← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

وثقالًا، شبانًا وشيوخًا، كل على قدر طاقته. . . . حتى يظهر دين اللَّه وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة (١) ويخزى العدو ولا خلاف في ذلك) (٢). وابن عطية (٥٤١ هـ) حيث يقول: (الذي استقر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد ﷺ فرض كفاية فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذٍ فرض عين) (٣). وحكى الاتفاق أيضًا ابن القطان الفاسي (٦٢٨ هـ) (٤). وشيخ الإسلام (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا) (٥). وقال ﵀-أيضًا: (. . . فأما إن هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعًا) (٦). والمرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حضر العدو بلده تعيَّن عليه بلا نزاع) (٧). • الموافقون للإجماع: وافق الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١)، والظاهرية (١٢) على تعيُّن الجهاد في هذه الحالة. • مستند الإجماع: دلَّ على هذا الحكم أدلة كثيرة منها ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. ٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].

стр. 3852

فقد دلّت هاتان الآيتان على أن قتال من قاتل المسلمين، وحماية المستضعفين، ونصرة المظلومين واجبٌ شرعي حتى ينكفئ المعتدون ويُنْتَصَرَ للمظلومين. ٣ - وقوله : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]. ٤ - وعن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (١). فهذه النصوص ظاهرة الدلالة في الأمر بالجهاد، ولا شك أن الأمر بالجهاد في حالة هجوم الأعداء على بلاد المسلمين يدخل دخولًا أوليًا في مدلولها. النتيجة: الإجماع متحقق حيث لم أجد من خالف في ذلك من أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. [٤/ ٤] تعيُّن الجهاد عند التقاء الصفوف: • المراد بالمسألة: أن من الحالات التي يتعيّن فيها الجهاد: إذا تقابل الصفّان، والتقى الزحفان ولم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، ولم يخافوا الهلاك تعين عليهم فرض الجهاد (٢). فيحرم في حق من شهده الانصراف، ويصبح الجهاد متعينًا عليه. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الوزير ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات وحرم عليهم الانصراف والفرار (٣) إذ قد تعين عليهم، إلا أن يكون متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة أو يكون الواحد مع ثلاثة أو المائة مع ثلثمائة فإنه أبيح لهم الفرار، ولهم الثبات لا سيما مع غلبة ظنهم بالظهور) (٤). المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو

стр. 3853

حضر العدو بلده تعيَّن عليه بلا نزاع) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على تعيُّن الجهاد على من حضر الصف المذاهب الفقهية ومنها مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) ووافق على ذلك الظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]. • وجه الدلالة من الآيتين الكريمتين: حيث أمر تعالى عباده المؤمنين بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على جلادهم إذا التحم الجيشان، ونهى عن الانصراف والفرار، فهذا نص في وجوب الجهاد ووجوب القتال على من قابل العدو ولقيه وصار فرض عين عليه (٧). ٢ - وعن عبد اللَّه بن أبي أوفى، عن رسول اللَّه ﷺ أنه انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: "يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". ثم قام النبي ﷺ وقال: "اللهم، مُنزل الكتاب، ومُجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم" (٨). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الأمر الصريح بالصبر عند لقاء العدو على وجوب الجهاد عند التقاء الصفوف والنهي عن الانصراف من القتال حينئِذٍ. ٣ - عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: يا رسول اللَّه وما هن؟ قال: "الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات

стр. 3854

الغافلات" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عدَّ التولي يوم الزحف من الكبائر، وفيه دليل صريح لمذهب العلماء على تعيُّن الجهاد على من كان حاضرًا إذا التقت الصفوف والتحمت الجيوش. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٥/ ٥] تعيُّن الجهاد إذا استنفر الإمام: تعريف الاستنفار: • الاستنفار: السين، والتاء: للطلب، والنفير: طلب الخروج للنجدة والنصرة والإعانة (٢). • والمراد هنا: طلب الخروج الخاص وهو الخروج للجهاد في سبيل اللَّه . • والمراد بالمسألة: أن يطلب ولي الأمر من المسلمين الخروج للجهاد، كأن يستنفر الإمام أهل بلد أو قرية أو أناسًا بأعيانهم إلى الجهاد فيجب عليهم أن يخرجوا، ويتعين على كل من أطاق القتال منهم أن يخرج فيصير الجهاد في هذه الأحوال فرض عين، يأثَم الإنسانُ بتركه، وقد نقل إجماع العلماء على ذلك. • من نقل الإجماع: المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حضر العدو بلده تعيَّين عليه بلا نزاع، وكذا لو استنفره من له استنفاره بلا نزاع) (٣). • الموافقون للإجماع: ذهب إلى تعيُّن الجهاد على من استنفره الإمام أصحاب المذاهب الفقهية ومنها: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)،

стр. 3855

والظاهرية (١). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. • وجه الدلالة من الآية الكريمة: حيث اقتضى ظاهر الآية وجوب النفير على من يُستنفر (٢). ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيةٌ وإذا استنفرتم فانفروا" (٣). أي: إذا طلبكم الإمام إلى الغزو فاخرجوا إليه وجوبًا، وهذا دليل على أن الجهاد يتعيَّن على من عيَّنه الإمام (٤). ٣ - أن الخروج في هذه الحالة يجب لطاعة الإمام وطاعته واجبة، نقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. قال القرطبي: (والاستنفار يبعد أن يكون موجبًا شيئًا لم يجب من قبل، إلا أن الإمام إذا عين قومًا وندبهم إلى الجهاد، لم يكن لهم أن يتثاقلوا عند التعيين، ويصير بتعيينه فرضًا على من عينه لا لمكان الجهاد، ولكن لطاعة الإمام واللَّه أعلم) (٥). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في ذلك، واللَّه أعلم. [٦/ ٦] جهاد الطلب فرض كفاية: • المراد بالمسألة: هذه هي المرحلة الأخيرة من مراحل تشريع الجهاد وهو جهاد الطلب. • والمراد به: ابتداء قتال الكفار بديارهم عند القدرة عليهم حتى يكونوا مسلمين أو مسالمين. ونُقِلَ الإجماع على أن جهاد الطلب فرض كفاية إذا قام به من به كفاية سقط الإثم عن الباقين (٦).

стр. 3856

• وممن نقل الإجماع: التميمي (٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع الفقهاء أن الجهاد فرضْ على الناس إلا من كفي مؤنة العدو منهم أباح لمن سواه التخلُّف ما كان على كفايته، إلا عبيد اللَّه بن الحسن فإنه قال: هو تطوع) (١). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين. .) (٢). والقاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف بين الأمة في وجوبه) (٣). وابن عطية (٥٤١ هـ) حيث يقول: (والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد ﷺ فرض كفاية) (٤). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فأما حكم هذه الوظيفة فأجمع العلماء على أنها فرض على الكفاية لا فرض عين إلا عبيد اللَّه بن الحسن (٥)، فإنه قال: إنها تطوع) (٦). والرازي (٦٠٦ هـ) حيث يقول: (والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذٍ على الكل، واللَّه أعلم) (٧). وابن القطان الفاسي (٦٢٨ هـ) حيث يقول: (وأجمع المسلمون جميعًا على أن اللَّه فرض الجهاد على الكافة إذا قام به البعض سقط عن البعض) (٨). والزيلعي (٧٤٣ هـ) حيث يقول: (قال ﵀: (الجهاد فرض كفاية ابتداء) يعني يجب علينا أن نبدأهم بالقتال وإن لم يقاتلونا لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. . وعليه إجماع الأمة) (٩).

стр. 3857

• الموافقون على الإجماع: هو قول جمهور أهل العلم كما قال ابن قدامة (٦٢٠): (والجهاد من فروض الكفايات في قول عامة أهل العلم، وحكي عن سعيد بن المسيب أنه من فروض الأعيان) (١). وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وإليه ذهب الظاهرية (٦). • مستند الإجماع: أما دليل فرضية الجهاد، فأدلة كثيرة منها ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ٢ - وقوله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]. • وجه الدلالة: أن هاتين الآيتين قطعِيَّتَا الدلالة على وجوب القتال؛ لأن الأولى واردة بصيغة (كتب)، والثانية بصيغة الأمر وهما صريحتان في الوجوب على الراجح عند علماء الأصول (٧). لكن هذه النصوص وردت بإزائها نصوص أخرى خصصت عمومها، ودلَّت على أن الوجوب ليس عينيًّا، وإنما فرض كفاية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. • وجه الدلالة من الآية: أن اللَّه تعالى وعد القاعدين عن الجهاد الحسنى، ولو كان الجهاد فرض عين لاستحق القاعد العقاب لا الثواب (٨). • الخلاف في المسألة: وخالف في ذلك بعض العلماء على قولين: القول الأول: أن

стр. 3858

الجهاد فرض عين على كل مسلم إلى يوم القيامة. وورد ذلك عن: أبي أيوب الأنصاري، وأبي طلحة، والمقداد بن الأسود ﵃. وممن قال به: سعيد بن المسيب (١). واستدلوا بالنصوص الصريحة في الأمر بالقتال نحو قوله : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وسبق أن قدَّمنا بأن هذه الآية وأشباهها من العام المخصوص، ومما يدل على ذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يخرج قط للغزو إلا وترك بعض الناس (٢). • القول الثاني: أن الجهاد تطوع وليس بفرض، والأمر به جاء للندب، ولا يجب قتال الكفار إلا دفعًا. وورد ذلك عن عبد اللَّه بن عمر ﵄. وممن قال به: عطاء، وعبيد اللَّه بن الحسن، والثوري (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق لوجود المخالف المعتبر في المسألة، فما ورد عن الصحابة، والتابعين الأجلاء من خلاف لهذا القول يكفي في خرق الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [٧/ ٧] يُبتدأ في جهاد الكفار قتال الأقرب فالأقرب منهم مما يلي بلاد المسلمين: • المراد بالمسألة: أنه ينبغي للإمام إذا عزم على قتال المشركين في ديارهم، وقد تكافأت أحوال هؤلاء الأعداء (٤) أن يبدأ بقتال الأقرب، فالأقرب من بلاد الإسلام. ونقل الإجماع على ذلك.

стр. 3859

• من نقل الإجماع: الوزير ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أنه يجب على أهل كل ثغر أن يقاتلوا من يليهم من الكفار، فإن عجزوا ساعدهم من يلبهم ويكون ذلك على الأقرب فالأقرب، ممن يلي ذلك الثغر) (١). والدمشقي (٧٥١ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أنه يجب على أهل كل ثغر أن يقاتلوا من يليهم من الكفار، فإن عجزوا ساعدهم من يليهم الأقرب، فالأقرب) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع على عدة أدلة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]. • وجه الدلالة: حيث دلت الآية الكريمة أن الفرض على أهل كل ناحية من بلاد المسلمين قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد (٧). ٢ - ولأنه ﵊ حارب قومه، ثم انتقل منهم إلى غزو سائر العرب ثم انتقل منهم إلى غزو الشام والصحابة ﵃ لما فرغوا من أمر الشام دخلوا العراق (٨). ٣ - أن الابتداء بالغزو من المواضع القريبة أولى لوجوه منها: • الأول: أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة، ولما تساوى الكل في وجوب القتال لما فيهم من الكفر والمحاربة وامتنع الجمع، وجب الترجيح، والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة، وكما في سائر المهمات، ألا ترى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا المهم، فوجب الابتداء بالأقرب. • والثاني: أن الابتداء بالأقرب أولى لأن النفقات فيه أقل، والحاجة إلى الدواب والآلات والأدوات أقل. • الثالث: أن الفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا

стр. 3860

الذراري للفتنة. • الرابع: أن المجاورين لدار الإسلام إما أن يكونوا أقوياء أو ضعفاء، فإن كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الإسلام أشد وأكثر من تعرض الكفار المتباعدين، والشر الأقوى الأكثر أولى بالدفع، وإن كانوا ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل، وحصول عز الإسلام لسبب انكسارهم أقرب وأيسر، فكان الابتداء بهم أولى. • الخامس: أن وقوف الإنسان على حال من يقرب منه أسهل من وقوفه على حال من يبعد منه، وإذا كان كذلك كان اقتدار المسلمين على مقاتلة الأقربين أسهل لعلمهم بكيفية أحوالهم، وبمقادير أسلحتهم وعدد عساكرهم. • السادس: أن دار الإسلام واسعة، فإذا اشتغل أهل كل بلد بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل، وحصول المقصود أيسر. • السابع: أنه إذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولًا وجب تقديمه، والقرب سبب السهولة، فوجب الابتداء بالأقرب (١). النتيجة: صحة الإجماع في المسألة، لعدم الاطلاع على المخالف فيها، واللَّه تعالى أعلم. [٨/ ٨] مرتبة الجهاد بين التطوعات: • المراد بالمسألة: بيان مرتبة تطوع الجهاد والذي لا يصل لحد الوجوب كالمشاركة في الجهاد بعد حصول الكفاية بالمجاهدين، فما هي منزلة هذا النوع من التطوع بالجهاد بين سائر الأعمال التطوعية، وقد نُقل الإجماع على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد (٢). • من نقل الإجماع: لم أجد من نقل الإجماع على ذلك سوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (اتفق العلماء -فيما أعلم- على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد) (٣)، وقال أيضًا: (والأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من

стр. 3861

أن يحصر، ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة ومن الصلاة التطوع والصوم) (١). • الموافقون على الإجماع: هو المذهب عند الحنابلة (٢). • مستند الإجماع: ما دلَّت عليه النصوص الصحيحة الكثيرة ومنها: ١ - عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان باللَّه ورسوله". قيل: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قيل: ثم أي؟ قال: "حج مبرور" (٣). ٢ - وعن أبي ذر ﵁: أنه سأل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "الإيمان باللَّه والجهاد في سبيله" (٤). ٣ - وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أفضل الناس مؤمن آخذٌ بعنان فرسه في سبيل اللَّه، ثم رجل معتزل في شِعْبٍ من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره" (٥). قال ابن رجب: (فهذا نص في أن المجاهد أفضل من المتخلي لنوافل العبادات من الصلاة والذكر وغير ذلك) (٦). ٤ - ولأن الجهاد بذل المهجة والمال، ونفعه يعم المسلمين كلهم صغيرهم وكبيرهم وقويهم وضعيفهم وذكرهم وأنثاهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره، فلا يساويه في فضله (٧). • الخلاف في المسألة: اختلف الفقهاء في أي التطوعات أفضل على أقوال منها: • القول الأول: أفضل التطوعات الصلاة؛ لأنها أعظم القربات؛ ولجمعها أنواعًا من العبادات. وهو المذهب عند الشافعية (٨). • واستدلوا بما يأتي: ١ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على

стр. 3862

الوضوء إلا مؤمن" (١). ٢ - ولأنها تجمع من القرب ما لا تجمع غيرها من الطهارة، واستقبال القبلة، والقراءة، وذكر اللَّه ، والصلاة على رسول اللَّه ﷺ ، ويمنع فيها من كل ما يمنع منه في سائر العبادات، وتزيد عليها بالامتناع من الكلام، والمشي، وسائر الأفعال (٢). • القول الثانى: طلب العلم أفضل أعمال البر والطاعات. وبه قال بعض علماء الحنفية، (٣) والمالكية (٤). • واستدلوا بما يأتي: ١ - عن أبى هريرة ﵁ مرفوعًا: "ما عُبِدَ اللَّه بشيءٍ أفضل من فقهٍ فى دين، ولفقيهٌ أشدُّ على الشيطان من ألف عابدٍ، ولكل شيءٍ عمادٌ، وعمادُ هذا الدين الفقهُ" (٥). ٢ - ولأن طلب العلم والفقه إذا صحت النية أفضل من جميع أعمال البر؛ لأنه أعم نفعًا (٦). • القول الثالث: اتباع الجنائز أفضل التطوعات. وبه قال مجاهد، وغيره (٧). واستدلوا بما روي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أفضل ما يعمل المرء في يومه شهود جنازة" (٨). • القول الرابع: أن أفضل الطاعات على قدر المصالح الناشئة عنها، فكلما عظمت المصلحة وتعدَّى نفعها كانت هي الأفضل. وبه قال الغزالي، واختاره عز الدين بن

стр. 3863

عبد السلام (١). • ومحل الخلاف كما أشار إليه النووي بقوله: (اعلم أنه ليس المراد بقولهم: الصلاة أفضل من الصوم أن صلاة ركعتين أفضل من صيام أيام أو يوم؛ فإن الصوم أفضل من ركعتين بلا شك؛ وإنما معناه أن من لم يمكنه الجمع بين الاستكثار من الصلاة والصوم وأراد أن يستكثر من أحدهما أو يكون غالب عمله منسوبًا إلي الإكثار منه ويقتصر من الآخر على المتأكد منه، فهذا محل الخلاف والتفضيل، والصحيح تفضيل الصلاة، واللَّه أعلم) (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود الخلاف المعتبر بين الفقهاء، واللَّه تعالى أعلم. [٩/ ٩] وجوب السفر للجهاد عند تعينه: • المراد بالمسألة: بيان أن السفر للجهاد يكون واجبًا على المسلم القادر إذا تعيَّن عليه الجهاد في سبيل اللَّه. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: ولم أجد مَنْ نقل الإجماع على ذلك سوى الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجابوا -يعني جمهور العلماء-) ثانيًا: بالإجماع على جواز شد الرحال للتجارة، وسائر مطالب الدنيا، وعلى وجوبه إلى عرفة للوقوف وعلى منى للمناسك التي فيها وإلى مزدلفة وإلى الجهاد والهجرة من دار الكفر) (٣). وقد أورد الشوكاني كلامه السالف في معرض جواب جمهور العلماء على الجويني والقاضي عياض في قولهم بحرمة شد الرحال لغير المساجد الثلاثة بأن القصر فيه إضافي باعتبار المساجد لا حقيقي. • الموافقون للإجماع: لم أجد من نصَّ على وجوب السفر للجهاد سوى الشوكاني. • مستند الإجماع: يمكن أن يُستدل لوجوب السفر للجهاد بما يأتي: ١ - الأحاديث التي تأمر بالسفر نحو قوله ﵊: "سافروا تصحوا واغزوا تستغنوا" (٤).

стр. 3864

• وجه الدلالة: ١ - حيث حمل العلماء المراد بالسفر في هذه الأحاديث سفر الجهاد ونحوه من كل سفر واجب (١). ٢ - وبما تقرر في كتب الأصول أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها (٢)، فإذا كان المقصد هنا وهو الجهاد واجبًا إما وجوبًا كفائيًّا أو عينيًّا، فكذلك يكون حكم السفر له؛ لأنه وسيلة لتحقيقه. قال القرافي (٦٨٤ هـ): (فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج. . ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فأثابهم اللَّه على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم؛ بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين، فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة) (٣). النتيجة: صحة الإجماع في حال تعتن الجهاد، حيث لم أقف على من خالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٠/ ١٠] تفضيل الرباط في ثغور المسلمين على المجاورة في المساجد الثلاثة: • المراد بالمسألة: بيان أن المقام في ثغور المسلمين، والرباط بها، أفضل من المجاورة (٤) في المساجد الثلاثة، وهي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (بل المقام في ثغور المسلمين كالثغور الشامية، والمصرية أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة،

стр. 3865

وما أعلم في هذا نزاعًا بين أهل العلم)، (١) وقال أيضًا: (المرابطة في ثغور المسلمين -وهو المقام فيها بنية الجهاد- أفضل من المجاورة في الحرمين، باتفاق أئمة المسلمين؛ أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم) (٢). ونقل الإجماع عنه كذلك المرداوي (٨٨٥ هـ) في "الإنصاف" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤) وهو المذهب عند الحنابلة (٥) ونقل عن المالكية (٦). • مستند الإجماع: واستندوا على بعض الأحاديث والآثار منها: ١ - عن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل اللَّه خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل" (٧). ٢ - وعن أبي أُمامة الباهلي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لأن أحرس ثلاث ليالٍ مرابطًا من وراء بيضة المسلمين أحب إلي من أن تصيبني ليلة القدر في أحد المسجدين: المدينة أو بيت المقدس" (٨). ٣ - وقال أبو هريرة: "رباط ليلة في جانب البحر من وراء عورة المسلمين، أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين: مسجد الكعبة أو مسجد رسول اللَّه في المدينة" (٩). ٤ - أن المرابطة من جنس الجهاد، والمجاورة من جنس الحج، وجنس الجهاد

стр. 3866

أفضل من جنس الحج (١). النتيجة: صحة الإجماع؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١١/ ١١] جواز الجهاد مع السلطان المتغلِّب: • المراد بالمسألة: بيان مشروعية الجهاد مع الإمام الذي تنعقد إمامته بطريق الغلبة، والقهر وتستقر له الأمور. وذلك لصحة إمامته، ونفوذ أحكامه. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث يقول: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه)، كما نقل عنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٢). والشيخ محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦ هـ) حيث يقول: (الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان؛ له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصلح إلا بالإمام الأعظم) (٣). والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (١٢٩٣ هـ) حيث يقول: (وأهل العلم مع هذه الحوادث متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف يرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته لا يختلف في ذلك اثنان) (٤). • الموافقون للإجماع: اتفق أهل السنة والجماعة فقهاء المذاهب من الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩) على ذلك، ولم يخالف إلا

стр. 3867

الخوارج (١)، والمعتزلة (٢). قال الشافعي: (كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يُسمّى خليفة، ويُجمِع النّاس عليه فهو خليفة) (٣). يقول الإمام أحمد -إمام أهل السنة-: (أصول السنّة عندنا: التمسّك بما كان عليه أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، والاقتداء بهم. . .، والسمع، والطاعة للأئمة البَرّ، والفاجر؛ ومن وَلي الخلافة، فاجتمع الناس عليه، ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة) (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمتى صار قادرًا على سياستهم، بطاعتهم، أو بقهره، فهو ذو سلطان مطاع إذا أمر بطاعة اللَّه) (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عباس ﵁: عن النبي ﷺ قال: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر عليه؛ فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية" (٦). • وجه الدلالة: دلَّ الحديث على وجوب طاعة الإمام، والصبر على ذلك، ومن الطاعة الجهاد معه. ٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الجهاد ماضٍ منذ بعثنى اللَّه إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل" (٧).

стр. 3868

• وجه الدلالة: حيث يستلزم الحديث ألا يمتنع المسلمون عن الجهاد في حالة وجود السلطان المتولي عن طريق الغلبة والقهر، وإلا لتعطَّل أن يكون الجهاد ماضيًا إلى يوم القيامة، وتعطيل النص الشرعي لا يجوز. ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجهاد واجب مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا" (١). • وجه الدلالة: أن عبارة (كل أمير) جاءت عامة غير مخصصة بكون الأمير تولَّى بطريق البيعة (٢)، أو الاستخلاف (٣)، أو الغلبة والقهر، فمن خصه بشيء فعليه بالدليل. النتيجة: صحة الإجماع على مشروعية الجهاد مع السلطان المتغلب، وخلاف من خالف من طوائف أهل الضلال لا عبرة به ولا يخرم ما استقر عليه إجماع أهل السنة والجماعة، واللَّه تعالى أعلم. [١٢/ ١٢] الجهاد مع القائد البر أو الفاجر (٤): • المراد بالمسألة: بيان أن الجهاد مشروع مع كل إمام برًّا كان أم فاجرًا. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: إسماعيل المزني (٢٦٤ هـ) حيث يقول: (والجهاد مع كل إمام عدل، أو جائر، والحج. . هذه مقالات، وأفعال اجتمع عليه الماضون الأولون من

стр. 3869

أئمة الهدى) (١). وابن بطة العكبري (٣٨٧ هـ) حيث يقول: (وقد أجمعت العلماء من أهل الفقه، والعلم، والنساك، والعباد، والزهاد من أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا: أن صلاة الجمعة، والعيدين، ومنى، وعرفات، والغزو، والحج، والهدي مع كل أمير برًّ، أو فاجر) (٢). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال بعد أن أورد النصوص في هذه المسألة: (إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم؛ بخلاف الرافضة (٣) والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة) (٤). والمرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (ويغزو مع كل برٍّ وفاجرٍ بلا نزاع) (٥). وابن قاسم (١٣٩٣ هـ) حيث يقول: (ويجب النفير مع كل أمير برًّا كان، أو فاجرًا بلا نزاع، بشرط أن يحفظ المسلمين) (٦). • الموافقون للإجماع: اتفقت مذاهب أهل السنة والجماعة من الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، والظاهرية (١١) على مشروعية الجهاد مع كل إمام برًا كان أم فاجرًا. • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجهاد واجب مع كل أمير برًّا كان، أو فاجرًا" (١٢).

стр. 3870

• وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث صراحةً على مشروعية الجهاد ولو كان الإمام فاجرًا. ٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا اللَّه لا يكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني اللَّه إلى أن يقاتل آخر أمتى الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار" (١). ٣ - وعن عروة البارقي أن النبي ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم" (٢). استدل الإمام البخاري وسبقه الإمام أحمد بهذا الحديث على أن الجهاد ماض مع الإمام البر والفاجر، ووجه ذلك (لأنه ﷺ ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره (بالأجر والمغنم)، المغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلًا، فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل، أو الجائر) (٣). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ من حديث طويل، أن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" (٤). ٥ - ولأن ترك الجهاد مع القائد الفاجر يؤدي إلى ترك الجهاد فيظهر الكفار على المسلمين، وفي هذا ضرر عظيم على الإسلام والمسلمين، فيخرج مع القائد الفاجر ارتكابًا لأخف الضررين (٥). وقد حكى الإمام عبد الملك بن حبيب مفاسد ترك الغزو مع أئمة الجور فقال:

стр. 3871

"سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالجهاد مع الولاة، وإن لم يضعوا الخُمس موضعه، وإن لم يُوفوا بعهد إن عاهدوا، ولو عملوا ما عملوا، ولو جاز للناس ترك الغزو معهم بسوء حالهم لاستذل الإسلام، وتخيفت أطرافه، واستبيح حريمه، ولعلا الشرك وأهله" (١). النتيجة: صحة الإجماع، وعليه فإن الإمام ما دام مجاهدًا للكفار، وللمشركين، فيجب أن يكون المؤمنون معه مطيعين مجاهدين في سبيل اللَّه سواء كان الإمام برًا أم فاجرًا. [١٣/ ١٣] شروط من يجب عليه الجهاد: • المراد بالمسألة: بيان أن الجهاد إنما يجب على الرجال الأحرار البالغين الأصحاء، الذين يجدون ما يغزون به، ونقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن دفاع المشركين وأهل الكفر عن بيضة الإسلام وقراهم وحريمهم إذا نزلوا على المسلمين فرض على الأحرار البالغين المطيقين، واتفقوا أن لا جهاد فرضًا على امرأة، ولا على من لم يبلغ، ولا على مريض لا يستطيع، ولا على فقير لا يقدر على زاد) (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما على من يجب؟ فهم الرجال الأحرار البالغون الذين يجدون بما يغزون، الأصحاء إلا المرضى وإلا الزمنى، وذلك لا خلاف فيه) (٣). فقد تضمَّن هذان النصان الإجماع على أن الجهاد إنما يجب على من توفَّرت فيه الأوصاف التالية: ١ - الذكورة، فلا يجب الجهاد على النساء. ٢ - الحرية، فلا يجب الجهاد على العبيد. ٣ - التكليف، فلا يجب الجهاد على غير المكلف (٤). ٤ - القدرة المالية على مؤنة الجهاد. فلا يجب على الفقير الذي لا يجد.

стр. 3872

٥ - السلامة من الضرر، فلا يجب على العاجز ولا المريض. وتفصيل هذه المسائل وتحقيق الإجماع فيها في المسائل الآتية. [١٤/ ١٤] عدم وجوب الجهاد على النساء: • المراد بالمسألة: بيان أن من شروط وجوب الجهاد على الإنسان أن يكون ذكرًا، فلا يجب الجهاد على النساء، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع على ذلك: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أنه لا جهاد فرضًا على امرأة) (١). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما على من يجب؟ فهم الرجال الأحرار البالغون الذين يجدون بما يغزون، الأصحاء إلا المرضى وإلا الزمنى، وذلك لا خلاف فيه) (٢). وابن القطان الفاسي (٦٢٨ هـ) حيث يقول: (والجميع أجمعوا على أن النساء، والأصاغر، والعبيد غير داخلين في خطاب اللَّه تعالى بقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] (٣)، وقال أيضًا: (واتفقوا أنه لا جهاد فرض على امرأة) (٤). والمرداوي (٨٨٢ هـ) حيث يقول: (فلا يجب -يعني الجهاد- على أنثى بلا نزاع) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: ١ - استدل الإمام الشافعي على عدم وجوب الجهاد على النساء، يقول اللَّه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. • وجه الدلالة: أن الخطاب في قوله سبحانه: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ يدل على أنه أراد به الذكور دون الإناث (١٠).

стр. 3873

٢ - وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: استأذنت النبي ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن الحج" (١). قال ابن حجر: (وقال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ولكن ليس في قوله: "جهادكن الحج" أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن عليهن واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال) (٢). ٣ - عن أم زياد الأشجعية "أنها خرجت مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة خيبر، سادسة ست نسوة، فبلغ رسول اللَّه ﷺ ، فبعث إلينا، فجئنا فرأينا منه الغضب فقال: "مع من خرجتن؟ ! فقلنا: يا رسول اللَّه خرجنا نغزل الشعر ونعين به في سبيل اللَّه، ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقي السويق. فقال: "قمن" حتى إذا فتح اللَّه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال. فقلت لها: يا جدة ما كان ذلك؟ قالت: تمرًّا" (٣). ٤ - عن رباح بن الربيع قال: "غزونا مع رسول اللَّه ﷺ فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس فأفرجوا له، فقال: "ما كانت هذه لتقاتل فيمن يقاتل" (٤). ٥ - وللافتتان بهن، مع أنهن لسن من أهل القتال، لاستيلاء الخوف والجبن عليهن، ولأنه لا يؤمن ظفر العدو بهن، فيحلون منهن ما حرم اللَّه تعالى (٥). النتيجة: أن الإجماع متحقق لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٥/ ١٥] الغزو بالنساء لأجل مداواة المرضى وإسعاف الجرحى: • المراد بالمسألة: بيان أن الغزو بالنساء لأجل مداواة المرضى، وإسعاف الجرحى جائز، وقد نقل الإجماع على ذلك.

стр. 3874

• وممن نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وفي هذا الغزو بالنساء وهو مجمع عليه) (١). ابن النحاس (٨١٤ هـ) حيث يقول: (اتفقوا على أنه لا يسافر بالنساء إلى أرض العدو إلا أن يكون في جيش عظيم يؤمن عليهم) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - عن الرُّبَيِّع بنت معوذ ﵄ قالت: "كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة" (٧). ٢ - عن أنس بن مالك ﵁ "أن أم سليم ﵂ اتخذت يوم حنين خنجرًا، فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول اللَّه، هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "ما هذا الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول اللَّه ﷺ يضحك. . . " (٨). ٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بأم سليم، ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى" (٩). ٤ - عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: "غزوت مع رسول اللَّه ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى" (١٠). ٥ - وسئل ابن عباس ﵂: هل كان رسول اللَّه ﷺ يغزو بالنساء؟ فقال: "نعم، كان يغزو بهن فيداوين الجرحى. . " (١١).

стр. 3875

وجه الدلالة من تلك النصوص على جواز الغزو بالنساء: أن خروج النساء في الغزو كان أمرًا مشتهرًا في زمن النبي ﷺ ، ولم ينكره ﷺ ولم يرد عن أحد من أصحابه إنكاره، مما يدل على جواز ذلك. • الخلاف في المسألة: لم أجد من خالف في هذه المسألة إلا الحسن البصري ﵀، فإنه كان يكره أن تخرج النساء إلى شيء من هذه الفروج (١) -يعني الثغور- لكن لم أجد من وافق الحسن على رأيه هذا، بل هو مخالف للإجماع الذي حكاه النووي، وللنصوص الصريحة الصحيحة التي ذكرتها في مستند الإجماع. ولعل رأي الحسن ﵀ يُحمل على خروجهن مع السرية الصغيرة؛ فإنه يكره خشية سبيهن واسترقاقهن. النتيجة: الذي يظهر -واللَّه أعلم- هو صحة الإجماع الذي حكاه النووي على جواز الغزو بالنساء، وأما الخلاف الوارد في ذلك فهو خلاف ضعيف لا تعضده النصوص الشرعية، ولا يمكن أن ينخرم الإجماع بمثل هذا الخلاف. إلا أن جواز الغزو بالنساء ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بقيود وضوابط يذكرها الفقهاء، وهي على سبيل الإجمال: ١ - أن يكون خروجهن في الجيش الذي له قوة ومنعة، أما خروجهن في السرية الصغيرة فيكره خشية سبيهن وتعريضهن للضياع (٢). ٢ - أن يكون معها محرم إذا كان الغزو مسافة سفر، لقول النبي ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" (٣). وإن كان دون مسافة السفر فلا بأس أن تخرج بدون محرم، ولكن لا بد من إذن زوجها إن كانت ذات زوج، إلا إذا كان النفير عامًّا، وكان في خروجها قوة للمسلمين فلا بأس أن تخرج بدون إذن، لأجل الضرورة (٤). ٣ - أن تكون وظيفتها في الغزو سقي المجاهدين ومداواة المرضى والجرحى، فلا تباشر القتال لضعفها وخورها، ولأنها سورة ولا يؤمن أن ينكشف شيء منها في حال

стр. 3876

تشاغلها بالقتال؛ ولأن في قتالها نوع شبهة للمسلمين، فإن المشركين يقولون: انتهى ضعف حالهم إلى أن احتاجوا إلى الاستعانة بالنساء في القتال، إلا أنه في حال الضرورة وفي جهاد الدفع يجوز لها أن تباشر القتال، وبهذا يجمع بين النصوص الواردة في ذلك. ٤ - أن الخروج بالنساء إلى الغزو خاص بالعجائز، فلا يخرج بالشابات إلا في حال الضرورة خشية الفتنة (١). [١٦/ ١٦] عدم وجوب الجهاد على العبيد: • المراد بالمسألة: بيان أنه لا يجب الجهاد على العبد؛ لكونه فاقدًا شرطًا من شروط وجوب الجهاد وهو الحرية، وقد نقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن دفاع المشركين وأهل الكفر عن بيضة الإسلام، وقراهم، وحريمهم إذا نزلوا على المسلمين فرض على الأحرار البالغين المطيقين) (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما على من يجب؟ فهم الرجال الأحرار البالغون الذين يجدون بما يغزون، الأصحاء إلا المرضى وإلا الزمنى، وذلك لا خلاف فيه) (٣)، وقال أيضًا: (وأما كون هذه الفريضة تختص بالأحرار فلا أعلم فيه خلافًا) (٤). وابن القطان الفاسي (٦٢٨ هـ) حيث يقول: (والجميع أجمعوا على أن النساء، والأصاغر، والعبيد غير داخلين فى خطاب اللَّه تعالى بقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على حكم المسألة الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١].

стр. 3877

• وجه الدلالة: أن العبد لا مال له، ولا نفس يملكها، فلم يشمله الخطاب، فلا يجب عليه الجهاد (١). ٢ - عن جابر قال: "جاء عبد، فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ : "بعنيه"، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله أعبد هو؟ " (٢). • وجه الدلالة: ظاهر الحديث تحريم بيعة العبد على الهجرة لتعلُّق حق سيده به، فكذلك البيعة على الجهاد؛ لأن البيعة على الجهاد تقتضي سفر العبد عن سيده، وفوات مصالح السيد. ٣ - عن الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة "أن رسول اللَّه ﷺ ، كان في بعض مغازيه، فمر بأناس من مزينة، فأتبعه عبد لامرأة منهم، فلما كان في بعض الطريق سلم عليه، فقال: "فلان؟ " قال: نعم قال: "ما شأنك؟ " قال: أجاهد معك قال: "أذنت لك سيدتك؟ " قال: لا، قال: "ارجع إليها فأخبرها، فإن مثلك مثل عبد لا يصلي إن مت قبل أن ترجع إليها، واقرأ ﵍" فرجع إليها فأخبرها الخبر، فقالت: آلله هو أمر أن تقرأ علي السلام؟ قال: نعم، قالت: ارجع فجاهد معه" (٣). ٤ - ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم تجب على العبد، كالحج (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق، حيث لم أجد من خالف في حكم هذه المسألة. [١٧/ ١٧] لا يجب الجهاد على الصغير الذي لم يبلغ: • المراد بالمسألة: بيان أنه لا يجب الجهاد على الصغير الذي لم يبلغ، لأن البلوغ شرط من شروط وجوبه بإجماع الفقهاء. • وممن نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن لا جهاد فرضا على امرأة، ولا على من لم يبلغ، ولا على مريض لا يستطيع، ولا على فقير لا يقدر على

стр. 3878

زاد) (١). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما على من يجب؟ فهم الرجال الأحرار البالغون الذين يجدون بما يغزون، الأصحاء إلا المرضى وإلا الزمنى، وذلك لا خلاف فيه) (٢). وابن القطان الفاسي (٦٢٨ هـ) حيث يقول: (والجميع أجمعوا على أن النساء، والأصاغر، والعبيد غير داخلين في خطاب اللَّه تعالى بقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ [التوبة: ٩١]، فقد قيل: إن الضعفاء هم الصبيان لضعف أبدانهم (٨). ٢ - عن ابن عمر ﵄ قال: "عُرِضْتُ عَلَى النَّبِي ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَم يُجِزْني، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي" (٩). وفي لفظ بزيادة: "عرضت على النبي ﷺ يوم الخندق فلم يجزني ولم يرني بلغت" (١٠). • وجه الدلالة: أن عدم إجازة النبي ﷺ لابن عمر في الجهاد، وهو في سن الرابعة عشرة، وحينها لم يبلغ دليل على عدم وجوب الجهاد على غير البالغين. ٣ - أن البلوغ شرط من شروط التكليف بالأحكام الشرعية، ومنها الجهاد فغير البالغ لا يجب عليه؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- وعن الصبي حتى

стр. 3879

يحتلم" (١). ٤ - أن الصغير في الغالب ضعيف البنية، فقد لا يحتمل مشاق الجهاد، وقد يكون عبءًا على غيره، فلا يجب عليه الجهاد (٢). ٥ - ولأن الجهاد عبادة بدنية فلم تجب على الصغير، كالصوم والصلاة (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٨/ ١٨] الجهاد على الفقير الذي لا يقدر على الزاد: • المراد بالمسألة: بيان أنه لا يجب الجهاد على الفقير الذي لا يملك مؤنة الجهاد، من الزاد وآلة الحرب، والراحلة إذا كانت المسافة تقصر فيها الصلاة، وقد نقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن لا جهاد فرضًا على امرأة، ولا على من لم يبلغ، ولا على مريض لا يستطيع، ولا على فقير لا يقدر على زاد) (٤). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما على من يجب؟ فهم الرجال الأحرار البالغون الذين يجدون بما يغزون، الأصحاء إلا المرضى وإلا الزمنى، وذلك لا خلاف فيه) (٥). • الموافقون على الإجماع: وقال بذلك الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ﴾ [التوبة: ٩١]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ

стр. 3880

الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢]. • وجه الدلالة من الآيتين: أن الآية الأولى دلَّت على نفي الحرج على من لم يجد النفقة، وهي تشمل الزاد ونفقة عائلته مدة غيبته، وسلاحه الذي يقاتل به. والآية الأخرى نفت الحرج عن من لم يجد المركوب، فدلَّ ذلك على اعتبار الراحلة (١). ٢ - ولأن تكليف الفقير العاجز عن مؤنة الجهاد بالجهاد فيه حرج ومشقةٌ عليه، فكل من عجز عن شيء سقط عنه، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود الخلاف في المسألة. واللَّه تعالى أعلم. [١٩/ ١٩] الجهاد على المريض الذي لا يستطيعه: • المراد بالمسألة: بيان أنه يشترط لوجوب الجهاد (السلامة من الضرر)، وهي السلامة من العمى، والعرج، والمرض، وغيرها من الأمراض والعاهات، فإن هؤلاء المرضى لا يجب عليهم الجهاد، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن لا جهاد فرضًا على امرأة، ولا على من لم يبلغ، ولا على مريض لا يستطيع، ولا على فقير لا يقدر على زاد) (٣). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما على من يجب؟ فهم الرجال الأحرار البالغون الذين يجدون بما يغزون، الأصحاء إلا المرضى وإلا الزمنى، وذلك لا خلاف فيه) (٤). • الموافقون على الإجماع: اتفقت المذاهب من الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨) على اعتبار السلامة من الضرر من شروط الجهاد. • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ

стр. 3881

وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧، والنور ٦١]. ٢ - ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]. • وجه الدلالة من الآيتين الكريمتين: حيث بيَّن اللَّه تعالى الأعذار التي لا حَرَج على من قعد فيها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجِلَاد في الجهاد، ومنه العمى، والعَرَج، ونحوهما، وما هو عارض بسبب مرض عَنَ له في بدنه، شغله عن الخروج في سبيل اللَّه، فليس على هؤلاء حَرَج إذا قعدوا (١). ٣ - أن المقصود من الجهاد القتال والأعمى ممن لا يقاتل، والأعرج لا يتمكَّن منه، والمريض إذا كان مرضه شديدًا فإنه لا يقدر عليه. فتكليفهم بالجهاد حرج ومشقة واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠/ ٢٠] إذن الأبوين المسلمين في الغزو إذا لم يتعين: • المراد بالمسألة: بيان أن المسلم إذا أراد الخروج للجهاد فإنه يجب عليه الحصول على إذن من والديه كليهما، فإن حجبا عنه الإذن أو أحدهما حَرُم عليه الجهاد، ما لم يكن فرض عين عليه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من له أبوان يضيعان بخروجه، أن فرض الجهاد ساقط عنه) (٣). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (لا خلاف علمته أن الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان، أو أحدهما؛ لأن الخلاف لهما في أداء الفرائض عقوق، وهو من الكبائر ومن الغزو ما قلت) (٤). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وعامة الفقهاء متفقون على أن من شرط هذه الفريضة إذن الأبوين فيها، إلا أن تكون عليه فرض عين، مثل أن لا يكون هنالك من

стр. 3882

يقوم بالفرض إلا بقيام الجميع به) (١). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن من لم يتعيَّن عليه الجهاد، فإنه لا يخرج إلا بإذن أبويه إذا كانا حيين مسلمين) (٢). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن من لم يتعين عليه الجهاد لا يخرج إلا بإذن أبويه إن كانا مسلمين) (٣). وابن النحاس (٨١٤ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء على أن الغزو لا يجوز إلا بإذن الأبوين المسلمين) (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩). • مستند الإجماع: ١ - عن عبد اللَّه بن عمرو قال: "جاء رجل (١٠) إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحيٌ والدك؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد" (١١). ٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رجلا هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ من اليمن، فقال: "هل لك أحد باليمين؟ " قال: أبواي، قال: أذنا لك؟ " قال: لا، قال: "ارجع إليهما، فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما" (١٢).

стр. 3883

• ووجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ أمر الابن ببر أبويه واستئذانهما للجهاد، فإن لم يأذنا فإنه لا يخرج للجهاد، وهذا نص في اشتراط إذن الوالدين. ٣ - عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قال: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين". قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه". قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني" (١). • وجه الاستدلال: أن في الحديث تقديم بر الوالدين على الجهاد، ويحتمل أن ذلك التقديم لتوقف الجهاد على بر الوالدين؛ إذ من بر الوالدين استئذانهما في الجهاد (٢). ٤ - أن الجهاد في هذه الحالة فرض كفاية؛ لأنه لم يتعين على الابن، وبر الوالدين فرض عين فكان مقدمًا على فرض الكفاية (٣). • الخلاف في المسألة: حكي قول في مذهب الحنابلة أن فرض الكفاية لا يجب فيه الاستئذان كفرض العين (٤). ولم يُذكر على هذا القول دليل، مما يدل على ضعفه وشذوذه. قال ابن قدامة: (مسألة قال: وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما روي نحو هذا عن عمر، وعثمان، وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وسائر أهل العلم) (٥). النتيجة: أن الإجماع متحقق، وما حُكي من خلاف في مذهب الحنابلة فهو شاذ، واللَّه تعالى أعلم. [٢١/ ٢١] وجوب أخذ المدين الإذن من الغريم في الخروج للجهاد: • المراد بالمسألة: بيان أنه ليس للمدين الموسر الذي حل عليه الدين أن يخرج

стр. 3884

للجهاد بغير إذن الدائن حتى يقضي الدين، أو يترك وفاءه، أو يقيم كفيلًا. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الاتفاق: الدمشقي (٧٨٠ هـ)، حيث يقول: (واتفقوا أن من لم يتعين عليه الجهاد لا يخرج إلا بإذن أبويه إن كانا مسلمين، وأن من عليه دين لا يخرج إلا بإذن غريمه) (١). • الموافقون على الإجماع: وافق الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) على ذلك. • مستند الإجماع: ١ - عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ ذكر فضل الجهاد، فقام رجل فقال: "يا رسول اللَّه أرأيت إن قتلت في سبيل اللَّه تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم إن قتلت في سبيل اللَّه وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك" (٦). • وجه الدلالة من الحديث: أن الدين من حقوق الآدميين، والجهاد والشهادة في سبيل اللَّه لا يكفره فدل على وجوب قضائه قبل الخروج للجهاد أو استئذان صاحب الحق (٧). ٢ - ولأن أداء الدين فرض متعين عليه والجهاد فرض على الكفاية، وفروض الأعيان مقدمة (٨). ٣ - ولأن الجهاد تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس، فيفوت الحق بفواتها (٩). النتيجة: صحة الإجماع على وجوب أخذ المدين الإذن من دائنه للخروج للجهاد، حيث لم أطلع على من خالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 3885

الفصل الثاني مسائل الإجماع في أحكام الجهاد [٢٢/ ١] جواز الاستعانة بالمنافق في جهاد الكفار: • التعريف بالمنافق: النفاق في اللغة: ضرب من التمويه والستر والتغطية، وحقيقته: إظهار شيء وإبطان ضده. مشتق من النافقاء إحدى جِحَرَةِ اليربوع، يكتمها ويظهر غيرها، فإذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه، وهكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه (١). والنفاق شرعًا: هو إظهار الإيمان وستر الكفر (٢). فالمنافق هو: من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز الاستعانة بالمنافق في جهاد الكفار. • من نقل الإجماع: الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: (ويجوز الاستعانة بالمنافق إجماعًا لاستعانته ﷺ بعبد اللَّه بن أبي وأصحابه) (٣). والشوكاني (١٢٥٥ هـ) حيث يقول: (قال في "البحر" (٤): وتجوز الاستعانة بالمنافق إجماعًا؛ لاستعانته ﵌ بابن أبي وأصحابه) (٥). • الموافقون للإجماع: لم أقف على أحد من أهل العلم أجاز الاستعانة بالمنافقين في قتال الكفار مطلقًا سوى الصنعاني والشوكاني -رحمهما اللَّه- غير أن بعض الحنابلة في قول مُضعَّفٍ في المذهب استثنوا من تحريم الاستعانة بهم حال الضرورة (٦). • مستند الإجماع: استند القائلون بجواز الاستعانة بالمنافقين في قتال الكفار بما يأتي: ١ - بأن المنافقين كانوا يخرجون مع النبي ﷺ في المغازي، كما خرج عبد اللَّه

стр. 3886

ابن أبي مع المسلمين في غزوة بني المصطلق (١)، وخرج بعضهم مع النبي ﷺ في غزوة تبوك (٢)، فدلَّ ذلك على جواز الاستعانة بهم في قتال الكفار. ٢ - ويمكن أن يُستدل لهم أيضًا بأن المنافقين في الدنيا تجري عليهم أحكام أهل الإسلام في الظاهر (٣)، ما دام كفرهم مخفيًّا غير معلن، وكانوا يظهرون الإسلام، لأن كفرهم مظنون غير معلوم، ويبعثون يوم القيامة على نياتهم. فلا يمنعون من الصلاة في مساجد المسلمين، وكذا في الخروج للجهاد في سبيل اللَّه. • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك الشافعية (٤) والحنابلة (٥)، وذكروا أنه يلزم الإمام إذا أراد الغزو أن يتفقد الجيش، ويتعاهد الخيل والرجال؛ فيمنع كل من فيه ضرر على جيش المسلمين كالمُخذّل (٦) والمرجف (٧) ومن عُرف بنفاق، ويردهم عن الخروج في الجيش. واستدلوا على المنع من الاستعانة بالمنافقين بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٦، ٤٧]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أن اللَّه لما علم ما في خروج المنافقين للجهاد من فساد بالتخويف والإرجاف للمؤمنين ثبَّطهم عنه؛ إذ كان خروجهم حينئِذٍ معصية وفساد واللَّه لا يحب الفساد. فدلَّ ذلك على التحذير والمنع من الاستعانة بهم في الجهاد (٨).

стр. 3887

٢ - وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]. • وجه الدلالة: حيث نصت الآية الكريمة على منع المنافقين من الخروج مع جيش المسلمين. ٣ - أن في خروج المنافقين مع المجاهدين مفاسد ظاهرة، وأضرارًا واضحة فيلزم منعهم؛ صيانة للمسلمين من شرهم، فهم في الحقيقة مع الكفار عيون وأعوانٌ لهم، يكشفون لهم عورات المسلمين وأسرارهم، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر. وقاعدة الشرع المتينة تؤكد بأن (الضرر يزال) (١). والجواب عما استدل به من قال بجواز الاستعانة بالمنافقين: وهو قولهم: (إن عبد اللَّه بن أبي بن سلول كان يخرج في الغزوات مع النبي ﷺ ، وهو رأس المنافقين مع ظهور التخذيل وغيره منه). فالجواب عليه من وجهين: أولًا: إذا ثبت ذلك فلأن الصحابة ﵃ كانوا أقوياء في الدين لا يبالون بالتخذيل ونحوه، بخلاف من جاء بعدهم. ثانيًا: أو أنه ﷺ كان يطلع بالوحي على أفعاله فلا يتضرر بكيده (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في جواز الاستعانة بالمنافقين، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣/ ٢] الإنفاق على الغزاة من الزكاة: • المراد بالمسألة: بيان أنه يجوز للمجاهدين في سبيل اللَّه الأخذ من الزكاة المفروضة ما يكفيهم لجهادهم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: قوله تعالى: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال مالك: سبل اللَّه كثيرة، ولكني لا أعلم خلافًا في أن المراد بسيل اللَّه هاهنا الغزو من جملة سبيل اللَّه) (٣).

стр. 3888

ويقول ابن قدامة (٦٢٠ هـ) عند (مسألة: "وسهم في سبيل اللَّه. . .): (هذا الصنف السابع من أهل الزكاة، ولا خلاف في استحقاقهم وبقاء حكمهم، ولا خلاف في أنَّهم الغزاة في سبيل اللَّه) (١). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (فأما الجهاد فهو أعظم سبيل اللَّه بالنص والإجماع) (٢). والمرداوي (٨٨٢ هـ) حيث يقول: ("قوله: السابع: في سبيل اللَّه، وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم" فلهم الأخذ منها بلا نزاع) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. • وجه الدلالة: حيث حصر اللَّه سبحانه الصدقات في هذه الأصناف الثمانية ولا تجزئ في غيرها ومن هذه المصارف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمراد به الغزو (٩). جاء في جامع البيان: في سبيل اللَّه يعني في النفقة في نصرة دين اللَّه بقتال أعدائه، وذلك هو غزو الكفار (١٠). ٢ - ولأن سبيل اللَّه إذا أطلق في عرف الشرع يراد به الغزو (١١).

стр. 3889

قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. وعن أبي موسى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فَمنْ في سبيل اللَّه؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه" (١). • وجه الدلالة: فهذه النصوص الشرعية تدل بوضوح على أن (سبيل اللَّه) في آية الصدقات هو محاربة أعداء اللَّه، ونصرة دينه بالجهاد في سبيله. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤/ ٣] الغزاة الذين لهم راتب من ديوان الجند (٢) لا يعطون من الزكاة: • المراد بالمسألة: قسَّم العلماء المجاهدين إلى نوعين: مرتزقة، ومتطوعة. فأما المرتزقة فهم الذين فرغوا أنفسهم للجهاد فلم يتشاغلوا إلا به، وثبتوا في الديوان فصاروا جيشًا للمسلمين ومقاتلة للمشركين فهؤلاء لا حق لهم في الزكاة. وأما المتطوعة فهم أرباب المعائش والصنائع والأعراب الذين يتطوعون بالجهاد إن شاءوا ويقعدون عنه إن أحبوا، ولم يثبتوا في الديوان، ولا جعل لهم رزق فهؤلاء هم الذين يعطون من الزكاة من سهم (سبيل اللَّه) (٣)، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (قال المصنف والأصحاب رحمهم اللَّه تعالى: وأما الغزاة المرتبون في ديوان السلطان ولهم فيه حق فلا يعطون من الزكاة بسبب الغزو بلا خلاف) (٤).

стр. 3890

• الموافقون للإجماع: وافق: الشافعية (١) والحنابلة (٢) على اشتراط أن يكون المجاهدون الذين يأخذون الزكاة من المتطوعين غير المرتبين في الديوان، أما المرتزقة فلا حظ لهم فيها. • مستند الإجماع: قالوا: لأن المجاهدين الذين لهم ديوان (المرتزقة) يعطون من مال المسلمين رزق راتب على جهادهم، فلا حاجة أن نعطيهم من الزكاة؛ لأنهم مستغنون بما يعطون من بيت المال عن الزكاة (٣). • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك الحنفية والمالكية فلم يشترطوا أن يكون المجاهدون الذين يأخذون الزكاة من المتطوعين غير المرتبين في الديوان. فمذهب الحنفية (٤) أنه لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرًا منقطعًا به، ولم يشترطوا كونه من المتطوعة. • وحجتهم: أن الأصناف الثمانية كلهم إنما يعطون من الزكاة بشرط الفقر فيما عدا العامل عليها (٥)؛ لقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (٦). وظاهر كلام المالكية (٧) عدم اشتراط التطوع لأخذ المجاهد من الزكاة، بل متى تلبس بالجهاد بالشروع فيه أو السفر له فإنه يدفع له من الزكاة قدر كفايته، وإن كان غنيًّا. سواء كان له راتب من الديوان أو متطوع. • وحجتهم: عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيعطى هؤلاء الغزاة ما يعينهم على الغزو ولو كانوا أغنياء، ولو كانوا من أهل الديوان؛ لأنهم ينطبق عليهم وصف (في
следующие страницы →