← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

الخراجية يكون على العامل أو المزارع، وليس على أصحاب الأرض الخراجية، وقالوا: هو كالعشر (١). وقد حُكي هذا القول عن بعض الحنابلة، ولكنه -كما قال المرداوي- من مفردات المذهب (٢). النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ الخلاف. [١٥٠/ ١٥٠] يضرب الخراج على الأرض البيضاء القابلة للزرع • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن الأرض البيضاء القابلة للزرع هي التي ضُرِب عليها الخراج. • من نقل الإجماع: ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "الأرض البيضاء القابلة للزرع -وهي التي بها ما يسقيها- فهذه ضرب عمر ﵁ عليها الخراج، ووافقه الصحابة ﵃ على ذلك، ولم يُعلم عن أحد إنكاره" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أحد عماله: "آمرك أن تطرز أرضهم -يعني: أهل الكوفة- ولا تحمل خرابًا على عامر، ولا عامرًا على خراب، وانظر الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض. . . " (٨).

стр. 3677

كما يُستدل -أيضًا- بالقياس على النماء في مال الزكاة. قال الميرغناني: "وإن غلب على أرض الخراج الماء، أو انقطع الماء عنها، أو اصطلم الزرع آفة، فلا خراج عليه؛ لأنه فات التمكن من الزراعة، وهو النماء التقديري المعتبر في الخراج، وفيما إذا اصطلم الزرع آفة فات النماء بالتقديري في بعض الحول، وكونه ناميًا في جميع الحول شرط كما في مال الزكاة" (١). • المخالفون للإجماع: ذهب قليل من العلماء إلى القول بأن الخراج لا يسقط عن الأرض بأي حال من الأحوال، حتى وإن لم يحدث انتفاع لصاحب الأرض منها (٢). واستدلوا بالقياس على أن الأرض التي تؤجر وتصيبها آفة، فلا يسقط عنها الأجر، وكذلك أرض الخراج إذا ما أصابها آفة أو غرقت بالماء أو انقطع عنها الماء، فلا يسقط عنها الخراج، وقالوا: "فإن قيل: إذا استأجر أرضًا للزراعة، فاصطلم الزرع آفة لم تسقط الأجرة، فما الفرق بينه وبين الخراج؟ ! (٣). وأجيب عن ذلك: بأن هذا القياس لا يصح؛ لسببين: أولهما: أن الأجر يكون إلى وقت إصابة الأرض بالآفة ولا يكون مستمرا بعدها. والثاني: أن الخراج إنما يكون على الأرض الصالحة للزراعة، أما الأرض التي لا تصلح للزراعة فلا خراج عليها، وهذا ما دلت عليه الأدلة التي استدل بها الإجماع، وما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ من أنه إنما ضرب الخراج على الأرض التي تصلح للزراعة (٤). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف.

стр. 3678

[١٥١/ ١٥١] في كل جريب من الأرض البيضاء قفيز مما يزرع ودرهم • المراد بالمسألة: الجريب لغة: المزرعة، والجربة: كل أرض أصلحت لزرع أو غرس، والجمع جرب، وقيل: الجريب الوادي، وجمعه أجربة، والجريب -أيضًا-: مكيال، وهو أربعة أقفزة (١). الجريب اصطلاحًا: مساحة مربعة من الأرض، بين كل جانبين منها ستون ذراعًا هاشميًا، فتكون مساحته: ثلاثة آلاف وستمائة ذراع (٢). القفيز لغة: مكيال، وهو -أيضًا- مقدار من مساحة الأرض (٣). القفيز اصطلاحًا: مكيال قدره: ثمانية أرطال بالمكي، ويكون ستة عشر رطلًا بالعراقي (٤). وقيل: القفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف (٥). فيكون القفيز: اثني عشر صاعًا (٦). والقفيز من الأرض عشر الجريب (٧). وقال الماوردي: "الجريب: عشر قصبات في عشر قصبات، والقفيز: عشر قصبات في قصبة، والعشير: قصبة في قصبة، والقصبة: ستة أذرع، فيكون الجريب: ثلاثة آلاف وستمائة ذراع مكسرة (٨)، والقفيز: ثلاثمائة وستون ذراعًا مكسرة، وهو عشر الجريب" (٩). وقد أجمع العلماء على أن مقدار الخراج في كل جريب من الأرض البيضاء التي تصلح للزراعة: قفيز مما يزرع فيها ودرهم.

стр. 3679

• من نقل الإجماع: علاء الدين السمرقندي (١) (٥٣٩ هـ) قال: "الخراج نوعان: خراج وظيفة، وخراج مقاسمة، أما الأول: فعلى مراتب، ثبت ذلك بتوظيف عمر ﵁ بإجماع الصحابة: في كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يزرع فيها، ودرهم" (٢) الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: "الخراج نوعان: خراج وظيفة، وخراج مقاسمة، أما خراج الوظيفة: فما وظفه عمر ﵁، ففي كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يُزرع فيها، ودرهم. . . هكذا وظفه عمر بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، ومثله يكون إجماعًا" (٣) فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) قال: "وخراج جريب صلُح للزرع: صاع ودرهم، وفي جريب الكرم والنخل المتصل: عشرة دراهم؛ لأنه المنقول عن عمر ﵁. . . بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان إجماعًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: يُستدل على ذلك بالسنة والآثار: • أولًا: السنة: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنَعَتِ الْعِرَاقُ

стр. 3680

دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ" (١). • ثانيًا: الآثار: أن عمر بن الخطاب ﵁ جَعَلَ على أَهْلِ السَّوَادِ على كل جَرِيبٍ قَفِيزًا وَدِرْهَمًا (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض العلماء إلى القول بأن المرجع في الخراج إلى اجتهاد الإمام (٣). قال ابن قدامة: "يعتبر الخراج بما تحمله الأرض من القليل والكثير، والمرجع فيه إلى اجتهاد الإمام في إحدى الروايات، وهي اختيار الخلال وعامة شيوخنا؛ لأنها أجرة، فلم تتقدر بمقدار لا يختلف كأجرة المساكن. والثانية: يرجع فيه إلى ما فرض عمر ﵁، لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه؛ لأن اجتهاد عمر أولى من قول غيره. والثالثة: تجوز الزيادة عليه، ولا يجوز النقصان" (٤). واستدلوا: بما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ وضع على الْجَرِيبِ من الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ ثُمَّانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ" (٥). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٥٢/ ١٥٢] جواز إنقاص الخراج عند قلة الريع • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن الأرض إذا كانت لا تطيق قدر الخراج جاز الإنقاص، وأخذ قدر ما تطيق الأرض. • من نقل الإجماع: المرغناني (٥٩٣ هـ) قال: "النقصان عند قلة الريع جائز

стр. 3681

بالإجماع" (١) الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: "إن أخرجت أرض الخراج قدر الخراج لا غير يُؤخذ منها نصف الخراج، وإن أخرجت مثلي الخراج فصاعدًا يُؤخذ جميع الخراج الموظف عليها، وإن كانت لا تطيق قدر خراجها الموضوع عليها ينقص وُيؤخذ منها قدر ما تطيق، بلا خلاف" (٢) شهاب الدين الشلبي (٣) (١٠٢١ هـ) قال: "قال الأتقاني (٤) (٧٥٨ هـ) في شرح الطحاوي: أجمعوا على أنها إذا كانت لا تطيق قدر خراجها الموضوع نقص، وأخذ منها قدر ما تطيق، وذلك لأن المعتبر هو الطاقة" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي: ١ - أن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ وَقَفَ على حُذَيْفَةَ بن الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بن

стр. 3682

حُنَيْفٍ، قال: كَيْفَ فَعَلْتُمَا، أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قد حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ ما لَا تُطِيقُ؛ قالا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ له مُطِيقَةٌ، ما فيها كَبِيرُ فَضلٍ، قال: انْظُرَا أَنْ تَكُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ ما لَا تُطِيقُ، قالا: لَا (١). • وجه الدلالة: قال الجصاص: "وهذا يدل على أن الاعتبار بمقدار الطاقة" (٢). وقال المرغناني: "وهذا يدل على جواز النقصان" (٣). ٢ - أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أحد عماله: "آمرك أن تطرز أرضهم -يعني: أهل الكوفة- ولا تحمل خرابًا على عامر، ولا عامرًا على خراب، وانظر الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض. . . " (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض العلماء إلى القول بأنه لا يجوز للإمام النقص على القدر الذي فرض على الأرض وكذلك لا يجوز الزيادة عليه. ونُسب إلى الإمام أحمد أنه قال: "ليس للإمام أن يغيرها على ما أقرها عليه عمر ﵁ ". وقال ابن رجب الحنبلي: "ووجه ذلك أن هذا ضربه عمر ﵁ بمحضر من الصحابة ﵃، وعمل به الخلفاء الراشدون ﵃ بعده، فيصير إجماعًا لا يجوز نقضه ولا تغييره" (٥). ووجه قول مالك في المدونة هو أن يجتهد الإمام في ذلك ومن حضره إن لم يجد علما يشفيه -أي إن لم يثبت عنده مقدار ما وضع عمر ﵁ عليها من الخراج، لأنه إنما توقف في مقدار ذلك (٦).

стр. 3683

بينما رأي الشافعي هو جواز الزيادة دون النقصان (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٥٣/ ١٥٣] لا يزاد على قدر الخراج ولو كانت الأرض تطيق ذلك • المراد بالمسألة: لا يجوز للإمام الزيادة على قدر الخراج الذي وظفه عمر ﵁ في سواد العراق، ولو كانت الأرض تطيق ذلك. • من نقل الإجماع: ابن الهمام (٦٨١ هـ) قال: "وأجمعوا أنه لا تجوز الزيادة على وظيفة عمر ﵁ في الأراضي التي وظف فيها عمر ﵁، أو إمام آخر مثل وظيفة عمر" (٢) ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "ضربه عمر ﵁ بمحضر من الصحابة ﵃، وعمل به الخلفاء الراشدون ﵃ بعده، فيصير إجماعًا لا يجوز نقضه ولا تغييره" (٣) فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) قال: "لا يجوز الزيادة على ما وظفه عمر ﵁ في سواد العراق؛ لأنه خلاف إجماع الصحابة ﵃ أجمعين" (٤) الخيربيتي (٥) (بعد ٨٤٣ هـ) قال: "لا يجوز الزيادة على وظيفة عمر ﵁، وعلى ما وظفه إمام آخر في أرض مثل ما وظفه عمر ﵁؛ لِمَا فيه من مخالفة إجماع الصحابة" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)،

стр. 3684

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بأن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ وَقَفَ على حُذَيْفَةَ بن الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بن حُنَيْفٍ، قال: كَيْفَ فَعَلْتُمَا، أَتَخَافَانِ أَنْ تَكُونَا قد حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ ما لَا تُطِيقُ؟ قالا: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ له مُطِيقَةٌ، ما فيها كَبِيرُ فَضْل، قال: انْظُرَا أَنْ يمُونَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ ما لَا تُطِيقُ، قالا: لَا (٣). • وجه الدلالة: يدل على جواز النقص عند عدم الإطاقة، وعلى عدم جواز الزيادة (٤). • المخالفون للإجماع: ذكر بعض العلماء وجود خلاف في أصل المسألة، حكي عن عدد من الأئمة. قال ابن هبيرة: "قال أبو يوسف: لا يجوز للإمام النقصان ولا الزيادة مع الاحتمال. وقال محمد: يجوز للإمام الزيادة والنقصان مع الاحتمال. فأما الزيادة مع عدم الاحتمال، فلا يجوز إجماعًا منهما، والنقصان مع أن الأرض تحمل الوظيفة لا يجوز عندهما جميعًا. فأما الزيادة مع الاحتمال للوظيفة فهي مسألة الخلاف بينهما. وعن الشافعي: أنه يجوز للإمام الزيادة، ولا يجوز له النقصان. فأما أحمد فعنه ثلاث روايات: إحداهن: أنه يجوز للإمام الزيادة على ما ذكرنا إذا احتملت الأرض، والنقصان منه إذا لم تحتمل الأرض. والثانية: يجوز له الزيادة مع الاحتمال، ولا يجوز له النقصان. والثالثة: لا يجوز الزيادة ولا النقصان.

стр. 3685

وأما مالك فهو على أصله من رد ذلك إلى اجتهاد الأئمة على قدر ما تحتمله الأرض، مستعينًا فيه بأهل الخبرة" (١). وقال الزيلعي: "وما وظفه إمام آخر في أرض فتحها هو كتوظيف عمر ﵁ في العراق؛ لأنه باجتهاد، فلا يُنقض باجتهاد مثله، ولو أراد أن يُوظف ابتداءً على أرض بقدر طاقتها زيادة على ما وظفه عمر، جاز عند محمد؛ لأنه إنشاء حكم باجتهاد، وليس غيه نقض حكم، وعند أبي يوسف لا يجوز، وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀" (٢). وأجيب: بأن خراج التوظيف مقدر شرعًا، واتباع الصحابة ﵃ أجمعين- فيه واجب؛ لأن المقادير لا تُعرف إلا توقيفًا، والتقدير يمنع الزيادة؛ لأن النقصان يجوز إجماعًا، فتعين من الزيادة؛ لئلا يخلو التقدير عن فائدة. النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف. [١٥٤/ ١٥٤] إن غلب الماء على أرض الخراج أو انقطع عنها سقط الخراج عنها • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على سقوط الخراج عن الأرض التي يغلب فيها الماء أو ينقطع عنها. • من نقل الإجماع: البابرتي (٣) (٧٨٦ هـ) قال: "وإن غلب على أرض الخراج الماء، أو انقطع عنها، فلا خراج عليها بالاتفاق" (٤). • الموافقون على الإجماع؛ الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)،

стр. 3686

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أحد عماله: "آمرك أن تطرز أرضهم -يعني: أهل الكوفة- ولا تحمل خرابًا على عامر، ولا عامرًا على خراب، وانظر الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض. . . " (٢). كما يُستدل -أيضًا- بالقياس على النماء في مال الزكاة. قال الميرغيناني: "وإن غلب على أرض الخراج الماء، أو انقطع الماء عنها، أو اصطلم الزرع آفة، فلا خراج عليه؛ لأنه فات التمكن من الزراعة، وهو النماء التقديري المعتبر في الخراج، وفيما إذا اصطلم الزرع آفة فات النماء بالتقديري في بعض الحول، وكونه ناميًا في جميع الحول شرط كما في مال الزكاة" (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب قليل من العلماء إلى القول بأن الخراج لا يسقط عن الأرض بأي حال من الأحوال، حتى وإن لم يحدث انتفاع لصاحب الأرض منها (٤). واستدلوا بالقياس على أن الأرض التي تؤجر وتصيبها آفة، فلا يسقط عنها الأجر، وكذلك أرض الخراج إذا ما أصابها آفة أو غرقت بالماء أو انقطع عنها الماء، فلا يسقط عنها الخراج، وقالوا: "فإن قيل: إذا استأجر أرضا للزراعة، فاصطلم الزرع آفة لم تسقط الأجرة، فما الفرق بينه وبين الخراج؟ ! (٥). وأجيب عن ذلك: بأن هذا القياس لا يصح؛ لسببين: أولهما: أن الأجر يكون إلى وقت إصابة الأرض بالآفة ولا يكون مستمرا بعدها.

стр. 3687

والثاني: أن الخراج إنما يكون على الأرض الصالحة للزراعة، أما الأرض التي لا تصلح للزراعة فلا خراج عليها، وهذا ما دلت عليه الأدلة التي استدل بها الإجماع، وما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ من أنه إنما ضرب الخراج على الأرض التي تصلح للزراعة (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع، لوجود المخالف. [١٥٥/ ١٥٥] لا يسقط الخراج بإسلام أهل العنوة • المراد بالمسألة: أجمع العلماء على أنه إذا أسلم الرجل من أهل العنوة وبيده أرض خراجية، فلا يسقط الخراج عنها. • من نقل الإجماع: أبو بكر البلاذري (٢) (بعد ٢٧٠ هـ) قال: "قال مالك بن أنس، وابن أبي ذئب: إذا أسلم كافر من أهل العنوة أقرت أرضه في يده، يعمرها ويؤدي الخراج عنها، ولا اختلاف في ذلك" (٣) قدامة بن جعفر (٤) (٣٣٧ هـ) قال: "إذا أسلم الرجل من أهل العنوة أقرت أرضه في يده يعمرها، ويؤدي الخراج عنها، ولا اختلاف في ذلك" (٥) المهلب (٤٣٥ هـ) قال: "اتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه، ومن أسلم من أهل

стр. 3688

العنوة فأرضه فيء للمسلمين". نقله ابن حجر (٨٥٢ هـ) (١) والعيني (٨٥٥ هـ) (٢)، والزرقاني (١١٢٢ هـ) (٣) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: "قال مالك: أما أهل الصلح فإن من أسلم منهم فهو أحق بأرضه وماله، وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فمن أسلم منهم فإن أرضه وماله للمسلمين؛ لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم، وصارت فيئًا للمسلمين. . . وما ذكره مالك ﵀ في هذا الباب عليه جماعة العلماء" (٤) ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "وقد أقر عمر وعلي وغيرهما من الصحابة ﵃ الدهاقين بعد إسلامهم على أرضهم بخراجها، ولا نعلم في هذا خلافًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي: ١ - ما روي أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني قد أسلمت، فضع عن أرضي الخراج. فقال: "لا، إن أرضك أخذت عنوة" (١١).

стр. 3689

٢ - ما روي أن دهقانة من أهل نهر الملك أسلمت، فقال عمر ﵁: "ادفعوا إليها أرضها، تؤدي عنها الخراج" (١). ٣ - ما روي أن دهقانًا أسلم، فقام إلى علي ﵁، فقال له علي ﵁: "أما أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا" (٢). • وجه الدلالة: قال ابن القيم: "وهذا يدل على أن الإسلام لا يُسقط الخراج المضروب على الأرض، فإن شاء المسلم أن يقيم بها أقام بها، وإن شاء نزل عنها فسلمها إلى ذمي بالخراج، فإذا كانت الأرض خراجية ثم أسلم أقرت في يده بالخراج، وهو إجارة حكمها حكم سائر الإجارات" (٣). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف. [١٥٦/ ١٥٦] يجتمع العشر والخراج على أرض العنوة إذا أسلم صاحبها وبلغت غلتها النصاب • المراد بالمسألة: ما فُتح عنوة، ووقف على المسلمين، وضُرِب عليه خراج معلوم، فإنه يُؤدى الخراج من غلته، ويُنظر في باقيها: فإن كان نصابًا ففيه الزكاة إذا كان لمسلم. وإن لم يبلغ نصابًا، أو بلغ نصابًا ولم يكن لمسلم، فلا زكاة فيه؛ فإن الزكاة لا تجب على غير المسلمين (٤). فيجتمع العشر مع الخراج في حق من أسلم وبيده أرض خراجية، وقد أجمع المسلمون على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو عبيد القاسم بن سلام (٢٤٤ هـ) قال: "ولا نعلم أحدًا من الصحابة قال: لا يجتمع عليه العشر والخراج" (٥).

стр. 3690

• الموافقون على الإجماع: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة والآثار: • أولًا: الكتاب: قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٥). • وجه الدلالة: قال البغوي: "قيل: هذا أمر بإخراج العشور من الثمار والحبوب. واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم، وفيما يقتات من الحبوب، إن كان مسقيًّا بماء السماء، أو من نهر يجري الماء إليه من غير مؤنة، وإن كان مسقيًّا بساقية أو بنضح ففيه نصف العشر" (٦). • ثانيًا: السنة: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أو كان عَثَرِيًّا (٧) الْعُشْرُ، وما سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" (٨). • وجه الدلالة: الحديث واضح الدلالة في وجوب العشر على ما يخرج في أراضي المسلمين (٩).

стр. 3691

قال ابن قدامة -في اجتماع الخراج مع العشر-: "هما حقان يجبان لمستحقين يجوز وجوب كل واحد منهما على المسلم، فجاز اجتماعهما، كالكفارة والقيمة في الصيد الحرمي المملوك" (١). • المخالفون للإجماع: خالف الحنفية جمهور العلماء وذهبوا إلى عدم اجتماع الخراج والعشر على المسلم. • واستدلوا بما يلي: ١ - أن عمر بن الخطاب ﵁ لما فتح السواد وضع على الأرض الخراج، ولم يأخذ العشر من الخارج، وذلك بمشاورة الصحابة وبموافقتهم إياه عليه، فصار ذلك إجماعًا من السلف، وعليه مضى الخلف، ولو جاز اجتماعهما لجمعهما عمر بن الخطاب ﵁ (٢). ونوقش: بأنه ليس في أرض أهل الذمة صدقة، إنما قال اللَّه -تعالى-: ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣)، فأي طهرة للمشركين؟ ! (٤) قال ابن حزم: "وهذا تمويه بارد؛ لأن عمر ﵁ إنما ضرب الخراج على أهل الكفر، ولا زكاة تؤخذ منهم، فإن ادعى أن عمر لم يأخذ الزكاة ممن أسلم من أصحاب أرض الخراج فقد كذب جدًّا، ولا يجد هذا أبدًا، ومن ادعى أن عمر أسقط الزكاة عنهم كمن ادعى أنه أسقط الصلاة عنهم، ولا فرق" (٥). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ -قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أو كان عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وما سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" (٦). قال الجصاص: "وذلك إخبار بجميع الواجب في كل واحد منهما، فلو وجب الخراج معه لكان ذلك بعض الواجب؛ لأن الخراج قد يكون الثلث أو

стр. 3692

الربع، وقد يكون قفيزًا ودرهمًا، وأيضًا فإن النبي ﷺ قدَّر العشر إلى النصف؛ لأجل المؤنة التي لزمت صاحبها، فلو لزم الخراج في الأرض لزم سقوط نصف العشر الباقي؛ للزوم مؤنة الخراج، ولكان يجب أن يختلف حكم ما تغلظ فيه المؤنة، وما تخلف فيه، كما خالف النبي ﷺ بين ما سقته السماء وبين ما سقي بالناضح لأجل المؤنة" (١). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ" (٢). قال الجصاص: "ومعناه: ستمنع، ولو كان العشر واجبًا لاستحال أن يكون الخراج ممنوعًا منه والعشر غير ممنوع؛ لأن من منع الخراج كان للعشر أمنع، وفي تركه ذكر العشر دلالة على أن لا عشر في أرض الخراج" (٣). ونوقش: بما قاله ابن حزم: "مثل هذا ليس لإيراده وجه، إلا ليحمد اللَّه -تعالى- من سمعه على خلاصه من عظيم ما ابتلوا به من المجاهرة بالباطل ومعارضة الحق بأغث ما يكون من الكلام، وليت شعري في أي معقول وجدوا أن كل شريعة لم تُذكر في هذا الحديث فهي ساقطة؟ ! وهل يقول هذا من له نصيب من التمييز؟ وهل بين من أسقط الزكاة لأنها لم تُذكر في هذا الخبر فرف وبين من أسقط الصلاة والحج؛ لأنهما لم يُذكرا في هذا الخبر؟ ! وحتى لو صح لهم أن رسول اللَّه ﷺ قصد بهذا الخبر ذكر ما يجب في هذه الأرضين، ومعاذ اللَّه من أن يصح هذا، فهو الكذب البحت على رسول اللَّه ﷺ ؛ لِمَا في ذلك إسقاط سائر حقوق اللَّه -تعالى- عن أهلها، وليس في الدنيا حديث انتظم ذكر جميع الشرائع أولها عن آخرها، نعم ولا سورة أيضًا، وإنما قصد ﵇ في هذا الحديث الإنذار بخلاء أيدي المفتتحين لهذه البلاد

стр. 3693

من أخذ طعامها ودراهمها ودنانيرها فقط، وقد ظهر ما أنذر به ﵇، ومن الباطل الممتنع أن يريد رسول اللَّه ﷺ ما زعموا، لأنه لو كان كذلك، وكان أرباب أراضي الشام ومصر والعراق مسلمين، فمن هم المخاطبون بأنهم يعودون كما بدؤوا؟ ! " (١). وقال أيضًا: أرأيت إن قال قائل: إن قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) دليل على أن لا خراج على شيء من الأرض، لأنه لو كان فيها خراج لذكره في هذا الحديث. فإن قال: قد ذكر الخراج في الحديث الذي قدمنا آنفًا، قيل له: وقد ذكر العشر ونصف العشر في الحديث الذي ذكر آنفًا (٢). ٤ - كما استدلوا بأن العشر والخراج حقان للَّه تعالى، لم يجز اجتماعهما في مال واحد (٣). ونوقش: بما قاله ابن حزم: "بل تجتمع حقوق للَّه -تعالى- في مال واحد، ولو أنها ألف حق، وما ندري من أين وقع لهم أنه لا يجتمع حقان في مال واحد، وهم يوجبون الخمس في معادن الذهب والفضة والزكاة أيضا. . . ويوجبون أيضًا الخراج في أرض المعدن إن كانت أرض خراج. . . " (٤). النتيجة: عدم صحة الإجماع، لوجود الخلاف. [١٥٧/ ١٥٧] لا يجوز بقاء الأرض المملوكة بلا عشر ولا خراج • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على تقسيم الأرض إلى خراجية أو عشرية، فلا يجوز خلو الأرض المملوكة من العشر أو الخراج. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "إذا تركت الأرض المملوكة بلا عشر ولا خراج كان هذا مخالفًا لإجماع المسلمين، ومن أفتى بخلو هذه الأرض عن العشر والخراج يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل" (٥).

стр. 3694

• الموافقون على الإجماع: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستدل على ذلك بما يلي: • أولًا: أدلة وجوب الخراج على الأرض الخراجية، وقد تقدم ذكرها آنفًا (٥). • ثانيًا: أدلة وجوب العشور على أراضي المسلمين: ١ - قول اللَّه -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٦). • وجه الدلالة: قال البغوي: "قيل: هذا أمر بإخراج العشور من الثمار والحبوب. واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم، وفيما يقتات من الحبوب، إن كان مسقيًّا بماء السماء، أو من نهر يجري الماء إليه من غير مؤنة، وإن كان مسقيًّا بساقية أو بنضح ففيه نصف العشر" (٧). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أو كان عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وما سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" (٨). • وجه الدلالة: الحديث واضح الدلالة في وجوب العشر على ما يخرج في أراضي المسلمين (٩). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.

стр. 3695

[١٥٨/ ١٥٨] لا خراج على أراضي المسلمين المملوكة لهم قبل أن تفتح • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أنه لا خراج على المسلم في خالص ملكه الذي لا حق لأحد فيه، ومن ذلك: الأراضي التي أسلم أهلها عليها قبل فتحها، وكذلك الأراضي التي ملكها بعض المسلمين من الكفار ابتداءً، كتلك التي قسمها الإمام بين الغانمين. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٩ هـ) قال: "أجمعوا على أن كل أرض أسلم عليها أهلها قبل أن يقهروا أن أموالهم لهم، وأحكامهم أحكام المسلمين" (١)، نقله ابن قدامة (٦٢٠ هـ) (٢) ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "ما أحياها المسلمون من غير أرض العنوة، أو ما أسلم أهلها عليها ولم يكن ضرب عليهم خراج قبل الإسلام، فهذه لا خراج عليها. وكذلك ما ملكها بعض المسلمين من الكفار ابتداءً؛ كأرض قاتلوا عليها الكفار وقسمها الإمام بين الغانمين، فكل هذه من أراضي المسلمين مملوكة لمن هي في يده، ولا خراج على المسلم في خالص ملكه الذي لا حق لأحد فيه وهذا لا يعلم فيه خلاف" (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث الْعَلَاءِ بن الْحَضْرَمِيِّ ﵁ قال: بَعَثَنِي رسول اللَّه ﷺ إلى الْبَحْرَيْنِ

стр. 3696

أو إلى هَجَرَ، فَكُنْتُ آتِي الْحَائِطَ يَكُونُ بين الْإِخْوَةِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمْ، فآخذ من المُسْلِمِ الْعُشْرَ، وَمِنْ المُشْرِكِ الْخَرَاجَ" (١). ٢ - ما روي أن حذيفة ﵁ كتب إلى عمر ﵁: إني وضعت الخراج، فأسلم رجال قبل أن أضع الخراج على أرضهم وعلى رؤوسهم. فكتب إليه عمر ﵁: "أيما رجل أسلم قبل أن تضع الخراج على أرضه وعلى رأسه، فخذ من أرضه العشر، والغ عن رأسه، ولا تأخذ من مسلم خراجًا، وأيما رجل أسلم بعدما وضعت الخراج على أرضه ورأسه، فخذ من أرضه، فقد أحرزنا أرضه في شركه قبل أن يسلم" (٢). ٣ - قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "وجدنا الآثار عن رسول اللَّه ﷺ ، والخلفاء بعده، قد جاءت في افتتاح الأرضين بثلاثة أحكام: أرض أسلم عليها أهلها فهي لهم ملك أيمانهم، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره. وأرض افتتحت صلحًا على خراج معلوم، فهم على ما صولحوا عليه، لا يلزمهم أكثر منه. وأرض أخذت عنوة، فهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلها سبيل الغنيمة، فتخمس وتقسم، فيكون أربعة أخماسها خططًا بين الذين افتتحوها خاصة، ويكون الخمس الباقي لمن سمى اللَّه ﵎. وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الأمام، إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها

стр. 3697

ويقسمها كما فعل رسول اللَّه بخيبر فذلك له، وإن رأى أن يجعلها فيئًا فلا يخمسها ولا يقسمها ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا كما صنع عمر بالسواد فعل ذلك" (١). • المخالفون للإجماع: ذهب قول شاذ إلى أنه لم يرد دليل على عدم أخذ الخراج من الأرض التي هي ملك في أيدي المسلمين (٢). وأجيب عن ذلك: بأن العدم لا يحتاج إلى أصل؛ لأنه لو أخذ منهم الخراج لنُقل، ولَمَّا لم ينقل دل على عدمه، ولأنه بمنزلة الفيء، فلا يثبت في أراضيهم كما لا يثبت في رقابهم (٣). النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ المخالف. [١٥٩/ ١٥٩] يجوز أخذ خراج الأرض زيادة على جزية الرؤوس • المراد بالمسألة: الجِزْيَةُ لغة: هي المال الذي يَعْقِدُ الكِتابيُّ عليه الذِّمَّة، وهي فِعْلَة من الجزاء كأنَّها جَزَتْ عن قَتْلِه (٤). أو هي اسم لما يؤخذ من الذمي، مشتقة من الجزاء، كأنها جزاء إسكاننا إياه في دارنا، وعصمتنا دمه وماله وعياله، وقيل: هي مشتقة من جزي يجزى إذا قضى (٥). الجِزْيَةُ اصطلاحًا: هي موضوعة على رؤوس أهل الذمة، واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارًا، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقًا (٦). وقيل: الجزية والجزاء واحد، وهي ما أُخذ على وجه الصغار، وسُمِّيت جزية؛ لأنها جزاء الإقامة على الكفر ممن كان من أهل القتال، فمتى أسلم سقط عنه بالإسلام المجازاة على الكفر (٧).

стр. 3698

وقد أجمع المسلمون على أنه يجوز للإمام أن يجمع على أهل الذمة خراج الأرض زيادة على جزية الرؤوس. فإذا فُتحت أرضهم عنوة، فقد صارت من دار الإسلام، فيجوز للإمام أن يقرهم فيها على أن يؤدوا خراجها زيادة على جزية رؤوسهم. أما إذا صالحهم على أن تكون أرضهم للمسلمين، فقد صارت بهذا الصلح من دار الإسلام، وصاروا بإقرارهم فيها أهل ذمة، لا يقرون إلا بجزية، ولا يجزئ الخراج المأخوذ من أرضهم عن جزية رؤوسهم؛ لأنه أجرة، حتى يجمع عليهم بين خراج الأرض وجزية الرؤوس (١). • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: "واتفقوا أن أهل الذمة إذا رضوا حين صلحهم الأول بالتزام خراج في الأرضين، أو بعشر، أو بتعشير من تجر منهم في مصره وفي الآفاق، أو بأن يؤخذ منهم شيء معروف زائد على الجزية محدود يحل ملكه، وكان كل ذلك زائدًا على الجزية، أن كل ذلك -إذا رضوه أولًا- لازم لهم ولأعقابهم في الأبد" (٢) المرغناني (٥٩٣ هـ) قال: "إذا فتح الإمام بلدة عنوة -أي: قهرًا- فهو بالخيار: إن شاء قسمه بين المسلمين، كما فعل رسول اللَّه ﷺ بخيبر، وإن شاء أقر أهله عليها، ووضع عليهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق، بموافقة الصحابة ﵃، ولم يجد من خالفه" (٣). نقله فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) (٤)، وابن نجيم (٩٧٠ هـ) (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، المالكية (٧)، الشافعية (٨)،

стр. 3699

الحنابلة (١)، الظاهرية (٢). • مستند الإجماع: ويُستدل على ذلك بأن الخراج أجرة عن أرض المسلمين نظير إقرارهم فيها، والجزية عوض عن حقن الدم والإقرار على الكفر (٣). ولذلك تفرض عليهم الجزية، سواء أقرهم الإمام على الأرض أو خمسها وقسمها على الفاتحين، فإن أقرهم عليها زاد الخراج على الجزية، إلا أن يصالحهم الإمام على أن يؤدوا جزية الرؤوس، وتبقى الأرض في ملكهم، فلهم ما صالحونا عليه. ويدل لذلك قول النبي ﷺ : "لَعَلَّكُمْ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا، فَتَظْهَرُونَ عليهم، فَيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَيُصَالِحُونَكُمْ على صُلْحٍ، فلا تُصِيبُوا منهم شيئًا فَوْقَ ذلك، فإنه لَا يَصْلُحُ لَكُمْ" (٤). • وجه الدلالة: قال أبو عبيد: "في هذا الحديث أن السنة في أرض الصلح أن لا يُزاد على وظيفتها التي صولحوا" (٥). • من خالف الإجماع: ذهب عدد قليل من العلماء إلى القول بأن الخراج لا يكون على الأرض التي صالح عليها أهلها. ونقلوا عن الإمام أحمد أنه قال: "أرض أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج، إنما يُنظر إلى ما أخرجت، يؤخذ منهم العشر مرتين" (٦). قال الخلال: "والذي عليه العمل في قول أبي عبد اللَّه: أنه ما كان في أيديهم من صلح أو خراج فهم على ما صولحوا عليه، أو جعل على أرضهم

стр. 3700

من الخراج" (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ الخلاف. [١٦٠/ ١٦٠] يجوز لمن بيده أرض خراجية أن يزارع فيها • المراد بالمسألة: المزارعة لغة: مفاعلة من الزرع، وهو الحرث والإنبات. يُقال: زَرَعَ الحراث الأرض زَرْعًا: حرثها للزراعة، وزَرَعَ اللَّه الحرث: أنبته وأنماه، والزَّرْعُ: ما استنبت بالبذر. ومنه يُقال: حصدت الزَّرْعَ، أي: النبات، وقال بعضهم: ولا يُسمى زَرْعًا إلا وهو غضّ طريّ، والجمع: زُرُوعٌ (٢). المزارعة شرعًا: عقد على الزرع ببعض الخارج (٣). وقيل: تسليم الأرض لرجل ليزرعها ببعض ما يخرج منها، والبذر من المالك. والمخابرة كالمزارعة، لكن البذر من العامل (٤). وقيل: دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه، بجزء مشاع معلوم منه (٥). وخلاصة القول: أن المزارعة عقد بين من بيده رقبة الأرض، وآخر يعمل في زراعتها، على أن يكون المحصول مشتركًا بينهما، بالحصص التي يتفقان عليها. وقد أجمع المسلمون على جواز دفع الأرض الخراجية لمن يزرعها ببعض ما يخرج منها. • من نقل الإجماع: موفق الدين ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "يجوز لمن في يده أرض خراجية أن يزارع فيها؛ لأنه بمنزلة المستأجر لها، وللموقوف عليه أن يزارع في الوقف ويساقي على شجره؛ لأنه إما مالك لرقبة ذلك أو بمنزلة المالك، ولا نعلم في هذا خلافًا عند من أجاز المساقاة والمزارعة، واللَّه

стр. 3701

أعلم" (١). نقله شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بحديث ابن عُمَرَ ﵄: "أن رَسُولَ اللَّه ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ" (٨). قال ابن بطال: "العمل جرى بالمزارعة والمساقاة فى أوقاف النبي ﷺ وأرض خراج المسلمين، ولم يرو عن أبي بكر ولا عمر ولا غيرهما أنهم غيروا حكم رسول اللَّه ﷺ فى هذا، فهى سنة ثابتة معمول بها" (٩). • المخالفون للإجماع: يرى أبو حنيفة ﵀ أن المزارعة باطلة وفاسدة وغير جائزة، وبالتالي لا يرى جوازها في أرض الخراج (١٠). وكذلك لم يجز الشافعي المزارعة، إلا أن تكون تبعًا للمساقاة للحاجة، فلو كان بين النخل بياض صحت المزارعة عليه مع المساقاة على النخل، بشرط اتحاد العامل، وعسر إفراد النخل بالسقي، والبياض بالعمارة، وهي: الزراعة لانتفاع النخل بسقي الأرض وتقليبها. واشترط ألا يفصل العاقدان بين العقدين،

стр. 3702

وإنما يؤتى بهما على الاتصال، وألا يقدم المزارعة على المساقاة؛ لأنها تابعة، والتابع لا يُقدم على متبوعه (١). ومع هذا قال كثير من فقهاء الشافعية بمشروعية المزارعة استقلالًا، بدليل معاملة النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها (٢). • واستدل المخالفون بما يلي: ١ - حديث جَابِرِ بن عبد اللَّه ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عَنِ المُخَابَرَةِ (٣)، وَالمُحَاقَلَةِ (٤). . . " (٥). ٢ - أن أجر المزارع -وهو مما تخرجه الأرض- إما معدوم؛ لعدم وجوده عند العقد، أو مجهول؛ لجهالة مقدار ما تخرجه الأرض، وقد لا تخرج شيئًا،

стр. 3703

وكل من الجهالة وانعدام محل العقد مفسد عقد الإجارة (١). وأجيب عن ذلك: بأن الجهالة تزول إذا ما تحدد الأجر الذي يأخذه المزارع. كما أن الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- قد زارعوا على ما في أيديهم من أراضي، وكذلك في الأراضي الخراجية، وقبل ذلك عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان دليلًا على جواز المزارعة (٢). النتيجة: عدم صحة الإجماع، لوجود الخلاف. [١٦١/ ١٦١] جواز إجارة الأرض الخراجية مدة معلومة • المراد بالمسألة: الإجارة لغة: الإثابة، من أجر يأجر، وهو ما أعطيت من أجر في عمل، والأجر: الثواب (٣). الإجارة شرعًا: تمليك منفعة رقبة بعوض (٤). وقد أجمع المسلمون على جواز إجارة الأرض الخراجية مدة معلومة. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) قال: "ويجوز لأهله إجارته بالاتفاق مدة معلومة، ولا تجوز إجارته مؤبدًا على الأصح، بخلاف إجارة عمر ﵁ مؤبدًا، فإنها احتملت لمصلحة كلية" (٥) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: "والأرض الخراجية يؤجرها من عليهم الخراج بالإجماع" (٦) ابن الملقن (٧) (٨٠٤ هـ) قال:

стр. 3704

"ويجوز لأهله إجارته بالاتفاق مدة معلومة، ولا يجوز إجارته مؤبدًا على الأصح، بخلاف إجارة عمر ﵁ مؤبدًا، فإنها احتملت لمصلحة كلية" (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي: ١ - حديث ابن عُمَرَ ﵄: "أن رَسُولَ اللَّه ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ" (٦). ٢ - القياس على إجارة المستأجر، وإجارة العبد الذي صولح على خدمته مدة معلومة، وإجارة الموقوف عليه الغلة، وإجارة العبد المأذون (٧). • المخالفون للإجماع: ذهب عدد قليل من العلماء إلى عدم جواز إجارة الأرض الخراجية، سواء كان لمدة معلومة أم لمدة غير معلومة. قال ابن رجب الحنبلي: "وحكى القاضي، وابن عقيل -أيضًا- رواية أخرى بعدم جواز إجارة أرض العنوة مطلقًا، من غير تفصيل بين المساكن والمزارع، وذكر في كتاب الروايتين أنها اختيار أبي بكر، وجزم بذلك ابن عقيل في فتوته، وأن حكم إجارتها حكم بيعها، فلا ترد الإجارة إلا على البنيان دون المزارع، مع أن في بيع البنيان خلافًا سبق ذكره، وعلل القاضي المنع بأنها أرض عنوة، فلم تجز إجارتها كرباع مكة" (٨). فاستدل بقياس إجارة أرض العنوة على إجارة أرض مكة؛ لأن كليهما فتح

стр. 3705

عنوة، وكما لا يجوز إجارة أرض مكة، فكذلك لا يجوز إجارة أرض الخراج المفتوحة عنوة. وأجيب عن ذلك: بأنه لا يصح قياس أرض العنوة على أرض مكة، وإن كانت قد فتحت عنوة؛ لأن مكة لها أحكامها الخاصة التي خصها بها المصطفى ﷺ ، فلم يضرب عليها الخراج، كما لم يبح بيعها ولا إجارتها. ويدل لذلك حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مكة مناخ، لا تباع رباعها، ولا تؤاجر بيوتها" (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ الخلاف. [١٦٢/ ١٦٢] أرض العنوة الموقوفة على المسلمين لا تباع ولا تورث • المراد بالمسألة: اتفق المسلمون على أن الأرض التي فُتحت عنوة، ولم يخمسها الإمام ويقسمها بين الغانمين، أنها تصير وقفًا على المسلمين، ويقرها بيد أهلها يؤدون الخراج عنها، لا يجوز لهم بيعها، ولا أن يتوارثوها. • من نقل الإجماع: موفق الدين ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "وقال: الأوزاعي: أجمع رأي عمر وأصحاب النبي ﷺ لَمَّا ظهروا على الشام على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم، يعمرونها، ويؤدون خراجها إلى المسلمين، ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض طوعًا ولا كرهًا، وكرهوا ذلك، مما كان من اتفاق عمر وأصحابه في الأرض المحبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين، لا تُباع، ولا تُورث" (٢). نقله شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣).

стр. 3706

من وافق الإجماع: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي: ١ - ما روي عن الحسن أن عمر ﵁ قال: "لا تشتروا رقيق أهل الذمة، ولا أراضيهم". فقيل للحسن: ولم؟ قال: لأنهم فيء للمسلمين (٤). ٢ - ما روي أن عتبة بن فرقد اشترى أرضًا على شاطئ الفرات؛ ليتخذ فيها قضبًا، فذكر ذلك لعمر ﵁، فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أربابها، فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر قال: هؤلاء أهلها، فهل اشتريت منهم شيئًا؟ قال: لا، قال: فارددها على من اشتريتها منه، وخذ مالك (٥). • المخالفون للإجماع: خالف الحنفية الإجماع، وقالوا: إن كل ما فُتح عنوة وأُقر أهله عليه، أو صولحوا -سوى مكة- مملوكة لأهلها الذين أقرت في أيديهم، يجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها (٦). قال فخر الدين الزيلعي: "أرض السواد مملوكة لأهلها عندنا، وقال الشافعي ﵀: ليست بمملوكة لهم، وإنما هي وقف على المسلمين، وأهلها مستأجرون لها؛ لأن عمر ﵁ استطاب قلوب الغانمين، فآجرها. وقال أبو بكر الرازي: هذا غلط لوجوه: أحدها: لأن عمر لم يستطب قلوبهم فيه، بل ناظرهم عليه، وشاور الصحابة على وضع الخراج، وامتنع بلال وأصحابه، فدعا عليهم، وأين الاسترضاء؟ !

стр. 3707

ثانيًا: أن أهل الذمة لم يحضروا الغانمين على تلك الأراضي، فلو كان إجارة لاشترط حضورهم. ثالثها: أنه لم يوجد في ذلك رضا أهل الذمة، ولو كانت إجارة لاشترط رضاهم. ورابعها: أن عقد الإجارة لم يصدر بينهم وبين عمر، ولو كانت إجارة لوجب العقد. وخامسها: أن جهالة الأراضي تمنع صحة الإجارة. وسادسها: أن جهالة المدة تمنع صحتها أيضًا. وسابعها: أن الخراج مؤبد، وتأبيد الإجارة باطل. وثامنها: أن الإجارة لا تسقط بالإسلام، والخراج يسقط عنده. وتاسعها: أن عمر قد أخذ الخراج من النحل ونحوه، ولا يجوز إجارتها. وعاشرها: أن جماعة من الصحابة اشتروها، فكيف يبيعون الأرض المستأجرة، وكيف يجوز لهم شراؤها؟ ! " (١). النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف. [١٦٣/ ١٦٣] أرض الخراج التي صولح عليها أهلها يجوز لهم بيعها ورهنها ووقفها • المراد بالمسألة: إذا صالح الإمام أهل الذمة على أن تكون الأرض لهم والخراج لنا، صارت الأرض مملوكة لأهلها الذين أقرت في أيديهم، يجوز لهم التصرف فيها بالبيع والرهن والوقف، وعلى هذا اتفق العلماء. • من نقل الإجماع: أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "إذا ترك الإمام ما افتتحه من الأراضي مع أهلها على خراج، فإن تصرفاتهم فيها من بيع ووقف وهبة، جائزة بالاتفاق" (٢) أبو عبد اللَّه المواق (٨٩٧ هـ) قال: "لا خلاف أن

стр. 3708

لهم أرضهم ومالهم، يبيعون ويرثون، وتكون لهم إن أسلموا عليها" (١) الحطاب الرعيني (٩٥٤ هـ) قال: "ولا خلاف أنها تكون لهم، وإن أسلموا عليها" (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). مستند الإجماعِ: ويستدل على ذلك بقول النبي ﷺ : "لَعَلَّكُمْ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا، فَتَظْهَرُونَ عليهم، فيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَيُصَالِحُونَكُمْ على صُلْحٍ، فلا تُصِيبُوا منهم شيئًا فَوْقَ ذلك، فإنه لَا يَصْلُحُ لَكُمْ" (٨). • وجه الدلالة: قال أبو عبيد: "في هذا الحديث أن السنة في أرض الصلح أن لا يُزاد على وظيفتها التي صولحوا" (٩). فإن صالحونا على أن الأرض لهم والخراج لنا، فليس لنا أن ننزع الأرض من أيديهم. • من خالف الإجماع: ذهب البعض من أصحاب الإمام أحمد إلى القول بأن الأراضي الخراجية لا يجوز نقل الملك فيها؛ لأنها وقف، فلا يجوز بيعها (١٠). قال ابن القيم: "ومنشأ الشبهة: أنهم ظنوا أن وقفها بمنزلة سائر الأوقاف التي تجري مجرى إعتاق العبد وتحريره للَّه، وهذا غلط، بل معنى وقفها: تركها على حالها، لم يقسمها بين الغانمين، لا أنه أنشأ تحبيسها وتسبيلها على المسلمين" (١١).

стр. 3709

وقال -أيضًا-: "وحق المسلمين في الخراج لا يسقط بنقل الملك، فإنها تكون عند المشتري كما كانت عند البائع" (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ الخلاف. [١٦٤/ ١٦٤] يجوز للإمام التصرف في أرض الخراج إذا عجز أهلها عن زرعها • المراد بالمسألة: إذا عجز من بيده رقبة الأرض الخراجية عن أداء الخراج فللإمام أن يدفعها إلى غيره مزارعة، ويأخذ الخراج من نصيبه، وإن شاء أجرها وأخذ الخراج من الأجرة، وإن شاء زرعها بنفقة من بيت المال، فإن لم يتمكن من ذلك ولم يجد من يقبل ذلك باعها وأخذ من ثمنها الخراج، وعلى هذا اتفق العلماء. • من نقل الإجماع: ابن مودود الموصلي (٦٨٣ هـ) (٢) قال: "ومن عجز عن زرع أرض وعن الخراج تؤجر أرضه، ويؤخذ الخراج من الأجرة، فإن لم يكن من يستأجرها باعها الإمام وأخذ الخراج، ورد عليه الباقي بالإجماع؛ لأن فيه ضررًا خاصًّا لنفع عام، فيجوز" (٣) البابرتي (٧٨٦ هـ) قال: "إذا عجز المالك عن الزراعة باعتبار عدم قوته وأسبابه، فللإمام أن يدفعها إلى غيره مزارعة، ويأخذ الخراج من نصيب المالك، ويمسك الباقي له، وإن شاء أجرها وأخذ ذلك من الأجرة، وإن شاء زرعها بنفقة من بيت المال، فإن لم يتمكن، ولم يجد من يقبل ذلك، باعها وأخذ من ثمنها الخراج، وهذا بلا خلاف" (٤). نقله فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) (٥)،

стр. 3710

والعيني (٨٥٥ هـ) (١)، وابن نجيم (٩٧٠ هـ) (٢) وابن عابدين (١٢٥٢ هـ) (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي (٧): ١ - أنه بترك عمارة أرض الخراج على وجه الخراب تصير في حكم الموات، فيتضرر أهل الفيء وغيرهم بتعطيلها. ٢ - أن أرض الخراج ملك لأصحاب الفيء، فليس له تعريضها للخراب وتعطيلها عليهم. • المخالفون للإجماع: ذهب البعض إلى أن الأمر ليس على إطلاقه، بل يدفع الإمام للعاجز كفايته من بيت المال، فيعمل فيها قرضًا. نسب العيني وابن نجيم ذلك القول إلى أبي يوسف (٨)، على أنه قول ثان في المسألة. النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ الخلاف. [١٦٥/ ١٦٥] مكة ليست خراجية • المراد بالمسألة: أجمع المسلمون على أن مكة ليست خراجية. • من نقل الإجماع: ابن مفلح (٧٦٣ هـ) قال: "وفي الانتصار (٩) -على

стр. 3711

الأُولَى-: بلى كسائر أرض العنوة. وهو من المفردات. قال صاحب المحرر (١): لا أعلم من أجاز ضرب الخراج عليها سواه" (٢)، نقله المرداوي (٨٨٥ هـ) (٣) ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "من أصحابنا من قال: يوضع الخراج على جميع أراضي العنوة، حتى على مزارع مكة إذا قلنا: فتحت عنوة، وهو قول أبي الخطاب (٤) في كتاب الانتصار، والسامري (٥)، وغيرهما: وقيل: إن قولهما خلاف الإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠). • مستند الإجماع: ويستدل على ذلك بما يلي:

стр. 3712

١ - حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مكة مناخ، لا تباع رباعها، ولا تؤاجر بيوتها" (١). قال المناوي: "لأنها غير مختصة بأحد، بل هي موضع لأداء المناسك" (٢). وقال أبو عبيد: "فإذا كانت مكة هذه سننها، أنها مناخ لمن سبق إليها، وأنها لا تباع رباعها، ولا يطيب كراء بيوتها، وأنها مسجد لجماعة المسلمين، فكيف تكون هذه غنيمة فتقسم بين قوم يحوزونها دون الناس؟ أو تكون فيئًا فتصير أرض خراج؟ " (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب نزر يسير من العلماء إلى القول بأن مكة مثل غيرها من البلاد التي فتحت عنوة، ويجب وضع الخراج على أرضها. واستدلوا بالقياس على سائر البلاد التي فتحت عنوة ووضع عليها الخراج. وأجيب عن ذلك: بأنه قياس في مقابل النص، فلا يصح. قال ابن القيم: "وهذا القول من أقبح الغلط في الإسلام، وهو مردود على قائله، ومكة أجل وأعظم من أن يُضرب على أرضها الجزية، وهي حرم اللَّه وأمنه، ودار نسك الإسلام، وقد أعاذها اللَّه مما هو دون الخراج بكثير، وهذا القول استدراك على رسول اللَّه ﷺ عثمان، والأئمة بعدهم، إلى زمن هذا القائل، وكيف يسوغ ضرب الخراج الذي هو أخو الجزية وشقيقها ورضيع لبنها على خير بقاع اللَّه، وأحبها إلى اللَّه، ودار النسك، ومتعبد الأنبياء، وقرية رسول اللَّه التي أخرجته، وحرم رب العالمين وأمنه، ومحل بيته، وقبلة أهل الأرض" (٤). النتيجة: صحة الإجماع؛ لشذوذ المخالف.

стр. 3713

[١٦٦/ ١٦٦] أراضي الشام خراجية لا يجوز قسمتها • المراد بالمسألة: اتفق المسلمون على أن أراضي الشام خراجية ولكنها لا تقسم بل تضرب عليها الجزية وتترك مادة لمن بعدهم من المسلمين. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ) قال: "روي عن عمر أنه لم يقسم أرض السواد ومصر والشام، وجعلها مادة للمسلمين ولمن يجيء بعده، واحتج بالآية ووافقه الصحابة بعد الخلاف" (١) المرغناني (٥٩٣ هـ) قال: "اجتمعت الصحابة على وضع الخراج على الشام" (٢). نقله فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) (٣)، والعيني (٨٥٥ هـ) (٤)، وابن نجيم (٩٧٠ هـ) (٥) ابن مودود الموصلي (٦٨٣ هـ) قال: "أجمعت الصحابة على وضع الخراج على الشام" (٦) موفق الدين ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: "قال الأوزاعي: أجمع رأي عمر وأصحاب النبي ﷺ لَمَّا ظهروا على الشام على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم، يعمرونها، ويؤدون خراجها إلى المسلمين" (٧). نقله شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٨) أحمد بن يحيى المرتضى (٨٤٠ هـ) قال: "والخراج: ما ضُرب على أرض افتتحها الإمام، وتركها في يد أهلها على تأديته، كفعل عمر ﵁ عن مشاورة سواد الكوفة ومصر والشام وخراسان، فكان إجماعًا" (٩). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (١٠)،

стр. 3714

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: ويُستدل على ذلك بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ من حَيْثُ بَدَأْتُمْ" (٥). • وجه الدلالة: هذا الحديث من أعلام النبوة؛ لإخباره ﷺ بما سيكون من مُلك المسلمين هذه الأقاليم، ووضعهم الجزية والخراج، ثمّ بطلان ذلك (٦). ٢ - قال القاضي أبو يوسف: "قد سأل بلال وأصحابه عمر بن الخطاب ﵁ قسمة ما أفاء اللَّه عليهم من العراق والشام، وقالوا: اقسم الأرضين بين الذين افتتحوها، كما تقسم غنيمة العسكر. فأبى عمر ذلك عليهم، وتلا عليهم هذه الآيات -آيات الفيء في سورة الحشر- وقَالَ: "قد أشرك اللَّه الذين يأتون من بعدكم فِي هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعيَ بصنعاء نصيبُه من هذا الفيء ودمه فِي وجهه" (٧). فجعل عمر ﵁ على هذه الأرض مقدارًا معينًا من المال يُدفع كل عام. النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم المخالف.

стр. 3715

[١٦٧/ ١٦٧] أراضي العراق خراجية لا يجوز قسمتها • المراد بالمسألة: اتفق المسلمون على أن أراضي العراق خراجية ولكنها لا تقسم بل تضرب عليها الجزية وتترك مادة لمن بعدهم من المسلمين. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ) قال: "روي عن عمر أنه لم يقسم أرض السواد ومصر والشام، وجعلها مادة للمسلمين ولمن يجيء بعده، واحتج بالآية ووافقه الصحابة بعد الخلاف" (١) الجصاص (٣٧٠ هـ) قال: "اتفق الجميع من الصحابة على تصويب عمر ﵁ فيما فعله في أرض السواد، بعد خلاف من بعضهم عليه على إسقاط حق الغانمين عن رقابها" (٢) أبو المعالي الجويني (٤٧٨ هـ) قال: "لما انتشرت الرعية، وكثرت المؤن المعنية، تسبب أمير المؤمنين عمر ﵁ إلى توظيف الخراج والإرفاق على أراضي العراق، بإطباق واتفاق" (٣) الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: "ولنا إجماع الصحابة ﵃، فإن سيدنا عمر ﵁ لَمَّا فتح سواد العراق ترك الأراضي في أيديهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، بمحضر من الصحابة الكرام ﵃ ولم يُنقل أنه أنكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعًا منهم" (٤) المرغناني (٥٩٣ هـ) قال: "إذا فتح الإمام بلدة عنوة -أي: قهرًا- فهو بالخيار: إن شاء قسمه بين المسلمين، كما فعل رسول اللَّه ﷺ بخيبر، وإن شاء أقر أهله عليها، ووضع عليهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، كذلك فعل عمر ﵁ بسواد العراق، بموافقة الصحابة ﵃، ولم يجد من خالفه" (٥). نقله فخر الدين الزيلعي (٧٤٣ هـ) (٦)، وابن نجيم (٩٧٠ هـ) (٧) ابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) قال: "وأما أرض العنوة، فإن عمر ﵁ وضع على
следующие страницы →