← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١). • وجه الدلالة: قال الشنقيطي: "فدل على أن الداعي إلى اللَّه لا بد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه" (٢). الدليل الثاني: قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣). • وجه الدلالة: قال أبو بكر الجصاص: "اقتضى ذلك نهي الإنسان عن أن يقول في أحكام اللَّه ما لا علم له به على جهة الظن والحسبان، وأن لا يقول في الناس من السوء ما لا يعلم صحته، ودل على أنه إذا أخبر عن غير علم فهو آثم في خبره، كذبًا كان خبره أو صدقًا، لأنه قائل بغير علم، وقد نهاه اللَّه عن ذلك" (٤). • ثانيًا: السنة: حديث عَمْرِو بن الْعَاصِ ﵁ أن رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ اللَّه لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الناس، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حتى إذا لم يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ الناس رؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٥). • وجه الدلالة: قال ابن حجر العسقلاني: "وفي هذا الحديث: الحث على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم" (٦). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٤١/ ١٤١] عدم اشتراط العصمة في المحتسب • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أنه لا يُشترط فيمن يقوم على أمر

стр. 3642

الحسبة أن يكون معصومًا. • من نقل الإجماع: الغزالي (٥٠٥ هـ) قال: "هل يُشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصومًا عن المعاصي كلها؟ فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع، ثم حسم لباب الاحتساب؛ إذ لا عصمة للصحابة فضلًا عمن دونهم" (١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "اتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول اللَّه ﷺ " (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأدلة من الكتاب، والسنة. • أولًا: الكتاب: الدليل الأول: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٨). • وجه الدلالة: لم يأمر اللَّه -جل وعلا- بالرد عند التنازع إلا إلى اللَّه والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول ﷺ لأمرهم بالرد إليه؛ فدل القرآن أن لا معصوم إلا الرسول ﷺ (٩).

стр. 3643

الدليل الثاني: قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٢). • وجه الدلالة: دل القرآن -في غير موضع- على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر، ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قُدِّر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، فالرسول ﷺ هو الذي فرَّق اللَّه به بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسَّم اللَّه به عباده إلى شقي وسعيد، فمن اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي، وليست هذه المرتبة لغيره، فهو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى (٣). • ثانيًا: السنة: حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّمَا الطَّاعَة في المَعْرُوفِ" (٤)، وفي رواية: "لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ اللَّه" (٥)، ومثله حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا طَاعَة لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالق" (٦)، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّه فَلَا تُطِيعُوه" (٧). • وجه الدلالة: أن اللَّه لم يأمر بطاعة مطلقة، بل اشترط فيها أن تكون في غير معصيته، وهذا يُبيّن أن لا معصوم من المخلوقين إلا من عصم اللَّه من الأنبياء والمرسلين (٨). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.

стр. 3644

[١٤٢/ ١٤٢] عدم اشتراط العدالة في المحتسب • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على عدم اشتراط العدالة فيمن يقوم على أمر الحسبة. • من نقل الإجماع: الغزالي: ت: (٥٠٥) "إجماع المسلمين من السلف والخلف على جواز الحسبة من كل مسلم مع عدم اشتراط العصمة والقائل بأن المحتسب يجب أن يكون معصومًا عن المعاصي كلها خارق للإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، المالكية (٣)، الشافعية (٤)، الحنابلة (٥)، الظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عام في جميع الناس (٧). كما يُستدل بعموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكتاب، والسنة، وقد تقدم ذكرها آنفًا (٨). • المخالفون للإجماع: ذهبت المعتزلة إلى اعتبار العدالة في المحتسب، وقالوا: ليس للفاسق أن يحتسب (٩). واستدلوا: بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله، مثل: قول اللَّه -تعالى-:

стр. 3645

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ (١). وقول اللَّه -تعالى-: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ (٢). وأجيب عن ذلك: بما قاله القرطبي: "هذا استدلال سَاقِطٌ؛ لأن الذم هاهنا إنما وقع على ارتكاب ما نهى عنه لا عن نهيه عن المنكر، ولا شك أن النهي عن المنكر ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه" (٣). كما استدلوا بحديث أسامة بن زيد ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يوم الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النَّارِ، فَيَدُورُ كما يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عليه، فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ! ما شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كنْتَ تَأْمُرُنَا بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عن المُنْكَرِ؟ قال: كنت آمُرُكُمْ بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عن المُنْكَرِ وَآتِيهِ" (٤). وربما استدلوا -أيضًا- من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء، وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح، فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره؟ ! ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟ ! وأجيب عن ذلك كله: بما قاله الغزالي: "كل ما ذكروه خيالات، وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب، وبرهانه هو: أن نقول: هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصومًا عن المعاصي كلها؟ فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع، ثم حسم لباب الاحتساب؛ إذ لا عصمة للصحابة فضلًا عمن دونهم، والأنبياء ﵈ قد اختُلف في عصمتهم عن الخطايا" (٥). النتيجة: صحة الإجماع، ولا يُعتد بخلاف المبتدعة.

стр. 3646

الباب الثالث مسائل الإجماع في تصرفات الإمام في موارد بيت مال المسلمين وفيه تمهيد وأربعة فصول التمهيد: ويتضمن التعريف ببيت المال، الخراج، الفيء، الغنيمة، إحياء الموات. الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب الخراج. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الفيء والغنيمة. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في إحياء الموات. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في أخذ الإمام للزكاة.

стр. 3647

التمهيد موارد ومصارف بيت مال المسلمين المبحث الأول: التعريف بالمال المطلب الأول: المال في اللغة: مأخوذ من مادة (مَوَلَ)، وهو: ما ملكته من جميع الأشياء (١). قال ابن الأثير: المالُ في الأصل: ما يُملك من الذهب والفضة، ثم أُطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأكثر ما يُطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم، ومَالَ الرجل وتمَوَّل: إذا صار ذا مالٍ، وقد موله غيره ويُقال: رجل مال: أي كثير المال، كأنه قد جعل نفسه مالًا، وحقيقته: ذو مال (٢). ومنه قول النبي ﷺ : "مَا آتاكَ اللَّه مِنْه مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافٍ، فَخُذْهُ وَتَمَوَّلْهُ" (٣)، أي: اجعله لك مالًا. وقيل: "المال: كل ما يملكه الفرد، أو تملكه الجماعة، من متاع، أو عروض تجارة، أو عقار، أو نقود، أو حيوان، وجمعه أموال. وقد أطلق في الجاهلية على الإبل" (٤). المطلب الثاني: المال في الاصطلاح: اختلفت تعريفات الفقهاء للمال تبعًا لاختلافهم في مالية المنافع، وعدم ماليتها. فذهب السرخسي من الحنفية إلى أن المال: اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز (٥). فقصر المال على المتمول والمحرز، إلا أن ثمة أموالًا غير متمولة ولا محرزة. وقال ابن عابدين: "والمال أعم من المتمول؛ لأن المال ما يمكن ادخاره

стр. 3648

ولو غير مباح، كالخمر، والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة، فالخمر مال لا متقوم" (١). وعرّف المال بقوله: "المال: ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة" (٢). ولكن طباع الناس تختلف في ميلها وتتناقض، فلا تصلح أن تكون أساسًا ومقياسًا لتمييز المال من غير المال، كما أن من المال أنواعًا لا يمكن ادخارها، كالخضروات والثمار الطازجة، مع أنها أموال في نظر عامة الناس. وقال الزرقا (٣) -وهو من الحنفية المتأخرين-: "المال عند فقهاء الحنفية يقتصر على الموجودات المادية ذات قيمة مادية بين الناس" (٤). فقصر المال على الأعيان، وبذلك خرجت المنافع والحقوق المحضة، مما عدوه ملكًا لا مالًا، كما خرجت الأعيان التي لا قيمة لها بين الناس، كحبة القمح والجيفة ونحوها. وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يرون المنافع أموالًا، وعليه فإن المال عند الجمهور تتسع دائرته لتشمل ما يُعرف في هذا العصر بالحقوق المعنوية، وفيما يلي بعض تعريفات الجمهور للمال: قال ابن عبد البر: "المعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك فهو مال" (٥).

стр. 3649

وقال الشاطبي: "أعني بالمال: ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره" (١). وقال الشافعي: "لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة يُباع بها، وتكون إذا استهلكها مستهلك أدى قيمتها وإن قلّت، وما لا يطرحه الناس من أموالهم، مثل الفلس وما أشبه ذلك" (٢). ويبدو أنه تعريف يراعي أعراف الناس في اعتبارهم للقيمة، وهذا باب واسع يدخل فيه الأعيان والمنافع والحقوق، فكل هذه لها قيمة في نظر الناس. وقال المرداوي وغيره: "هو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة" (٣). فاعتبر المنفعة أساسًا في تحديد ما يعاوض عليه بين الناس، فما لا منفعة فيه لا يكون فيه ربحٌ ولا كسب. ومن مجمل تعريفات الجمهور السابقة للمال استخلص بعض الباحثين تعريفًا للمال بأنه: "ما كان له قيمة مادية بين الناس، وجاز شرعًا الانتفاع به حال السعة والاختيار" (٤). وهذا التعريف متين وقوي، إلا ما قد يرد عليه في قوله: "قيمة مادية"، فإنه قد يُفهم منها إرادة الأعيان دون المنافع، ودون الأمور المعنوية، فكان عليه إطلاق القيمة دون تقييدها بالمادية (٥).

стр. 3650

المبحث الثاني التعريف ببيت مال المسلمين المطلب الأول: بيت المال في اللغة: أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل؛ لأنه يُقال: بات: أقام بالليل، كما يقال: ظل بالنهار، ثم قد يقال للمسكن: بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه: أبيات وبيوت، لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر (١). وبيت المال: هو المكان المعد لحفظ المال، خاصًّا كان أو عامًّا. المطلب الثاني: بيت المال في الاصطلاح: أطلق بيت مال المسلمين -في صدر الإسلام- على المبنى والمكان الذي تُجْمع وتُحفظ فيه الأموال العامة للدولة الإسلامية، ثم تطور مصطلح "بيت المال" في العصور الإسلامية اللاحقة، حتى صار يُطلق على الجهة التي تملك المال العام للمسلمين من النقود والعروض والأراضي، وغيرها. قال الماوردى: "كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم، فهو من حقوق بيت المال، فإذا قُبض صار بالقبض مضافًا إلى حقوق بيت المال، سواء أُدخل إلى حرزه، أو لم يدخل؛ لأن بيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان، وكل حق وجب صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال، فإذا صرف في جهته صار مضافًا إلى الخراج من بيت المال، سواء خرج من حرزه، أو لم يخرج؛ لأن ما صار إلى عمال المسلمين، أو خرج من أيديهم، فحكم بيت المال جار عليه في دخله إليه وخرجه" (٢). ولم يكن بيت المال موجودًا في عهد النبي ﷺ ، وأول من اتخذ بيت مال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، وذلك بسبب الفتوحات العظيمة التي تمت في عهده، والخيرات التي تدفقت على الدولة الإسلامية.

стр. 3651

فقد روى ابن سعد في طبقاته أن أبا هريرة ﵁ قَدِم على عمر ﵁ من البحرين، قال أبو هريرة: فلقيته في صلاة العشاء الآخرة، فسلمت عليه، فسألني عن الناس، ثم قال لي: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال: هل تدري ما تقول؟ ! قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال: ماذا تقول؟ قال: قلت مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، حتى عددت خمسًا، قال: إنك ناعس، فارجع إلى أهلك فنم، فإذا أصبحت فأتني. قال أبو هريرة: فغدوت إليه، فقال: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال عمر: أطيب؟ قلت: نعم، لا أعلم إلا ذلك، فقال للناس: إنه قد قدم علينا مال كثير، فإن شئتم أن نعد لكم عددًا، وإن شئتم أن نكيله لكم كيلًا، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إني قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديوانًا يعطون الناس عليه، قال: فدون الديوان، وفرض للمهاجرين الأولين في خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار في أربعة آلاف أربعة آلاف، ولأزواج النبي ﷺ في اثني عشر ألفًا" (١). ونشأ من يومها ديوان بيت المال، ثم تطور عبر الأزمان إلى أن أصبح له شخصية اعتبارية، ويُعامل معاملة الشخص الطبيعي من خلال ممثليه، فله ذمة مالية مستقلة، بحيث تثبت له الحقوق وعليه، ومنه ترفع الدعوى وعليه، ويمثله إمام المسلمين، أو من يعهد إليه.

стр. 3652

المبحث الثالث موارد ومصارف بيت المال وفيه مطلبان: المطلب الأول: موارد بيت المال: تنقسم موارد بيت المال في الدولة الإسلامية إلى عدة موارد ومصادر تحت القاعدة الأصولية العامة: "إن الأصل في الأموال التحريم، ما لم يتحقق السبب المبيح" (١). وهي القاعدة المستفادة من قول النبي ﷺ : "إن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا. . . " (٢). وموارد بيت المال كثيرة، أجملها الماوردي بقوله: "كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم، فهو من حقوق بيت المال" (٣). وفيما يلي تفصيل هذه الموارد: أولًا: الفيء: هو كل مال أُخذ من المشركين عفوًا من غير قتال، ولا إيجاف خيل، ولا ركاب (٤). ويشمل أنواعًا كثيرة، منها: الجزية، والخراج، والعشور، وغيرها. قال ابن قدامة: "الفيء: وهو ما أخذ من مال مشرك لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، كالذي تركوه فزعًا من المسلمين وهربوا، والجزية، وعشر أموال أهل دار الحرب إذا دخلوا إلينا تجارًا، ونصف عشر تجارات أهل الذمة، وخراج الأرضين، ومال من مات من المشركين ولا وارث له" (٥).

стр. 3653

ويلحق بالفيء: ما صولح عليه الحربيون من مالٍ يؤدونه إلى المسلمين، ومال المرتد إذا قُتل أو مات، ومال الزنديق إذا قُتل أو مات، فلا يروث مالهما، بل هو فيء -وللأحناف في مال المرتد تفصيل- ومال الذمى إذا مات ولا وارث له، وما فضل عن وارثه، فهو فيء كذلك (١). قال القاضي أبو يوسف: "وقد سأل بلال وأصحابه عمر بن الخطاب ﵁ قسمة ما أفاء اللَّه عليهم من العراق والشام، وقالوا: اقسم الأرضين بين الذين افتتحوها، كما تقسم غنيمة العسكر. فأبى عمر ذلك عليهم، وتلا عليهم هذه الآيات -آيات الفيء في سورة الحشر- وقَالَ: "قد أشرك اللَّه الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعيَ بصنعاء نصيبُه من هذا الفيء ودمه في وجهه" (٢). فجعل عمر ﵁ على هذه الأرض مقدارًا معينًا من المال يُدفع كل عام، وهو ما عرف بالخراج. والأرض الخراجية تنقسم إلى نوعين (٣): ١ - التي فتحت عنوة، وبقي عليها أهلها دون أن يدخلوا في الإسلام، يفلحونها لحاجة الدولة لخبراتهم، على أن يدفعوا خراجها، وينتفعوا بالباقي مقابل عملهم في الأرض. ٢ - التي فتحت صلحًا، واتفق المسلمون مع أهلها على أداء خراجها، مقابل أن تبقى في أيديهم يتوارثونها، طالما يدفعون خراجها، وليس لأحد أن ينزعها منهم. ثانيًا: سهم الرسول ﷺ من الغنيمة: وذلك بعد وفاته ﷺ ، وهو المذكور في

стр. 3654

قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١). ثالثًا: خمس الخارج من الأرض من المعادن: من الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، وغيرها، وقيل: مثلها: المستخرج من البحر من لؤلؤ، وعنبر، وسواهما. قال أبو يوسف: "كل ما أصيب في المعادن، من الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، والرصاص، فإن في ذلك الخمس -في أرض العرب كان أو في أرض العجم- وخمسه الذي يوضع فيه مواضع الصدقات. وفيما يستخرج من البحر من حلية وعنبر، فالخمس يوضع في مواضع الغنائم، عَلَى ما قَالَ اللَّه في كتابه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢). رابعًا: الهبات والتبرعات والوصايا: التي تقدم لبيت المال للجهاد، أو لغيره من المصالح العامة (٣). خامسًا: تركات المسلمين: التي لا وارث لها، أو لها وارث لا يُرد (٤) عليه، وديات القتلى الذين لا أولياء لهم (٥).

стр. 3655

سادسًا: الأموال الضائعة التي لم يُعرف أصحابها: من لقطة، أو وديعة، أو رهن، وما يوجد مع اللصوص مما لا طالب له، فكل ذلك يورد إلى بيت المال (١). قال القرافي: "الأموال المحرمة من الغصوب وغيرها، إذا علمت أربابها رُدت إليهم، وإلا فهي من أموال بيت المال تُصرف في مصارفه الأولى فالأولى من الأبواب والأشخاص، على ما يقتضيه نظر الصارف من الإمام، أو نوابه، أو من حصل ذلك عنده من المسلمين" (٢). سابعًا: زكاة الأموال الظاهرة: كالسوائم، والزروع، والثمار، من حقوق بيت المال -عند من يرى ذلك- (٣). المطلب الثاني: مصارف بيت المال: مما سبق يتبين أن موارد بيت المال متنوعة المصادر، وهي كذلك متنوعة المصارف، إلا أن بعضها عُين له جهة لصرفه فيها، ولا يجوز صرفه في غيرها، ولأجل ذلك احتاج العلماء إلى فصل أموال بيت المال بحسب مصارفها؛ لأجل سهولة التصرف فيها. قال أبو يوسف: "لا ينبغي أن يُجمع مال الخراج إِلَى مال الصدقات والعشور؛ لأن الخراج فيء لجميع المسلمين، والصدقات لمن سمى اللَّه في كتابه. فإذا اجتمعت الصدقات من الإبل والبقر والغنم، جُمع إِلَى ذلك ما يؤخذ من المسلمين من العشور -عشور الأموال- وما يمر به عَلَى العاشر من متاع وغيره؛ لأن موضع ذلك كله موضع الصدقة. فيُقسم ذلك أجمع لمن سمى اللَّه ﵎ في كتابه. . . " (٤). وقال الزيلعي: "وعلى الإمام أن يجعل لكل نوع من هذه الأنواع بيتًا يخصه، ولا يخلط بعضه ببعض؛ لأن لكل نوع حكمًا يختص به، فإن لم يكن في

стр. 3656

بعضها شيء فللإمام أن يستقرض عليه من النوع الآخر، ويصرفه إلى أهل ذلك، ثم إذا حصل من ذلك النوع شيء رده في المستقرض منه، إلا أن يكون المصروف من الصدقات أو من خمس الغنيمة على أهل الخراج، وهم فقراء، فإنه لا يرد فيه شيئًا؛ لأنهم مستحقون للصدقات بالفقر، وكذا في غيره إذا صرفه إلى المستحق" (١). وفيما يلي بيان أنواع مصارف بيت المال (٢): أولًا: أرزاق الولاة، والقضاة، وموظفو الدولة، والعمال في المصلحة العامة، ومن هؤلاء: أمير المؤمنين أو الخليفة نفسه. ثانيًا: رواتب الجند والعسكر، ولم يكن هناك في حياة النبي ﷺ مرتبات معينة للجند؛ لأنه لم يكن هناك جيش نظامي بالمعنى المعروف، وكان الجميع يأخذ من أربعة أخماس الغنائم والخراج، ولما ولي أبو بكر ﵁ ساوى بين الناس في الأعطيات، فلما جاء عمر بن الخطاب ﵁ قسم العطاء مفضلًا الأسبق فالأسبق. فلما كثر الناس عن حاجة الغزو والجهاد، ولدواعي قيام الحضارة العمرانية، اشتغل كثير من الأمة بغير الجهاد من الصنائع، فلجأت الدولة للجيش النظامي، وأصبح هناك دواوين خاصة بالجند ينالون منها الرواتب" الخاصة بهم على رأس كل سنة. ثالثًا: تجهيز الجيوش، وآلات القتال؛ من سلاح وذخائر وخيل، وما يقوم مقامهما. رابعًا: إقامة المشروعات العامة؛ من جسور، وسدود، وتمهيد الطرق، والمباني العامة، ودور الاستراحة، والمساجد. خامسًا: مصروفات المؤسسات الاجتماعية، مثل: المستشفيات،

стр. 3657

والسجون، وغير ذلك من مرافق الدولة. سادسًا: توزيع الأرزاق على الفقراء، واليتامى، والأرامل، وكل من لا عائلة له، فالدولة تعوله وتكفله. ويبقى بعد هذه الموارد والمصارف كلها أنه قد تُفاجئ الدولة كارثة، أو مجاعة، أو قحط شديد، أو وباء قاتل، وهنا يكون ندب الأغنياء من المسلمين من غير إكراه للصدقة والعطاء؛ لإنقاذ جمهور المسلمين، كما فعل عثمان بن عفان ﵁ مع المجاعة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ عندما تصدق بأموال طائلة لنجدة المسلمين، وكما فعل عبد الرحمن بن عوف ﵁-أيام عمر بن الخطاب ﵁، وأمثال ذلك كثير عبر التاريخ الإسلامي مما يضمن استمرارية تدفق الأموال على بيت مال المسلمين دون إكراه أو مصادرة أو إجبار.

стр. 3658

الفصل الأول مسائل الإجماع في الخراج [١٤٣/ ١٤٣] حكم أخذ الخراج • المراد بالمسألة: الخراج عند الفقهاء نوعان (١): الأول: خراج المقاسمة، كربع الخارج، وخمسه، ونحوهما. الثاني: الخراج الموظف، وهو الوظيفة المعينة التي توضع على أرض، كما وضع عمر ﵁ على سواد العراق. وقد أطلق الفقهاء على الخراج: جزية الأرض، وأجرة الأرض. قال الماوردي: "أرض الخراج ضربان: خراج يكون جزية، وخراج يكون أجرة. فالخراج الذي يكون جزية: هو ما ضربه الأئمة على أرض أهل العهد مع إقرارها على ملكهم، فهذه الأرض إن زرعها أهل العهد وجب عليهم الخراج دون العشر، وإن أسلموا أو انتقلت عنهم إلى مسلم وجب العشر في زرعها وسقط الخراج، فإن استأجرها منهم مسلم وجب الخراج عليهم؛ لبقاء ملكهم عليها، ووجب العشر على المسلم؛ لملكه للزرع. وأما الخراج الذي يكون أجرة -كأرض السواد التي ضرب عمر ﵁ عليها خراجًا جعله إما ثمنًا وإما أجرة على اختلاف الناس فيه- فلا يسقط عن رقاب الأرض بإسلام أهلها، فإن زرعها مسلم هي بيده لزمه الحقان: الخراج عن الرقبة، والعشر عن الزرع" (٢). كما يُطلق عليه -أيضًا-: الطسق (٣).

стр. 3659

وأول من استعمل هذه اللفظة في الإسلام عمر بن الخطاب ﵁، حيث كتب إلى عثمان بن حنيف ﵁-في رجلين من أهل الذمة أسلما- كتابًا جاء فيه: "ارفع الجزية عن رؤوسهما، وخذ الطسق عن أرضيهما" (١). وبوب أبو عبيد في "كتاب الأموال" بابًا باسم: "أرض العنوة تقر في يد أهلها، ويوضع عليها الطّسق وهو الخراج" (٢). الأرض الخراجية: هي الأرض التي صولح عليها أهلها، وكذا الأرض التي جلا عنها أهلها خوفًا وفزعًا من المسلمين، والأرض التي فُتحت عنوةً وتركها الإمام في أيدي أهلها يزرعونها وينتفعون بها بخراج معلوم (٣). وقد أجمع المسلمون على جواز أخذ الخراج على الأرض الخراجية. • من نقل الإجماع: أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "لما انتشرت الرعية، وكثرت المؤن المعنية، تسبب أمير المؤمنين عمر ﵁ إلى توظيف الخراج والإرفاق على أراضي العراق، بإطباق واتفاق" (٤) ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "إن الصحابة أجمعوا على أخذ الخراج" (٥) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "وقال الأوزاعي: أجمع رأي عمر وأصحاب النبي ﷺ لَمَّا ظهروا على الشام على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم، يعمرونها، ويؤدون خراجها إلى المسلمين" (٦). نقله شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٧) البهوتي (١٠٥١ هـ)

стр. 3660

قال: "ضربه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. . . ولم ينكره أحد من الصحابة مع شهرته، فكان كالإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بالكتاب، والسنة، والآثار: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ إلى قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٧). • وجه الدلالة: استدل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ بهذه الآيات على وقف أرض السّواد على جميع المسلمين، وقال: "قد أشرك اللَّه الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعيَ بصنعاء نصيبُه من هذا الفيء ودمه في وجهه" (٨). • ثانيًا: السنة: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّام مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من

стр. 3661

حَيْثُ بَدَأْتُمْ" (١). • وجه الدلالة: هذا الحديث من أعلام النبوة، لإخباره ﷺ بما سيكون من مُلك المسلمين هذه الأقاليم، ووضعهم الجزية والخراج، ثمّ بطلان ذلك. فقد علم النبي ﷺ أن الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- سيضعون الخراج على الأرض، ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك، بل قرّره وحكاه لهم (٢). الدليل الثاني: حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنه قال: كَيْفَ أَنْتُمْ إذا لم تَجْتَبُوا دِينَارًا ولا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ له: وَكَيْفَ تَرَى ذلك كَائِنًا يا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قال: إِي وَالَّذِي نَفْسُ أبي هُرَيْرَةَ بيده، عن قَوْلِ الصَّادِق المَصْدُوقِ، قالوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قال: "تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّه، وَذِمَّةُ رَسُولهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ اللَّه قُلُوبَ أَهْلِ الذّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ ما في أَيْدِيهِمْ" (٣). • وجه الدلالة: قال العيني: "قوله: (إذا لم تَجْتَبُوا) يعني: إذا لم تأخذوا من الجزية والخراج" (٤). • المخالفون للإجماع: اختلف الفقهاء في ضرب الخراج على أرض العنوة، وقالوا: إنما هي غنيمة تُخمَّس وتُقسم على الفاتحين، وهو حكم رسول اللَّه ﷺ في خيبر، وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها، وبهذا الرأي أشار بلال ﵁ على عمر ﵁ فى بلاد الشام، وأشار الزبير بن العوام ﵁ على عمرو بن العاص ﵁ في أرض مصر، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس (٥). قال ابن رشد: "واختلفوا فيما افتتح المسلمون من الأرض عنوة. فقال مالك: لا تُقسم الأرض، وتكون وقفا يُصرف خراجها في مصالح

стр. 3662

المسلمين؛ من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض. وقال الشافعي: الأرضون المفتتحة تُقسَّم كما تقسم الغنائم، يعني: خمسة أقسام. وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين أن يُقسِّمها على المسلمين، أو يضرب على أهلها الكفارة فيها الخراج، ويقرها بأيديهم. وسبب اختلافهم ما يُظن من التعارض بين آية سورة الأنفال، وآية سورة الحشر؛ وذلك أن آية الأنفال تقتضي بظاهرها أن كل ما غنم يُخمس، وهو قوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ (١). وقوله -تعالى- في آية الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢)، عطفًا على ذكر الذين أوجب لهم الفيء، يمكن أن يفهم منه أن جميع الناس الحاضرين والآتين شركاء في الفيء، كما روي عن عمر ﵁ أنه قال -في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ -: ما أرى هذه الآية إلا قد عمت الخلق، حتى الراعي بكداء". أو كلامًا هذا معناه؛ ولذلك لم تُقسم الأرض التي افتتحت في أيامه عنوة من أرض العراق ومصر. فمن رأى أن الآيتين متواردتان على معنى واحد، وأن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال، استثنى من ذلك الأرض، ومن رأى أن الآيتين ليستا متواردتين على معنى واحد، بل رأى أن آية الأنفال في الغنيمة، وآية الحشر في الفيء، على ما هو الظاهر من ذلك، قال: تُخمَّس الأرض ولا بد، ولا سيما أنه قد ثبت أنه ﵊ قسَّم خيبر بين الغزاة. قالوا: فالواجب أن تقسم الأرض؛ لعموم الكتاب، وفعله ﵊ الذي يجري مجرى البيان للمجمل فضلًا عن العام. وأما أبو حنيفة فإنما ذهب إلى التخيير بين القسمة، وبين أن يُقَر الكفار فيها

стр. 3663

على خراج يؤدونه؛ لأنه زعم أنه قد روي أن رسول اللَّه ﷺ أعطى خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة ﵁ فقاسمهم. قالوا: فظهر من هذا أن رسول اللَّه ﷺ لم يكن قسم جميعها، ولكنه قسم طائفة من الأرض، وترك طائفة لم يقسمها، قالوا: فبان بهذا أن الإمام بالخيار بين القسمة، والإقرار بأيديهم، وهو الذي فعل عمر ﵁" (١). وزعم البعض أن عمر الفاروق ﵁ كانا مخالفًا لفعل النبي ﷺ حين وقف أرض السّواد على المسلمين ما تناسلوا، وفرض فيها الخراج. وأجيب عن ذلك: بما قاله أبو عبيد: "وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء، إلا أن الذي أختاره من ذلك: يكون النظر فيه إلى الإمام، وذلك أن الوجهين جميعًا داخلان فيه. وليس فعل النبي ﷺ براد لفعل عمر ﵁، ولكنه اتبع آية من كتاب اللَّه ﵎ فعمل بها، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئًا. قال اللَّه ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل النبي ﷺ . وقال اللَّه -تعالى-: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾. . . إلى قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢)، فهذه آية الفيء، وبها عمل عمر ﵁، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها، فقال: "فاستوعبت هذه الآية الناس". وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ ﵄ حين أشارا عليه بما أشارا فيما نرى واللَّه أعلم.

стр. 3664

وقد قال بعض الناس: إن عمر ﵁ إنما فعل برضى من الذين افتتحوا الأرض، واستطابة لأنفسهم. . . " (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٤٤/ ١٤٤] عمر بن الخطاب ﵁ أول من أخذ الخراج • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من أخذ الخراج. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ) قال: "روي عن عمر أنه لم يقسم أرض السواد ومصر والشام وجعلها مادة للمسلمين ولمن يجيء بعده واحتج بالآية ووافقه الصحابة بعد الخلاف" (٢) الجصاص (٣٧٠ هـ) قال: "اتفق الجميع من الصحابة على تصويب عمر ﵁ فيما فعله في أرض السواد، بعد خلاف من بعضهم عليه على إسقاط حق الغانمين عن رقابها" (٣) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "لما انتشرت الرعية، وكثرت المؤن المعنية، تسبب أمير المؤمنين عمر ﵁ إلى توظيف الخراج والإرفاق على أراضي العراق، بإطباق واتفاق" (٤) المرغناني (٥٩٣ هـ) قال: "إذا فتح الإمام بلدة عنوة -أي: قهرًا- فهو بالخيار: إن شاء قسمه بين المسلمين، كما فعل رسول اللَّه ﷺ بخيبر، وإن شاء أقر أهله عليها، ووضع عليهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق، بموافقة الصحابة ﵃، ولم يجد من خالفه" (٥). نقله فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) (٦)، وابن نجيم (٩٧٠ هـ) (٧) ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "وقال الأوزاعي: أجمع رأي عمر

стр. 3665

وأصحاب النبي ﷺ لَمَّا ظهروا على الشام على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم، يعمرونها، ويؤدون خراجها إلى المسلمين" (١). نقله شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢) ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "وأما أرض العنوة، فإن عمر ﵁ وضع على السواد الخراج، وهذا متفق عليه" (٣). أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "والخراج: ما ضُرب على أرض افتتحها الإمام، وتركها في يد أهلها على تأديته، كفعل عمر ﵁ عن مشاورة سواد الكوفة ومصر والشام وخراسان، فكان إجماعًا" (٤) البهوتي (١٠٥١ هـ) قال: "ضربه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. . . ولم ينكره أحد من الصحابة مع شهرته، فكان كالإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: يُستدل على ذلك بما يلي: ١ - ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ وضع على أَهْلِ السَّوَادِ على كل جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ المَاءُ عَامِرًا وَغَامِرًا دِرْهَمًا وَقَفِيزًا من طَعَامٍ، وَعَلَى الْبَسَاتِينِ على كل جَرِيبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ من طَعَامٍ، وَعَلَى الْكُرُومِ على كل جَرِيبِ أَرْضٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أقفزة من طَعَامٍ، وَعَلَى الرِّطَابِ على كل جَرِيبِ

стр. 3666

أَرْضٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةِ طَعَامٍ، ولم يَضَعْ على النَّخْلِ شيئًا، وَجَعَلَهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، وَعَلَى رُؤُوسِ الرِّجَالِ على الْغَنِيِّ ثُمَّانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَي عشرة دِرْهَمًا" (١). ٢ - قال القاضي أبو يوسف: "قد سأل بلال وأصحابه عمر بن الخطاب ﵁ قسمة ما أفاء اللَّه عليهم من العراق والشام، وقالوا: اقسم الأرضين بين الذين افتتحوها، كما تقسم غنيمة العسكر. فأبى عمر ذلك عليهم، وتلا عليهم هذه الآيات -آيات الفيء في سورة الحشر- وقَالَ: "قد أشرك اللَّه الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعيَ بصنعاء نصيبُه من هذا الفيء ودمه في وجهه" (٢). فجعل عمر ﵁ على هذه الأرض مقدارًا معينًا من المال يُدفع كل عام. النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٤٥/ ١٤٥] الإمام مخير في الأرض المفتوحة عنوة • المراد بالمسألة: اتفقوا على أن الإمام مخير في الأرض المفتوحة عنوة بين تخميسها وتقسيمها على الفاتحين، أو فرض الخراج عليها. • من نقل الإجماع: المرغناني (٥٩٣ هـ) قال: "إذا فتح الإمام بلدة عنوة-أي: قهرًا- فهو بالخيار: إن شاء قسمه بين المسلمين، كما فعل رسول اللَّه ﷺ بخيبر، وإن شاء أقر أهله عليها، ووضع عليهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق، بموافقة الصحابة ﵃، ولم يجد من خالفه" (٣). نقله فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) (٤)، وابن نجيم (٩٧٥ هـ) (٥) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "اتفق المسلمون في الجملة على أن وضع

стр. 3667

الخراج على أرض العنوة جائز، إذا لم يكن فيه ظلم للغانمين" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: يُستدل على ذلك بما يلي: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٦). • وجه الدلالة: قال أبو عبيد: "فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل النبي ﷺ " (٧). ٢ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله -تعالى- ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٨). • وجه الدلالة: قال أبو عبيد: "فهذه آية الفيء، وبها عمك عمر ﵁، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها، فقال: "فاستوعبت هذه الآية الناس". وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ ﵄ حين أشارا عليه بما أشارا فيما

стр. 3668

نرى، واللَّه أعلم" (١). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض العلماء إلى القول بعدم جواز أخذ الخراج على الأرض التي فُتحت عنوة، وقالوا: إنما هي غنيمة تُخمَّس وتُقسم على الفاتحين، وهو حكم رسول اللَّه ﷺ في خبير، وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها، وبهذا الرأي أشار بلال ﵁ على عمر ﵁ في بلاد الشام، وأشار الزبير ابن العوام ﵁ على عمرو بن العاص ﵁ في أرض مصر، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس (٢). قال ابن رشد: "واختلفوا فيما افتتح المسلمون من الأرض عنوة. فقال مالك: لا تُقسم الأرض، وتكون وقفًا يُصرف خراجها في مصالح المسلمين؛ من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض. وقال الشافعي: الأرضون المفتتحة تُقسَّم كما تقسم الغنائم، يعني: خمسة أقسام. وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين أن يُقسّمها على المسلمين، أو يضرب على أهلها الكفارة فيها الخراج، ويقرها بأيديهم. وسبب اختلافهم ما يُظن من التعارض بين آية سورة الأنفال، وآية سورة الحشر؛ وذلك أن آية الأنفال تقتضي بظاهرها أن كل ما غنم يُخمس، وهو قوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ (٣). وقوله -تعالى- في آية الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤)، عطفًا على ذكر الذين أوجب لهم الفيء، يمكن أن يفهم منه أن جميع الناس الحاضرين والآتين شركاء في الفيء، كما روي عن عمر

стр. 3669

-﵁ أنه قال- في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١) ما أرى هذه الآية إلا قد عمت الخلق، حتى الراعي بكداء". أو كلامًا هذا معناه؛ ولذلك لم تُقسم الأرض التي افتتحت في أيامه عنوة من أرض العراق ومصر. فمن رأى أن الآيتين متواردتان على معنى واحد، وأن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال، استثنى من ذلك الأرض، ومن رأى أن الآيتين ليستا متواردتين على معنى واحد، بل رأى أن آية الأنفال في الغنيمة، وآية الحشر في الفيء، على ما هو الظاهر من ذلك، قال: تُخمَّس الأرض ولا بد، ولا سيما أنه قد ثبت أنه ﵊ قسَّم خيبر بين الغزاة. قالوا: فالواجب أن تقسم الأرض؛ لعموم الكتاب، وفعله ﵊ الذي يجري مجرى البيان للمجمل فضلًا عن العام. وأما أبو حنيفة فإنما ذهب إلى التخيير بين القسمة، وبين أن يُقَر الكفار فيها على خراج يؤدونه؛ لأنه زعم أنه قد روي أن رسول اللَّه ﷺ أعطى خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة ﵁ فقاسمهم. قالوا: فظهر من هذا أن رسول اللَّه ﷺ لم يكن قسم جميعها، ولكنه قسم طائفة من الأرض، وترك طائفة لم يقسمها، قالوا: فبان بهذا أن الإمام بالخيار بين القسمة، والإقرار بأيديهم، وهو الذي فعل عمر ﵁" (٢). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٤٦/ ١٤٦] الخراج يكون على الأرض دون الدور • المراد بالمسألة: اتفقوا على أن الدور المبنية على الأرض الخراجية ليس عليها خراج. • من نقل الإجماع: فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) قال: "دار الذمي حرة لا يجب فيها شيء؛ لأن عمر جعل المساكن عفوًا، وعليه إجماع الصحابة،

стр. 3670

ولأنها لا تُستنمى، ووجوب الخراج باعتباره" (١). نقله ابن نجيم (٩٧٠ هـ) (٢) وابن عابدين (١٢٥٢ هـ) (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، المالكية (٥)، الشافعية (٦)، الحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يُستدل على ذلك بما يلي: ١ - ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ وضع على أَهْلِ السَّوَادِ على كل جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ المَاءُ عَامِرًا وَغَامِرًا دِرْهَمًا وَقَفِيزًا من طَعَام، وَعَلَى الْبَسَاتِينِ على كل جَرِيب عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ من طَعَامٍ، وَعَلَى الْكُرُومِ على كل جَرِيبِ أَرْضٍ عَشًرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أقفزة من طَعَام، وَعَلَى الرّطَاب على كل جَرِيبِ أَرْضٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةِ طَعَامٍ، ولم يَضَع على النَّخْلِ شيئًا، وَجَعَلَهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، وَعَلَى رُؤُوسِ الرِّجَالِ على الْغَنِيِّ ثُمَّانِيَة وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عشرة دِرْهَمًا" (٨). ٢ - قال أبو عبيد: "إنما جعل الخراج على الأرضين التي تغل من ذوات الحب والثمار، والتي تصلح للغلة من العامر والغامر، وعطل من ذلك المساكن والدور التي هي منازلهم، فلم يجعل عليها فيها شيئًا" (٩). • المخالفون للإجماع: نُقل عن الإمام مالك، وابن أبي ذئب (١٠) أنهما قالا

стр. 3671

-في أرض الخراج بنى مسلم أو ذمي فيها بناءً من حوانيت أو غيرها-: "نرى إلزامه الخراج؛ لأن انتفاعه بالبناء كانتفاعه بالزرع" (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٤٧/ ١٤٧] الخراج على ما صالحونا عليه • المراد بالمسألة: اتفقوا على أن أراضي الكفار التي صالحونا على أن تبقى لهم، ولنا عليها الخراج، يثبت فيها الخراج بحسب ما صالحوا عليه. • من نقل الإجماع: فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) قال: "والسواد، وما فُتح عنوة وأُقر أهلها عليها، أو فُتح صلحًا، خراجية؛ لأن عمر ﵁ حين فتح السواد وضع عليهم الخراج بمحضر من الصحابة ﵃، ووضع على مصر حين فتحها عمرو بن العاص ﵁، وأجمعت الصحابة ﵃ على وضع الخراج على الشام" (٢) ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "أما أرض الكفار التي صالحونا على أنها لهم، ولنا عليها الخراج، فيثبت الخراج عليها أيضًا، بحسب ما صالحوا عليه، وهذا كله مجمع عليه في الجملة، لا يُعلم فيه خلاف" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، المالكية (٥)، الشافعية (٦)، الحنابلة (٧).

стр. 3672

• مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بقول النبي ﷺ : "لَعَلَّكُمْ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا، فَتَظْهَرُونَ عليهم، فيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَيُصَالِحُونَكُمْ على صُلْحٍ، فلا تُصِيبُوا منهم شيئًا فَوْقَ ذلك، فإنه لَا يَصْلُحُ لَكُمْ" (١). • وجه الدلالة: قال أبو عبيد: "في هذا الحديث أن السنة في أرض الصلح أن لا يُزاد على وظيفتها التي صولحوا، وإن قووا على أكثر من ذلك؛ لقوله ﷺ : "فلا تأخذوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يحل لكم"، فجعله حتمًا، ولم يستثن قوتهم على أكثر منه، وهو مفسر في فتيا عمر" (٢). • من خالف الإجماع: ذهب عدد قليل من العلماء إلى القول بأن الخراج لا يكون على الأرض التي صالح عليها أهلها. ونقلوا عن الإمام أحمد أنه قال: "أرض أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج، إنما يُنظر إلى ما أخرجت، يؤخذ منهم العشر مرتين" (٣). قال الخلال (٤): "والذي عليه العمل في قول أبي عبد اللَّه: أنه ما كان في أيديهم من صلح أو خراج فهم على ما صولحوا عليه، أو جعل على أرضهم من الخراج" (٥).

стр. 3673

النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ الخلاف. [١٤٨/ ١٤٨] أرض الخراج لمن بيده يتوارثها قرابته إذا صالحونا على أنها لهم • المراد بالمسألة: اتفقوا أن الذمي إذا صالح على أن تكون الأرض له والخراج لنا، فإن مات يتوارثها قرابته من أهل دينه. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "واتفقوا أن من صالح من أهل الذمة عن أرضه صلحًا صحيحًا، أنها له ولعقب عقبه" (١) ابن القيم (٧٥١ هـ) قال: "وقال بعض المتأخرين من أصحابه: لا يجوز نقل الملك فيها؛ لأنها وقف، فلا يجوز بيعها. وهذا ليس بشيء، فإنها تورث بالاتفاق" (٢) أبو عبد اللَّه المواق (٨٩٧ هـ) قال: "لا خلاف أن لهم أرضهم ومالهم، يبيعون ويرثون، وتكون لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم ولا وارث له من أهل دينه، فأرضه وماله للمسلمين" (٣) الحطاب الرعيني (٩٥٤ هـ) قال: "ولا خلاف أنها تكون لهم، وإن أسلموا عليها، وأنهم يرثونها بمنزلة سائر أموالهم، وقرابتهم من أهل دينهم، أو المسلمين إن لم يكن لهم قرابة" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بقول النبي ﷺ : "لَعَلَّكُمْ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا، فَتَظْهَرُونَ عليهم، فَيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَيُصَالِحُونَكُمْ على

стр. 3674

صُلْحٍ، فلا تُصِيبُوا منهم شيئًا فَوْقَ ذلك، فإنه لَا يَصْلُحُ لَكُمْ" (١). • وجه الدلالة: قال أبو عبيد: "في هذا الحديث أن السنة في أرض الصلح أن لا يُزاد على وظيفتها التي صولحوا" (٢). فإن صالحونا على أن الأرض لهم والخراج لنا، فليس لنا أن ننزع الأرض من أيديهم. • من خالف الإجماع: ذهب البعض من أصحاب الإمام أحمد إلى القول بأن الأراضي الخراجية لا يجوز نقل الملك فيها؛ لأنها وقف (٣). وأجيب عن ذلك بما قاله ابن القيم: "وهذا ليس بشيء، فإنها تورث بالاتفاق، والوقف لا يورث، وتُجعل صداقًا بالنص، والوقف لا يجوز فيه ذلك. ومنشأ الشبهة: أنهم ظنوا أن وقفها بمنزلة سائر الأوقاف التي تجري مجرى إعتاق العبد وتحريره للَّه، وهذا غلط، بل معنى وقفها: تركها على حالها، لم يقسمها بين الغانمين، لا أنه أنشأ تحبيسها وتسبيلها على المسلمين" (٤). وقال -أيضًا-: "وحق المسلمين في الخراج لا يسقط بنقل الملك، فإنها تكون عند المشتري كما كانت عند البائع، كما تكون عند الوارث كما كانت عند مورثه، ولهذا جاز بيع المكاتب، ولم يكن بيعه مسقطًا لسبب حريته بالأداء، فإنه لا ينتقل إلى المشتري كما كان عند البائع" (٥). النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ الخلاف. [١٤٩/ ١٤٩] خراج الأرض الخراجية يكون على المالك • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن خراج الأرض الخراجية يكون على المالك.

стр. 3675

• من نقل الإجماع: أبو القاسم الرافعي (١) (٦٢٣ هـ) قال: "خراج الأرض الخراجية على المالك. . . بلا خلاف" (٢) الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: "لو كانت الأرض خراجية في الوجوه كلها فخراجها على رب الأرض بالإجماع" (٣). نقله ابن نجيم (٩٧٠ هـ) (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ويُستدل على ذلك بالقياس على الوقف والمساقاة، حيث يكون الأجر على صاحب الوقف وليس على من يزرع فيها، وكذلك في المساقاة، وعليه فإن الخراج وأجرة الأرض الخراجية يكون على المالك وليس على المزارع. كما يُستدل بأن هذه الأرض تكون في رقبة صاحبها، وكذلك كل ما على هذه الأرض من دين أو خراج ونحو ذلك، فإنه يكون على صاحب الأرض (٩). • المخالفون للإجماع: ذهب البعض إلى القول بأن الخراج في الأرض

стр. 3676

الخراجية يكون على العامل أو المزارع، وليس على أصحاب الأرض الخراجية، وقالوا: هو كالعشر (١). وقد حُكي هذا القول عن بعض الحنابلة، ولكنه -كما قال المرداوي- من مفردات المذهب (٢). النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ الخلاف. [١٥٠/ ١٥٠] يضرب الخراج على الأرض البيضاء القابلة للزرع • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن الأرض البيضاء القابلة للزرع هي التي ضُرِب عليها الخراج. • من نقل الإجماع: ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "الأرض البيضاء القابلة للزرع -وهي التي بها ما يسقيها- فهذه ضرب عمر ﵁ عليها الخراج، ووافقه الصحابة ﵃ على ذلك، ولم يُعلم عن أحد إنكاره" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أحد عماله: "آمرك أن تطرز أرضهم -يعني: أهل الكوفة- ولا تحمل خرابًا على عامر، ولا عامرًا على خراب، وانظر الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض. . . " (٨).

стр. 3677

كما يُستدل -أيضًا- بالقياس على النماء في مال الزكاة. قال الميرغناني: "وإن غلب على أرض الخراج الماء، أو انقطع الماء عنها، أو اصطلم الزرع آفة، فلا خراج عليه؛ لأنه فات التمكن من الزراعة، وهو النماء التقديري المعتبر في الخراج، وفيما إذا اصطلم الزرع آفة فات النماء بالتقديري في بعض الحول، وكونه ناميًا في جميع الحول شرط كما في مال الزكاة" (١). • المخالفون للإجماع: ذهب قليل من العلماء إلى القول بأن الخراج لا يسقط عن الأرض بأي حال من الأحوال، حتى وإن لم يحدث انتفاع لصاحب الأرض منها (٢). واستدلوا بالقياس على أن الأرض التي تؤجر وتصيبها آفة، فلا يسقط عنها الأجر، وكذلك أرض الخراج إذا ما أصابها آفة أو غرقت بالماء أو انقطع عنها الماء، فلا يسقط عنها الخراج، وقالوا: "فإن قيل: إذا استأجر أرضًا للزراعة، فاصطلم الزرع آفة لم تسقط الأجرة، فما الفرق بينه وبين الخراج؟ ! (٣). وأجيب عن ذلك: بأن هذا القياس لا يصح؛ لسببين: أولهما: أن الأجر يكون إلى وقت إصابة الأرض بالآفة ولا يكون مستمرا بعدها. والثاني: أن الخراج إنما يكون على الأرض الصالحة للزراعة، أما الأرض التي لا تصلح للزراعة فلا خراج عليها، وهذا ما دلت عليه الأدلة التي استدل بها الإجماع، وما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ من أنه إنما ضرب الخراج على الأرض التي تصلح للزراعة (٤). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف.

стр. 3678

[١٥١/ ١٥١] في كل جريب من الأرض البيضاء قفيز مما يزرع ودرهم • المراد بالمسألة: الجريب لغة: المزرعة، والجربة: كل أرض أصلحت لزرع أو غرس، والجمع جرب، وقيل: الجريب الوادي، وجمعه أجربة، والجريب -أيضًا-: مكيال، وهو أربعة أقفزة (١). الجريب اصطلاحًا: مساحة مربعة من الأرض، بين كل جانبين منها ستون ذراعًا هاشميًا، فتكون مساحته: ثلاثة آلاف وستمائة ذراع (٢). القفيز لغة: مكيال، وهو -أيضًا- مقدار من مساحة الأرض (٣). القفيز اصطلاحًا: مكيال قدره: ثمانية أرطال بالمكي، ويكون ستة عشر رطلًا بالعراقي (٤). وقيل: القفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف (٥). فيكون القفيز: اثني عشر صاعًا (٦). والقفيز من الأرض عشر الجريب (٧). وقال الماوردي: "الجريب: عشر قصبات في عشر قصبات، والقفيز: عشر قصبات في قصبة، والعشير: قصبة في قصبة، والقصبة: ستة أذرع، فيكون الجريب: ثلاثة آلاف وستمائة ذراع مكسرة (٨)، والقفيز: ثلاثمائة وستون ذراعًا مكسرة، وهو عشر الجريب" (٩). وقد أجمع العلماء على أن مقدار الخراج في كل جريب من الأرض البيضاء التي تصلح للزراعة: قفيز مما يزرع فيها ودرهم.

стр. 3679

• من نقل الإجماع: علاء الدين السمرقندي (١) (٥٣٩ هـ) قال: "الخراج نوعان: خراج وظيفة، وخراج مقاسمة، أما الأول: فعلى مراتب، ثبت ذلك بتوظيف عمر ﵁ بإجماع الصحابة: في كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يزرع فيها، ودرهم" (٢) الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: "الخراج نوعان: خراج وظيفة، وخراج مقاسمة، أما خراج الوظيفة: فما وظفه عمر ﵁، ففي كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يُزرع فيها، ودرهم. . . هكذا وظفه عمر بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، ومثله يكون إجماعًا" (٣) فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) قال: "وخراج جريب صلُح للزرع: صاع ودرهم، وفي جريب الكرم والنخل المتصل: عشرة دراهم؛ لأنه المنقول عن عمر ﵁. . . بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان إجماعًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: يُستدل على ذلك بالسنة والآثار: • أولًا: السنة: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنَعَتِ الْعِرَاقُ

стр. 3680

دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ" (١). • ثانيًا: الآثار: أن عمر بن الخطاب ﵁ جَعَلَ على أَهْلِ السَّوَادِ على كل جَرِيبٍ قَفِيزًا وَدِرْهَمًا (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض العلماء إلى القول بأن المرجع في الخراج إلى اجتهاد الإمام (٣). قال ابن قدامة: "يعتبر الخراج بما تحمله الأرض من القليل والكثير، والمرجع فيه إلى اجتهاد الإمام في إحدى الروايات، وهي اختيار الخلال وعامة شيوخنا؛ لأنها أجرة، فلم تتقدر بمقدار لا يختلف كأجرة المساكن. والثانية: يرجع فيه إلى ما فرض عمر ﵁، لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه؛ لأن اجتهاد عمر أولى من قول غيره. والثالثة: تجوز الزيادة عليه، ولا يجوز النقصان" (٤). واستدلوا: بما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ وضع على الْجَرِيبِ من الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثُمَّانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ" (٥). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٥٢/ ١٥٢] جواز إنقاص الخراج عند قلة الريع • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن الأرض إذا كانت لا تطيق قدر الخراج جاز الإنقاص، وأخذ قدر ما تطيق الأرض. • من نقل الإجماع: المرغناني (٥٩٣ هـ) قال: "النقصان عند قلة الريع جائز
следующие страницы →