجز لرسول اللَّه ﷺ أن يشاور فيه الأمة، وإنما أُمر أن يشاور فيما سوى ذلك؛ من أمر الدنيا،

стр. 3572

ومصالح الحرب، ونحو ذلك" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) والظاهرية (٦). ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال ابن العربي: "قال علماؤنا: المراد به الاستشارة في الحرب، ولا شك في ذلك؛ لأن الأحكام لم يكن لهم فيها رأي بقول، وإنما هي بوحي مطلق من اللَّه ، أو باجتهاد من النبي ﷺ على من يجوز له الاجتهاد" (٨). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "اسْتَشَارَ النبي ﷺ مَخْرَجَهُ إلى بَدْرٍ، فَأَشَارَ عليه أبو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشَارَ عُمَرَ، فَأَشَارَ عليه عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ، فقال بَعْضُ الأَنْصَارِ: إِيَّاكُمْ يُرِيدُ نبي اللَّه ﷺ يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. . . " (٩).

стр. 3573

• وجه الدلالة: مشاورة النبي ﷺ أصحابه فيما لم ينزل فيه وحي. الدليل الثاني: حديث عَائِشَةَ ﵂ قالت: لَمَّا ذُكِرَ من شَأْنِي الذي ذُكِرَ وما عَلِمْتُ بِهِ، قام رسول اللَّه ﷺ فِيَّ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عليه بِمَا هو أَهْلُهُ، ثُمَّ قال: "أَمَّا بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ في أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي (١)، وَايْمُ اللَّه! ما عَلِمْتُ على أَهْلِي من سُوءٍ" (٢). • وجه الدلالة: قال ابن حجر: "والحاصل: أنه استشارهم فيما يفعل بمن قذف عائشة، فأشار عليه سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير بأنهم واقفون عند أمره، موافقون له فيما يقول ويفعل، ووقع النزاع في ذلك بين السعدين، فلما نزل عليه الوحي ببراءتها أقام حد القذف على من وقع منه" (٣). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٢٠/ ١٢٠] يجب على الإمام استشارة أهل العلم فيما لا يُعلم فيه نص أو إجماع • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على وجوب استشارة الإمام لأهل العلم فيما لا يُعلم فيه نص من كتاب أو سنة، أو إجماع. • من نقل الإجماع: ابن عطية الأندلسي (٥٤١ هـ) قال: "الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه" (٤). نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٥) وأبو حيان الأندلسي (٧٤٥ هـ) (٦)، والحطاب الرعيني (٩٥٤ هـ) (٧) والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٨)، ومحمد عليش (١٢٩٩ هـ) (٩).

стр. 3574

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة والآثار: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤). • وجه الدلالة: هذا أمر ظاهره الوجوب، ولا قرينة تصرفه عن ذلك، فدل على أنه واجب في حق النبي ﷺ ، فهو في حق من هو دونه أولى (٥). • ثانيًا: السنة: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "اسْتَشَارَ النبي ﷺ مَخْرَجَهُ إلى بَدْرٍ، فَأَشَارَ عليه أبو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشَارَ عُمَرَ، فَأَشَارَ عليه عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ، فقال بَعْضُ الأَنْصَارِ: إِيَّاكُمْ يُرِيدُ نبي اللَّه ﷺ يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. . . " (٦). ٢ - حديث عَائِشَةَ ﵂ قالت: لَمَّا ذُكِرَ من شَأْنِي الذي ذُكِرَ وما عَلِمْتُ بِهِ، قام رسول اللَّه ﷺ فِيَّ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عليه بِمَا هو أَهْلُهُ، ثُمَّ قال: "أَمَّاْ بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ في أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي (٧)، وَايْمُ اللَّه! ما عَلِمْتُ على أَهْلِي من سُوءٍ" (٨). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ -الذي لا ينطق عن الهوى- كان شديد الحرص

стр. 3575

على مشاورة أصحابه في كثير من الأمور، فإذا كان كذلك فإن المشورة في حق من بعده ألزم وأوجب. • ثالثًا: الآثار: استشار أبو بكر الصديق ﵁ الصحابة فيمن يكون خليفته من بعده، فأرسل إلى عثمان بن عفان ﵄ فقال له: "أشر علي برجل، واللَّه إنك عندي لها لأهل وموضع". فقال: عمر. فقال: "اكتب". فكتب حتى انتهى إلى الاسم، فغُشي عليه، ثم أفاق فقال: "اكتب عمر" (١). • وجه الدلالة: مشاورة أبي بكر ﵁ لكبار الصحابة قبل ثبوت عهده إلى عمر ﵁. • من خالف الإجماع: ذهب بعض الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، إلى أن الشورى من السنن المؤكدة، التي دل عليها الكتاب والسنة، ولكنها لا تصل إلى حد الوجوب. قال ابن قدامة: "روي أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، منهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، إذا نزل به الأمر شاورهم فيه، ولا مخالف في استحباب ذلك" (٤). وقال ابن حجر العسقلاني: "وعد كثير من الشافعية المشاورة في الخصائص، واختلفوا في وجوبها، فنقل البيهقي في المعرفة الاستحباب عن النص، وبه جزم أبو نصر القشيري في تفسيره، وهو المرجح" (٥). ولعل هذا هو ما ذهب إليه الماوردي وأبو يعلى، حيث ذكرا الشورى من

стр. 3576

وظائف أمير الحرب اللازمة له (١)، ولم يذكراها في واجبات الأئمة، كما أن الفقهاء عند مناقشتهم لها لم يناقشوها على أساس أنها من وظائف الإمام، بل ناقشوها بالنسبة للقاضي (٢). واستدلوا بما يلي: ١ - ليس هناك دليل يدل على الوجوب إلا الأمر في قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٣)، ولكن هذا الأمر للندب لا للوجوب. قال الحسن البصري: "قد علم أنه ليس به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده" (٤). ٢ - أن الأمر في هذه الآية خاصّ بالنبي ﷺ . قال الشوكاني: "والاستدلال بالآية على الوجوب إنما يتمُّ بعد تسليم أنها غير خاصة برسول اللَّه ﷺ ، أو بعد تسليم أن الخطاب الخاص به يعمّ الأمة أو الأئمة، وذلك مختلف فيه عند أهل الأصول" (٥). فالمقصود: إن كان هناك وجوب فهو خاص بالنبي ﷺ ، وقياس الأئمة على النبي قياس مع الفارق. ٣ - كما استدلوا بحديث مُعَاذِ بن جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إلى الْيَمَنِ قال: "كَيْفَ تَقْضِي إذا عَرَضَ لك قَضَاءٌ"، قال: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّه، قال: "فَإِنْ لم تجِدْ في كتَابِ اللَّه؟ "، قال: فَبِسُنَّةِ رسول اللَّه ﷺ ، قال: "فَإِنْ لم تَجِدْ في سُنَّةِ رسول اللَّه ﷺ ، ولا في كِتَابِ اللَّه؟ "، قال: أَجْتَهِدُ رَأْيِي ولا آلُو، فَضَرَبَ رسول اللَّه ﷺ صَدْرَهُ وقال: "الحَمْدُ للَّه الذي وَفَّقَ رَسولَ

стр. 3577

رسول اللَّه لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّه" (١). قال العظيم أبادي: "وقد جوز النبي ﷺ للحاكم أن يجتهد رأيه، وجعل له على خطئه في اجتهاد الرأي أجرًا واحدًا إذا كان قصده معرفة الحق واتباعه، وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره" (٢). ٤ - وأما كون النبي ﷺ كان يشاور أصحابه، فهذا لا يدل على وجوبها، بل على مشروعيتها، وأنها من فضائل الأعمال ومستحباتها. النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف. [١٢١/ ١٢١] جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة • المراد بالمسألة: اتفق العلماء على أنه يجوز للخليفة أن يجعل الأمر شورى بين جماعة. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "أجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر بالستة" (٣)، نقله ابن حجر العسقلاني

стр. 3578

(٨٥٢ هـ) (١) والعيني (٨٥٥ هـ) (٢) الشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٣). • من وافق على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٩). • وجه الدلالة: قال ابن جرير الطبري: "أمر نبيه ﷺ بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفًا منه أمته ما في الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها؛ ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم كما كانوا يرونه في حياته ﷺ يفعله" (١٠). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١١). • وجه الدلالة: قال ابن العربي: "مدح اللَّه المشاور في الأمور، ومدح القوم

стр. 3579

الذين يمتثلون ذلك" (١). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "اسْتَشَارَ النبي ﷺ مَخْرَجَهُ إلى بَدْرٍ، فَأَشَارَ عليه أبو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشَارَ عُمَرَ، فَأَشَارَ عليه عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ، فقال بَعْضُ الأَنْصَارِ: إِيَّاكُمْ يُرِيدُ نبي اللَّه ﷺ يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. . . " (٢). • وجه الدلالة: حرص النبي ﷺ على مشاورة أهل المشورة في الأمور التي يتعلق بها مصير الأمة. الدليل الثاني: حديث عَائِشَةَ ﵂ قالت: لَمَّا ذُكِرَ من شَأْنِي الذي ذُكِرَ وما عَلِمْتُ بِهِ، قام رسول اللَّه ﷺ فِيَّ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عليه بِمَا هو أَهْلُهُ، ثُمَّ قال: "أَمَّا بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ في أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي (٣)، وَايْمُ اللَّه! ما عَلِمْتُ على أَهْلِي من سُوءٍ" (٤). • وجه الدلالة: قال ابن حجر: "والحاصل: أنه استشارهم فيما يفعل بمن قذف عائشة" (٥). • ثالثًا: الآثار: الدليل الأول: جمع أبو بكر الصديق ﵁ الناس في مرضه الذي قُبض فيه وقال لهم: "أمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي". فقاموا في ذلك، وحلُّوا عنه، فلم تستقم لهم، فقالوا: ارأ لنا يا خليفة رسول اللَّه ﷺ . قال: "فلعلكم تختلفون؟ " قالوا: لا، قال: "فعليكم عهد اللَّه على الرضا؟ " قالوا: نعم. قال: "فأمهلوني أنظر للَّه ودينه ولعباده"، فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان ﵄ فقال: "أشر علي برجل، واللَّه إنك عندي لها لأهل وموضع". فقال: عمر. فقال: "اكتب". فكتب حتى انتهى إلى الاسم، فغُشي عليه، ثم أفاق فقال:

стр. 3580

"اكتب عمر" (١). • وجه الدلالة: مشاورة أبي بكر ﵁ لكبار الصحابة قبل ثبوت عهده إلى عمر ﵁. الدليل الثاني: لما جعل عمر ﵁ الخلافة بين ستة من العشرة المبشرين بالجنة قال لهم: "فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَلْيُصل لَكُمْ صُهَيْبٌ ثَلاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، فَمَنْ تَأَمَّرَ مِنْكُمْ عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ" (٢). • وجه الدلالة: أوجب عمر ﵁ على أهل الحل والعقد التزام المشورة في اختيار الخليفة، وشدد على من يخالفها، وأمر بضرب عنقه، وفي ذلك دلالة على وجوبها. النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٢٢/ ١٢٢] يجوز للإمام أن يخالف أهل الشورى في مسائل الاجتهاد • المراد بالمسألة: إذا اجتهد الإمام في أمر من مسائل الاجتهاد، ورأى أهل الحل والعقد خلاف رأيه، ولا يقطعون بصواب اجتهادهم وبطلان اجتهاده، فإن لهم أن يراجعوه في ذلك، ويشيروا عليه بما يرون أنه الأفضل، فإن رجع إلى رأيهم فبها ونعمت، وإن أصر على اجتهاده فله ذلك؛ لأن هذا من حقوق ولايته، وعليهم أن يطيعوه فيه. • من نقل الإجماع: ابن أبي العز الحنفي (٣) (٧٩٢ هـ) قال: "دلت نصوص

стр. 3581

الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، يُطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال ابن الجوزي: "ومعنى الكلام: فماذا عزمت على فعل شيء فتوكل على اللَّه لا على المشاورة" (٨). وقال أبو بكر الجصاص: "كان ﷺ يجتهد رأيه معهم، ويعمل بما يغلب في رأيه فيما لا نص فيه" (٩). • ثانيًا: السنة: شَاوَرَ النبي ﷺ أَصْحَابَهُ يوم أُحُدٍ في المُقَامِ وَالْخُرُوجِ، فَرَأَوْا له الْخُرُوجَ، فلما لَبِسَ لأمَتَهُ وَعَزَمَ قالوا: أَقِمْ، فلم يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ، وقال:

стр. 3582

"لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأُمَتَهُ فَيَضَعُهَا حتى يَحْكُمَ اللَّه" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عزم على الخروج، ولم يرجع إلى ما أشاروا عليه به بعد العزم. النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.

стр. 3583

الباب الثاني مسائل الإجماع في الحسبة وفيه تمهيد وأربعة فصول: التمهيد: مفهوم الحسبة وأهميتها. الفصل الأول: مسائل الإجماع في حكم الحسبة. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في مواطن الحسبة. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في شروط الحسبة. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في شهادة المحتسب.

стр. 3584

التمهيد: مفهوم الحسبة وأهميتها المبحث الأول: تعريف الحسبة لغة واصطلاحًا: وفيه مطلبان: المطلب الأول: الحسبة في اللغة (١) الحسبة: بكسر الحاء وتسكين السين، اسم من الاحتساب، كالعدة من الاعتداد. والاحتساب مأخوذ من الحسب، وهو على معان عدة منها: ١ - العدد والحساب: يُقال: حسبت الشيء أحسبه حسابًا وحسبانًا، إذا عددته، ومنه قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ (٢)، وقوله -تعالى-: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٣). وبهذا المعنى يكون الإنسان محتسبًا إذا كان يعد ما يدخره من حسنات عند اللَّه تعالى، ومن ذلك قول النبي ﷺ : "من قام رَمَضانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ" (٤)، وقوله ﷺ : "من صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ" (٥). ونحو هذه الأحاديث التي يدل معناها على أن احتساب الأجر هو العد طلبًا للثواب. أمّا الاعتداد فيما يحل بالإنسان من مكروه، فيكون بالصبر والتسليم لأمر اللَّه تعالى، كما قوله ﷺ : "إِنَّ للَّه ما أَخَذَ، وَلَهُ ما أَعْطَى، وَكلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ" (٦).

стр. 3585

٢ - الكفاية: فيُقال: أحتسبُ بكذا، أي: أكتفي به، ومنه قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١). وقول النبي ﷺ لابن مسعود ﵁ حين قرأ عليه القرآن: "حَسْبُكَ الْآنَ" (٢). ٣ - الإنكار: فيُقال: أحتسبُ عليه، أي: أنكر عليه قبيح عمله، وتسمية الإنكار بالاحتساب "من قبيل تسمية المسبب بالسبب؛ لأن الإنكار على الغير سبب بإزالته، وهو الاحتساب؛ لأن المعروف إذا تُرك فالأمر بإزالة تركه أمر بالمعروف، والمنكر إذا فُعل فالأمر بإزالته هو النهي عن المنكر" (٣). ٤ - التدبير: فيُقال: فلان حسن الحسبة في الأمر، أي: حسن التدبير له والنظر فيه وفق القوانين والأنظمة، والمحتسب يقوم بتدبير خاص، وهو تدبير تطبيق الشرع الإسلامي، وهو أحسن وجوه التدبير (٤). ٥ - ومن المجاز يُقال: خرج يحتسب الأخبار، أي: يتعرفها، واحتسبت ما عند فلان، أي: اختبرته وسيرته. فتبين مما سبق أن الحسبة تأتي على معانٍ: العد والحساب، أو طلب الأجر والثواب من اللَّه، أو الاكتفاء، أو الإنكار، أو التدبير في الأمور والنظر في مآلاتها، أو الاختبار والسبر. المطلب الثاني: الحسبة في الاصطلاح: اختلف مفهوم الحسبة في الاصطلاح تبعًا لمدلولاتها اللغوية، فقد عرَّفها جمهور الفقهاء بأنها: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله (٥).

стр. 3586

وعرفها ابن خلدون: بأنها وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١). وعرفها ابن تيمية من خلال تعريفه للمحتسب، حيث وضع معيارًا عامًا يميز بين اختصاصاته واختصاصات الولاة والقضاة، فقال: "أما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما ليس من اختصاص الولاة، والقضاة، وأهل الديوان، ونحوهم، وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ولاة الأمور، فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه، فعلى المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها، ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس، وأما القتل فإلى غيره" (٢). وسار على نهجه تلميذه ابن القيم، حيث قال: "الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة، وقاعدته وأصله: هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (٣). وعرفها الغزالي بقوله: "الحسبة عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وقريب من هذا ما ذكره السنامي (٤) بقوله: "الحسبة في الشريعة: أمر عام تتناول كل مشروع يُفعل للَّه تعالى، كالأذان، والإقامة، وأداء الشهادة مع كثرة تعدادها، ولهذا قيل: القضاء باب من أبواب الحسبة، وقيل: القضاء جزء من أجزاء الاحتساب" (٥).

стр. 3587

يتبين مما سبق أن المعنى الاصطلاحي للحسبة لا يقتصر على تغيير المنكر الظاهر فحسب، وإنما يشمل كل ما يُفعل ويُراد به ابتغاء مرضاة اللَّه تعالى، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدقة، والأذان، والإقامة، وأداء الشهادة، والجهاد في سبيل اللَّه، وجميع أنواع البر. ويدل لذلك قول النبي ﷺ : "إِنَّ اللَّه يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ" (١). وقوله ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ على ابْنَتَيْنِ أو أُخْتَيْنِ أو ذواتي قَرَابَةٍ، يَحْتَسِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا، حتى يُغْنِيَهُمَا اللَّه من فَضْلِهِ أو يكيفهما، كَانَتَا له سِتْرًا مِنَ النَّارِ" (٢). فدلت هذه النصوص وغيرها على سعة مفهوم الحسبة، وعدم اقتصارها على نوع معين من الأحكام. • خلاصة القول: أن الحسبة تمثل الرقابة التطبيقية العامة على قيم المجتمع الإسلامي، باعتبارها وظيفة دينية خلقية، وقاعدتها وأصلها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الذي بعث اللَّه به رسله، وأنزل به كتبه، ووصف به هذه الأمة لأجله على سائر الأمم (٣). قال -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤). قال أبو هريرة ﵁: "خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ في السَّلَاسِلِ في أَعْنَاقِهِمْ، حتى يَدْخُلُوا في الْإِسْلَامِ" (٥).

стр. 3588

المبحث الثاني مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المعروف في اللغة: يُطلق المعروف على كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه، فهو اسم جامع لكل ما عُرِف من طاعة اللَّه، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه، من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه. والمعروف: النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس (١). ومنه: قول النبي ﷺ في صفة قلوب أهل الأهواء: "أَسْوَدَ مُرْبَادًّا، كالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَوَاهُ" (٢). المطلب الثاني: المعروف في الاصطلاح: قال ابن جرير: "أصل المعروف: كل ما كان معروفًا، ففعله جميل مستحسن غير مستقبح في أهل الإيمان باللَّه، وإنما سميت طاعة اللَّه معروفًا، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله" (٣). قال غيره: "يشمل كل معروف حسنه شرعًا وعقلًا، من حقوق اللَّه، وحقوق الآدميين" (٤). فالعقول السليمة تستحسنه ولا تنكره. ولا شك أن هذا مقتصر على ما كان للعقل فيه مجال لإدراك حسنه وحكمة مشروعيته، أما الأمور التعبدية المحضة، التي ليس للعقول مجال لإدراك حسنها، والتوصل إلى حكمة مشروعيتها، فليس داخلًا هنا في استحسان

стр. 3589

العقل، وإنما ذلك موكل للنقل فقط، وعلى العقل الإيمان والتسليم، وعلى الجوارح الانقياد. • خلاصة القول: أن المعروف اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة اللَّه ورسوله، والإحسان إلى عباده، بكل ما جاء الأمر به، والحث عليه، في الكتاب والسنة. فيدخل في ذلك كل ما أمر اللَّه به ورسوله، من توحيد اللَّه والإخلاص له، والمحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والعشرة الزوجية، والإحسان إلى الجيران، المحتاجين، واليتامى، والمساكين، وكافة المسلمين، ونحو ذلك من واجبات الدين ومكملاته التي يجمعها مسمى الإيمان والعمل الصالح. فهو اسم يحيط بالدين كله أصوله وفروعه، عقائده وأحكامه، سننه وآدابه (١). المطلب الثالث: المنكر في اللغة: القبيح، وهو ضد المعروف، وكل ما قبَّحهُ الشرع وحرَّمه وكرهه فهو منكر، ونَكَرَهُ ينكره نكرًا فهو منكور، واستنكره فهو مستنكر، والجمع: مناكير (٢). ومنه قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ (٣)، أي: إنكاري، وقد نكره فتنكر، أي: غيره فتغير إلى مجهول، والنكير والإنكار: تغيير المنكر (٤). المطلب الرابع: المنكر في الاصطلاح: قال ابن جرير: "أصل المنكر: ما أنكره اللَّه، ورأوه قبيحًا فعله، ولذلك سُمِّيت معصية اللَّه: منكرًا؛ لأن أهل الإيمان باللَّه يستنكرون فعلها، ويستعظمون ركوبها" (٥).

стр. 3590

فالمنكر: هو كل اعتقاد، أو قول، أو عمل، أنكره اللَّه ورسوله، كالشرك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والتهاون بالفرائض، ومخالفة السنن المأمور بها، وظلم العباد، وانتهاك الحرمات كالقتل، والسرقة، والزنا، وشرب الخمور، وتعاطي المخدرات، وإيذاء المسلمين، وتعاطي أسباب ذلك، ودواعيه ووسائله وذرائعه التي تؤدي إليه (١).

стр. 3591

المبحث الثالث الحسبة وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يلاحظ مما سبق التطابق بين مصطلح الحسبة، وبين قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر إلهي عام ورد في كل الشرائع السماوية، وبه جاء المرسلون. قال اللَّه -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ (١). قال القرطبي: "دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة" (٢). وقال ابن تيمية: "الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الذي أنزل اللَّه به كتبه، وأرسل به رسله من الدين" (٣). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصطلح قرآني يعبر عن مهمة الرسل، ووظيفة الأنبياء، وعلى أثر الأنبياء يُقتدى فيهما؛ لبيان نهج الإسلام وشريعته. وأحق ما يُبدأ به في البيان: الأمر والنهي؛ لأن معظم الابتلاء بهما، وعبر معرفتهما يتم معرفة الأحكام، ويتميز الحلال والحرام (٤). ومن هنا يمكن القول: إن العلاقة بين هذا المبدأ والحسبة علاقة عموم وخصوص، فالحسبة قد تكون قائمة ولا وجود للمنكر، أما النهي عن المنكر فلا يكون إلا على إثر منكر واقع أو متوقع. فالحسبة تشمل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعد أدلة وجوبه أدلة للحسبة، فهو أصل شرعي له تطبيقاته المختلفة، وبه يتأكد دور الأمة

стр. 3592

كمرشد، ودور الجماعة الإسلامية كحارس، ودور الفرد المسلم باعتباره مسؤولًا مسئولية فردية أمام اللَّه عن القيام بواجبه الديني، والخلقي، والاجتماعي؛ ليصبح جهاز رقابة له فاعلية خاصة. وكذلك الحسبة تبرز أهمية المسؤولية الفردية، ومكانتها في تطبيق قواعد الشرع الإسلامي، ولا تقتصر على تغيير المنكر الظاهر فحسب، وإنما تشمل كل ما يُفعل وُيراد به وجه اللَّه تعالى، وهذا يبدو جليًّا في قول النبي ﷺ : "إِنَّ للَّه ما أَخَذَ، وَلَهُ ما أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ" (١)، وقوله ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ على ابْنَتَيْنِ أو أختَيْنِ أو ذواتي قَرَابَةٍ، يَحْتَسِبُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا، حتى يُغْنِيَهُمَا اللَّه من فَضْلِهِ أو يكيفهما، كَانتَا له سِتْرًا مِنَ النَّارِ" (٢). ومن هذه الإشارات النبوية يتبين أن مفهوم الحسبة في شموليته يحيط بجميع أعمال البر، وهذا من المدلولات اللغوية للحسبة أيضًا. أمّا باعتبار الخصوصية التنظيمية، فالحسبة تمثل أحد التطبيقات الإسلامية الخاصة لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يشمل جميع الولايات، كما يقول ابن تيمية: "إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمرٌ ونهيٌ، فالأمر الذي بعث اللَّه به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي ﷺ والمؤمنين، كما قال -تعالى-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣). . . وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى مثل نيابة السلطة، والصغرى مثل ولاية الشرطة وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية وولاية الحسبة" (٤). ومن هنا تأتي العلاقة بين الحسبة والنظم الإسلامية الأخرى، كالقضاء، وديوان المظالم، وغيرهما.

стр. 3593

المبحث الرابع أهمية الحسبة يهدف الإسلام إلى خلق مجتمع آمن مستقر، تسوده المحبة، ويجتمع أفراده في التعاون على البر والتقوى؛ حتى يتمكن الجميع من القيام بواجب الخلافة في الأرض، وتحقيق الغاية الأساسية من خلق الإنسان، وهي: عبادة اللَّه تعالى، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). ولأن الناس محتاجون دائمًا إلى نظام يسيرون على هديه، وسلطة تحرص على تحقيق هذا النظام في حياة الناس، لزم أن يكون هناك من يذكر الناس بذلك ويتابع التزامهم به، ومن هنا جاءت أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالحسبة في الإسلام لها أهمية عظيمة، ومنزلة كريمة؛ لما لها من أهمية كبيرة في حياة الفرد والمجتمع، ولذلك أوجبها اللَّه على كل فرد من الأمة كل بحسبه. فالحسبة بمثابة صمام الأمان داخل المجتمع المسلم، وهي بمفهومها. الشمولي العام لا غنى لأمة من الأمم عنها، أو مجتمع يريد أن يقيم منهج اللَّه في الأرض، من خلال الأمر بالفضيلة، ومحاربة الرذيلة، فلم تكن خيرية أمة الإسلام إلا على أساس العمل على إقامة هذا النظام الربَّاني الحكيم، بحيث تدور هذه الخيرية وجودًا وعدمًا مع تطبيقه والقيام به بين أفرادها. قال اللَّه -جل وعلا-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢). ونظام الحسبة نظام إسلامي أصيل، وهو الوجه العملي التطبيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الشريان الذي تسري من خلاله الأخوة الإسلامية والمودة والتراحم والترابط الذي يجب إن يتم بين الأمة أفرادًا وجماعات.

стр. 3594

فكيف يمكن أن نتصور مجتمعًا من المجتمعات الإنسانية ضاع فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتشر فيه فعل المنكرات؟ ! فإنه مجتمع لا يمكن أن تنتظم الحياة فيه، ويأمن فيه الإنسان على ضروراته الخمس التي عليها مدار حياته وسعادته، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل. وإذا ساد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين قوم صلحت أحوالهم، وتحقق لهم الفلاح في الدنيا والآخرة (١). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث اللَّه له النبيين أجمعين، لو طُوي بساطه، وأُهمل علمه وعمله؛ لفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وخربت البلاد وهلك العباد، قال اللَّه -تعالى-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (٢). فنعوذ باللَّه أن يندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وأن ينمحي بالكلية حقيقته ورسمه، وأن تستولي على القلوب مداهنة الخلق، وتنمحي عنها مراقبة الخالق، وأن يسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وأن يعز على بساط الأرض مؤمن صادق، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، فلا معاذ إلا به، ولا ملجأ إلا إليه (٣). وهذا هو الواقع الذي يُشاهد في الأماكن التي لا يُؤمر فيها بالمعروف، ولا يُنهى فيها عن المنكر، فبهما تتم المحافظة على عقائد المسلمين من الانحراف، وعباداتهم من الابتداع، ودنياهم من الفساد، وبهما تتم المحافظة على الآداب العامة، والمعاملات التجارية، والأمن والسلامة في المجتمعات.

стр. 3595

وفيما يلي نذكر شيئًا مما يوضح أهمية الحسبة من الكتاب والسنة: أولًا: فضائل القيام بها: ١ - القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات رسول اللَّه ﷺ ، ومهامه العظام، التي بُشر بها في الكتب السابقة، قال اللَّه -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١). ٢ - وهو كذلك من صفات عباد اللَّه المؤمنين التي مدحهم بها، والتى تميزهم عن المنافقين، قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢). وقال عن المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (٣). قال القرطبي: "فجعل اللَّه -تعالى- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدلَّ على أن أخص أوصاف المؤمن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها: الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه" (٤). ٣ - كما ذكر سبحانه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات الصالحين، الذين يطمع كل مسلم أن يكون منهم، فقال : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ (٥). قال الغزالي: "فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان باللَّه واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٦).

стр. 3596

٤ - إن قيام هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو سبب وصفها بالخيرية في قول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١). ٥ - وهو سبب للنصر والتمكين، وواجب من واجبات من مكَّنه اللَّه في الأرض، قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢). فإن الجزاء من جنس العمل (٣). ثانيًا: خطورة ترك الاحتساب: إن ترك الاحتساب سبب للعذاب، فالأمة التي لا يقوم أفرادها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تصبح أمةً تعمّها المعاصي والمنكرات، وتتفشى فيها الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، فتكون أمة لا تستحق البقاء، ويدل لذلك قول النبي ﷺ : "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ على أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إلا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّه منه بِعِقَابٍ" (٤). فتبرك الاحتساب موقع في العذاب والهلاك، وعدم استجابة الدعاء، وهذه سنة اللَّه في الخلق، فأيّ أمة تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيأتيها العذاب والهلاك، قال -سبحانه-: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ (٥).

стр. 3597

قال الطبري: "لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم اللَّه من عذابه حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر باللَّه عذابه" (١). ولما قالت زينَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵂: يا رَسُولَ اللَّه، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ! قال ﷺ : "نعم، إذا كثُرَ الخَبَثُ" (٢). قال ابن حجر العسقلاني: "فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي" (٣). وتارك الاحتساب ملعون على لسان أنبياء اللَّه ورسله عليهم الصلاة والسلام، يدل لذلك قول اللَّه -تعالى-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (٤). قال الجصاص: "قيل: إن فائدة لعنهم على لسان الأنبياء: إعلامهم الأياس من المغفرة مع الإقامة على الكفر والمعاصي؛ لأن دعاء الأنبياء ﵈ باللعن والعقوبة مستجاب" (٥). وهذا يدل على أن من ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واستغنى عن هذه الوسيلة العظيمة من وسائل الدعوة إلى اللَّه سبحانه؛ استحق أن يكون ملعونًا مطرودًا من رحمة اللَّه. قال الغزالي: "وهذا غاية التشديد؛ إذ علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر" (٦).

стр. 3598

الفصل الأول مسائل الإجماع في الحسبة [١٢٣/ ١٢٣] وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر • المراد بالمسألة: اتفاق الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. • من نقل الإجماع: أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ) قال: "أجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (١) ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلا خلاف من أحد منهم" (٢) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالإجماع" (٣) نقله عنه أبو عبد اللَّه المواق (٨٩٧ هـ) (٤) ابن القطان (٦٢٨ هـ) قال: "أجمع المسلمون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب" (٥) النووي (٦٧٦ هـ) قال: "تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)،

стр. 3599

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: استدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٣). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "المقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه" (٤). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٥). • وجه الدلالة: في الآية مدحٌ لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير، وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم المدح، ولحقهم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم (٦). الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (٧). • وجه الدلالة: ذم اللَّه -جل وعلا- بني إسرائيل لتركهم النهي، وكذا من بعدهم يُذم إذا فعل فعلهم (٨). • ثانيًا السنة: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من

стр. 3600

رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان" (١). • وجه الدلالة: قال النووي: "أما قوله ﷺ : "فَلْيُغَيِّرْهُ" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٢). • من خالف الإجماع: خالف الرافضة قول الإجماع في هذه المسألة، وزعموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موقوفان على ظهور الإمام (٣). واستدلوا بقول اللَّه -تعالى-: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٤). وقالوا: إن ظاهر الآية يدل على ترك الأمر بالمعروف. وأجيب عن ذلك: بما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "يا أَيُّهَا الناس إِنَّكُمْ تقرؤون هذه الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا على غَيْرِ موضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنَّا سَمِعْنَا النبي ﷺ يقول: "إِنَّ الناس إذا رَأوْا الظَّالِمَ فلم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّه بِعِقَابٍ"، وإنَي سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "ما من قَوْم يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ على أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إلا يُوشِكُ انْ يَعُمَّهُمْ اللَّه منه بِعِقَابٍ" (٥). قال أبو المعالي الجويني: "ولا يكترث بقول من قال من الروافض: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موقوفان على ظهور الإمام. فقد أجمع المسلمون قبل أن ينبغ هؤلاء على التواصي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوبيخ تاركيه مع الاقتدار عليه" (٦).

стр. 3601

النتيجة: صحة الإجماع على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. [١٢٤/ ١٢٤] كون الأمر بالمعروف فرض كفاية • المراد بالمسألة: الاتفاق على أن الأمر بالمعروف فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية بإجماع الأمة" (١) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين" (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: استدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال القرطبي: "و (من) في قوله: (منكم) للتبعيض، ومعناه: أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء، وليس كل الناس علماء" (٨). ونوقش: بأنها ليست للتبعيض، وإنما هي لبيان الجنس، والمعنى: لتكونوا

стр. 3602

كلكم كذلك (١). وأجيب: بأن اللَّه -تعالى- قد عينهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، وليس كل الناس مكنوا (٣). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعبد من كل فرقة طائفة بالتفقه والإنذار لقومهم (٥). • ثانيًا السنة: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان" (٦). • وجه الدلالة: قال النووي: "إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه" (٧).

стр. 3603

• من خالف الإجماع: ذهب ابن حزم (١)، وابن مفلح (٢)، وابن كثير (٣)، والشوكاني (٤)، إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل مسلم. واستدلوا بأن (من) في قوله -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ صلة ليست للتبعيض (٥). وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقد أجاب عنه ابن حزم بقوله: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم، إن قدر بيده فبيده، وإن لم يقدر بلسانه فبقلبه ولابد، وذلك أضعف الإيمان، فإن لم يفعل فلا إيمان له" (٦). كما خالف الرافضة الإجماع، وزعموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موقوفان على ظهور الإمام. واستدلوا بقول اللَّه -تعالى-: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٧). وقالوا: إن ظاهر الآية يدل على ترك الأمر بالمعروف. وقد أجيب عن ذلك في مسألة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٨). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف. [١٢٥/ ١٢٥] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفور • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفور؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

стр. 3604

• من نقل الإجماع: أبو المظفر السمعاني (١) (٤٨٩ هـ) قال: "لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل" (٢) الغزالي (٥٠٥ هـ) قال: "لا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة" (٣) الفخر الرازي (٦٠٦ هـ) قال: "اتفقوا على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة" (٤) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "لا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة" (٥) القرافي (٦٨٤ هـ) قال: "قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إجماعًا على الفور" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، والظاهرية (١١). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ (١٢).

стр. 3605

• وجه الدلالة: قوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: يبادرون إليها، فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت إمكانها، وذلك من شدة رغبتهم في الخير، ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده (١). • ثانيًا: السنة: ١ - حديث عبد اللَّه بن عَمْرٍو ﵄ قال: تَخَلَّفَ عَنَّا النبي ﷺ في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وقد أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ على أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلأعْقَابِ من النَّارِ"، مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا (٢). ٢ - حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ رَأَى خَاتَمًا من ذَهَب في يَدِ رَجُل، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وقال: "يَعْمِدُ أحدكم إلى جَمْرَةٍ من نَارٍ فَيَجْعَلُهَا في يَدِهِ! " (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بادر إلى إنكار المنكر، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة إليه. حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّه بن الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ (٤) من وَرَائِهِ، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فلما انْصَرَفَ أَقْبَلَ إلى ابن عَبَّاسٍ فقال: مالك وَرَاسِي؟ ! فقال: إني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنما مَثَلُ هذا مَثَلُ الذي يُصَلِّي وهو مَكْتُوفٌ" (٥). • وجه الدلالة: قال النووي: "فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن

стр. 3606

ذلك لا يؤخر؛ إذ لم يؤخره ابن عباس ﵄ حتى يفرغ من الصلاة، وأن المكروه يُنكر كما يُنكر المُحَرَّمُ، وأن من رأى منكرًا وأمكنه تغييره بيده غيره بها" (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٢٦/ ١٢٦] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين متى رجي القبول • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين متى رُجي القبول، أو رُجي رد المظالم. • من نقل الإجماع: ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) قال: "وجملة ما عليه أهل العلم في هذا: أن الأمر بالمعروف متعين، متى رُجي القبول، أو رُجي رد المظالم، ولو بعُنف، ما لم يخف الآمِرُ ضررًا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، إما بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم، حُكمٌ واجب أن يوقف عنده" (٢) نقله الثعالبي (٣) (٨٧٦ هـ) (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)،

стр. 3607

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، أي: ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم (٣). ٢ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤)، أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته (٥). • وجه الدلالة: أن التكاليف مع القدرة، فيتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، متى رُجي القبول، أو رُجي رد المظالم، ما لم يخف الآمِرُ ضررًا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين. • ثانيًا: السنة: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ" (٦). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيها ما لا يُحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو

стр. 3608

فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن" (١). • من خالف الإجماع: ذهب بعض الشافعية (٢)، وهو مذهب الحنابلة (٣) إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل حال، وإن علم عدم امتثاله، وأنه ليس عليه القبول. واستدلوا بعموم الأدلة التي توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤)؛ إذ لم تخصص بحال دون حال. النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٢٧/ ١٢٧] تغيير المنكر فرض عين على المحتسب وعلى من قدر عليه • المراد بالمسألة: اتفق العلماء على أن تغيير المنكر فرض عين على من قدر عليه، وأولى الناس بالقدرة هم الحكام، ومن ولوه أمر الحسبة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه" (٥) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٦)، وابن القطان (٦٢٨ هـ) (٧) ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) قال: "والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه" (٨) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٩)، والثعالبي (٨٧٦ هـ) (١٠) القرافي (٦٨٤ هـ) قال: "قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إجماعًا على الفور، فمن أمكنه أن يأمر بمعروف وجب عليه" (١١) ابن

стр. 3609

تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "المقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه" (٨). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٩). • وجه الدلالة: في الآية مدحٌ لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير، وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم المدح، ولحقهم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم (١٠).

стр. 3610

الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: ذم اللَّه -جل وعلا- بني إسرائيل لتركهم النهي، وكذا من بعدهم يُذم إذا فعل فعلهم (٢). • ثانيًا السنة: الدليل الأول: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان" (٣). • وجه الدلالة: قال النووي: "أما قوله ﷺ : "فَلْيُغَيّرْهُ" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٤). الدليل الثاني: حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (٥). • وجه الدلالة: قال ابن رجب الحنبلي: "معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك، وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة" (٦). وأولى الناس بالطاقة والقدرة هم الحكام، ومن ولوه
следующие страницы →