← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

ذلك لا يؤخر؛ إذ لم يؤخره ابن عباس ﵄ حتى يفرغ من الصلاة، وأن المكروه يُنكر كما يُنكر المُحَرَّمُ، وأن من رأى منكرًا وأمكنه تغييره بيده غيره بها" (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٢٦/ ١٢٦] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين متى رجي القبول • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين متى رُجي القبول، أو رُجي رد المظالم. • من نقل الإجماع: ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) قال: "وجملة ما عليه أهل العلم في هذا: أن الأمر بالمعروف متعين، متى رُجي القبول، أو رُجي رد المظالم، ولو بعُنف، ما لم يخف الآمِرُ ضررًا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، إما بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم، حُكمٌ واجب أن يوقف عنده" (٢) نقله الثعالبي (٣) (٨٧٦ هـ) (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)،

стр. 3607

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، أي: ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم (٣). ٢ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤)، أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته (٥). • وجه الدلالة: أن التكاليف مع القدرة، فيتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، متى رُجي القبول، أو رُجي رد المظالم، ما لم يخف الآمِرُ ضررًا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين. • ثانيًا: السنة: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ" (٦). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيها ما لا يُحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو

стр. 3608

فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن" (١). • من خالف الإجماع: ذهب بعض الشافعية (٢)، وهو مذهب الحنابلة (٣) إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل حال، وإن علم عدم امتثاله، وأنه ليس عليه القبول. واستدلوا بعموم الأدلة التي توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤)؛ إذ لم تخصص بحال دون حال. النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٢٧/ ١٢٧] تغيير المنكر فرض عين على المحتسب وعلى من قدر عليه • المراد بالمسألة: اتفق العلماء على أن تغيير المنكر فرض عين على من قدر عليه، وأولى الناس بالقدرة هم الحكام، ومن ولوه أمر الحسبة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه" (٥) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٦)، وابن القطان (٦٢٨ هـ) (٧) ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) قال: "والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه" (٨) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٩)، والثعالبي (٨٧٦ هـ) (١٠) القرافي (٦٨٤ هـ) قال: "قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إجماعًا على الفور، فمن أمكنه أن يأمر بمعروف وجب عليه" (١١) ابن

стр. 3609

تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "المقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه" (٨). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٩). • وجه الدلالة: في الآية مدحٌ لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير، وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم المدح، ولحقهم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم (١٠).

стр. 3610

الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: ذم اللَّه -جل وعلا- بني إسرائيل لتركهم النهي، وكذا من بعدهم يُذم إذا فعل فعلهم (٢). • ثانيًا السنة: الدليل الأول: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان" (٣). • وجه الدلالة: قال النووي: "أما قوله ﷺ : "فَلْيُغَيّرْهُ" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٤). الدليل الثاني: حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (٥). • وجه الدلالة: قال ابن رجب الحنبلي: "معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك، وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة" (٦). وأولى الناس بالطاقة والقدرة هم الحكام، ومن ولوه

стр. 3611

أمر الحسبة. النتيجة: صحة الإجماع على أن تغيير المنكر فرض عين على المحتسب وعلى من قدر عليه. [١٢٨/ ١٢٨] سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان إذا خاف الآمر على نفسه • المراد بالمسألة: أجمع العلماء على أنه إذا خاف المرء على نفسه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه ينكر بقلبه، ويسقط عنه الإنكار باليد واللسان، شريطة أن لا يخالط ذا المنكر. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه في تغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكره بقلبه فقد أدى ما عليه، إذا لم يستطع سوى ذلك" (١) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٢)، وابن القطان (٦٢٨ هـ) (٣) ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) قال: "والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه، ونهى بمعروف، وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه، وأن لا يخالط ذا المنكر" (٤) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٥)، والثعالبي (٨٧٦ هـ) (٦) ابن العربي (٥٤٣ هـ) قال: "وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا خاف منه المرء على نفسه سقط فرضه بغير خلاف" (٧).

стр. 3612

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦)، أي: ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم (٧). ٢ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٨)، أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته (٩). • وجه الدلالة: أن التكاليف مع القدرة، فلا يتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان، إذا خاف الآمِرُ ضررًا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، ولا يمنعه ذلك من الإنكار بقلبه. • ثانيًا: السنة: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ

стр. 3613

جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (١). ٢ - أخرج مسلم في صحيحه عن طَارِقِ بن شِهَابٍ أنه قال: أَوَّلُ من بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يوم الْعِيدِ قبل الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إليه رَجُلٌ فقال: الصَّلَاةُ قبل الْخُطْبَةِ، فقال: قد تُرِكَما هنالك، فقال أبو سَعِيدٍ الخدري ﵁: أَمَّا هذا فَقَدْ قَضَى ما عليه، سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (٢). • وجه الدلالة: إذا لم يستطع التغيير باليد وإزالته بالفعل؛ لكون فاعله أقوى منه، فليغيره بالقول، وتلاوة ما أنزل اللَّه من الوعيد عليه، وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة، فإن لم يستطع فلا يرضى به، وينكر في باطنه على متعاطيه، فيكون تغييرًا معنويًّا؛ إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير (٣). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ" (٤). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيها ما لا يُحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن" (٥). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٢٩/ ١٢٩] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختص بأصحاب السلطة • المراد بالمسألة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختص بأصحاب

стр. 3614

الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، متى كان قادرًا على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "لا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، والدليل عليه الإجماع أيضًا، فإن غير الولاة من المسلمين في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم" (١) نقله النووي (٦٧٦ هـ) (٢) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه" (٣) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٤)، وابن القطان (٦٢٨ هـ) (٥) ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) قال: "والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه" (٦) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٧)، والثعالبي (٨٧٦ هـ) (٨) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات" (٩). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والشافعية (١٢)،

стр. 3615

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا (٣). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٣٠/ ١٣٠] مراحل إنكار المنكر • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن المنكر يجب تغييره باليد على كل من قدر عليه، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه في تغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكره بقلبه فقد أدى ما عليه، إذا لم يستطع سوى ذلك" (٤) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٥)، وابن القطان (٦٢٨ هـ) (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، والظاهرية (١١).

стр. 3616

• مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، أي: ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم (٢). ٢ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣)، أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته (٤). • وجه الدلالة: أن التكاليف مع القدرة، فيتعين على القادر تغيير المنكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع، فحينئذٍ ينكر بقلبه. • ثانيًا: السنة: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (٥). ٢ - أخرج مسلم في صحيحه عن طَارِقِ بن شِهَابٍ أنه قال: أَوَّلُ من بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يوم الْعِيدِ قبل الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إليه رَجُلٌ فقال: الصَّلَاةُ قبل الْخُطْبَةِ، فقال: قد تُرِكَ ما هنالك، فقال أبو سَعِيدٍ الخدري ﵁: أَمَّا هذا فَقَدْ قَضَى ما عليه، سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (٦).

стр. 3617

• وجه الدلالة: إذا لم يستطع التغيير باليد وإزالته بالفعل؛ لكون فاعله أقوى منه، فليغيره بالقول، وتلاوة ما أنزل اللَّه من الوعيد عليه، وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة، فإن لم يستطع فلا يرضى به، وينكر في باطنه على متعاطيه، فيكون تغييرًا معنويًّا؛ إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير (١). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ" (٢). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيها ما لا يُحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن" (٣). • من خالف الإجماع: ذهب بعض العلماء (٤)، وهو قول للحنفية (٥)، إلى القول بأن تغيير المنكر باليد إنما هو على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني: عوام الناس. واحتجوا بأن التغيير باليد يعتمد القدرة، وأنه لا قدرة لغير الأمراء والحكام، وحملوا تغيير المنكر في الأحاديث على ذلك. ونوقش ذلك: بعموم الأدلة الخاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٣١/ ١٣١] وجوب إنكار المنكر بالقلب • المراد بالمسألة: أجمع العلماء على أن من تعذر عليه إنكار المنكر بيده أو

стр. 3618

لسانه، فإنه يجب عليه الإنكار بقلبه. • من نقل الإجماع: أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ) قال: "أجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عليهم بأيديهم، وبألسنتهم، إن استطاعوا ذلك، وإلا فبقلوبهم" (١). نقله ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٢) ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "اتفقوا في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلوب" (٣). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه في تغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكره بقلبه فقد أدى ما عليه، إذا لم يستطع سوى ذلك" (٤) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٥)، وابن القطان (٦٢٨ هـ) (٦) ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) قال: "والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه، ونهى بمعروف، وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه، وأن لا يخالط ذا المنكر" (٧) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٨)، والثعالبي (٨٧٦ هـ) (٩). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والشافعية (١٢)،

стр. 3619

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ (٣). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم فيما هم فيه، وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤)، أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برؤا من عدتهم، وتخلصوا من إثمهم" (٥). • ثانيًا: السنة: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللَّه فيِ أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُون بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَان حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (٦). ٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (٧). • وجه الدلالة: إذا لم يستطع التغيير باليد وإزالته بالفعل؛ لكون فاعله أقوى

стр. 3620

منه، فليغيره بالقول، وتلاوة ما أنزل اللَّه من الوعيد عليه، وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة، فإن لم يستطع فلا يرضى به، وينكر في باطنه على متعاطيه، فيكون تغييرًا معنويًّا؛ إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٣٢/ ١٣٢] تغيير المنكر بالسيف • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن تغيير المنكر بالسيف لا يجب إلا في اللصوص وقطاع الطريق. • من نقل الإجماع: أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ) قال: "أجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عليهم بأيديهم، وبألسنتهم، إن استطاعوا ذلك، وإلا فبقلوبهم، وأنه لا يجب عليهم بالسيف، إلا في اللصوص والقطاع بعد مناشدتهم" (٢) ابن القطان (٦٢٨ هـ) قال: "أجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بأيديهم، وبألسنتهم، إن استطاعوا ذلك، وإلا فبقلوبهم، وأنه لا يجب ذلك عليهم بالسيف، إلا في اللصوص وقطاع الطريق بعد مناشدتهم" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنابلة (٤). • مستند الإجماع: استدلوا بحديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ

стр. 3621

حَبَةُ خَرْدَلٍ" (١). وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان" (٢). • وجه الدلالة: أن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نص على ذلك الإمام أحمد، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح. فحينئذٍ جهاد الأمراء باليد: بأن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل: أن يريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل ذلك جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يُخشى منه أن يقتله الأمراء وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف فيُخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين (٣). • من خالف الإجماع: قال ابن حزم: "وذهبت طوائف من أهل السنة، وجميع المعتزلة، وجميع الخوارج، والزيدية، إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع، ولا ييأسون من الظفر، ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر، كانوا في سعة من ترك التغيير باليد. وهذا قول علي بن أبي طالب ﵁، وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة ﵂ وطلحة، والزبير، وكل من كان معهم من الصحابة، وقول معاوية، وعمرو، والنعمان بن بشير، وغيرهم ممن معهم من الصحابة ﵃ أجمعين". إلى أن قال: "وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء، كأبي حنيفة، ومالك،

стр. 3622

والشافعي، وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه، وإما الفاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رآه منكرًا" (١). واستدلوا: بقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢). • وجه الدلالة: قال القرطبي: "فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل" (٣). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف.

стр. 3623

الفصل الثاني مسائل الإجماع في مواطن الحسبة [١٣٣/ ١٣٣] لا إنكار فيما يسوغ فيه الاجتهاد ما لم يخالف نصًا من كتاب أو سنة أو إجماع • المراد بالمسألة: اتفقوا أنه لا إنكار فيما يسوغ فيه الاجتهاد، إلا أن يخالف المجتهد نصًّا ثابتًا صحيحًا من الكتاب أو السنة أو إجماع، فحينئذٍ يجب على المحتسب الإنكار عليه. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "لم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم ﵃ أجمعين - ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا: ليس للمفتى ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا" (١) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "وقولهم: (مسائل الخلاف لا إنكار فيها) ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل. أمّا الأول: فإذا كان القول يخالف سنَّةً أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد. وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار. . . وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا" (٢) نقله ابن القيم (٧٥١ هـ) (٣)، وابن مفلح (٧٦٣) (٤) محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦ هـ) قال -في رده على من قال: لا إنكار في مسائل الخلاف-: "إن أراد القائل مسائل الخلاف كلها، فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من

стр. 3624

خالف وأخطأ كائنًا من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم، وإذا كان اللَّه بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ يُنبه على خطئه، وينكر عليه. وإن أُريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح، لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء؛ لكونه مخالفًا لمذهبه، أو لعادة الناس" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦). • وجه الدلالة: قال أبو بكر الجصاص: "اقتضى ذلك نهي الإنسان عن أن يقول في أحكام اللَّه ما لا علم له به على جهة الظن والحسبان، وأن لا يقول في الناس من السوء ما لا يعلم صحته، ودل على أنه إذا أخبر عن غير علم فهو آثم في خبره، كذبًا كان خبره أو صدقًا؛ لأنه قائل بغير علم، وقد نهاه اللَّه عن ذلك" (٧). • ثانيًا: السنة: حديث مُعَاذِ بن جَبَلٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذًا إلى الْيَمَنِ قال: "كَيْفَ تَقْضِي إذا عَرَضَ لك قَضَاءٌ؟ "، قال: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّه، قال: "فَإنْ لم تَجِدْ في كتَابِ اللَّه؟ "، قال: فَبِسُنَّةِ رسول اللَّه ﷺ ، قال:

стр. 3625

"فَإِنْ لم تجِدْ في سُنَّةِ رسول اللَّه ﷺ ، ولا في كتَابِ اللَّه؟ "، قال: أَجْتَهِدُ رَأْيِي ولا آلُو، فَضَرَبَ رسول اللَّه ﷺ صَدْرَهُ وقال: "الحَمْدُ للَّه الذي وَفَّقَ رَسُولَ رسول اللَّه لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّه" (١). • وجه الدلالة: فيه دليل جواز اجتهاد الرأى والعمل بالقياس فيما لا نص فيه (٢). كما يُستدل على ذلك بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا (٣). • من خالف الإجماع: قال السعد التفتازاني: "ليس لمجتهد أن يتعرض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موضع الخلاف؛ إذ كل مجتهد مصيب في الفروع عندنا، ومن قال: إن المصيب واحد، فهو غير متعين عنده، وذكر في محيط الحنفية أن للحنفي أن يحتسب على الشافعي في أكل الضبع، ومتروك التسمية عمدًا، وللشافعي أن يحتسب على الحنفي في شرب المثلث، والنكاح بلا ولي" (٤). وقال ابن رجب الحنبلي: "والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعًا عليه، فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدًا أو مقلدًا لمجتهد تقليدًا سائغًا، واستثنى القاضي في الأحكام السلطانية (٥) ما ضعف فيه الخلاف، وإن كان ذريعة إلى محظور متفق عليه، كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة، فإنه ذريعة إلى الزنا" (٦). النتيجة: عدم صحة الإجماع، لوجود الخلاف.

стр. 3626

[١٣٤/ ١٣٤] لا ضمان على المحتسب المعين إذا كسر المنكر • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن المحتسب المعين إذا كسر المنكر فإنه لا يضمن. • من نقل الإجماع: السنامي (٧٣٤ هـ) قال: "المنصوب للحسبة لا يضمن بإتلاف المعازف عند أبي حنيفة، والمتطوع يضمن عنده، والحيلة أن لا يضمن المتطوع أيضًا أن يستوهبه من المالك، فإن وهبه يكسره، ولا يضمن إجماعًا" (١) ابن نجيم (٩٧٠ هـ) قال: "الضمان على من أتلفها، فعنده يضمن، وعندهما لا، كذا في البدائع، ولكن الفتوى في الضمان على قولهما -كما سيأتي في الغصب- ومحله: ما إذا كسرها غير القاضي والمحتسب، أما هما فلا ضمان اتفاقًا" (٢) ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) قال: "هذا الاختلاف في الضمان دون إباحة إتلاف المعازف، وفيما يصلح لعمل آخر، وإلا لم يضمن شيئًا اتفاقا، وفيما إذا فعل بلا إذن الإمام، وإلا لم يضمن اتفاقًا، وفي غير عود المغني وخابية الخمار، وإلا لم يضمن اتفاقًا؛ لأنه إن لم يكسرها عاد لفعله القبيح" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة، والآثار، والمعقول: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ (٨).

стр. 3627

• وجه الدلالة: أن موسى ﵇ أتلف العجل المتخذ من ذهب (١). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث عَبْدِ اللَّه بن عَمْرِو بن الْعَاص ﵄ قال: رَأَى رسول اللَّه ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فقال: "أأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟ "، قلت: أَغْسِلُهُمَا؟ قال: "بَلْ أَحْرِقْهُمَا" (٢). • وجه الدلالة: أمره النبي ﷺ بحرقهما، تغليظًا في زجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل (٣). الدليل الثاني: حديث عبد اللَّه بن مَسْعُودٍ ﵁ قال: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وَحَوْل الْكَعْبَةِ ثلاثمائة وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ في يَدِهِ، وَجَعَلَ يقول: "جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ" (٤). • وجه الدلالة: قال العيني: "قال الطبري: في حديث ابن مسعود جواز كسر آلات الباطل، وما لا يصلح إلَّاَ في المعصية، حتى تزول هيئتها، وينتفع برضاضها. وقال ابن بطال: آلات اللهو، كالطنابير، والعيدان، والصلبان، والأنصاب تكسر حتى تغير عن هيئتها إلى خلافها، ويُقال: وكل ما لا معنى لها إلا التَّلَهي بها عن ذكر اللَّه تعالى، والشغل بها عما يحبه اللَّه إلى ما يسخطه، يجب أن يُغير عن هيئته المكروهة إلى خلافها من الهيئات التي يزول معها المعنى المكروه، وذلك أنه ﷺ كسر الأصنام والجوهر الذي فيها، ولا شك أنه يصلح إذا غير عن الهيئة المكروهة، وينتفع به بعد الكسر، وقد روي عن جماعة من السلف كسر آلات الملاهي" (٥). كما يستدل على ذلك بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من

стр. 3628

الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٣٥/ ١٣٥] الاحتساب على الوالدين بلطف ولين ورفق • المراد بالمسألة: أجمع الفقهاء على وجوب الاحتساب بوجه عام، ويدخل الوالدان في هذا العموم؛ لأن الأمر والنهي لمنفعة المأمور والمنهي، والأب والأم أحق أن يوصل الولد إليهما المنفعة، ولكن يحتسب الولد عليهما بالتعريف، والنهي بالوعظ والنصح والتخويف باللَّه تعالى، ولكن كل هذا بلطف ولين ورفق. • من نقل الإجماع: الغزالي (٥٠٥ هـ) قال: "ورد في حق الأب على الخصوص ما يوجب الاستثناء من العموم؛ إذ لا خلاف. في أن الجلاد ليس له أن يقتل أباه في الزنا حدًّا، ولا له أن يباشر إقامة الحد عليه، بل لا يباشر قتل أبيه الكافر، بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص، ولم يكن له أن يؤذيه في مقابلته، وقد ورد في ذلك أخبار، وثبت بعضها بالإجماع، فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة، فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع عن جناية مستقبلة متوقعة، بل أولى" (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: استدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة:

стр. 3629

• أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١). وقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا فتأكلهم النار يوم القيامة" (٣). • ثانيًا: السنة: حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ على إِقَامِ الصَّلَاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (٤). • وجه الدلالة: جعل رسول اللَّه ﷺ النصيحة للمسلمين شرطًا في الذي يبايع عليه، كالصلاة والزكاة (٥). ومما لا شك فيه أن الأبوين أحق الناس وأولاهم بهذا النصح، ومن النصح لهما أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر. كما يستدل على ذلك بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا (٦). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٣٦/ ١٣٦] زجر الصبي إذا رئي قاصدًا المنكر • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن الصبي يزجر إذا رئي قاصدا لمنكر. • من نقل الإجماع: ابن القطان (٦٢٨ هـ) قال: "اتفق الجميع على أن الصبي يزجر إذا رئي قاصدًا فعل ما لا يجب، كما يُزجر البالغ إذا قصد لذلك" (٧).

стр. 3630

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٥). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا فتأكلهم النار يوم القيامة" (٦). • ثانيًا: السنة: حديث عُمَرَ بن أبي سلَمَةَ ﵁ قال: كنت غُلَامًا في حَجْرِ رسول اللَّه ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصحْفَةِ، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا غُلَامُ، سَمِّ اللَّه، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"، فما زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ (٧). • وجه الدلالة: الحديث واضح الدلالة في تأديب الصبي وزجره عن فعل ما لا يجب. كما يستدل على ذلك بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا (٨). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.

стр. 3631

الفصل الثالث مسائل الإجماع في شروط المحتسب [١٣٧/ ١٣٧] اشتراط الإسلام في المحتسب • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على اشتراط الإسلام في المحتسب؛ لأن القيام بالأمر والنهي يصير نصرة للدين، فلا يقوم به من هو جاحد لأصل الدين، والأمر والنهي سلطنة واحتكام، ولن يجعل اللَّه للكافرين على المؤمنين سبيلًا (١). • من نقل الإجماع: أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "لا يختص الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، والدليل عليه الإجماع أيضًا" (٢) نقله النووي (٦٧٦ هـ) (٣) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "اتفق المسلمون قاطبة على أن لآحاد المسلمين، وأفراد المستقلين بأنفسهم من المؤمنين، أن يأمروا بوجوه المعروف، ويسعوا في إغاثة كل ملهوف، ويشمروا في إنقاذ المشرفين على المهالك والمناوي والحتوف" (٤) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات" (٥) ابن النحاس (٦) (٨١٣ هـ) قال: "يشترط في

стр. 3632

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الإسلام، والتكليف، والاستطاعة، وهذه الشروط متفق عليها" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "المقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه" (٨). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٩). • وجه الدلالة: في الآية مدحٌ لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير، وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم المدح، ولحقهم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم (١٠).

стр. 3633

الدليل الثالث: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١). • وجه الدلالة: قال القرطبي: "فدل على أن أخص أوصاف المؤمن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٢). الدليل الرابع: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣). • وجه الدلالة: قال ابن العربي: "أن اللَّه سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا بالشرع، فإن وجد ذلك فبخلاف الشرع" (٤). فلا يجب شرعًا تولي غير المسلم الحسبة على المسلمين. • ثانيًا السنة: الدليل الأول: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (٥). • وجه الدلالة: قال النووي: "إنما يأمر وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء، ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه" (٦). الدليل الثاني: حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ،

стр. 3634

وَيقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِن، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (١). • وجه الدلالة: قال ابن رجب الحنبلي: "معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك" (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب قليل من العلماء إلى القول بأنه يجوز للكافر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقالوا: إن نهي الكافر عن المنكر ليس من الحكم في شيء، وليس فيه سلطة، وزعم بعضهم أن ذلك مفرع على عدم مخاطبة الكافر بالفروع (٣). وأجيب: بأنا إنما منعناه منه؛ لأن فعله لذلك منزل منزلة استهزائه بالدين (٤). ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة لدين الإسلام، فكيف يكون من أهله من هو جاحد لأصل الدين وعدو له؟ ! (٥) النتيجة: صحة الإجماع، ولا يُعتد بالمخالف لمعارضته الأدلة الصريحة الصحيحة. [١٣٨/ ١٣٨] اشتراط التكليف في المحتسب • المراد بالمسألة: المكلف لغة: كلف بالشيء كلفًا وكلفة، فهو كلف ومكلف: لهج به، والمتكلف: الوقاع فيما لا يعنيه، والكلفة: ما تكلفت من أمر في نائبة أو حق، ويقال: كلفت بهذا الأمر، أي: أولعت به وأحببته. والكلف: الولوع بالشيء مع شغل قلب ومشقة، وكلفه تكليفًا: أي أمره بما يشق عليه، وتكلفت الشيء: تجشمته على مشقة وعلى خلاف عادتك، وكلفته:

стр. 3635

إذا تحملته، والمكلف: المتحمل للأمر (١). المكلف اصطلاحًا: هو المسلم البالغ العاقل، ولو أنثى، أو عبدًا (٢). أي: الذي تعلقت به الأوامر والنواهي (٣). وقد أجمع المسلمون على أن القائم على الحسبة يجب أن يكون مكلفًا؛ لأن غير المكلف لا يلزمه أمر، فلا وجوب عليه، أما إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا العقل؛ لأن الصبي المراهق للبلوغ المميز -وإن لم يكن مكلفًا- فله إنكار المنكر، وله أن يريق الخمر ويكسر الملاهى، وإذا فعل ذلك نال به ثوابًا، ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ليس بمكلف (٤). • من نقل الإجماع: ابن النحاس (٨١٣ هـ) قال: "يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الإسلام، والتكليف، والاستطاعة، وهذه الشروط متفق عليها" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بالكتاب والسنة: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ

стр. 3636

لَكُمْ قِيَامًا﴾ (١). قال أبو بكر ابن العربي: "السفيه: المتناهي في ضعف العقل وفساده، كالمجنون والمحجور عليه" (٢). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٣). والمراد بالسفيه في هذه الآية: "كل جاهل بموضع خطأ ما يُمل وصوابه، من بالغي الرجال الذين لا يُولَّى عليهم"، قاله الطبري (٤). قال الشافعي: "أثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يُمل هو، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غَنَاء به عنه من ماله مقامه" (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه -جل وعلا- لم يجعل لضعيف العقل ولاية على نفسه، فإن لم يل أمر نفسه فأمر غيره أولى، فبالجنون تنسلب الولايات واعتبار الأقوال (٦). • ثانيًا: السنة: حديث عائشة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ" (٧). • وجه الدلالة: أن العقل مناط التكليف؛ لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد: العلم بالمقصود والفهم للتكليف، ولا يتصوران في حق المجنون (٨). كما يستدل على ذلك بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من

стр. 3637

الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٣٩/ ١٣٩] اشتراط الاستطاعة في الحسبة • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على اشتراط الاستطاعة والقدرة على تغيير المنكر لمن يقوم على أمر الحسبة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه في تغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكره بقلبه فقد أدى ما عليه، إذا لم يستطع سوى ذلك" (٢) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٣)، وابن القطان (٦٢٨ هـ) (٤) ابن عطية الأندلسي (٥٤٢ هـ) قال: "والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه" (٥) نقله القرطبي (٦٧١ هـ) (٦)، والثعالبي (٨٧٦ هـ) (٧) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات" (٨) ابن النحاس (٨١٣ هـ) قال: "يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الإسلام، والتكليف، والاستطاعة، وهذه الشروط متفق عليها" (٩).

стр. 3638

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بالكتاب، والسنة: • أولًا: الكتاب: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦)، أي: ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم (٧). ٢ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٨)، أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته (٩). • وجه الدلالة: أن التكاليف مع القدرة، فيتعين على القادر تغيير المنكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع، فحينئذٍ ينكر بقلبه. • ثانيًا: السنة: ١ - حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نَبِي بَعَثَهُ اللَّه في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ

стр. 3639

جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (١). ٢ - أخرج مسلم في صحيحه عن طَارِقِ بن شِهَاب أنه قال: أَوَّلُ من بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يوم الْعِيدِ قبل الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إليه رَجُل فقال: الصَّلَاةُ قبل الْخُطْبَةِ، فقال: قد تُرِكَ ما هنا لك، فقال أبو سَعِيدٍ الخدري ﵁: أَمَّا هذا فَقَدْ قَضَى ما عليه، سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (٢). • وجه الدلالة: إذا لم يستطع التغيير باليد وإزالته بالفعل؛ لكون فاعله أقوى منه، فليغيره بالقول، وتلاوة ما أنزل اللَّه من الوعيد عليه، وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة، فإن لم يستطع فلا يرضى به، وينكر في باطنه على متعاطيه، فيكون تغييرًا معنويًّا؛ إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير (٣). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ" (٤). • وجه الدلالة: قال النووي: "هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيها ما لا يُحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن" (٥). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٤٠/ ١٤٠] اشتراط العلم في المحتسب • المراد بالمسألة: يُشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن

стр. 3640

ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إن كان جاهلًا بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر. ولكن الناس متفاوتون فيما عندهم من العلم باللَّه وبدين اللَّه، وكلما كان الإنسان أعلم، كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقه ألزم، ولا يُتصور أن مسلمًا ليس عنده من العلم باللَّه وبدين اللَّه ولو الشيء اليسير، فكلٌّ يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقه واجبًا على قدر ما عنده من العلم، وهذا ما أجمع المسلمون عليه. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "إذا كان القول يخالف سنَّةً أو إجماعًا قديمًا، وجب إنكاره وفاقًا" (١) نقله ابن القيم (٧٥١ هـ) (٢)، وابن مفلح (٧٦٣) (٣). فإذا اقتحم الجهال الدعوة، وترأسوا فيها، وأخذوا بالأمر والنهي دون علم في ذلك كله، فإنهم يفسدون في هذه الحال أكثر مما يصلحون. وأنى للجاهل أن يميز بين الموافق والمخالف للسنة؟ ! • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، المالكية (٥)، الشافعية (٦)، الحنابلة (٧)، الظاهرية (٨). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بالكتاب والسنة: • أولا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو

стр. 3641

إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١). • وجه الدلالة: قال الشنقيطي: "فدل على أن الداعي إلى اللَّه لا بد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه" (٢). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣). • وجه الدلالة: قال أبو بكر الجصاص: "اقتضى ذلك نهي الإنسان عن أن يقول في أحكام اللَّه ما لا علم له به على جهة الظن والحسبان، وأن لا يقول في الناس من السوء ما لا يعلم صحته، ودل على أنه إذا أخبر عن غير علم فهو آثم في خبره، كذبًا كان خبره أو صدقًا، لأنه قائل بغير علم، وقد نهاه اللَّه عن ذلك" (٤). • ثانيًا: السنة: حديث عَمْرِو بن الْعَاصِ ﵁ أن رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ اللَّه لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الناس، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حتى إذا لم يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٥). • وجه الدلالة: قال ابن حجر العسقلاني: "وفي هذا الحديث: الحث على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم" (٦). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٤١/ ١٤١] عدم اشتراط العصمة في المحتسب • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أنه لا يُشترط فيمن يقوم على أمر

стр. 3642

الحسبة أن يكون معصومًا. • من نقل الإجماع: الغزالي (٥٠٥ هـ) قال: "هل يُشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصومًا عن المعاصي كلها؟ فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع، ثم حسم لباب الاحتساب؛ إذ لا عصمة للصحابة فضلًا عمن دونهم" (١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "اتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول اللَّه ﷺ " (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة. • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٨). • وجه الدلالة: لم يأمر اللَّه -جل وعلا- بالرد عند التنازع إلا إلى اللَّه والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول ﷺ لأمرهم بالرد إليه؛ فدل القرآن أن لا معصوم إلا الرسول ﷺ (٩).

стр. 3643

الدليل الثاني: قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٢). • وجه الدلالة: دل القرآن -في غير موضع- على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قُدِّر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول ﷺ هو الذي فرَّق اللَّه به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسَّم اللَّه به عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي، وليست هذه المرتبة لغيره، فهو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى (٣). • ثانيًا: السنة: حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّمَا الطَّاعَة في المَعْرُوفِ" (٤)، وفي رواية: "لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ اللَّه" (٥)، ومثله حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا طَاعَة لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالق" (٦)، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّه فَلَا تُطِيعُوه" (٧). • وجه الدلالة: أن اللَّه لم يأمر بطاعة مطلقة، بل اشترط فيها أن تكون في غير معصيته، وهذا يُبيّن أن لا معصوم من المخلوقين إلا من عصم اللَّه من الأنبياء والمرسلين (٨). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.

стр. 3644

[١٤٢/ ١٤٢] عدم اشتراط العدالة في المحتسب • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على عدم اشتراط العدالة فيمن يقوم على أمر الحسبة. • من نقل الإجماع: الغزالي: ت: (٥٠٥) "إجماع المسلمين من السلف والخلف على جواز الحسبة من كل مسلم مع عدم اشتراط العصمة والقائل بأن المحتسب يجب أن يكون معصومًا عن المعاصي كلها خارق للإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، المالكية (٣)، الشافعية (٤)، الحنابلة (٥)، الظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عام في جميع الناس (٧). كما يُستدل بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا (٨). • المخالفون للإجماع: ذهبت المعتزلة إلى اعتبار العدالة في المحتسب، وقالوا: ليس للفاسق أن يحتسب (٩). واستدلوا: بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله، مثل: قول اللَّه -تعالى-:

стр. 3645

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ (١). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ (٢). وأجيب عن ذلك: بما قاله القرطبي: "هذا استدلال سَاقِطٌ؛ لأن الذم هاهنا إنما وقع على ارتكاب ما نهى عنه لا عن نهيه عن المنكر، ولا شك أن النهي عن المنكر ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه" (٣). كما استدلوا بحديث أسامة بن زيد ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يوم الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النَّارِ، فَيَدُورُ كما يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عليه، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ! ما شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كنْتَ تَأْمُرُنَا بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عن المُنْكَرِ؟ قال: كنت آمُرُكُمْ بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عن المُنْكَرِ وَآتِيهِ" (٤). وربما استدلوا -أيضًا- من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء، وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح، فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره؟ ! ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟ ! وأجيب عن ذلك كله: بما قاله الغزالي: "كل ما ذكروه خيالات، وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب، وبرهانه هو: أن نقول: هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصومًا عن المعاصي كلها؟ فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع، ثم حسم لباب الاحتساب؛ إذ لا عصمة للصحابة فضلًا عمن دونهم، والأنبياء ﵈ قد اختُلف في عصمتهم عن الخطايا" (٥). النتيجة: صحة الإجماع، ولا يُعتد بخلاف المبتدعة.
следующие страницы →