← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال عقب حديث بريدة في تحريم الغلول والغدر والمثلة: (أجمع العلماء على القول بهذا الحديث ولم يختلفوا في شيء منه فلا يجوز عندهم الغلول ولا الغدر ولا المثلة. . . وكذلك المثلة لا تحل بإجماع، والمثلة المعروفة نحو قطع الأنف والأذن وفقء العين وشبه ذلك من تغيير خلق اللَّه عبثًا) (١). وأبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في تحريم الغلول والغدر وفي كراهة المثلة) (٢). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر وتحريم الغلول وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا وكراهة المثلة) (٣). والصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: (في الحديث مسائل: الأولى: دل على أنه إذا بعث الأمير من يغزو أوصاه بتقوى اللَّه وبمن يصحبه من المجاهدين خيرًا، ثم يخبره بتحريم الغلول من الغنيمة وتحريم الغدر وتحريم المثلة وتحريم قتل صبيان المشركين وهذه محرمات بالإجماع) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة" (٩). ٢ - وعن بريدة ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم اللَّه

стр. 3922

في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا ولا تغلوا ولا تندروا ولا تمثلوا. . " (١). • وجه الدلالة من الحديثين: أنه ﷺ نهى عن المثلة، والنهي يقتضي التحريم. ٣ - وعن شداد بن أوسٍ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته" (٢). ٤ - وعن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَعَفُّ الناسِ قِتلةً: أهلُ الإيمان" (٣). • وجه الدلالة: أن من الإحسان والعفة في القتل ترك التمثيل بجثث القتلى والأسرى، ولا سيما بعد القدرة عليهم والظفر بهم. ٥ - أن المثلة فيه تغيير لخلق اللَّه فتحرم (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على النهي عن المثلة بالأعداء بعد القدرة عليهم، لعدم الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٠/ ١٩] كراهية حمل رؤوس الأعداء: • المراد بالمسألة: أن مما يتصل بالتمثيل، وهو نوع منها: قطع رؤوس الكفار الذين قتلوا في الحرب مع المسلمين وحملها إلى الولاة، ونقلها من بلد إلى بلد آخر، وقد نُقل الإجماع على كراهية ذلك، إذا وقع لغير حاجة أو مصلحة (٥)، أو لغير المعاملة بالمثل (٦).

стр. 3923

• من نقل الإجماع: العمراني (٥٥٨ هـ) حيث يقول: (أما نقل رؤوس مَنْ قُتِلَ من الكفار إلى بلاد الإسلام، فليست منصوصة لنا، ولكن أجمع أهل العلم على أنه مكروه) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن عقبة بن عامر، أنه قدم على أبي بكر الصديق ﷺ برأس يَنَاق البطريق فأنكر ذلك، فقال: يا خليفة رسول اللَّه فإنهم يفعلون ذلك بنا، قال: (فاستنان بفارس والروم؟ لا تحمل إليَّ رأس، فإنما يكفي الكتاب والخبر) (٦). • وجه الدلالة: حيث نهى عن ذلك الخليفة الراشد الصديق ﷺ ، وبين أن هذا من فعل أهل الجاهلية، وقد نُهينا عن التشبه بهم. ٢ - وعن الزهري قال: لم يحمل إلى النبي ﷺ رأس قط، ولا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر رأس فأنكره، وأول من حملت إليه الرؤوس عبد اللَّه بن الزبير (٧). • وجه الدلالة: أن قطع وحمل الرؤوس ليس معهودًا في زمن الرسول ﷺ ولا خلفائه الراشدين، وما وقع في زمن ابن الزبير يُحمل على ما إذا حصل لمصلحة. النتيجة: أن الإجماع متحقق على كراهية قطع وحمل رؤوس من قتل من الكفار إذا كان لغير حاجة أو لغير المعاملة بالمثل، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 3924

[٤١/ ٢٠] جواز الرمي بالمنجنيق: • تعريف المنجنيق: المنجنيق تجمع على مَجَانق ومَجَانيق ومَنْجَنِيقَات، وهي آلة حرب تقذف الحجارة على الحصون فتهدمها، والنبي ﷺ أول من رمى به في الإسلام (١). • المراد بالمسألة: بيان أن رمي الأعداء من الكفار بالمنجنيق ونحوه (٢) جائز، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (واتفق عوام الفقهاء على جواز رمي الحصون بالمجانيق سواء كان فيها نساء وذرية أو لم يكن) (٣). وابن فرحون (٧٩٩ هـ) حيث يقول: (لم يختلف في رمي مراكبهم بالمنجنيق وكذلك حصونهم) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - عن مكحول الدمشقي ﵀: "أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف" (٩). ٢ - ولأن القتال به معتاد فأشبه السهام (١٠).

стр. 3925

النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز رمي حصون الأعداء وسفنهم بالمنجنيق، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٢/ ٢١] جواز القتل بالسلاح: • تعريف السلاح: السِّلاحُ: اسم جامع لآلة الحرب. ويجمع على أسلحة (١). وكان في القديم محصور في بعض الأنواع من السيوف والأقواس والرماح ونحوها، وأما في زمننا فقد تنوعت، وتطورت حتى إن الناس تركوا استعمال الآلات الحربية القديمة لعدم تناسبها مع قوة ودقة الآلات الحديثة. • المراد بالمسألة: بيان أن رمي الأعداء بالنبل، والحجارة، وضربهم بالسيوف، وطعنهم بالرماح، وكل ما يوهن قوتهم جائز، ونقل الإجماع على ذلك. قال الشوكاني: (قد أمر اللَّه بقتل المشركين، ولم يعيّن لنا الصّفة التي يكون عليها، ولا أخذ علينا أن لا نفعل إلا كذا دون كذا، فلا مانع من قتلهم، بكل سبب للقتل من رمي، أو طعن، أو تحريق، أو هدم، أو دفع عن شاهق، ونحو ذلك) (٢). • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (واتفق المسلمون على جواز قتلهم بالسلاح) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.

стр. 3926

• وجه الدلالة: حيث دلت الآية الكريمة عل وجوب إعداد القوة والعتاد والسلاح وكافة آلات الحرب استعدادًا لقتال الأعداء وإرهابهم بذلك، ولا ندَّخر وسعًا في ذلك. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر في هاتين الآيتين الكريمتين بقتال المشركين أمرًا مطلقًا، ولم يقيده بآلة خاصة من آلات القتال، فدل هذا على مشروعية القتال بكافة أنواع الأسلحة. ٣ - وعن صفوان بن عسال قال: "بعثنا رسول اللَّه ﷺ فى سرية فقال: "سيروا باسم اللَّه وفى سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا ولبدًا" (١). • وجه الدلالة: أن الحديث عام في الأمر بالقتال، فيشمل كافة الأسلحة القتالية دون تخصيص لنوع بعينه. ٤ - أن المقصود كبت العدو، وكسر شوكتهم، فكيفما حصل وبأي سلاح فهو المقصود. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز قتال الأعداء بالسلاح، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٣/ ٢٢] جواز استعارة المجاهد آلات الحرب: • تعريف الاستعارة: الاستعارة لغة: مأخوذة من قولهم: اعْتَوَروا الشيء وتَعَورُوهُ وتَعَاوَرُوهُ: تَدَاوَلُوهُ بينهم، واستعارَهُ الشيءَ واستعارَهُ مِنْهُ: طَلَبَ أنْ يُعِيرَه إياه (٢). • وفي الاصطلاح: إباحة نفع عين بغير عوض من المستعير أو غيره (٣). • المراد بالمسألة: بيان جواز استعارة المجاهد آلات الحرب منْ السلاح والعتاد التي

стр. 3927

يمكن استخدامها دون هلاك عينها. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن عارية السلاح ليقاتل به أو الدواب لركوبها جائزة، وكذلك كل شيء يستعمل في أغراضه ولا يُعدَم شخصه ولا يُغيَّر. . .) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن صفوان بن أمية ﵁ قال: قال رسول ﷺ "إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا" قلت: يا رسول اللَّه أعارية مضمونة، أم عارية مؤداة؟ قال: "بل عارية مؤداة" (٦). ٢ - وعن أنس ﵁ قال: "كان فزع (٧) بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة، يقال له: المندوب (٨) فركبه، فلما رجع قال: "ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحار (٩) " (١٠). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استعار من صفوان وأبي طلحة شيئًا من آلات الحرب وهما الدروع والفرس، فدل ذلك على جواز استعارة المجاهد للسلاح والعتاد للجهاد

стр. 3928

في سبيل اللَّه. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز استعارة المجاهد للسلاح والعتاد للجهاد في سبيل اللَّه، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٤/ ٢٣] جواز وسم الحيوان بغير النار ليحبس في المغازي: • تعريف الوسم: الوسم في اللغة: أَثرُ الكَيّ والجمع وُسومٌ، يقال: وَسَمَه يَسِمُه وَسْمًا ووسمة في العلامة. فيقال: فلان مَوْسُومٌ بالخير وعليه سِمَة الخير: أي علامته، وتوسمت فيه كذا أي رأيت فيه علامته (١). • والوَسْم في الاصطلاح: لا يخرج عن المعنى اللغوي، وهو الكي للعلامة. ويستعمله أصحاب الحيوانات لتمييز حيواناتهم عن غيرها. • المراد بالمسألة: بيان أن وسم البهائم والحيوانات المحبوسة لتُصرف في الصدقات والمغازي جائز لتتميز عن غيرها، وليردها واجدها إن شردت أو ضلت، وليعرفها المتصدق فلا يتملكها بعد إخراجها (٢)، وقد نُقل الإجماع على جواز الوسم في غير الوجه بغير النار. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن وَسْمَ الحيوان المحبوس ليصرف في الصدقات والمغازي بغير النار جائز) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، بل قال كلٌّ من الشافعية (٦)، والحنابلة (٧) باستحباب وسم نعم الزكاة، والحيوانات المحبوسة للجهاد كالخيل، والحمير، والفيلة ونحوها بغير الوجه.

стр. 3929

• مستند الإجماع: ١ - عن أنس بن مالك قال: "غدوت إلى رسول اللَّه ﵊ بعبد اللَّه بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده المِيسَم (١) يسم إبل الصدقة" (٢). ٢ - وعن ابن عباس قال: كان العباس يسير مع النبي ﷺ على بعير وسمه في وجهه بالنار، فقال: "ما هذا الميسم يا عباس؟ ! " قال: مِيسَم كنا نسمه في الجاهلية، فقال: "لا تَسِمُوا بالحريق" يعني في الوجه" (٣). ٣ - وعن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر: إن في الظهر ناقة عمياء، فقال: "أمن نعم الصدقة، أو من نعم الجزية؟ " قال أسلم: من نعم الجزية، وقال: إن عليها مِيسَم الجزية (٤). • وجه الدلالة: حيث دل هذان الحديثان والأثر على مشروعية وسم الحيوانات في الزكاة والجهاد. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز وسم الحيوانات المحبوسة للزكاة والجهاد بغير النار، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٥/ ٢٤] حكم قتل الرسل (المبعوثين الدبلوماسيين) (٥): • تعريف الرسل: الرسل في اللغة: جمع رسول وهو من بُعث برسالة تتضمن خطابًا إلى الغير (٦). والرسول في باب الجهاد: هو المبعوث من أهل الحرب والموادعة إلى ديار الإسلام لتبليغ أمور خاصة من فداء أو هدنة أو تحالف أو للقيام بمباحثات مع الدولة

стр. 3930

المرسل إليها (١). • والمراد بالمسألة: بيان أن الحماية والرعاية للرسل والموفدين والدبلوماسيين، وصيانة شخصيتهم من أي أذى ثابتة لهم، حتى لو اختلفت وجهات النظر في المفاوضة معهم، وتكلم المبعوث الموفد القادم إلى أرض الدولة الإسلامية بكلام لا يتفق مع احترام عقائد المسلمين، أو فشل المبعوثين السياسيين في القيام بمهمتهم، فيظل لهم حق التمتع بالحماية والحصانة حتى يعودوا إلى بلادهم التي يأمنون فيها. وقد نقل الإجماع على تحريم قتلهم. • من نقل الإجماع: أبو العباس المنصوري (في حدود ٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن الرسول لا يجوز قتله)، نقله عنه ابن القطان الفاسي (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن نعيم بن مسعود بن الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -حين قرأ كتاب مسيلمة- للرسل: "ما تقولان أنتما؟ " قالا: نقول كما قال، قال: "أما واللَّه لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" (٨). • وجه الدلالة: حيث دل الحديث على تحريم قتل رسل الأعداء ولو تكلموا بكلمة الكفر في حضرة إمام المسلمين. ٢ - وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "مضتِ السنةُ ألا تقتل الرسل" (٩).

стр. 3931

• وجه الدلالة: أن فيه التصريح بأن شان الرسل لا يقتلون في الإسلام، وعليه مضت سنة سيد الأنام ﷺ مهما صدر منهم. ٣ - وعن سعيد بن جبير قال: "جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا خليفة المسلمين، إن أراد الرجل منا أن يأتي بحاجة قتل، فقال علي ﵁: لا، لأن اللَّه ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] " (١). • وجه الدلالة: حيث استدل الصحابي الجليل خليفة المسلمين علي ﵁ بعدم جواز قتل المشرك القادم في حاجة إلى دار الإسلام بتلك الآية، ومن الحاجات التي يقدم إليها المشركون لدار الإسلام تبليغ الرسائل. ٤ - أنه يجب الوفاء بالعهد للكفار كما يجب للمسلمين، والرسالة التي يحملها الرسول إلى المسلمين تقتضي جوابًا يصل على يد الرسول، فكان ذلك بمنزلة عقد العهد (٢). ٥ - أن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا، فتفوت مصلحة المراسلة والسفارة بين الطرفين. ومن المعلوم أن الرسل هم مفاتيح العلاقات بين الدول، وهم وسائطها في حل الخلافات، فضلًا عن أن قتلهم ضرب من ضروب الغدر، فوجب صيانتهم وتجنب قتلهم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم قتل رسل الأعداء، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٦/ ٢٥] تحريم قتل نساء العدو وصبيانهم إذا لم يقاتلوا: • المراد بالمسألة: بيان أنه لا يجوز قتل نساء العدو وصبيانهم إذا لم يقاتلوا، وقد حكي إجماع العلماء على ذلك. • وممن نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) حيث قال: (لا خلاف أن قتل النساء والذراري محظور) (٣).

стр. 3932

وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أنه لا يحل قتل صبيانهم ولا نسائهم الذين لا يقاتلون) (١). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء على القول بذلك، ولا يجوز عندهم قتل نساء الحربيين، ولا أطفالهم، لأنهم ليسوا ممن يقاتل في الأغلب) (٢). وقال أيضًا عقب حديث بريدة في تحريم الغلول والغدر والمثلة: (أجمع العلماء على القول بهذا الحديث ولم يختلفوا في شيء منه فلا يجوز عندهم الغلول ولا الغدر ولا المثلة ولا قتل الأطفال في دار الحرب) (٣). والقاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في ترك قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) (٤). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وكذلك لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم، ما لم تقاتل المرأة والصبي. . .) (٥). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث (٦) وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) (٧). وابن دقيق العيد (٧٠٤ هـ) حيث يقول: (هذا (٨) حكم مشهور متفق عليه فيمن لا يقاتل. . .) (٩). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل باتفاق العلماء) (١٠). وابن جماعة الكناني (٧٣٣ هـ) حيث يقول: (والأصح: أن الراهب والشيخ الضعيف والأعمى والمزمن، يقتلون أيضًا بكل حال، وقيل: إن لم يكن لهم رأي في الحرب، ولم يقاتلوا، أما إذا قاتلوا أو كان لهم رأي في الحرب قتلوا بلا خلاف) (١١).

стр. 3933

والحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: (وأما النساء فإن كففن أذاهن عن المسلمين ولَزَمْنَ قَعْرَ بيوتهن فلا خلاف (١) في تحريم قتلهن) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. • وجه الدلالة: حيث قال بعض السلف: ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان وأشباههم، لأنهم لا مقاتلة منهم في العادة فلا يقاتلون (٧). ٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ ، فنهى ﷺ عن قتل النساء والصبيان" (٨). • وجه الدلالة: أن الحديث نص صريح على النهي عن قتل النساء والصبيان، لكونهم يعتزلون الحرب، ولا يقاتلون في الغالب. ٣ - أن النساء والصبيان ليسوا في العادة ممن يقاتلون فلا يقتلون، وليس من غرض الشارع قصد إتلاف النفوس، وإنما غرضه إصلاح العالم، وذلك يحصل بقتل المقاتلين، أما من لا يقاتلون فلا نفع بقتلهم، ولا ضرر باستبقائهم، بل استبقاؤهم فيه نفع راجح. ٤ - أن النساء والصبيان غنيمة للمسلمين ينتفع بهم رقيقًا وخدمًا وفداءً، فلا ينبغي

стр. 3934

قتلهم إذا اعتزلوا القتال (١). • الخلاف في المسألة: أورد الحازمي (٥٨٤ هـ) قولًا بجو از قتل النساء والصبيان، ولم يعزه لأحد (٢). قال الحافظ ابن حجر: (وحكى الحازمي قولًا بجواز قتل النساء والصبيان على ظاهر حديث الصعب (٣)، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي، وهو غريب) (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، لعدم المخالف المعتبر. وأما ما حكاه الحازمي فلا يقدح في الإجماع لأمور: ١ - أنه قولٌ لا يُعرف قائله. ٢ - أن الأئمة: الجصاص، وابن حزم، وابن عبد البر قد حكوا الإجماع، وهم متقدمون على الإمام الحازمي، فالقول الذي نقله الحازمي مردود، لأنه محجوج بالإجماع المنعقد قبله، وحكاه ابن رشد، وابن هبيرة، وهما في عصر الحازمي. ٣ - أن حديث الصعب محمول على حال البيات وهو مستثنى من عدم جواز قتلهم كما سيأتي بيانه فيما يأتي. • ذكر الفقهاء حالات يجوز فيها قتل النساء والصبيان، وإن لم يقاتلوا، ومن ذلك: ١ - أنه يجوز قتل النساء والصبيان في البيات (٥)، لكن من غير تعمد وتقصد لهم، وهذا قول جمهور العلماء (٦)، بل قال الإمام أحمد ﵀: (لا نعلم أحدًا كره بيات

стр. 3935

العدو" (١). ٢ - إذا تترسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم فيتوقى قتلهم، فإن لم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل النساء والأطفال جاز قتلهم على قول جمهور العلماء. ٣ - إذا كانت المرأة ملكة، أو الصبي ملكًا، جاز قتلهما، ولو لم يباشرا القتال على مذهب الحنفية، وذلك لعظم ضررهم، ولتفريق جمعهم، وكسر شوكتهم (٢). أما إذا باشر النساء والصبيان القتال، جاز قتلهم، وهو قول الجمهور، بل حكى غير واحد من العلماء الإجماع على هذا (٣)؛ وذلك لأن العلة التي منعت من قتلهم هي عدم قتالهم، فإذا وجد منهم القتال وجدت علة إباحة قتلهم لأن الحاجة داعية إلى دفع مضرتهم (٤). وكذلك يجوز قتلهم إذا كانوا يلتقطون لهم السهام أو يحرضونهم على القتال أو كان لهم رأي في الحرب؛ لأن ذلك بمعنى المقاتلة (٥). [٤٧/ ٢٦] حصول البلوغ بالاحتلام: • المراد بالمسألة: يذكر الفقهاء هذه المسألة في معرض حديثهم عن عدم جواز قتل صبيان العدو الذين لم يبلغوا في حال لم يشاركوا في القتال، فمن احتلم من ذكر أو أنثى، فإنه يحكم ببلوغه فتلزمه الفرائض والأحكام وتجرى عليه الحدود. وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من احتلم فرأى الماء من الرجال والنساء أو حاضت من النساء بعد أن تتجاوز خمسة عشر ويستكمل في قدهما (٦) ستة أشبار وهما عاقلان فقد لزمتهما الأحكام، وجرت عليهم -إن كانا

стр. 3936

مسلمين- الحدود، ولزمتهما الفرائض، وإنه بلوغ صحيح) (١). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (والبلوغ يحصل بأحد أسباب ثلاثة، أحدها: الاحتلام وهو خروج المني من ذكر الذكر أو قبل الأنثى في يقظة أو منام، وهذا لا خلاف فيه) (٢). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (والبلوغ يحصل بثلاثة أشياء: الاحتلام وهو خروج المني من ذكر الرجل أو قبل المرأة في يقظة أو منام ولا خلاف فيه) (٣). وابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (وقد أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام وهو إنزال الماء الدافق سواء كان بجماع أو غيره، سواء كان في اليقظة أو المنام) (٤). • الموافقون للإجماع: اتفق أصحاب المذاهب الفقهية على حصول البلوغ بالاحتلام وإنزال المني من الحنفية (٥) والمالكية (٦) والشافعية (٧) والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٨]، وقال جل ذكره: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]. • ووجه الدلالة في الآيتين: حيث جعل الشارع الحلم وهو الاحتلام دلالة على وجوب الأحكام (٩) في عدم جواز رؤية الأجنبية ووجوب الاستئذان. ٢ - عن معاذ: أن النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن قال: "خذ من كل حالم دينارا" (١٠).

стр. 3937

• ووجه الدلالة: كسابقه حيث رتب لزوم الجزية على الاحتلام، والجزية لا تلزم إلا البالغ. ٣ - عن علي ﵁ قال: حفظت عن رسول اللَّه ﷺ : "لا يُتم بعد احتلام" (١). • ووجه الدلالة: أن الاحتلام يرفع معنى اليتم في الطفل، وهو لا يرتفع إِلا بالبلوغ. النتيجة: أن الإجماع متحقق على حصول البلوغ بالاحتلام، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٤٨/ ٢٧] حصول البلوغ بإنبات الشعر حول القبل: • المراد بالمسألة: يذكر الفقهاء هذه المسألة أيضًا في معرض ذكرهم لعدم جواز قتل صبيان العدو الذين لم يبلغوا، في حال عدم مشاركتهم في القتال. فإذا نبت الشعر الخشن حول الذكر أو قبل الأنثى فإنه يحكم ببلوغه، فتلزمه الفرائض والأحكام وتجري عليه الحدود، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٥ هـ) حيث يقول: (الثاني: إنبات الشعر الخشن حول القبل وهو علامة على البلوغ. . ولم يظهر خلاف هذا فكان إجماعًا) (٢). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (والثاني نبات الشعر الخشن حول القبل وهو علامة البلوغ ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا) (٣). • مستند الإجماع: ١ - قال عطية القرظي ﵁: "كنت في سبي قريظة فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم ينبت" (٤).

стр. 3938

٢ - وقال كثير بن السائب ﵀: "حدثني أبناء قريظة أنهم عرضوا على النبي ﷺ ، فمن كان منهم محتلمًا أو نبتت عانته (١) قتل، ومن لا ترك" (٢). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ والصحابة اعتبروا الإنبات علامة على البلوغ فجعلوها مفرقة بين البالغ المقاتل والصغير الذي لا يقاتل مثله في العادة. ٢ - وروى أسلم مولى عمر ﵁: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكتب إلى أمراء الأجناد ألا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي (٣) " (٤). • الخلاف في المسألة: واختلف الفقهاء إلى قولين آخرين وهما: • القول الأول: أن الإنبات لا يُعتبر به في إثبات البلوغ، إذا لم يُعرف سن المرء ولا احتلامه. وهو مذهب الحنفية (٥)، وبعض المالكية (٦) ورواية عن أحمد (٧). • القول الثاني: أن الإنبات علامة للبلوغ في ذراري المشركين فقط. وهو الأصح في مذهب الشافعية (٨). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف، وإن كانت الأدلة تدل على اعتبار الإنبات علامة للبلوغ (٩). قال الإمام الترمذي: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم أنهم يرون الإنبات بلوغًا إن لم يعرف احتلامه ولا سنه وهو قول أحمد وإسحق) (١٠).

стр. 3939

[٤٩/ ٢٨] تحريم قتل الشيوخ من الأعداء: • تعريف الشيوخ: الشيوخ: جمع شيخ، وهو الرجل الذي استبانت فيه السن، وظهر عليه الشيب، ويقع -غالبًا- لمن بلغ الخمسين إلى آخر عمره، فإذا كبر الشيخ وضعف قيل له: هَرِم، وشيخ ضعيف، وشيخ فانٍ، لا بقية فيه للقتال ولا للتدبير ولا للتحريض (١). ويطلق عليهم اليوم (المسنون). • المراد بالمسألة: بيان أن المسنين والشيوخ الضعفاء الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب، من قتال ولا رأي ولا تدبير، فإنهم لا يجوز قتلهم، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: التميمي صاحب "النوادر" (في حدود ٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أنه لا يجوز قتل شيخ فانٍ من العدو) (٢). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (إن كان شيخًا كبيرًا هرمًا لا يطيق القتال، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل، لقول أبي بكر ليزيد، ولا مخالف له فثبت أنه إجماع) (٣). • الموافقون للإجماع: هو مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية في قول (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. • وجه الدلالة: أن الآية الكريمة تأمر بقتل المقاتلين، وتنهى عن الاعتداء على غيرهم، والشيوخ ممن لا يقاتلون في العادة، فلا يجوز قتلهم. ٢ - عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا بعث جيشًا قال: "انطلقوا

стр. 3940

باسم اللَّه، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، ان اللَّه يحب المحسنين" (١). ٣ - وعن راشد بن سعد قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن قتل النساء والذرية والشيخ الكبير الذي لا حراك به" (٢). ٤ - عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه: "نهى أن يقتل شيخ كبير، أو يعقر شجر إلا شجر يضر بهم" (٣). ٥ - وعن عبيد اللَّه بن عمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمرائه أن لرسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقتلوا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا" (٤). ٦ - أن أبا بكر بعث جيوشًا إلى الشام، فخرج يتبع يزيد بن أبي سفيان فقال: "إني أوصيك بعشر: لا تقتلن صبيًّا ولا امرأة ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله، ولا تغرقن نخلا ولا تحرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن" (٥). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة والآثار: أنها تنهى صراحة عن قتل الشيوخ الكبار. • الخلاف في المسألة: وخالف بعض أهل العلم فقالوا بجواز قتل الشيوخ من المشركين. وممن قال بذلك: الشافعية في الأصح من مذهبهم (٦)، والظاهرية (٧). وممن قال بذلك ابن المنذر حيث يقول: (لا أعرف حجة في ترك قتل الشيوخ يستثنى بها من عموم قوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ولأنه كافر لا نفع في حياته

стр. 3941

فيقتل كالشاب) (١). واستدلوا أيضًا بما روي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم (٢) " (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٥٠/ ٢٩] جواز قتل من شارك في القتال من النساء، والصبيان، والمسنِّين: • المراد بالمسألة: جاء الشرع بالنهي عن قتل النساء والصبيان والشيوخ، وكل من لا يقاتل في العادة، لكنهم إذا شاركوا في القتال، فإنهم يقتلون ولا كرامة، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (ولم يختلف العلماء فيمن قاتل من النساء والشيوخ أنه مباح قتله، ومن قدر على القتال من الصبيان وقاتل قتل) (٤) وقال: (وأجمعوا أن رسول اللَّه ﷺ قتل دريد بن الصمة يوم حنين؛ لأنه كان ذا رأي ومكيدة في الحرب، فمن كان هكذا من الشيوخ قتل من الجميع) (٥). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن النساء منهم ما لم يقاتلن فإنهن لا يقتلن إلا أن يكن ذوات رأي فيقتلن) (٦). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (لا خلاف بينهم في أنه لا يجوز قتل صبيانهم ولا قتل نسائهم ما لم تقاتل المرأة والصبي، فإذا قاتلت يستبيح دمها) (٧). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ومن قاتل من هؤلاء -أي الصبيان أو المشايخ أو الرهبان في المعركة- قتلوا. . . لا نعلم فيه خلافًا) (٨). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وتحريم

стр. 3942

قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا) (١). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (فصل: ومن قاتل من ذكرنا جميعهم جاز قتله لا نعلم فيه خلافًا) (٢). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل باتفاق العلماء) (٣). وابن جماعة الكناني (٧٣٣ هـ) حيث يقول: (والأصح: أن الراهب والشيخ الضعيف والأعمى والمزمن، يقتلون أيضًا بكل حال، وقيل: إن لم يكن لهم رأي في الحرب، ولم يقاتلوا لم يقتلوا، أما إذا قاتلوا أو كان لهم رأي في الحرب قتلوا بلا خلاف) (٤). والحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: (فإن قاتلن وباشرن السلاح فلا خلاف في جواز قتلهن في حين القتل في المسايفة) (٥). وابن عابدين (١٣٠٧ هـ) حيث يقول: (وكذا المرأة إذا قاتلت. . ولا خلاف في هذا لأحد) (٦). وابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: (فإن شاركوا -أي الصبي والمرأة والراهب والشيخ- العدو في الرأي قتلوا اتفاقًا) (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عباس ﵄ النبي ﷺ بامرأة مقتولة يوم الخندق فقال: "من قتل هذه؟ " قال رجل: أنا يا رسول اللَّه قال: "ولما نازعتني قائمًا سيفي". قال: فسكت (٨). وعن عكرمة نحوه ولكن ذكر يوم حنين (٩). • ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما عرف بمشاركتها سكت إقرارًا منه بجواز قتلها. قال الشوكاني: (ولهذا لم ينكر ﷺ على قاتل المرأة التي أرادت قتله) (١٠).

стр. 3943

٢ - وقُتِلَ دريد بن الصمة وهو شيخ لا قتال فيه يوم حنين، وكانوا أخرجوه معهم يتيمنون به (١)، ويستعينون به فلم ينكر النبي ﷺ قتله (٢). • ووجه الدلالة: إقرار النبي ﷺ قتل الشيخ الكبير حينما شارك في القتال ولو برأيه. ٣ - قال عكرمة: لما حاصر رسول اللَّه ﷺ أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت عن قبلها، فقالت: ها دونكم فارموا، فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها (٣). • ووجه الدلالة: أن تحديها للمسلمين وكشفها لعورتها للضغط على المسلمين واستفزازهم نوع من المشاركة في الحرب لذا جاز قتلها. ٤ - "أن النبي ﷺ أمر يوم قريظة بقتل امرأة طرحت الرحا (٤) على خلاد بن سويد ﵁ فقتلته" (٥). . وروي أنه "أمر يوم حنين بقتل قينتين -أي جاريتين- كانتا تعينا ابن خطل في هجاء الرسول" (٦). ودلالته ظاهرة. ٥ - أن النبي ﷺ وقف على امرأة مقتولة فقال: "ما بالها قتلت، وهي لا تقاتل" (٧). • وجه الدلالة: حيث علل النهي عن قتلها بأنها لا تقاتل، فإن قاتلت زالت العلة فجاز قتلها. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز قتل من شارك في القتال ولو كان شيخًا

стр. 3944

كبيرًا أو امرأة أو صبيًّا، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم (١). [٥١/ ٣٠] جواز اقتحام المهالك في الحرب، إذا كان فيه نكاية للعدو، أو مصلحة للمسلمين: • المراد بالمسألة: هو قيام المجاهد باقتحام صفوف العدو، أو الدخول إلى مواقعه، والمفاداة بنفسه لتحقيق نكاية بعدو أو مصلحة للمسلمين. والذي يميز هذه الصورة عن غيرها من أعمال الجهاد هو وجود قدر زائد من المخاطرة، بحيث يغلب على الظن أن المجاهد سيُقتل بسببها، نظرًا لعدم تكافؤ القوى في الظاهر، لكن هذا ليس على سبيل القطع؛ إذ احتمال نجاته قائم بنسبة ما، وقد نُقل الإجماع على جواز هذه الصورة. • من نقل الإجماع: الغزالي (٤٣٥ هـ) حيث يقول: (لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار فيقاتل وإن علم أنه سيقتل. . . ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز، فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يقتَلُ حتى يَقْتُلَ، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة، وحبهم للشهادة في سبيل اللَّه، فتكسر بذلك شوكتهم) (٢). وابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (والرجل ينهزم أصحابه، فيقاتل وحده، أو هو وطائفة معه العدو، وفي ذلك نكاية في العدو، ولكن يظنون أنهم يمتلون، فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلا خلاف شاذ. وأما الأئمة المتبوعون كالشافعي وأحمد وغيرهما؛ فقد نصوا على جواز ذلك، وكذلك هو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما) (٣). وابن حجر العسقلاني نقلًا عن المهلَّب قوله: (وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد) (٤).

стр. 3945

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]. جاء في سبب نزول الآية: عن سعيد بن المسيب قال: "أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي ﷺ ، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته، ثم قال يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وايم اللَّه لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي فيه شيء ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي. قالوا: نعم. فلما قدم على النبي ﷺ قال: "ربح البيع، ربح البيع. ونزلت الآية" (٥). ٢ - وعن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفًا عظيمًا من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثله، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة ابن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان اللَّه يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري ﵁ فقال: "أيها الناس: إنكم لتؤولون هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز اللَّه الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول اللَّه ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت وإن اللَّه قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل اللَّه تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو"، فما زال أبو أيوب شاخصًا حتى دفن بأرض الروم (٦).

стр. 3946

٣ - وعن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهِقوه قال: "من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهِقوه أيضًا، فقال: "من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول اللَّه ﷺ لصاحبه: "ما أنصفْنا أصحابَنا" (١). • وجه الاستدلال: دل الحديث على أن قيام الرجل الواحد من الصحابة لرد الجماعة من المشركين يعد من قبيل الاقتحام المظنون فيه الهلاك، بدليل أن الأنصار السبعة قضوا نحبهم الواحد بعد الآخر، وكان فعلهم هذا بأمره ﷺ ، مع تنويهه ﷺ بفضله والثواب المترتب عليه. ٤ - حادثة البراء بن مالك ﵁ في حرب المرتدين من أهل اليمامة، عن محمد ابن سيرين: "أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين، فجلس البراء بن مالك ﵁ على ترس فقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم، فرفعوه برماحهم فألقوه من وراء الحائط، فأدركوه قد قتل منهم عشرة" (٢). • وجه الاستدلال: في فعل البراء دليل على جواز حمل الواحد على جماعة من الأعداء، وأنه لا يكون ملقيًا نفسه في التهلكة، لأنه يسعى في إعزاز الدين، ويتعرض للشهادة (٣). • الخلاف في المسألة: وخالف بعض العلماء في هذه المسألة على قولين آخرين: • القول الأول: ذهب بعض المالكية إلى جواز اقتحام المجاهد صف الكفار وحده، طلبًا للشهادة، ولو لم يكن في فعله نكاية بالعدو (٤). • وحجتهم: عموم حادثة أبي أيوب في القسطنطينية المتقدمة، ولأن التغرير بالنفوس جائز في الجهاد إذا قصد به الشهادة. • القول الثاني: عدم جواز اقتحام المجاهد صف الكفار وحده مطلقًا، ولو كان في

стр. 3947

فعله نكاية بالعدو، وهذا القول مقابل الأظهر عند المالكية (١). وحجتهم: عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على جواز اقتحام المهالك في الحرب إذا كان فيه نكاية للعدو أو مصلحة للمسلمين، لوجود الخلاف المعتبر بين أهل العلم. وإن لم يتحقق الإجماع فهو قول جماهير أهل العلم والراجح فيما يظهر -واللَّه أعلم- بالشروط التالية: ١ - الإخلاص للَّه تعالى: بحيث يقصد المجاهد بعمله نصرة دين اللَّه، وإعلاء كلمته. ٢ - قصد النكاية بالعدو. ٣ - ألَّا يترتب على هذا العمل مفسدة أكبر من مصلحته. ٤ - اشتراط الإذن العام من الأمير للقيام بهذه الأعمال (٢). [٥٢/ ٣١] تحريم المبارزة لطلب السمعة: • تعريف المبارزة: المبارز لغة: مشتقة من برز الرجل يبرز بروزًا: خرج. وأبرزه غيره. والبِرازُ: المبارزة في الحرب (٣). • والمبارزة هي: أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب يدعو للقتال، فيخرج له من العدو من يقابله، فأيهما غلب سر أصحابه وقواهم وكسر قلوب أعدائه (٤). • تعريف السمعة: السمعة لغة: مشتقة من الإسماع والمراد بها: الذكر. يقال: فعله رياء وسمعة، أي: ليراه الناس ويسمعوه فيحصل على الصيت والذكر (٥). • المراد بالمسألة: بيان أن من الأمور المحرمة والتي تبطل الأعمال أن يكون باعث المجاهد بجهاده وقتاله وبرازه لأعداء اللَّه السمعة والرياء، ومن صور السمعة في

стр. 3948

المبارزة: ١ - أن يذكر للناس ما خاضه من براز ومقارعة للأعداء فيما مضى، ليمدحوه أو يعظم في نفوسهم. ٢ - أن يبادر إلى البراز لقصد أن يمدحه الناس، فيقال: شجاع وجريء. وقد نُقل إجماع العلماء على تحريم ذلك. • من نقل الإجماع: ابن جزي الغرناطي (٧٤١ هـ) حيث يقول: (لا تجوز المبارزة للسمعة إجماعًا) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك جميع الفقهاء من: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. • معنى الآية: من كان يرجو ثواب اللَّه فلا يعبد معه غيره، ولا يعمل عملًا فيه رياء وسمعة، ولا يكتسب الدنيا بعمل الآخرة (٦). ٢ - وعن جندب قال: قال النبي ﷺ : "من سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ وَمَنْ يُرَائي يُرَائِي اللَّه بِهِ" (٧)، وعن عبد اللَّه بن عمرو، ويحدث ابن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من سمع الناس بعمله سمع اللَّه به سامع خلقه وحقره وصغره" قال فذرفت عينا ابن عمر (٨). • وجه الدلالة: في الحديثين وعيد شديد لمن أراد بعمله الصالح السمعة والرياء بأن اللَّهَ يُسَمّع به ويُظْهر إلى الناس غَرَضه وأن عَمَله لم يكُن خالصًا، فتحصل له الفضيحة والخزي -عياذًا باللَّه تعالى. ١ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم

стр. 3949

القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، فالقي في النار. . . " (١). • وجه الدلالة: دلَّ الحديث أنه إن كان الباعث على الجهاد الرياء والسمعة أو المباهاة فصاحبه متعرض لمقت اللَّه وعقابه. ٤ - وعن أبي أمامة الباهلي قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لا شيء له"، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول اللَّه ﷺ : "لا شيء له"، ثم قال: "إن اللَّه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، وابتغي به وجهه" (٢). • وجه الدلالة: دلَّ الحديث أن من شرط الجهاد وفرضه وصحة كونه عملًا للَّه، وجهادًا في سبيل اللَّه، أن يقصد به وجه اللَّه -تعالى- وإعلاء كلمته، فيجب أن يجاهد الرجل غضبًا في اللَّه، وانتصارًا لدينه، وصونًا لحرماته. النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم طلب السمعة من المبارزة وغيرها من الأعمال القتالية في الجهاد في سبيل اللَّه، ولم يخالف في ذلك أحد، واللَّه تعالى أعلم. [٥٣/ ٣٢] جواز المبارزة في الحرب: • المراد بالمسألة: بيان جواز المبارزة في الحرب إذا كانت بإذن الإمام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن للمرء أن يبارز، ويدعو للبراز بإذن الإمام، وانفرد الحسن فكان يكرهه ولا يعرف البراز) (٣). والقاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: ". . . وجواز المبارزة، ولا خلاف بين

стр. 3950

العلماء في جوازها بإذن الإمام، إلا الحسن فإنه شذَّ ومنعها" (١). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ولم يزل أصحاب النبي ﷺ يبارزون في عصر النبي ﷺ وبعده، ولم ينكره منكر، فكان ذلك إجماعًا) (٢). والخطابي (٣٨٨ هـ) حيث يقول: (فيه من الفقه -أي: الحديث- إباحة المبارزة في جهاد الكفار، ولا أعلم اختلافًا في جوازها إذا أذن الإمام فيها) (٣). • الموافقون للإجماع: اتفقت المذاهب الفقهية من الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧) على جواز المبارزة بإذن الإمام. • مستند الإجماع: ١ - واستدلوا على ذلك بفعل النَّبيِّ ﷺ يوم أحدٍ، فقد "دعا أبي ابن خلفٍ رسول اللَّه ﷺ إلى البراز فبرز إليه فقتله" (٨). ٢ - عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ "أن ابني عفراء (٩) ﵄ خرجا إلى البراز -أي المبارزة- فلم ينكر عليهما النبي ﷺ (١٠). قال ابن مفلح (٧٩٣ هـ): (يجوز بإذنه لمبارزة الشباب الأنصاريين يوم بدر لما طلبها عتبة بغير إذن النبي ﷺ ولم ينكر ذلك) (١١). ٣ - كان أبو ذر ﵁ يقسم أن قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]. نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر، وهم حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث ﵃، بارزوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، وكان ذلك بإذن

стр. 3951

النبي ﷺ (١). ٤ - و"بارز علي ﵁ مرحبًا أحد سادة يهود وشجعانهم يوم خيبر" (٢). وجاء في رواية أخرى أن الذي بارزه هو عم سلمة بن الأكوع ﵄، وجاء في أخرى أنه محمد بن مسلمة ﵁ (٣). ٥ - و"بارز علي ﵁ عمرو بن عبد وُد أحد شجعان قريش في غزوة الخندق فقتله" (٤). ٦ - قال أبو قتادة ﵁: "بارزت رجلًا يوم حنين فقتلته" (٥)، وجاء نحوه عن سلمة ابن الأكوع ﵁ (٦). ودلالة الأحاديث السابقة في: إقرار النبي ﷺ لهم وعدم الإنكار عليهم. ٧ - و"بارز البراء بن مالك ﵁ مرزبان الزأرة (٧) فقتله وأخذ سلبه"، وكان ذلك بحضور الصحابة ﵃ وعلمهم، ولم ينكر عليه أحد، وقد كان على الجيش خالد بن الوليد ﵁ (٨). • الخلاف في المسألة: اتفق الفقهاء على مشروعية المبارزة في الجملة، واختلفوا في اشتراط إذن الإمام للمبارزة على أقوال: القول الأول: أنه شرط، وهو مذهب الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأحد قولي المالكية (٩).

стр. 3952

• القول الثاني: أنه ليس بشرط، لكن يكره. وهو مذهب الشافعية وبعض المالكية (١). • القول الثالث: تجوز المبارزة بلا إذن ما لم ينه الإمام. وهو مذهب الحنفية (٢). ١ - النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز المبارزة في الجملة، وكون الحسن كرهها لأنه لم يعرفها لا يخرم الإجماع من وجهين: ١ - أنه لم يعرفها، وغيره قد عرفها، والذي يعلم حجة على الذي لا يعلم. ب- أن إجماع الصحابة منعقد قبل خلاف الحسن، قال ابن المنذر: (ولم يزل أصحاب النبي ﷺ يبارزون في عصر النبي ﷺ وبعده، ولم ينكر ذلك منكر، فكان ذلك إجماعًا) (٣). ٢ - أن الإجماع غير متحقق على اشتراط إذن الإمام في المبارزة، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه أعلم. [٥٤/ ٣٣] عدم جواز تأخير الصلاة لأجل القتال: • المراد بالمسألة: بيان أنه إذا دارت رحى المعركة، واستمر القتال، ثم حضر وقت الصلاة، فإن للمقاتلين أن يستمروا في القتال، ولا يلزمهم ترك القتال لأجل الصلاة، بل يجب أن يصلوا حسب حالهم، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول -في معرض إيضاحه أن الحركة الكثيرة في صلاة الخوف معفوٌّ عنها: (ولأنه لا يخلو عند الحاجة إلى العمل الكثير من أجل ثلاثة أمور: إما تأخير الصلاة عن وقتها ولا خلاف بيننا في تحريمه، أو ترك القتال وفيه هلاكه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وأجمع المسلمون على أنه لا يلزمه هذا، أو متابعة العمل للمتنازع فيه وهو جائز بالإجماع، فتعين فعله وصحة الصلاة معه) (٤).

стр. 3953

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. • وجه الدلالة: أن في ترك القتال -والقتال قائم مع الأعداء تعريض- للنفس للهلاك، وعليه فإن المسلم يصلي حسب حاله ولو إيماءً، ولا يخرج الصلاة عن وقتها، وهو مع ذلك متحفز للقتال. ٢ - ما رواه عبد اللَّه بن أنيس ﵁ قال: "بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: "اذهب فاقتله"، قال: فرأيته وحضرَتْ صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد" (٥) (٦). • وجه الدلالة: حيث أقر النبي ﷺ عبد اللَّه بن أنيس حين صلى صلاة الخوف وهو طالب للعدو، ولم يؤخر الصلاة، ولم يأمره بترك الطلب والتشاغل بالصلاة. ٣ - ولأنه مكلف تصح طهارته فلم يجز له إخلاء وقت الصلاة عن فعلها، كالمريض (٧). • الخلاف في المسألة: خالف بعض الفقهاء فقالوا: يجوز تأخير الصلاة عن وقتها في حالة التحام القتال، والاشتغال بالضرب والطعن والكر والفر، حتى ينكشف القتال. قال بهذا الحنفية (٨) وبعض المالكية (٩) وهو قول عند الشافعية (١٠) رواية عند

стр. 3954

الحنابلة (١). واستدلوا بما رواه جابر ﵁: "أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول اللَّه، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب، قال ﷺ "وأنا واللَّه ما صليتها بعد" قال: فنزل إلى بطحان (٢) فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" (٣). • وجه الدلالة من الحديث: أنها لو جازت الصلاة مع القتال لما أخرها رسول اللَّه ﷺ (٤). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على عدم جواز تأخير الصلاة لأجل القتال، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٥٥/ ٣٤] مشروعية صلاة الخوف في الحرب: • تعريف صلاة الخوف: صلاة الخوف هي: الصّلاة المكتوبة يحضر وقتها، والمسلمون في مقاتلة العدوِّ، أو في حراستهم (٥). • المراد بالمسألة: بيان أن للمسلم حال الحرب، حينما لا يتمكن من أداء الصلاة على الوجه التام، أن يصلي الصلاة وفق الصفة الواردة عن النبي ﷺ في مثل هذا الموطن، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو العباس المنصوري (نحو ٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن للمرء أن يقصر إذا خاف من العدو) نقله عنه ابن القطان الفاسي (٦). والتميمي (٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن من خاف من عسكر العدو أن يصلي صلاة الخوف، وإن اختلفوا في كيفية صلاته لذلك، إلا أبا يوسف فإنه قال في إحدى روايتين عنه: لا يجوز أن يصلي صلاة الخوف بعد رسول اللَّه ﷺ ) (٧).

стр. 3955

وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على تأثير الخوف في كيفية الصلاة وصفتها دون ركعاتها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] (١). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأيضا فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على صلاة الخوف) (٢). والموصلي (٦٨٣ هـ) حيث يقول: (أن الصحابة صلوها بطبرستان وهم متوافرون من غير نكير من أحد منهم فكان إجماعا) (٣). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن صلاة الخوف ثابتة الحكم بعد موت النبي ﷺ وحكي عن المزني أنه قال: هي منسوخة) (٤). وابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث يقول: (وأجمع الصحابة على فعلها) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] • ووجه الدلالة من الآية: أن صلاة الخوف ثابتة في حق النبي ﷺ ، وما ثبت في حقه ثبت في حق أمته ما لم يقم دليل على اختصاصه به (١١). ٢ - أن النبي ﷺ صلاها بأصحابه، فعن سهل بن أبي ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ صلى بأصحابه في الخوف فصفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة ثم قام فلم

стр. 3956

يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم" (١). ٣ - وقال ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). • وجه الدلالة: أن هذا عام في صلاة الخوف وغيرها، وقد أمر بالصلاة فلزم أتباعه. ٤ - إجماع الصحابة على فعلها بعد الرسول ﷺ (٣)، وقد نقل إجماع الصحابة غير واحد من العلماء. قال في "المبدع": (وأجمع الصحابة على فعلها) (٤)، وقال في "الاختيار": (إن الصحابة صلوها بعد الرسول ﷺ ولم ينكر أحد عليهم فكان إجماعًا) (٥). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه، وحُكي عن المزني صاحب الشافعي فقالوا: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي ﷺ بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين، يصلي واحد منهما بطائفة ركعتين، ثم يصلي الآخر بطائفة أخرى وهي الحارسة ركعتين أيضا، وتحرس التي قد صلت (٦). فذهب أبو يوسف إلى أن صلاة الخوف مختصة بزمن النبي ﷺ ، واحتج بأمرين: ١ - بدليل الخطاب المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ ومفهوم الخطاب أنه إذا لم يكن فيهم، فالخكم غير هذا الحكم. ٢ - وبأن التغيير الذي يحدث في هذه الصلاة ينجبر بفعلها مع رسول اللَّه ﷺ ؛ لينال كل فريق منهم فضيلة الصلاة خلفه ﷺ ، وقد ارتفع هذا المعنى بعده (٧). وذهب المزني إلى القول بأن صلاة الخوف كانت مشروعة ثم نسخت.

стр. 3957

واحتج بأن الرسول ﷺ قد فاتته صلوات يوم الخندق، ولو كانت صلاة الخوف جائزة لفعلها، ولم يُفوِّت الصلاة (١). النتيجة: صحة الإجماع وتحققه، وخلاف أبي يوسف والمزني لا يقدح فيه؛ لأنه خلاف شاذ (٢)، وقع بعد انعقاد إجماع الصحابة ﵃، قال الموصلي الحنفي في "الاختيار": (وجوابه أن الصحابة صلوها بطبرستان (٣) وهم متوافرون من غير نكير من أحد منهم فكان إجماعًا) (٤)، واللَّه تعالى أعلم. [٥٦/ ٣٥] قصر ركعات صلاة الخوف: • المراد بالمسألة: بيان أن عدد ركعات صلاة الخوف لا ينتقص بسبب الخوف، فيصلي الإمام بهم ركعتين، إن كانوا مسافرين وأرادوا قصر الصلاة، أو كانت الصلاة من ذوات ركعتين، كصلاة الفجر، أو الجمعة، ويصلي بهم ثلاثا أو أربعا إن كانت الصلاة من ذوات الثلاث أو الأربع وكانوا مقيمين، أو مسافرين أرادوا الإتمام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو الحكم البلوطي (٣٥٥ هـ) حيث يقول: (والعلماء مجتمعون أن من صلى صلاة الخوف ركعتين أنه قد أدى فرضه)، نقله عنه ابن القطان الفاسي (٥). وابن القصار (٣٩٨ هـ) حيث يقول: (وأعداد الركعات: أربع في الحضر، وركعتان في السفر للإمام والمأمومين، وهو مذهب جميع الفقهاء والصحابة ﵃)، نقله عنه ابن القطان الفاسي (٦). والوزير ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن صلاة الخوف في الحضر أربع ركعات غير مقصورة، وفي السفر ركعتان إذا كانت رباعية، وغير الرباعية على عددها لا يختلف حكمها حضرًا ولا سفرًا ولا خوفًا) (٧).

стр. 3958

والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أنها في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتان) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك جمهور الفقهاء من: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). قال البغوي: (وذهب أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم إلى أن الخوف لا ينقص من العدد شيئا) (٦). • مستند الإجماع: أن العبادة مبناها التوقُّف على الدليل، ولم يرد في الشرع ما يدل على قصر الصلاة في الخوف؛ فلذا لا يجوز قصر الصلاة إلا فيما ورد وهو السفر. • الخلاف في المسألة: ذهب ابن عباس ﵄ إلى أن صلاة الخوف ركعة لكل طائفة، وركعتان للإمام. وبه قال: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري ﵃، والحسن البصري، وطاوس ومجاهد والضحاك وقتادة وإسحاق بن راهويه، وقيده بعضهم بكثرة الخوف (٧)، وهو مذهب الظاهرية (٨). واستدلوا بما ورد عن ابن عباس قال: "فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة" (٩). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على عدم القصر لمجرد الخوف؛ لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٥٧/ ٣٦] مشروعية الدعاء على الكفار: • المراد بالمسألة: بيان أن الدعاء على الكفار مشروع، وعند لقاء العدو الحاجة ماسة إلى الدعاء واستنصار اللَّه على الأعداء، وقد نُقل الإجماع على ذلك.

стр. 3959

• من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في الدعاء على الكفرة" (١). وأبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم)، نقله عنه الحافظ العراقي (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ : "كان إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" (٧). ٢ - وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: حبس المشركون رسول اللَّه ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ اللَّه أجوافهم وقبورهم نارًا". أو قال: "حشا اللَّه أجوافهم وقبورهم نارًا" (٨). النتيجة: أن الإجماع متحقق على مشروعية الدعاء على الكفار؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٥٨/ ٣٧] جواز لبس الحرير للرجال للضرورة عند القتال: • المراد بالمسألة: بيان حكم لبس الحرير عند القتال للضرورة، بألَّا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية، نُقل الإجماع على جواز اللبس للضرورة.

стр. 3960

• من نقل الإجماع: شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين وذلك بألَّا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: عدد من السلف (٢) وهو قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وأبي يوسف من الحنفية (٦). قال ابن الماجشون: (وقد أجازه غير واحدٍ من الصحابة والتابعين، قال: وإنما أُجيزَ لما فيه من المباهاة والإرهاب على العدو؛ لما يقي عند القتال من النَّبل وغيره من السلاح) (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أنس، أن النبي ﷺ رخَّصَ لعبد الرحمن بن عوف، والزبير ﵄، في قميص من حريرٍ من حكَّةٍ كانت بهما (٨)، وفي رواية (٩): فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة. • وجه الدلالة: حيث قاسوا لبس الحرير في الحرب على الرُّخصةِ في حديث أنس في لبسه للحكة، بِعلَّةِ أنه يَدْفَعُ من ضرر الغزو، إما بالإرهاب، وإما بكونه من السِّلاح مما هو أشدُّ من ضرر الحكَّة (١٠).
следующие страницы →