← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

ابن أبي مع المسلمين في غزوة بني المصطلق (١)، وخرج بعضهم مع النبي ﷺ في غزوة تبوك (٢)، فدلَّ ذلك على جواز الاستعانة بهم في قتال الكفار. ٢ - ويمكن أن يُستدل لهم أيضًا بأن المنافقين في الدنيا تجري عليهم أحكام أهل الإسلام في الظاهر (٣)، ما دام كفرهم مخفيًّا غير معلن، وكانوا يظهرون الإسلام، لأن كفرهم مظنون غير معلوم، ويبعثون يوم القيامة على نياتهم. فلا يمنعون من الصلاة في مساجد المسلمين، وكذا في الخروج للجهاد في سبيل اللَّه. • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك الشافعية (٤) والحنابلة (٥)، وذكروا أنه يلزم الإمام إذا أراد الغزو أن يتفقد الجيش، ويتعاهد الخيل والرجال؛ فيمنع كل من فيه ضرر على جيش المسلمين كالمُخذّل (٦) والمرجف (٧) ومن عُرف بنفاق، ويردهم عن الخروج في الجيش. واستدلوا على المنع من الاستعانة بالمنافقين بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٦، ٤٧]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أن اللَّه لما علم ما في خروج المنافقين للجهاد من فساد بالتخويف والإرجاف للمؤمنين ثبَّطهم عنه؛ إذ كان خروجهم حينئِذٍ معصية وفساد واللَّه لا يحب الفساد. فدلَّ ذلك على التحذير والمنع من الاستعانة بهم في الجهاد (٨).

стр. 3887

٢ - وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]. • وجه الدلالة: حيث نصت الآية الكريمة على منع المنافقين من الخروج مع جيش المسلمين. ٣ - أن في خروج المنافقين مع المجاهدين مفاسد ظاهرة، وأضرارًا واضحة فيلزم منعهم؛ صيانة للمسلمين من شرهم، فهم في الحقيقة مع الكفار عيون وأعوانٌ لهم، يكشفون لهم عورات المسلمين وأسرارهم، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر. وقاعدة الشرع المتينة تؤكد بأن (الضرر يزال) (١). والجواب عما استدل به من قال بجواز الاستعانة بالمنافقين: وهو قولهم: (إن عبد اللَّه بن أبي بن سلول كان يخرج في الغزوات مع النبي ﷺ ، وهو رأس المنافقين مع ظهور التخذيل وغيره منه). فالجواب عليه من وجهين: أولًا: إذا ثبت ذلك فلأن الصحابة ﵃ كانوا أقوياء في الدين لا يبالون بالتخذيل ونحوه، بخلاف من جاء بعدهم. ثانيًا: أو أنه ﷺ كان يطلع بالوحي على أفعاله فلا يتضرر بكيده (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في جواز الاستعانة بالمنافقين، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣/ ٢] الإنفاق على الغزاة من الزكاة: • المراد بالمسألة: بيان أنه يجوز للمجاهدين في سبيل اللَّه الأخذ من الزكاة المفروضة ما يكفيهم لجهادهم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: قوله تعالى: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال مالك: سبل اللَّه كثيرة، ولكني لا أعلم خلافًا في أن المراد بسيل اللَّه هاهنا الغزو من جملة سبيل اللَّه) (٣).

стр. 3888

ويقول ابن قدامة (٦٢٠ هـ) عند (مسألة: "وسهم في سبيل اللَّه. . .): (هذا الصنف السابع من أهل الزكاة، ولا خلاف في استحقاقهم وبقاء حكمهم، ولا خلاف في أنَّهم الغزاة في سبيل اللَّه) (١). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (فأما الجهاد فهو أعظم سبيل اللَّه بالنص والإجماع) (٢). والمرداوي (٨٨٢ هـ) حيث يقول: ("قوله: السابع: في سبيل اللَّه، وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم" فلهم الأخذ منها بلا نزاع) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. • وجه الدلالة: حيث حصر اللَّه سبحانه الصدقات في هذه الأصناف الثمانية ولا تجزئ في غيرها ومن هذه المصارف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمراد به الغزو (٩). جاء في جامع البيان: في سبيل اللَّه يعني في النفقة في نصرة دين اللَّه بقتال أعدائه، وذلك هو غزو الكفار (١٠). ٢ - ولأن سبيل اللَّه إذا أطلق في عرف الشرع يراد به الغزو (١١).

стр. 3889

قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. وعن أبي موسى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فَمنْ في سبيل اللَّه؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه" (١). • وجه الدلالة: فهذه النصوص الشرعية تدل بوضوح على أن (سبيل اللَّه) في آية الصدقات هو محاربة أعداء اللَّه، ونصرة دينه بالجهاد في سبيله. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤/ ٣] الغزاة الذين لهم راتب من ديوان الجند (٢) لا يعطون من الزكاة: • المراد بالمسألة: قسَّم العلماء المجاهدين إلى نوعين: مرتزقة، ومتطوعة. فأما المرتزقة فهم الذين فرغوا أنفسهم للجهاد فلم يتشاغلوا إلا به، وثبتوا في الديوان فصاروا جيشًا للمسلمين ومقاتلة للمشركين فهؤلاء لا حق لهم في الزكاة. وأما المتطوعة فهم أرباب المعائش والصنائع والأعراب الذين يتطوعون بالجهاد إن شاءوا ويقعدون عنه إن أحبوا، ولم يثبتوا في الديوان، ولا جعل لهم رزق فهؤلاء هم الذين يعطون من الزكاة من سهم (سبيل اللَّه) (٣)، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (قال المصنف والأصحاب رحمهم اللَّه تعالى: وأما الغزاة المرتبون في ديوان السلطان ولهم فيه حق فلا يعطون من الزكاة بسبب الغزو بلا خلاف) (٤).

стр. 3890

• الموافقون للإجماع: وافق: الشافعية (١) والحنابلة (٢) على اشتراط أن يكون المجاهدون الذين يأخذون الزكاة من المتطوعين غير المرتبين في الديوان، أما المرتزقة فلا حظ لهم فيها. • مستند الإجماع: قالوا: لأن المجاهدين الذين لهم ديوان (المرتزقة) يعطون من مال المسلمين رزق راتب على جهادهم، فلا حاجة أن نعطيهم من الزكاة؛ لأنهم مستغنون بما يعطون من بيت المال عن الزكاة (٣). • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك الحنفية والمالكية فلم يشترطوا أن يكون المجاهدون الذين يأخذون الزكاة من المتطوعين غير المرتبين في الديوان. فمذهب الحنفية (٤) أنه لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرًا منقطعًا به، ولم يشترطوا كونه من المتطوعة. • وحجتهم: أن الأصناف الثمانية كلهم إنما يعطون من الزكاة بشرط الفقر فيما عدا العامل عليها (٥)؛ لقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (٦). وظاهر كلام المالكية (٧) عدم اشتراط التطوع لأخذ المجاهد من الزكاة، بل متى تلبس بالجهاد بالشروع فيه أو السفر له فإنه يدفع له من الزكاة قدر كفايته، وإن كان غنيًّا. سواء كان له راتب من الديوان أو متطوع. • وحجتهم: عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيعطى هؤلاء الغزاة ما يعينهم على الغزو ولو كانوا أغنياء، ولو كانوا من أهل الديوان؛ لأنهم ينطبق عليهم وصف (في

стр. 3891

سبيل اللَّه) (١). النتيجة: ١ - عدم تحقق الإجماع في اشتراط أن يكون المجاهد الذي تُدفع له الزكاة من المتطوعة. ٢ - يُحمل نقل الإمام النووي عدم الخلاف في المسألة، أنه أراد داخل المذهب الشافعي فإنهم متفقون على اشتراط ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥/ ٤] جميع أهل الكفر يحاربهم المسلمون: • المراد بالمسألة: بيان أن الذين يحاربهم المسلمون هم جميع أهل الكفر وهم من سوى المسلمين، من أهل الكتاب وغيرهم، من العرب أو المعجم. وقد نقل الإجماع على ذلك. • وممن نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن قتال أهل الكفر بعد دعائهم إلى الإسلام أو الجزية جائز إذا امتنعوا من كليهما) (٢). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فأما الذين يحاربون فاتفقوا على أنهم جميع المشركين لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٣). وابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله للَّه، وأن تكون كلمة اللَّه هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين) (٤). والشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: (أقول: أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية، ولأجله بعث اللَّه رسله وأنزل كتبه، وما زال رسول اللَّه ﷺ منذ بعثه اللَّه سبحانه إلى أن قبضه إليه جاعلًا هذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شؤونه، وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها، وما ورد في مواعدتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة، فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال

стр. 3892

من ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم) (١). • الموافقون للإجماع: اتفقت كلمة الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦) أن جميع الكفار مشروع ابتداء قتالهم، ولو لم يصدر منهم اعتداء على المسلمين؛ وذلك لإدخالهم تحت حكم الإسلام. • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]. ٢ - وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]. • ووجه الدلالة من الآيتين: أن فيهما أمرًا بقتال الكفار وليس فيهما استثناء أحد منهم بل جاء الأمر مؤكدًا بكلمة "كافة" في الآية الأولى، فدل على أن المحاربين هم من سوى المسلمين، أي كل الكفار. ٣ - ما رواه ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على اللَّه" (٧). ووجه الدلالة من الحديث: أن اللَّه تعالى أمر نبيه محمدًا ﷺ أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويلتزموا أحكام الإسلام. واللام في كلمة (الناس) للجنس فيدخل في هذا: المشركون وأهل الكتاب الملتزمون للجزية إن لم يسلموا. ولكن خرج أهل الكتاب من هذا العموم بدليل آخر هو آية التوبة ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، ويدل عليه رواية "أمرت أن أقاتل المشركين" (٨) فدل على أن المحاربين هم المشركون

стр. 3893

الذين امتنعوا من التوحيد (١). النتيجة: تحقق الإجماع على أن المحاربين هم جميع المشركين، أي من سوى المسلمين إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، على خلاف بين الفقهاء ممن يقبل وممن لا يقبل. [٢٦/ ٥] الغزو غير المشروع: (الغزو ظلمًا): • المراد بالمسألة: حينما شرع اللَّه الجهاد في سبيله فإنّه تعالى -أرحمُ الراحمين- وهو أحكمُ الحاكمين، فلا يتوهم متوهم أن تحقيق هذه الشعيرةِ يؤولُ إلى ظلم الكافرين وسفك دمائهم بوجه غير مشروع، بل إن الالتزامَ بهذه الشعيرة وسائر شعائرِ الإسلام سببٌ في ظهورِ الإسلام وقبوله، كما وقعَ في القرون المفضلة، لذا نُقل الإجماع بأنه لا يحل أن تُغزى بلدة من البلاد ظلمًا. ١ - ومن صور الغزو غير المشروع: أن يُبادر في غزو بلدة من البلاد الكافرة لم يبلغها الإسلام قبل دعوتهم إليه. ٢ - أن تُغزى البلاد التي بينهم عهود مع المسلمين على ترك القتال قبل النبذ إليهم. • من نقل الإجماع: ابن حزم حيث (٤٥٦ هـ) يقول: (فلا يحل بلا خلاف أن تغزى بلد من البلاد ظلمًا) (٢). • مستند الإجماع: ١ - الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنهى عن الظلم وتأمر بالعدل. نحو قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة" (٣). ويقول رسول اللَّه ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "واتق دعوة المظلوم، فإنه

стр. 3894

ليس بينها وبين اللَّه حجاب" (١). • وجه الدلالة من هذه النصوص: حيث دلت على التحذير من عاقبة الظلم، ووباله، وأن دعوة المظلوم لا ترد وإن كانت من كافر، ومعنى ذلك أن اللَّه تعالى لا يرضى ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن (٢). وقد نصَّ الفقهاء على ضرورة التوقي من ظلامة الكافر ما أمكن لأن ظلامته أشد من ظلامة المسلم فقالوا: (وَلَوْ غَصَبَ من الذِّمَّيِّ مُسْلِمٌ أو سَرَقَ منه يُعَاقَبُ الْمُسْلِمُ يوم الْقِيَامَةِ. وَمُخَاصَمَةُ الذِّمَّيِّ يوم الْقِيَامَةِ أَشَدُّ، فَظِلَامَةُ الْكَافِرِ أَشَدُّ من ظِلَامَةِ الْمُسْلِمِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ من أَهْلِ النَّارِ أَبَدًا وَيَقَعُ له التَّخْفِيفُ في النَّارِ بِالظِّلَامَاتِ التى له قِبَلَ الناس فَلَا يُرْجَى منه أَنْ يَتْرُكَهَا، وَالْمُسْلِمُ يُرْجَى منه الْعَفْوُ وإذا خَاصَمَ الْكَافِرُ لَا وَجْهَ أَنْ يُعْطَى ثَوَابَ طَاعَةِ الْمُؤْمِنِ وَلَا وَجْهَ أَنْ يُوضَعَ على الْمُؤْمِنِ وَبَالُ كُفْرِهِ فَتَعَيَّنَ الْعُقُوبَةُ) (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم الغزو ظلمًا، ولم يُخالف فيما علمت على ذلك أحد، واللَّه أعلم. [٢٧/ ٦] تحديد الأشهر الحرم: • المراد بالمسألة: بيان أنه قد جاء تحديد الأشهر الحرم بأربعة أشهر، ثلاثة سرد (متتابعة)، وواحد فرد، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (والأشهر الحرم هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء من أصحاب الفنون) (٤). وعبد الغني النابلسي (١١٤٣ هـ) حيث يقول: (وقد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم هي الأربعة المذكورة في هذا الحديث) (٥).

стр. 3895

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر (٥) الذي بين جمادى وشعبان" (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق أن الأشهر الحرم هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٨/ ٧] جواز القتال في الأشهر الحرم إذا بدأ العدو: • المراد بالمسألة: إذا ابتدأ المشركون قتال المسلمين في الأشهر الحرم، فإن للمسلمين أن يقاتلوهم فيدافعوا عن أنفسهم وعن حياض الإسلام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا بدأ العدو إنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء) (٧). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)،

стр. 3896

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أن من استحل دم المسلمين في الشهر الحرام فإنهم يستحلون دمه فيه، فدلَّ ذلك على أنه ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء بل على سبيل القصاص (٢). ٢ - وعن جابر ﵁ قال: "لم يكن رسول اللَّه ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى، أو يغزو (٣) فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ" (٤). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث صراحة أن النبي ﷺ كان يُقاتل في الشهر الحرام في حالة الدفاع، ورد العدوان. ٣ - "أن رسول اللَّه ﷺ خرج إلى هوازن فى شوال، فلما كسرهم، لجؤوا إلى الطائف، فعمد ﷺ إلى الطائف فحاصرهم أربعين يومًا، وانصرف ولم يفتحها" (٥). فثبت أنه حاصَرَ في الشهر الحرام (في شهر ذي القعدة). حيث إنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها، فإنهم الذين بدؤوا القتال للمسلمين. ٤ - وللقاعدة الفقهية: (يُغتفر في الدوام ما لا يُغتفر في الابتداء) (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الكفار إذا ابتدؤوا القتال في الأشهر الحرم واستحلوها فإن للمسلمين قتالهم فيها، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 3897

[٢٩/ ٨] قتال الكفار في مكة إذا بدؤوا به: • المراد بالمسألة: أن الكفار إذا قاتلوا المسلمين في حرم مكة، أو غلبوا عليه فإنه يجب على المسلمين قتالهم فيه حتى يدفعوهم عنه ويخرجوهم منه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: (أجمعوا أن المشركين لو غلبوا على مكة، فمنعوا المسلمين منها، حلال للمسلمين قتالهم، وشهر السلاح بها وسفك الدماء، وأن حكم من بعد النبي ﷺ في ذلك في إباحتها، في حكم النبي ﷺ ) (١). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن مكة -أعزها اللَّه وحرسها- لو غلب عليها الكفار، أو المحاربون، أو البغاة، فمنعوا فيها من إظهار الحق -أن فرضًا على الأمة غزوهم لا غزو مكة، فإن انقادوا، أو خرجوا فذلك، وإن لم يمتنعوا ولا خرجوا: أنهم يخرجون منها، فإن هم امتنعوا وقاتلوا، فلا خلاف في أنهم يقاتلون فيها وعند الكعبة) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نهى المؤمنين عن القتال في الحرم إلا إذا قاتلهم عدوهم فيه، وعليه فيجوز أن يقاتلوا في الحرم إذا بدأهم عدوهم فيدفعوه دفعًا. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز قتال الكفار في حرم مكة إذا كان

стр. 3898

دفعًا (١)، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٣٠/ ٩] حمل المصحف إلى أرض العدو في السرية الصغيرة المخوف عليه: • المراد بالمسألة: بيان أنه إذا خيف على المصحف من الأعداء فإنه لا يجوز الدخول والسفر به إلى دار الكفرة المحاربين، كأن يغزو المجاهدون بالمصحف إلى أرض العدو في السرية الصغيرة ونحوها فلا يجوز، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: التيمي (حدود ٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أنه لا يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو إلا أبا حنيفة فإنه أباح ذلك، وزعم أهل المعرفة بقوله أنه أراد ذلك في العساكر العظام التي لا خوف عليها، فأما السرايا وما أشبهها فلا يبيح لهم حمله مخافة أن يناله العدو منهم) (٢). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وأجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر المأمون الكبير) (٣). وابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (واتفق الفقهاء أنه لا يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز السَّفر به في العسكر الكبير المأمون عليه) (٤). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (اتفقوا على أنه لا يجوز المُسَافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم) (٥). والأنصاري في "شرح الروض" (٩٢٦ هـ) حيث يقول: (وَاتَفَقُوا على أَنْ يحْرُمَ السَّفَرُ بِهِ إلَى أَرْضِ الْكُفَارِ إذَا خِيفَ وُقُوعُهُ في أَيْدِيهمْ) (٦) وابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ) حيث يقول: (الذي صرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ

стр. 3899

السَّفَرُ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْكُفْرِ سَوَاءٌ كان أَهْلُها ذِمِّيِّينَ أَمْ حَرْبيِّينَ) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، الظاهرية (٦). مسند الإجماع: ١ - عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو" (٧). • وجه الدلالة: أن قوله: "فإني لا آمن أن يناله العدو"، أن ذلك مما يمكن توقعه بشكل كبير في العسكر الصغير، فمنع منه. ٢ - ولأن في إخراجه في العسكر الصغير تعريض له للضياع والاستخفاف؛ فإن الكفار قد يستخفون بالمصاحف مغايظةً للمسلمين، فيمنع في ذلك سدًّا للذريعة (٨). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة بعض الفقهاء إلى قولين آخرين، وهما: القول الأول: يرى بعض فقهاء الشافعية أن الحكم في المنع من السفر بالمصحف إلى أرض العدو دائرٌ على علة أن يُخاف على المصحف، فإذا لم يُخف عليه، فلا مانع ولو كان الجيش صغيرًا (٩). • وحجتهم: أن هذه العلة المذكورة في الحديث هي من كلام النبي ﷺ ، وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة، ولا منع منه حينئذ؛ لعدم العلة. القول الثاني: ويرى أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن القمي من فقهاء الحنفية أن

стр. 3900

النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو محمولٌ على الزمن الأول (١). وحجتهم: أن الزمن الأول حين كانت المصاحف قليلةٌ نُهي عن السفر بها مخافة أن يفوت شيء من القرآن في دار الكفر، فيتأثر المسلمون بفواته. فأما في زماننا فقد كثرت المصاحف، وكثر الحافظون للقرآن عن ظهر قلب، فلا بأس بحمل المصاحف إلى أرض العدو؛ لأنه لا يُخاف فوت شيء من القرآن وإن وقع بعض المصاحف في أيديهم. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو بالسرية الصغيرة ونحوها، للخلاف المعتبر من بعض الشافعية، والحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [٣١/ ١٠] استحباب توصية وتوجيه الجيش قبل الحرب: • المراد بالمسألة: بيان أنه يستحب للإمام أن يوصي أمير السرية والجند قبل القتال بعدد من الوصايا التي لا غنى لهم عنها، كالوصية بتقوى اللَّه وطاعته، والاحتياط والتيقظ، ويحذرهم الشتات والفرقة والإهمال والغفلة، ويأخذ على الجند أن يسمعوا ويطيعوا أميرهم، ولا يختلفوا عليه وينصحوا له، إلى غير ذلك من الآداب التي يحتاجون إلى معرفتها مما يلزم ويحل أو يحرم من أمر القتل والأسر والمغنم ونحو ذلك، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، وكراهة المثلة، واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى اللَّه تعالى، والرفق بأتباعهم، وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم، وما يجب عليهم، وما يحل لهم، وما يحرم عليهم. وما يكره وما يستحب) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 3901

والحنابلة (١)، والصنعاني (٢). • مستند الإجماع: ١ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم اللَّه في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. . . " (٣). • وجه الدلالة: أن فعل النبي ﷺ لذلك دليل على استحباب بذل الوصية لأمراء الجيش وأمرهم بتقوى اللَّه، وأمر الناس بطاعتهم حتى لا يختلف أمرهم (٤). ٢ - أن توصية أمراء الجيوش سنة مضى عليه الخلفاء الراشدون، وأئمة الإسلام من السلف الصالح حيث حفظ لنا التاريخ جملة من تاك الوصايا نورد منها ما يلي: ١ - أن أبا بكر الصديق ﵁ أوصى يزيد بن أبي سفيان ﵁ حين وجهه إلى الشام، فقال: "يا يزيد! سر على بركة اللَّه، فإذا دخلت بلاد العدو؛ فكن بعيدًا من الحملة؛ فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر في الزاد، وسر بالأدلاء، ولا تقاتل بمجروح؛ فإن بعضه ليس معه، واحترس من البيات. . واقبل من الناس علانيتهم، وكلهم إلى اللَّه في سرائرهم، ولا تجسسن عسكرك فتفضحه، ولا تهملنه فتفسده. وأستودعك اللَّه الذي لا تضيع ودائعه" (٥). ب- وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص ﵄ ومَن معه من الأجناد: "أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى اللَّه على كل حال؛ فإن تقوى اللَّه أفضلُ العدَّة على العدوّ، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمُرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسًا من المعاصي منكم من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوفُ عليهم من عدوّهم، وإنما يُنصَرُ المسلمون بمعصية عدوّهم للَّه، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة

стр. 3902

لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عُدَّتنا كعدّتهم، فإذا استَوَينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة. ." (١). ج - وأوصى عبد الملك بن مروان أميرًا سيَّره إلى أرض الروم فقال: "أنت تاجر اللَّه لعباده، فكن كالمضارب الكيِّس الذي إن وجد ربحًا تجر، وإلا تحفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة، وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرًا من احتيال عدوك عليك" (٢). ألا ما أروع هذه الوصايا التي تبرز بوضوح الأهداف السامية، والمثل العليا، التي كانت تحملها الجيوش الإسلامية، وهي تفتح القلوب قبل البلدان، وإنها لمصدر فخر واعتزاز للأمة الإسلامية سطرت آداب الحرب وأخلاقيات القتال بمداد من ذهب. ٣ - وأن توجيه الوصية للجيش وأميره أجمع لكلمتهم ورأيهم، وتوحيد صفهم، مما يُبشر بالظفر والنصر بإذن اللَّه. النتيجة: أن الإجماع متحقق على استحباب توصية الأمير والجيش قبل القتال، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٣١/ ١٠] ما يجب قبل الحرب (دعوة أهل الكتاب قبل القتال وتخييرهم): • المراد بالمسألة: بيان أن مَنْ عُلِمَ، وتُحقِّق أنه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عَلِمَ ماذا يراد منه بالقتال، فإنه يجبُ أن يُدعَى إلى الإسلام أو الجزية قبل إعلان القتال عليه، فإن امتنع قوتل حينئذٍ، إلا أنه في حالة معالجة الكفار للمسلمين بالقتال وهجومهم عليهم، فإنهم يقاتلون في هذه الحالة من غير دعوة؛ لضرورة الدفاع عن الأنفس والأعراض، (٣) وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (أجمعت الحجة أن رسول اللَّه ﷺ لم يقاتل أعداءه من أهل الشرك إلا بعد إظهار الدعوة وإقامة الحجة، وأنه ﷺ كان يأمر أمراء سراياه بدعوة من لم تبلغه الدعوة) (٤).

стр. 3903

وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن قتال أهل الكفر بعد دعائهم إلى الإسلام أو الجزية إذا امتنعوا من كليهما جائز) (١). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (شرط الحرب بلوغ الدعوة باتفاق، فلا يجوز حربهم حتى تبلغهم الدعوة وذلك شيء مجمع عليه من المسلمين) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] • وجه الدلالة: حيث تضمَّن ظاهرُ الآية الكريمة الأمْرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال. ٢ - عن بريدة ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمرَّ أميرًا على جيش، أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ". . . وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن باللَّه وقاتلهم. . " (٧). ٣ - عن سهلٍ قال: قال النبي ﷺ يوم خيبر: "لأُعطينَّ الراية غدًا رجلًا يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله"، فبات الناس ليلتهم: أيهم يُعطى، فغدوا، كُلُّهم يرجوه، فقال: "أين عليٌّ؟ "، فقيل: يشتكي عَيْنَيْهِ، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ، كَأَنْ لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "انْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب

стр. 3904

عليهم، فواللَّه لأَنْ يَهْدِيَ اللَّه بك رجلًا خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعمَ" (١). • وجه الدلالة من الحديثين: أنه بدأ ﷺ بالأمر بدعوتهم إلى الإسلام قبل قتالهم، والأمر يقتضي الوجوب، فدل على وجوب دعوتهم أولا إذا لم تبلغهم الدعوة. ٤ - وقال ابن عباس ﵄: "ما قاتل رسول اللَّه ﷺ قومًا حتى دعاهم إلى الإسلام" (٢). ٥ - إعلامهم بالدعوة إلى الإسلام قبل القتال ماذا يقاتلون عليه؛ فربما ظنوا أن من يقاتلهم لصوص يريدون أموالهم وسبي ذراريهم، فإذا علموا أنهم يقاتلون على الدعوة إلى الدين، ربما أجابوا وانقادوا للحق من غير قتال (٣). • الخلاف في المسألة: ذكر الشوكاني، والصنعاني أن دعوة الكفار قبل القتال لا تجب مطلقًا، ذكراه على أنه قول، ولم يعزياه لأحد (٤). وقال النووي عنه: "إنه باطل" (٥). وقد نسب ابن الملقِّن هذا القول إلى ابن شاهين (٣٨٥ هـ) حيث قال: (ادعى ابن شاهين في "ناسخه ومنسوخه" نسخ حديث ابن عباس: "ما قاتل رسول اللَّه ﷺ قومًا حتى دعاهم" بحديث ابن عمر هذا (٦)، قال: والناسخ هو قول نافع: "إنما كان ذلك في أول الإسلام" وهذا عجيب منه، وقد تعقبه عليه ابن الجوزي الحافظ في كتابه

стр. 3905

"الإعلام" في الفن المذكور، فقال: ليس هذا قول من يعرف الناسخ والمنسوخ بأنه ﵇ لم يقاتل قومًا إلا بعد أن دعاهم؛ لأنه لما شاعت الدعوة افتتح اتساعها ومرورها على أسماعهم مرارًا، فلما أصروا على الكفر صارت الإغارة عليهم على غرتهم من غير تحديد دعوة حينئذٍ) (١). وتبع ابن شاهين في القول بنسخ الأحاديث الآمرة بالدعوة قبل القتال الحازمي (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تبلغهم الدعوة، لوجود الخلاف، منه ما حكاه النووي والشوكاني والصنعاني من القول بعدم وجوب الدعوة مطلقًا، ، وكذا ما ذهب إليه ابن شاهين والحازمي من النسخ، فكلا القولين يقدح في انعقاد الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [٣٢/ ١١] جواز حصار العدو وتجويعه: • تعريف الحصار: الحصار في اللغة: مصدر حاصر، ومثله المحاصرة، أي: التضييق على الشخص والإحاطة به، والحصير في اللغة: المحبس. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أي: محبسًا (٣). • وفي الاصطلاح: التضييق على العدو، والإحاطة به في بلد، أو قلعة، أو حصن، أو غيرها، ومنع الخروج والدخول حتى يستسلم (٤). ويعد الحصار أسلوبًا من أساليب القتال قديمًا وحديثًا، يلجأ له في حالة تحصُّن العدو في قلاعهم أو حصونهم أو مدنهم، والغاية من فرضه إرغام العدو على الإسلام أو الاستسلام. • المراد بالمسألة: بيان أنه يجوز للإمام أو نائبه محاصرة الكفار في بلادهم، وفي الحصون والقلاع، وتشديد الأمر عليهم بالمنع من الدخول والخروج، والمنع من الماء والطعام للضغط عليهم حتى يستسلموا، وينقادوا لحكم الإسلام ما لم يكن معهم مسلمون، وقد نُقل الإجماع على ذلك.

стр. 3906

• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن حصار حصون المشركين، وقطع المير (١) عنها، وإن كان فيها أطفالهم ونساؤهم واجب، ما لم يكن هنالك أسرى مسلمون) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. • وجه الدلالة: أن قوله تعالى: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد إن تحصنوا فاحصروهم (٧)، فهذا دليل واضح على مشروعية حصار الكفار وما يتضمن ذلك من منعهم من الخروج والدخول، وقطع الإمدادات عنهم. ٢ - وعن أنس بن مالك قال: "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينًا. . ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة" (٨). ٣ - وعن عائشة ﵂ "أن رسول اللَّه ﷺ حاصر بني قريظة خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد عليهم البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول اللَّه ﷺ فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ" (٩). ٤ - وعن ميمون بن مهران قال: "حاصر رسول اللَّه ﷺ أهل خيبر، ما بين عشرين

стр. 3907

ليلة إلى ثلاثين ليلة" (١). • وجه الدلالة: حيث دلَّت السنة الفعلية لرسول اللَّه ﷺ على مشروعية الحصار كأسلوب من أساليب القتال بالضغط على الأعداء. ٥ - و"قطع رسول اللَّه ﷺ الماء عن أهل حصن من حصون النطاة (٢) بخيبر حين أخبر أن لهم ذيولًا (٣) تحت الأرض يشربون منها عادية فقطعها عنهم حتى عطشوا فخرجوا" (٤). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث على جواز منع الطعام والشراب عن الأعداء في الحروب، مما يُعجِّل بهزيمتهم واستسلامهم. ٦ - ولأن الحصار نوع من أنواع الخطط الحربية الناجحة قديمًا وحديثًا لدفع العدو على الخضوع والاستسلام بخاصة إذا لم يكن لدى العدو ما يكفيهم من مؤن لمدة طويلة. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز حصار الكفار المحاربين في بلادهم وحصونهم، وقطع الغذاء عنهم، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٣٣/ ١٢] جواز دك حصون العدو، وإتلاف أموالهم المستخدمة حال القتال: • المراد بالمسألة: حينما لا يُتَوصَّلُ إلى العدو إلا بإتلاف ما يحتمون به من الأبنية، والحصون، والمزارع، أو ما يباشرون عليه القتال فعلًا من الأسلحة، أو الأدوات التي يحاربون عليها في العادة مما يُعد مصدر قوة لهم، كالمنجنيق، والخيل، والأفيال سابقًا، أو المدافع والطائرات والآليات المستخدمة حديثًا في القتال، فإنه يجوز إتلافه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥) حيث يقول: (واتفق عوام الفقهاء على جواز

стр. 3908

رمي الحصون بالمجانيق (١) سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن) (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذي يقرب من حصونهم، ويمنع من قتالهم، أو يسترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق، أو تمكن من قتال، أو سد بثق (٣)، أو إصلاح طريق، أو ستارة منجنيق، أو غيره، أو يكونون يفعلون ذلك بنا، فيفعل بهم ذلك، لينتهوا، فهذا يجوز، بغير خلاف نعلمه) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]. • وجه الدلالة: حيث إن في دك حصون الكفار وأبنيتهم، وإتلاف أسلحتهم، وما يحتمون به إغاظة لهم، ونحن مأمورون بفعل كل ما من شأنه إيغال قلوبهم، وكسر شوكتهم. ٢ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ

стр. 3909

فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. • وجه الدلالة: أن بني النضير لما غزاهم الرسول لنقضهم العهد حينما أرادوا قتله أخذوا يخربون بيوتهم بهدمها، وكذلك فعل المؤمنون، فدلَّ على جواز هدم بيوت وحصون العدو التي يحتمون بها للظفر بهم (١). ٣ - وعن مكحول الدمشقي ﵀: (أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف) (٢). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث على جواز نصب المنجنيق على الأعداء حال القتال، وهو من أمضى أسلحة الإتلاف للحصون وما يحتمي به الأعداء من الأسلحة، وما يُعد قوة لهم. ٥ - وعن جرير: قال لي رسول اللَّه ﷺ "أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ" وكان بيتًا في خثعم يسمى كعبة اليمانية. قال: فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، قال: وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري، وقال: "اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا". فانطلق إليها فكسرها وحرقها، ثم بعث إلى رسول اللَّه ﷺ يخبره، فقال رسول جرير: والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجوف أو أجرب. قال: فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات" (٣). • وجه الدلالة: أن في تأييد الرسول ﷺ لتكسير وهدم ذي الخَلَصَة دليلًا على مشروعية هدم وإتلاف حصون وأموال الكفرة. ٥ - أن دكَّ حصونِ الأعداء وإتلافَ أموالِهم التي يستخدمونها حالَ القتالِ فيه إغاظةٌ وكبتٌ لهم، وكسرٌ لشوكتهم، وتفريقٌ لجمعهم، ورعبٌ لهم، فيكون مشروعًا، حيث لا يوجد ما ينهى عن ذلك شرعًا.

стр. 3910

النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز دك حصون العدو، وإتلاف أموالهم المستخدمة حال القتال، وما يُعد قوة لهم، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٣٤/ ١٣] إتلاف شجر العدو وزرعه إذا دعت الحاجة إلى إتلافه: • المراد بالمسألة: بيان جواز إحراق وإتلاف زروع الكفار، وقطع شجرهم، إذا دعت الحاجة إلى إتلافه، كأن يحتمون ويستترون به، أو إذا لم نقدر على الظفر بهم إلا بذلك. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (الشجر والزرع ينقسم ثلاثة أقسام، أحدها: ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذي يقرب من حصونهم، ويمنع من قتالهم، أو يسترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق، أو تمكن من قتال، أو سد بثق، أو إصلاح طريق، أو ستارة منجنيق، أو غيره، أو يكونون يفعلون ذلك بنا، فيفعل بهم ذلك، لينتهوا، فهذا يجوز، بغير خلاف نعلمه) (١). وشيخ الإسلام (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (ولهذا اتفق العلماء على جواز إتلاف الشجر والزروع الذي للكفار إذا فعلوابنا مثل ذلك، أو لم يقدر عليهم إلا به) (٢) وقال أيضًا: (كما أبحنا إتلاف البناء والغراس لأهل الحرب مثل ما يفعلون بنا، بغير خلاف) (٣). وابن التركماني (٧٥٠ هـ) حيث يقول: (مع أن قطع الشجر يجوز عند الحاجة بالاتفاق) (٤). والمرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (اعلم أن الزرع والشجر ينقسم ثلاثة أقسام. أحدها: ما تدعو الحاجة إلى إتلافه لغرض ما، فهذا يجوز قطعه وحرقه، قال المصنف والشارح: بغير خلاف نعلمه) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)،

стр. 3911

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]. • وجه الدلالة: أن المجاهدين في سبيل اللَّه لا يطؤون أرض الكفار ولا ينالون منهم نيلًا بإتلاف مال أو قتل نفس، إلا كتب لهم بذلك عمل صالح قد ارتضاه اللَّه لهم (٣). وإذا كان الأمر كذلك جاز فعل ما فيه غيظ للكفار، ونيل منهم وعمل صالح يثابون عليه. ٢ - عن ابن عمر ﵄ (أن رسول اللَّه ﷺ حرق نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة (٤)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥]. قال النووي: (وفي هذا الحديث دليل على جواز قطع شجر الكفار وإحراقه) (٥). ٣ - أنه لما زادت جرأة ثقيف، وامتناعها عن الاستسلام في غزوة الطائف، عند ذلك أمر رسول اللَّه ﷺ بقطع أعنابهم ونخيلهم وتحريقها إغاظة لهم، فسارع المسلمون إلى ذلك وقطعوا قطعًا ذريعًا، حتى نادى الثقفيون: يا محمد، لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها للَّه وللرحم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإني أدعها للَّه وللرحم" (٦). • وجه الدلالة: أنه لو لم يكن حرق زروع الكفار، ونخيلهم جائزًا ما فعله ﷺ . ٤ - ولأن ذلك من باب القتال، لما فيه من كبت العدو وقهرهم وغيظهم (٧).

стр. 3912

٥ - ولأنه لما جاز قتل النفوس -وهي أعظم حرمة من هذه الأشجار- لكسر شوكتهم، فما دونه من قطع الأشجار من باب أولى (١). • الخلاف في المسألة: خالف الأوزاعي وأبو ثور والليث، فقالوا بكراهية التقطيع والتخريب للأشجار. قال ابن حجر: (وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئا من ذلك) (٢) (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على مشروعية أعمال الإتلاف والتخريب لأشجار الأعداء وزروعهم إذا دعت الحاجة لذلك، ولم يكن طريق للظفر بهم إلا بذلك، وأما القول بالكراهية فإنه لا يقدح في الإجماع، لأن كراهة التنزيه لا تنافي الإباحة كما قرر ذلك العلماء (٤)، واللَّه تعالى أعلم. [٣٥/ ١٤] إتلاف حيوان العدو الذي يتقوون به في قتال المسلمين حال الحرب: • المراد بالمسألة: في حال الحرب يجوز قتل المشركين بأي طريقة ممكنة (٥) خلاف الحال إذا قدر عليهم أسرًا أو غلبة، ومن ذلك أنه يجوز قتل دوابهم التي يقاتلون عليها حال الحرب كالخيل ونحوها دون التي تؤكل كالماشية ونحوها؛ إذ به يتوصل إلى هزيمتهم بل وإلى قتلهم، وقد نقل الإجماع على جواز قتل ذلك.

стр. 3913

• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأما حال الحرب فيجوز فيها قتل المشركين كيف أمكن بخلاف حالهم إذا قدر عليهم، ولهذا جاز قتل النساء والصبيان في البَيَات (١) وفي المطمورة (٢)، وإذا لم يتعمد قتلهم منفردين، بخلاف حالة القدرة عليهم، وقتل بهائمهم يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم. . وليس في هذا خلاف) (٣). وابن مفلح (٧٩٣ هـ) حيث يقول: (أما عقر دوابهم لغير الأكل، فلا يخلو إما أن يكون في الحرب، أو في غيرها، فإن كان في الأول، فلا خلاف في جوازه) (٤). والمرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (يجوز قتل ما قاتلوا عليه في تلك الحال وجزم به المصنف والشارح وقالا: لأنه يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم، وقالا: ليس في هذا خلاف وهو كما قال) (٥). • الموافقون للإجماع: اتفقت المذاهب الفقهية من الحنفية (٦) والمالكية (٧) والشافعية (٨) والحنابلة (٩) والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: ١ - جاء في حديث عوف بن مالك ﵁ في قصة المددي (١١) مع

стр. 3914

خالد بن الوليد ﵁ وفيه: فلم يزل المددي يحتال لذلك الرومي حتى مر به فاستقفاه فضرب عرقوب (١) فرسه بالسيف، ثم وقع فأتْبَعَهُ ضربًا بالسيف حتى قتله (٢). ٢ - ما روي أن حنظلة بن أبي عامر ﵁: "عقر فرس أبي سفيان يوم أحد فرمت به فخلصه ابن شعوب ولم ينكر النبي ﷺ فعل حنظلة" (٣). ووجه دلالتهما: أنهما قتلا دواب العدو في عهد النبي ﷺ ولم ينكر. فدلَّ على جواز فعل ذلك. ٣ - لأن قتل بهائمهم يتوصل به إلى قتلهم وهزيمتهم، والوسائل لها أحكام الغايات (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز إتلاف حيوان العدو الذي يتقوون به في قتال المسلمين حال الحرب، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٣٦/ ١٥] حكم تحريق العدو إذا قدر عليه: • المراد بالمسألة: إذا قاتل المسلمون الكفار فقدروا عليهم إما أسرًا أو غلبة، بحيث ظهر أن الأعداء مغلوبون وأن الفتح بادٍ أو قريب، أو قدروا عليهم بغير ذلك من الأسلحة، فلا يجوز لهم حينئِذٍ تحريق أعيان الكفار بالنار، إذا لم يفعلوا هم ذلك بالمسلمين، وقد نُقل الإجماع على ذلك. أما إذا لم يقدروا عليهم إلا بالنار فيجوز في قول أكثر أهل العلم (٥). • من نقل الإجماع: ابن قدامة ﵀ (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (أما العدو إذا قدر عليه، فلا يجوز تحريقه بالنار، بغير خلاف نعلمه، وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ يأمر

стр. 3915

بتحريق أهل الردة بالنار، وفعل ذلك خالد بن الوليد ﵁ بأمره. فأما اليوم فلا أعلم فيه بين الناس مخالفًا) (١). وابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فأما المقدور عليه منهم فلا أعلم في ذلك خلافًا، وأنه لا يجوز تحريق أعيان العدو إذا أمكن قتلهم بغير ذلك، ولم يكونوا هم حرقوا أحدًا من المسلمين) (٢). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (ومتى قدر على العدو لم يجز تحريقه بالنار بغير خلاف نعلمه وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ يأمر بتحريق أهل الردة بالنار وفعله خالد بن الوليد ﵁ بأمره. فأما اليوم فلا نعلم فيه خلافًا بين الناس) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على النهي عن تحريق الأعداء المقدور عليهم الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما بالنار" ثم قال حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا اللَّه، فإن وجدتموهما فاقتلوهما" (٨) وجاء في حديث حمزة الأسلمي ﵁ نحوه وفيه: "إن أخذتم فلانا فاقتلوه ولا تحرقوه فإنه لا يعذب بالنار إلا ربها" (٩). ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أمره بالإحراق ثم نهاه عنه معلِّلًا ذلك بالتأدب مع اللَّه رب النار وخالقها، وكان نهيه في حالة وجدوه وقدروا عليه. ٢ - وعن شداد بن أوسٍ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "إن اللَّه

стр. 3916

كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته" (١). ٣ - وعن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَعَفُّ الناسِ قِتلةً: أهلُ الإيمان" (٢). • وجه الدلالة: أن من الإحسان والعفة في القتل ترك تحريق العدو بالنار إن أمكن القدرة عليهم، والظفر بهم بغيرها من الأسلحة. وقالوا: وأما ما كان في شأن العُرَنيين، فقصاص أو منسوخ، على خلافٍ في ذلك. قال البخاري -بعد ذكر قصتهم-: قال أبو قلابة: قتلوا، وسرقوا، وحاربوا اللَّه ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا (٣). وعن أنس قال: إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعينَ أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرِّعاءِ (٤). • الخلاف في المسألة: ألمح ابن قدامة وأبو الفرج في كلامهم السابق إلى الخلاف حين ذكرا فعل أبي بكر وخالد ﵄. وأشار ابن رشد إلى الخلاف في المسألة وسببه حين قال: (واختلفوا في تحريقهم بالنار، فكره قوم تحريقهم بالنار ورميهم بها وهو قول عمر. ويروى عن مالك، وأجاز ذلك سفيان الثوري، وقال بعضهم: إن ابتدأ العدو بذلك جاز وإلا فلا. والسبب في اختلافهم معارضة العموم للخصوص. أما العموم فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ

стр. 3917

وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ولم يستثن قتلًا من قتل. وأما الخصوص فما ثبت أن رسول اللَّه ﷺ قال في رجل: "إن قدرتم عليه فاقتلوه ولا تحرقوه بالنار، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار" (١). وقال الشوكاني: (وقد اختلف السلف في التحريق، فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقًا، سواء كان في سبب كفر أو في حال مقاتلة أو في قصاص، وأجازه علي وخالد بن الوليد وغيرهما. قال المهلب: ليس هذا النهي على التحريم بل على سبيل التواضع) (٢). وحجة من أجاز تحريق العدو: فعل النبي ﷺ والصحابة ﵃. فقد سَمَل النبي ﷺ أعين العرنيين بالحديد (٣)، وحرَّق أبو بكر ﵁ بالنار في حضرة الصحابة، وحرَّق خالد بن الوليد ﵁ أناسًا من أهل الردة، وكذلك حرَّق علي ﵁ (٤). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على النهي عن تحريق الكفار في حال القدرة عليهم، لوقوع الخلاف في عهد الصحابة ﵁، واللَّه تعالى أعلم. [٣٧/ ١٦] مسألة التترس: (حكم رمي العدو المتترسين بالمسلمين حال الضرورة): • تعريف التترُس: التترس في اللغة: مصدر للفعل تترَّس، ، والتُّرس: سلاح معروف. يُقال: تَتَرَّسَ بالشيء: جعله كالتُّرس وتستَّر وتوفَّى به (٥). • والتترس في اصطلاح الفقهاء لا يخرج عن معناه في اللغة، ومن الألفاظ ذات الصلة بالتترس، والتي تلتقي معه في المعنى (التحصُّن) و (الاختلاط بغير المقاتلين). ويطلق على هذه المعاني اليوم: الاحتماء بالمدنيين في الحرب واتخاذهم دروعًا بشرية (٦). • المراد بالمسألة: قد يلجأ الأعداء حين التحام الحرب مع المسلمين إلى التترس والتحصُّن بمن عندهم من أسرى المسلمين، فإذا خيف على المسلمين الضرر إذا لم

стр. 3918

يُقاتلوا، أو اضطروا لذلك (١)، فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم. • وذلك بشرط: أن يتحاشَوا رمي الترس ما أمكنهم، وأن يقصدوا برميهم إصابة الكفار وقتلهم دون الأتراس من المسلمين، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (قد يجوز قتل الترس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء اللَّه، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية. فمعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس. ومعنى أنها كلية: أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة. ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعًا. قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها" (٢). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)،

стр. 3919

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - الضرورة إلى قتالهم ورميهم؛ لأن في ترك قتالهم ورميهم ضررًا على المسلمين، فقتلهم ورميهم استدفاعًا لأكثر الضررين بأقلهما، إذ لو لم يُفعل ذلك لأدّى إلى قتل جميع المسلمين أو أكثرهم، وهذا ضرر عام قطعي كلي، فيُتفادى برمي العدو ولو أفضى إلى قتل بعض المسلمين -المتترس بهم- الذي هو ضرر خاص جزئي. ومن القواعد المقررة: (يُتحمَّل الضرر الخاص لدفع ضرر عام) وقاعدة: (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما) (٢). ٢ - ولأن ترك قتالهم ورميهم تعطيل للجهاد وإدبار عن العدو وهو مقبل على المسلمين وقد يستولي على الأمة، وهذا لا يجوز (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز رمي العدو المتترسين بمن عندهم من الأسرى المسلمين، أو نسائهم أو صبيانهم، وذلك حال الضرورة أو الخوف على المسلمين، وإن أدَّى إلى قتل المتترس بهم، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٣٨/ ١٧] حكم المثلة بالكفار حال المقاتلة، إذا لم يُقدر عليهم إلا بذلك: • تعريف المثلة: المثلة في اللغة: بضم الميم وسكون المثلثة على وزن غُرْفة، تقول: مثَّلتُ بالقتيل إذا جدعت أنفه وأذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه، وظهرت آثار فعلك عليه تنكيلًا (٤). • وفي الاصطلاح: هي النكال بالقطع والتشويه في حال القتال أو بعد الظفر أو، القدرة على الكفار (٥). • والمراد بالمسألة: إذا وقع التمثل بالجندي الكافر المحارب حال القتال والمدافعة

стр. 3920

معه، كمبارز ضربه فقطع أذنه، ثم ضربه ففقأ عينه ونحو ذلك؛ فهذا لا بأس به إن لم يقدر عليه إلا بذلك كأن يكون مقاتلًا ومدافعًا، لأنه أسلوب من أساليب الحرب، وهو أَبْلَغُ في كبت الأعداء ووهنهم، وأضرُّ بهم. وقد نُقل الإجماع على جواز ذلك (١). • من نقل الإجماع: ابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (يختصُّ النهيُ عن المثلة بالمقدور عليه؛ ألا ترى أن قَطْعَ الأيدي والأرجلِ وغيرِ ذلك من المُثلة، وهو جائز باتفاقٍ في حال المقاتلة، إذا لم يتمكن منه إلا بذلك؟ ) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك نصا الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والمفهوم من كلام الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: لأنه أسلوب من أساليب الحرب، وهو أَبْلَغُ في كبت الأعداء ووهنهم، وأضرُّ بهم (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز المثلة حال القتال والمدافعة للعدو الكافر إذا لم يُقدر عليه إلا بذلك، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٣٩/ ١٨] تحريم المثلة بالكفار بعد القدرة عليهم: • المراد بالمسألة: في حالة ما بعد القتال أو الانتصار على الأعداء؛ كأن يقعوا في الأسر، أو يُقدر على الجندي الكافر بغير تمثيل. ففي هذه الحالة إذا كانت المُثْلة لغير حاجة ولغير المعاملة بالمثل (٨) فإنه ينبغي اجتنابها؛ لأنها منهي عنها، وقد نُقل الإجماع على اجتنابها في هذه الحالة.

стр. 3921

• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال عقب حديث بريدة في تحريم الغلول والغدر والمثلة: (أجمع العلماء على القول بهذا الحديث ولم يختلفوا في شيء منه فلا يجوز عندهم الغلول ولا الغدر ولا المثلة. . . وكذلك المثلة لا تحل بإجماع، والمثلة المعروفة نحو قطع الأنف والأذن وفقء العين وشبه ذلك من تغيير خلق اللَّه عبثًا) (١). وأبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في تحريم الغلول والغدر وفي كراهة المثلة) (٢). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر وتحريم الغلول وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا وكراهة المثلة) (٣). والصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: (في الحديث مسائل: الأولى: دل على أنه إذا بعث الأمير من يغزو أوصاه بتقوى اللَّه وبمن يصحبه من المجاهدين خيرًا، ثم يخبره بتحريم الغلول من الغنيمة وتحريم الغدر وتحريم المثلة وتحريم قتل صبيان المشركين وهذه محرمات بالإجماع) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة" (٩). ٢ - وعن بريدة ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم اللَّه

стр. 3922

في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا ولا تغلوا ولا تندروا ولا تمثلوا. . " (١). • وجه الدلالة من الحديثين: أنه ﷺ نهى عن المثلة، والنهي يقتضي التحريم. ٣ - وعن شداد بن أوسٍ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته" (٢). ٤ - وعن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَعَفُّ الناسِ قِتلةً: أهلُ الإيمان" (٣). • وجه الدلالة: أن من الإحسان والعفة في القتل ترك التمثيل بجثث القتلى والأسرى، ولا سيما بعد القدرة عليهم والظفر بهم. ٥ - أن المثلة فيه تغيير لخلق اللَّه فتحرم (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على النهي عن المثلة بالأعداء بعد القدرة عليهم، لعدم الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٠/ ١٩] كراهية حمل رؤوس الأعداء: • المراد بالمسألة: أن مما يتصل بالتمثيل، وهو نوع منها: قطع رؤوس الكفار الذين قتلوا في الحرب مع المسلمين وحملها إلى الولاة، ونقلها من بلد إلى بلد آخر، وقد نُقل الإجماع على كراهية ذلك، إذا وقع لغير حاجة أو مصلحة (٥)، أو لغير المعاملة بالمثل (٦).

стр. 3923

• من نقل الإجماع: العمراني (٥٥٨ هـ) حيث يقول: (أما نقل رؤوس مَنْ قُتِلَ من الكفار إلى بلاد الإسلام، فليست منصوصة لنا، ولكن أجمع أهل العلم على أنه مكروه) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن عقبة بن عامر، أنه قدم على أبي بكر الصديق ﷺ برأس يَنَاق البطريق فأنكر ذلك، فقال: يا خليفة رسول اللَّه فإنهم يفعلون ذلك بنا، قال: (فاستنان بفارس والروم؟ لا تحمل إليَّ رأس، فإنما يكفي الكتاب والخبر) (٦). • وجه الدلالة: حيث نهى عن ذلك الخليفة الراشد الصديق ﷺ ، وبين أن هذا من فعل أهل الجاهلية، وقد نُهينا عن التشبه بهم. ٢ - وعن الزهري قال: لم يحمل إلى النبي ﷺ رأس قط، ولا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر رأس فأنكره، وأول من حملت إليه الرؤوس عبد اللَّه بن الزبير (٧). • وجه الدلالة: أن قطع وحمل الرؤوس ليس معهودًا في زمن الرسول ﷺ ولا خلفائه الراشدين، وما وقع في زمن ابن الزبير يُحمل على ما إذا حصل لمصلحة. النتيجة: أن الإجماع متحقق على كراهية قطع وحمل رؤوس من قتل من الكفار إذا كان لغير حاجة أو لغير المعاملة بالمثل، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 3924

[٤١/ ٢٠] جواز الرمي بالمنجنيق: • تعريف المنجنيق: المنجنيق تجمع على مَجَانق ومَجَانيق ومَنْجَنِيقَات، وهي آلة حرب تقذف الحجارة على الحصون فتهدمها، والنبي ﷺ أول من رمى به في الإسلام (١). • المراد بالمسألة: بيان أن رمي الأعداء من الكفار بالمنجنيق ونحوه (٢) جائز، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (واتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمجانيق سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن) (٣). وابن فرحون (٧٩٩ هـ) حيث يقول: (لم يختلف في رمي مراكبهم بالمنجنيق وكذلك حصونهم) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - عن مكحول الدمشقي ﵀: "أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف" (٩). ٢ - ولأن القتال به معتاد فأشبه السهام (١٠).

стр. 3925

النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز رمي حصون الأعداء وسفنهم بالمنجنيق، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٢/ ٢١] جواز القتل بالسلاح: • تعريف السلاح: السِّلاحُ: اسم جامع لآلة الحرب. ويجمع على أسلحة (١). وكان في القديم محصور في بعض الأنواع من السيوف والأقواس والرماح ونحوها، وأما في زمننا فقد تنوعت، وتطورت حتى إن الناس تركوا استعمال الآلات الحربية القديمة لعدم تناسبها مع قوة ودقة الآلات الحديثة. • المراد بالمسألة: بيان أن رمي الأعداء بالنبل، والحجارة، وضربهم بالسيوف، وطعنهم بالرماح، وكل ما يوهن قوتهم جائز، ونقل الإجماع على ذلك. قال الشوكاني: (قد أمر اللَّه بقتل المشركين، ولم يعيّن لنا الصّفة التي يكون عليها، ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا، فلا مانع من قتلهم، بكل سبب للقتل من رمي، أو طعن، أو تحريق، أو هدم، أو دفع عن شاهق، ونحو ذلك) (٢). • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (واتفق المسلمون على جواز قتلهم بالسلاح) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.
следующие страницы →