← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم" (١). ٣ - وقال ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). • وجه الدلالة: أن هذا عام في صلاة الخوف وغيرها، وقد أمر بالصلاة فلزم أتباعه. ٤ - إجماع الصحابة على فعلها بعد الرسول ﷺ (٣)، وقد نقل إجماع الصحابة غير واحد من العلماء. قال في "المبدع": (وأجمع الصحابة على فعلها) (٤)، وقال في "الاختيار": (إن الصحابة صلوها بعد الرسول ﷺ ولم ينكر أحد عليهم فكان إجماعًا) (٥). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه، وحُكي عن المزني صاحب الشافعي فقالوا: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي ﷺ بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين، يصلي واحد منهما بطائفة ركعتين، ثم يصلي الآخر بطائفة أخرى وهي الحارسة ركعتين أيضا، وتحرس التي قد صلت (٦). فذهب أبو يوسف إلى أن صلاة الخوف مختصة بزمن النبي ﷺ ، واحتج بأمرين: ١ - بدليل الخطاب المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ ومفهوم الخطاب أنه إذا لم يكن فيهم، فالخكم غير هذا الحكم. ٢ - وبأن التغيير الذي يحدث في هذه الصلاة ينجبر بفعلها مع رسول اللَّه ﷺ ؛ لينال كل فريق منهم فضيلة الصلاة خلفه ﷺ ، وقد ارتفع هذا المعنى بعده (٧). وذهب المزني إلى القول بأن صلاة الخوف كانت مشروعة ثم نسخت.

стр. 3957

واحتج بأن الرسول ﷺ قد فاتته صلوات يوم الخندق، ولو كانت صلاة الخوف جائزة لفعلها، ولم يُفوِّت الصلاة (١). النتيجة: صحة الإجماع وتحققه، وخلاف أبي يوسف والمزني لا يقدح فيه؛ لأنه خلاف شاذ (٢)، وقع بعد انعقاد إجماع الصحابة ﵃، قال الموصلي الحنفي في "الاختيار": (وجوابه أن الصحابة صلوها بطبرستان (٣) وهم متوافرون من غير نكير من أحد منهم فكان إجماعًا) (٤)، واللَّه تعالى أعلم. [٥٦/ ٣٥] قصر ركعات صلاة الخوف: • المراد بالمسألة: بيان أن عدد ركعات صلاة الخوف لا ينتقص بسبب الخوف، فيصلي الإمام بهم ركعتين، إن كانوا مسافرين وأرادوا قصر الصلاة، أو كانت الصلاة من ذوات ركعتين، كصلاة الفجر، أو الجمعة، ويصلي بهم ثلاثا أو أربعا إن كانت الصلاة من ذوات الثلاث أو الأربع وكانوا مقيمين، أو مسافرين أرادوا الإتمام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو الحكم البلوطي (٣٥٥ هـ) حيث يقول: (والعلماء مجتمعون أن من صلى صلاة الخوف ركعتين أنه قد أدى فرضه)، نقله عنه ابن القطان الفاسي (٥). وابن القصار (٣٩٨ هـ) حيث يقول: (وأعداد الركعات: أربع في الحضر، وركعتان في السفر للإمام والمأمومين، وهو مذهب جميع الفقهاء والصحابة ﵃)، نقله عنه ابن القطان الفاسي (٦). والوزير ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن صلاة الخوف في الحضر أربع ركعات غير مقصورة، وفي السفر ركعتان إذا كانت رباعية، وغير الرباعية على عددها لا يختلف حكمها حضرًا ولا سفرًا ولا خوفًا) (٧).

стр. 3958

والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أنها في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتان) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك جمهور الفقهاء من: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). قال البغوي: (وذهب أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم إلى أن الخوف لا ينقص من العدد شيئا) (٦). • مستند الإجماع: أن العبادة مبناها التوقُّف على الدليل، ولم يرد في الشرع ما يدل على قصر الصلاة في الخوف؛ فلذا لا يجوز قصر الصلاة إلا فيما ورد وهو السفر. • الخلاف في المسألة: ذهب ابن عباس ﵄ إلى أن صلاة الخوف ركعة لكل طائفة، وركعتان للإمام. وبه قال: جابر بن عبد اللَّه، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري ﵃، والحسن البصري، وطاوس ومجاهد والضحاك وقتادة وإسحاق بن راهويه، وقيده بعضهم بكثرة الخوف (٧)، وهو مذهب الظاهرية (٨). واستدلوا بما ورد عن ابن عباس قال: "فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة" (٩). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على عدم القصر لمجرد الخوف؛ لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٥٧/ ٣٦] مشروعية الدعاء على الكفار: • المراد بالمسألة: بيان أن الدعاء على الكفار مشروع، وعند لقاء العدو الحاجة ماسة إلى الدعاء واستنصار اللَّه على الأعداء، وقد نُقل الإجماع على ذلك.

стр. 3959

• من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في الدعاء على الكفرة" (١). وأبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم)، نقله عنه الحافظ العراقي (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ : "كان إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" (٧). ٢ - وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: حبس المشركون رسول اللَّه ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ اللَّه أجوافهم وقبورهم نارًا". أو قال: "حشا اللَّه أجوافهم وقبورهم نارًا" (٨). النتيجة: أن الإجماع متحقق على مشروعية الدعاء على الكفار؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٥٨/ ٣٧] جواز لبس الحرير للرجال للضرورة عند القتال: • المراد بالمسألة: بيان حكم لبس الحرير عند القتال للضرورة، بألَّا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية، نُقل الإجماع على جواز اللبس للضرورة.

стр. 3960

• من نقل الإجماع: شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين وذلك بألَّا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: عدد من السلف (٢) وهو قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وأبي يوسف من الحنفية (٦). قال ابن الماجشون: (وقد أجازه غير واحدٍ من الصحابة والتابعين، قال: وإنما أُجيزَ لما فيه من المباهاة والإرهاب على العدو؛ لما يقي عند القتال من النَّبل وغيره من السلاح) (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أنس، أن النبي ﷺ رخَّصَ لعبد الرحمن بن عوف، والزبير ﵄، في قميص من حريرٍ من حكَّةٍ كانت بهما (٨)، وفي رواية (٩): فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة. • وجه الدلالة: حيث قاسوا لبس الحرير في الحرب على الرُّخصةِ في حديث أنس في لبسه للحكة، بِعلَّةِ أنه يَدْفَعُ من ضرر الغزو، إما بالإرهاب، وإما بكونه من السِّلاح مما هو أشدُّ من ضرر الحكَّة (١٠).

стр. 3961

٢ - قياسهم موطنَ الحرب للضرورة إلى المباهاة والإرهاب. ٣ - ولأن فيه قوةً، ودفعًا للسهام ونحوها، كما قال عطاء في الديباج (١): (إنه في الحرب سلاح) (٢). • الخلاف في المسألة: وذهب بعفن أهل العلم إلى عدم جواز لبس الحرير في الحرب وغيره. ومِمَّن منع من ذلك: عمر بن الخطاب (٣)، ورُوي مثله عن عكرمة، وابن سيرين (٤)، وهو مذهب الحنفية (٥)، والمشهور عن مالك (٦). وتمسكوا بعموم الحديث الوارد في تحريم الحرير على الرجال، وهو ما جاء عن أبي موسى الأشعري أن رسول اللَّه ﷺ قال: "حُرِّم لباسُ الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأُحِل لإناثهم" (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على جواز لبس الحرير للرجال في الحرب، لوجود الخلاف المعتبر بين العلماء، واللَّه تعالى أعلم. [٥٩/ ٣٧] قتيل المعركة من المسلمين شهيد: • تعريف الشهيد: الشهيد في اللغة: فَعِيل بمعنى مَفْعُول، سُمِّي به؛ لأنه مشهود له بالجنة بالنص، أو لأن الملائكة يشهدون موته إكرامًا له، أو بمعنى: فاعل؛ لأنه حي عند اللَّه تعالى حاضر، وجمعه: شهداء وأشهاد (٨).

стр. 3962

• والشهيد في اصطلاح الفقهاء: من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال (١). • المراد بالمسألة: أن من وجد من المسلمين مقتولًا في أرض المعركة مع الكفار سواء قتله الكفار، أو قتله المسلمون خطأً، أو وطأته الدواب فإنه يُعد شهيدًا في الأحكام الدنيوية، فتجري عليه أحكام الشهيد فلا يُغسَّل، ولا يُكفن ولا يُصلَّى عليه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: (والشهيد من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال. . ولا خلاف أن من أصابه في القتال سلاح مسلم، أو وطأته دواب المسلمين فمات، فهو شهيد) (٢). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن الشهيد وهو من مات في قتال الكفار لا يُغسَّل) (٣). والشوكاني (١٢٥٥ هـ) حيث يقول: (فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، وخرج بقوله: (في المعركة) من جرح في المعركة وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج بحرب الكفار من مات في قتال المسلمين كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من يسمى شهيدًا بسبب غير السبب المذكور، ولا خلاف أن من جمع هذه القيود شهيد) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩).

стр. 3963

• مستند الإجماع: عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما تعدون الشهيد فيكم؟ " قالوا: يا رسول اللَّه، من قتل فى سبيل اللَّه فهو شهيد. قال: "إن شهداء أمتي إذا لقليل". قالوا: فمن هم يا رسول اللَّه؟ قال: "من قتل فى سبيل اللَّه فهو شهيد، ومن مات فى سبيل اللَّه فهو شهيد" (١). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث صراحةً على أن من قتل من المجاهدين في سبيل اللَّه فهو شهيد. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن المقتول من المسلمين في المعركة مع الكفار شهيد تجري عليه أحكام الشهداء في الدنيا، ويرجى له ثوابهم ومنازلهم في الآخرة، ولم يُخالف في هذا أحد فيما أعلم. [٦٠/ ٣٩] شهيد المعركة لا يُغسَّل: • المراد بالمسألة: بيان أن المسلم الذي يقتله المشركون في أرض المعركة لا يُغسَّل، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: البغوي (٥١٠ هـ) حيث يقول: (اتفق العلماء على أن الشهيد المقتول في معركة الكفار لا يغسل) (٢). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وقد أجمعوا -إلا من شذ عنهم- بأن قتيل الكفار في المعترك إذا مات من وقته قبل أن يأكل ويشرب أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، فكان مستثنى من السنة المجتمع عليها بالسنة المجتمع عليها، ومن عداهم فحكمه الغسل والصلاة) (٣)، وقال أيضًا: (ولا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بقول سعيد بن المسيب والحسن البصري في غسل الشهداء إلا عبيد اللَّه بن الحسن العنبري، وليس ما قالوه من ذلك بشيء) (٤). والوزير ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن الشهيد المقتول في المعركة لا يغسل) (٥).

стр. 3964

وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (والشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل ولم يصل عليه -يعني: إذا مات في المعترك فإنه لا يغسل- رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا: يغسل؛ ما مات ميت إلا جنبًا، والاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه في ترك غسلهم أولى) (١). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن الشهيد -وهو من مات في قتال الكفار- لا يُغسَّل) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية" (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ "، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم" (٨). ٢ - عن الزهري أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم: "أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم، ولم يصلَّ عليهم" (٩). • وجه الدلالة: أن الحديثين صحيحان صريحان في أن شهداء أحد لم يغسلوا، ولا سيما أن جابر بن عبد اللَّه ﵁ كان حاضر المعركة، فهو يخبر بما رأى، وهكذا سائر الشهداء في ميدان المعركة مع العدو لا يغسلون.

стр. 3965

• الخلاف في المسألة: ذهب الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن الحسن العنبري إلى أنه يغسل (١). • وعللوا لقولهم بما يلي: ١ - أن الغسل سنة الموتى من بني آدم. ٢ - أن غسل الميت تطهير له؛ فإن كل ميت يجنب، فلا بد من تغسيله حتى تجوز الصلاة عليه بعد غسله (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن شهيد المعركة لا يُغسَّل؛ لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٦١/ ٤٠] شهيد العركة يُكفَّن في ثيابه: • المراد بالمسألة: بيان أن شهيد المعركة مع الكفار يُكفَّن في ثيابه التي قتل فيها، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (أما دفنه بثيابه فلا نعلم فيه خلافًا، وهو ثابت بقول النبي ﷺ : "ادفنوهم بثيابهم") (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - عن جابر ﵁ قال: "رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول اللَّه ﷺ " (٩). ٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "أمر رسول اللَّه ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد

стр. 3966

والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم" (١). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديثان على مشروعية تكفين الشهداء بثيابهم ودفنهم فيها. النتيجة: أن الإجماع متحقق على مشروعية تكفين شهداء المعارك بثيابهم التي قتلوا وهم يرتدونها؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم (٢). [٦٢/ ٤١] شهيد المعركة لا يُصلَّى عليه: • المراد بالمسألة: بيان أن المجاهد إذا قتل في المعركة مع الكفار لا يُصلَّى عليه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وقد أجمعوا -إلا من شذ عنهم- بأن قتيل الكفار في المعترك إذا مات من وقته قبل أن يأكل ويشرب أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، فكان مستثنى من السنة المجتمع عليها بالسنة المجتمع عليها، ومن عداهم فحكمه الغسل والصلاة) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (٤)، والشافعية على الصحيح (٥)، والحنابلة على أصح الروايات (٦). • مستند الإجماع: ١ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: "أيهم كثر أخذًا للقرآن؟ " فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في

стр. 3967

دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم" (١). ٢ - ولأنه لا يغسل مع إمكان غسله فلم يصل عليه كسائر من لم يغسل (٢). • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك: الحنفية (٣)، وقول عند الشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). وقالوا: أنه يصلى عليه. واستدلوا بما يأتي: ١ - عن عقبة: "أن النبي ﷺ خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر" (٦). ٢ - وعن ابن عباس: "أن النبي ﷺ صلَّى على قتلى أحد" (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الشهيد في المعركة لا يُصلَّى عليه؛ لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٦٣/ ٤٢] تضمن القتلى من شهداء المسلمين من الكفار إذا أسلموا: • المراد بالمسألة: بيان أن الكافر الحربي إذا قتل مسلمًا، ثم أسلم بعد ذلك، فإنه لا يُقتل ولا يُقتص منه، ولا ضمان عليه، لما أصاب من دماء قبل إسلامه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث يقول: (قال أبو ثور: ولا أعلم خلافًا بين العلماء فى مشركين لو ظهر عليهم وقد قتلوا وأخذوا الأموال، فلما صاروا في أيدي المسلمين وهم على حالهم تلك أسلموا قبل أن يحكم عليهم بشيء أنهم لا يحل قتلهم) (٨). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله

стр. 3968

في حال كفره في دار الحرب) (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦) [الأنفال: ٣٨]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أن الكافر إذا أسلم، يغفر له ما ارتكبه وأجرمه قبل الإِسلام. ٢ - ولما تواتر من فعله ﷺ والصحابة من بعده من عدم القصاص ممن أسلم؛ كوحشي قاتل حمزة (٧). ٣ - ولأن الكافر الحربي حال كفره غير ملتزم لأحكام الإِسلام، فلا يجب عليه القصاص، وإن كان مهدر الدم لكفره، وعلى ذلك فلو قتل حربي مسلمًا لم يقتل به قصاصًا، ويقتل لإهدار دمه، فإذا أسلم سقط القتل والقصاص. أما القتل فلإسلامه، وأما القصاص فلكونه لم يكن ملتزمًا أحكام الإِسلام حال قتله للمسلم. • الخلاف في المسألة: يرى بعض فقهاء الشافعية كأبي إسحاق الإسفراييني ويُعزى إلى المزني: أن الحربي إذا أسلم يلزمه ضمان النفوس والأموال. وعللوا قولهم: لأن الكافر مخاطب بفروع الشريعة (٨). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الكافر إذا أسلم لا يضمن ما قتل قبل

стр. 3969

إسلامه؛ لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٦٤/ ٤٣] من أتى حدًّا من الغزاة: لا يُقام عليه الحد في الغزو: • المراد بالمسألة: إذا وقع المسلم المقاتل في ما يوجب حدًّا من الحدود أو القصاص، وهو في أرض الحرب، أو هم قد قاربوا العدو، فإنه لا يقام عليه الحد أو القصاص حتى يرجع إلى بلاد الإِسلام. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وجملته أن من أتى حدًّا من الغزاة أو ما يوجب قصاصًا في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه حده. . . ولأنه إجماع الصحابة ﵃. . . وهذا اتفاق لم يظهر خلافه) (١). ونقله مقرًّا له ابن القيم (٧٥١ هـ) في "إعلام الموقعين" وقال: (بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب) (٢)، وابن مفلح (٨٨٤ هـ) في "المبدع" وقال: (وهو إجماع الصحابة) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: إسحاق بن راهويه وفقهاء الحنابلة والأوزاعي في حد القطع (٤). • مستند الإجماع: حديث بسر بن أرطاة، وفيه يقول ﷺ : "لا تقطع الأيدي في الغزو". وفي لفظ آخر: "لا تقطع الأيدي في السفر" (٥). • وجه الدلالة: أن الحديث ظاهر الدلالة في النهي عن إقامة حد القطع في الغزو، ويقاس عليه غيره من الحدود، كما فهم ذلك ابن القيم ﵀ فقال: (إن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو؛ لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم) (٦). ٢ - بما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى مسألة: "ألَّا يجلدَنَّ أميرَ جيشٍ

стр. 3970

أو سريةٍ ولا رجلًا من المسلمين حدًّا، وهو غازٍ، حتى يقطع الدرب قافلا؛ لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار" (١). وجه الدلالة من هذا الأثر على تأخير الحد حتى الرجوع إلى دار الإِسلام ظاهرة؛ لنهيه ﵁ عن إقامة الحد على الغزاة إلا إذا قطع الدرب راجعًا إلى دار الإِسلام، مبينًا ﵁ علة التأخير بقوله: لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار. ٣ - وبما روى علقمة أنه قال: (كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان ﵁ وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم) (٢). ٤ - روي أنه أُتي سعد بن أبي وقاص بأبي محجن يوم القادسية، وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد، ولم يضربه الحد (٣). ٥ - وقالوا: لا يقام الحد في دار الحرب خشية أن يلحق المحدود بدار الكفر، ويحمله الغضب على الدخول في الكفر (٤). • الخلاف في المسألة: وفي المسألة قولان آخران أشار إليهما ابن هبيرة في قوله: (واختلفوا هل تثبت الحدود في دار الحرب على من وجدت منه أسبابها؟ . . . ثم اختلف موجبو الحد على من أتى سببه في دار الحرب في استيفائه. فقال مالك والشافعي: يستوفى في دار الحرب، وقال أحمد: لا يستوفى في دار الحرب حتى يرجع إلى دار الإِسلام. وقال أبو حنيفة: إن كان في دار الحرب إمام مع جيش من المسلمين أقام عليهم الحدود في عسكره قبل القفول، فإن كان أمير سريه لم يقم الحدود. .) (٥). واستدل من قال باستيفاء الحدود في دار الحرب: بعموم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على وجوب إقامة الحدود على مرتكبيها من غير فرق بين مكان وزمان، ومن غير فرق بين دار إسلام وحرب (٦).

стр. 3971

واستدل الأحناف القائلين بأن الحدود لا تقام في دار الحرب إلا في حال وجود خليفة المسلمين دون أمير السرية ونحوه، وإلا سقط الحد بمجرد رجوعه لبلاد المسلمين. استدلوا: بالأحاديث التي سبقت ومنها: "لا تقام الحدود في الغزو" (١). ووجه استدلالهم: أن النبي ﷺ نهى عن إقامة الحدود في دار الحرب، ولم يرد ﷺ حقيقة عدم الإقامة حسًّا؛ لأن كل واحد يعرف أنه لا يمكن إقامة الحد في دار الحرب لانقطاع ولاية الإمام عنها، فكان المراد بعدم الإقامة عدم وجوب الحد (٢). ومما يجدر التنبه إليه: أن فقهاء الحنفية ﵏ لا يعنون بقولهم هذا: أن المحظور قد أصبح حلالًا، كلا، بل الكلام منصبٌ فقط على توقيع العقوبة عليه أو عدم توقيعها. فهم يقولون: لا يؤخذ بذلك قضاءً؛ لانعدام الولاية على مكان ارتكاب الجريمة (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود الخلاف المعتبر بين أصحاب المذاهب الفقهية، واللَّه تعالى أعلم. [٦٥/ ٤٤] إقامة الحدود في الثغور: • تعريف الثغور: الثغور: جمع ثغر، والثغر الموضع الذي يكون حدًا فاصلًا بين بلاد المسلمين والكفار، وهو موضع المخافة من أَطراف البلاد (٤). • المراد بالمسألة: إذا وقع مسلم في موجب حد من الحدود، وهو في أحد ثغور المسلمين، فإنه يقام عليه الحد، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وتقام الحدود في الثغور، بغير خلاف نعلمه) (٥). وحكاه بنحوه ابن مفلح (٨٨٤ هـ) في المبدع (٦).

стр. 3972

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: "أن عمر كتب إلى أبي عبيدة ﵄: أن يجلد من شرب الخمر ثمانين، وهو بالشام، وهي من الثغور، بإزاء العدو" (٥). • وجه الدلالة: أن هذا الأثر من الخليفة الراشد الفاروق دليل صريح على وجوب إقامة الحدود في الثغور. ولأن الثغور من بلاد الإِسلام، والحاجة داعية إلى زجر مرتكب موجب الحد من أهلها، كالحاجة إلى زجر غيرهم من أهل بقية بلاد الإِسلام. النتيجة: أن الإجماع متحقق على وجوب إقامة الحدود في الثغور؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٦٦/ ٤٥] تحريم الفرار من المعركة: • المراد بالمسألة: إذا التقى جيش المسلمين مع جيش الكافرين، وكان الكفار مثلي المسلمين فأقل فإنه لا يجوز الفرار منهم، ولا التولي عنهم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن الطائفة من المسلمين، أو الجيش منهم، إذا لقوا عدوًّا مثلهم أو أكثر منهم، وكان المسلمون مستعلين على المشركين: أن حرام عليهم أن يولوا عنهم) (٦). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أنه إذا التقى الزحفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات وحرم عليهم الانصراف والفرار إذ قد تعين عليهم، إلا أن يكون مُتَحرِّفا لقتال أو متحيزًا إلى فئة، أو يكون الواحد مع ثلاثة أو المائة مع ثلثمائة؛ فإنه أبيح لهم الفرار، ولهم الثبات لا سيما مع غلبة ظنهم بالظهور) (٧)، وبمثل ألفاظه

стр. 3973

حكاه الدمشقي في "رحمة الأمة" (١). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم فهم الضِّعْف وذلك مجمع عليه) (٢). وابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فاتفق أهل العلم، ومن يعتد برأيهم، على أن الثبوت إذا كان المشركون ضعف المسلمين فأقل: واجب، والفرار عنهم حرام، أو معصية، وكبيرة من جملة الكبائر) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال: ١٥]، وقوله جل ذكره: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الأولى على تحريم الفرار من الزحف، ثم قيَّدت الآية الثانية هذا التحريم إذا لم يكن العدو أكثر من الضِّعْف، أما إذا كان أكثر من الضعف فيجوز (٦). ٢ - عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: يا رسول اللَّه، وما هن؟ قال -فذكر منهن- "والتولي يوم الزحف" (٧). • وجه الدلالة: أن الحديث صريح في أن التولي والفرار عند التقاء الزحف كبيرة من كبائر الذنوب. ٣ - ومن الأثر ما جاء عن ابن عباس أنه قال: "إن فر رجل من رجلين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فلم يفر" (٨). قال الجصاص: (يعني بقوله "فقد فر" الفرار من الزحف المراد بالآية) (٩).

стр. 3974

• الخلاف في المسألة: وخالف بعض الفقهاء على أقوال منها: • القول الأول: ويروى عن الحسن والضحاك ومقاتل أن تحريم الفرار خاص لأهل بدر دون غيرهم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، فظنوا: أن ذلك إشارة إلى يوم بدر. ويرى جماهير أهل العلم أن ذلك إشارة إلى يوم الزحف (١). • القول الثاني: ذهب الظاهرية إلى تحريم الفرار مطلقًا وإن أكثر الكفار. قال ابن حزم: (لا يحل للمسلم الفرار أمام المشركين، وإن كثروا، إلا أن ينوي التحيز إلى جماعة من المسلمين، إن رجا إدراك تلك الجماعة، قبل أن يلحقه الكفار، أو ينوي بانحرافه الكر لقتالهم، وإلا فهو عاص للَّه (٢). واستند: إلى عموم آية النهي عن التولي عند الزحف، وإطلاق الوعيد كذلك على من ولَّى عمومًا، من أي عدد كان. • القول الثالث: ذهب الحنفية وبعض المالكية إلى أن العبرة بقدرة المسلمين على مقاومة العدو، فإن كانت القدرة متوفرة لم يجز لهم الفرار، ولا الانحياز مهما بلغ عدد المسلمين من القلة، وعدد الكفار من الكثرة. وإن بلغ المسلمون اثني عشر ألفًا لم يجز لهم الفرار مهما بلغ عدد الكفرة (٣). • ومما استندوا إليه ما يأتي: ١ - أن العبرة بالضعف الجائز الفرار منهم القوة لا العدد. ٢ - ما ورد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" (٤). النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق على أن الثبوت إذا كان المشركون ضعف المسلمين فأقل: واجب، والفرار عنهم حرام، أو معصية، وكبيرة من جملة الكبائر. وأما خلاف الحسن والضحاك فجوابه من وجهين:

стр. 3975

أنه خلاف شاذ لا يقدح في الإجماع، كما نص على ذلك ابن العربي (١). أن الرواية عن الحسن والضحاك لا تفيد عدم وجوب الثبات في غير بدر، وإنما تفيد أن الفرار في غير بدر ليس من الكبائر (٢)، وهذا يعني أنه حرام فقط، وما دام كذلك فيجب الثبات في غير بدر ويحرم الفرار فيلتقي مع رأي الجمهور فلا يقدح في الإجماع. ٢ - أن الإجماع غير متحقق على تحديد الضعف بالعدد، حيث خالف الحنفية والمالكية وقالوا: العبرة بالقوة لا بالعدد، وأما ابن حزم: فيرى وجوب الثبات مهما كان العدد وإن زاد عدد المشركين على الضِّعْف، إلا أن ينوي بالفرار التحيز إلى فئة، أو الكرة إلى القتال. [٦٧/ ٤٦] إذا علم المسلمون أو غلب عليهم أنهم مقتولون وأنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو، فلهم أن يفروا: • المراد بالمسألة: في حالة كون الكفار أكثر من ضعف المسلمين، وعلم المسلمون أو غلب على ظنهم أنهم هالكون، أو لا نكاية لهم في العدو، ولا مصلحة للمسلمين، فقد نقل في المسألة إجماعان: أحدهما: التخيير في الفرار وأنه لا يلزم، والآخر: يوجب الفرار. • من نقل الإجماع: العمراني (٥٥٨ هـ) حيث يقول: (ومن تعيَّن عليه الجهاد وغلب على ظنه أنه إن لم يفر هلك، فلا خلاف أنه لا يلزمه الفرار؛ لأن التغرير بالنفس جائز في الجهاد) (٣). وابن جزي (٧٤١ هـ) حيث يقول: (وإن علم المسلمون أنهم مقتولون فالانصراف أولى، وإن علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو وجب الفرار، وقال أبو المعالي: لا خلاف في ذلك) (٤). • أ - الموافقون للإجماع: الموافقون على التخيير بين الفرار أو الثبات: الحنفية (٥)،

стр. 3976

وبعض المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • ب- الموافقون على وجوب الفرار: المالكية (٤)، ووجه للشافعية (٥). • مستند الإجماع: مستند القائلين بالتخيير بين الثبات والفرار: أن التغرير بالنفس وتعريضها للهلاك الجهاد طلبًا للفوز بالشهادة جائز. مستند القائلين بوجوب الفرار: أن فيه تغريرًا بالنفس لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. • الخلاف في المسألة: للإمام ابن حزم رأي بوجوب الثبات وأنه لا يحل لمسلم أن يفر عن مشرك ولا مشركين ولو أكثر عددهم، إلا أن ينوي التحيُّز إلى جماعة من المسلمين إن رجا البلوغ إليهم، أو أن ينوي الكر إلى القتال. فإن لم ينو إلا الفرار فهو فاسق ما لم يتب. مستندًا إلى عموم آية النهي عن التولي عند الزحف، وإطلاق الوعيد كذلك على من تولى عمومًا، من أي عدد كان (٦). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق لا على وجوب الفرار ولا على التخيير فيه، فيما لو علم المسلمون أو غلب على ظنهم أنهم مقتولون وأنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو؛ لوجود الخلاف المعتبر الذي يخرق كلا الإجماعين، بالإضافة إلى وجود رأي قوي لابن حزم يوجب الثبات، ويحرم الفرار. واللَّه تعالى أعلم. [٦٨/ ٤٧] جواز خداع الكفار في الحرب والتمويه عليهم: • تعريف الخداع: الخداع مأخوذ من الخَدْعُ وهو: إظهار خلاف ما تُخْفيه (٧). وقد ذكر الفقهاء أمثلة وصورًا للخداع في الحرب منها:

стр. 3977

أن يكلم من يبارزه بشيء وليس الأمر كما قال، ولكنه يضمر خلاف ما يظهر له. كما فعل علي ﵁ يوم الخندق حين بارزه عمرو بن ود، قال: أليس قد ضمنت لي ألَّا تستعين علي بغيرك؟ فمن هؤلاء الذين دعوتهم؟ فالتفت كالمستبعد لذلك، فضرب على ساقيه ضربة قطع رجليه (١). • والمراد بالمسألة: بيان أن خداع الكفار في الحرب جائز (٢)، وكيف أمكن الخداع فلا بأس به، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي حيث (٦٧٦ هـ) يقول: (واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل) (٣). ولم أجد من حكى الإجماع في هذه المسألة غير النووي، إلا أن هناك جمعًا من العلماء نقلوا إجماع النووي في هذه المسألة دون أن يتعقبوه فكأنهم موافقون له، ومن هؤلاء: العراقي في كتابه "طرح التثريب" (٤). وابن حجر في كتابه "فتح الباري" (٥)، والشوكاني في كتابه "نيل الأوطار" (٦). • مستند الإجماع: قول النبي ﷺ : "الحرب خُدْعة (٧) " (٨). • وجه الدلالة: أن فيه دليلًا على أنه لا بأس للمجاهد أن يخادع قرنه في حالة القتال، وأن ذلك لا يكون غدرًا منه (٩).

стр. 3978

قال أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) ﵀: (فأما إذا قلنا: لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يُتحيل على العدو بكل حيلة وتدار عليهم كل خديعة) (١). ٢ - عن كعب مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا أراد غزوة ورى (٢) بغيرها" (٣). • وجه الدلالة: أن التورية جائزة في الحرب، وهي من الخديعة، فيدل هذا على جواز خداع الكفار في الحرب. إلا أن جواز خداع الكفار في الحرب مشروط بألا يكون فيه نقض عهد أو أمان، فإن كان فيه شيء من ذلك فهو محرم (٤)، ومستند هذا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله جل وعلا: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]، وقول النبي ﷺ : "إذا جمع اللَّه الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان" (٥). • وجه الدلالة من النصوص السابقة: أن خداع الكفار إذا كان فيه نقض عهد أو أمان، فهو غدر وخيانة، وذلك محرم في الشريعة الإِسلامية. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز خداع الكفار في الحرب ما لم يكن فيه نقض عهد أو أمان؛ فإنه يحرم، حيث لم أجد من خالف في هذه المسألة، وكذلك فإن هذا الإجماع له مستند قوي من النصوص الشرعية. واللَّه تعالى أعلم. [٦٩/ ٤٨] تحريم الغدر: • تعريف الغدر: الغدر لغة: نقض العهد وترك الوفاء به (٦). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

стр. 3979

• المراد بالمسألة: بيان أن من الغدر المحرم تأمين الحربي ثم قتله، أو أخذ العهد مع أهل الحرب على ترك القتال ثم إذا أمنوا، ووجد منهم غفلة نال منهم، وليس هذا من خداع الحرب بل هو من الغدر، وقد نُقل الإجماع على تحريمه. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال عقب حديث بريدة في تحريم الغلول والغدر والمثلة: (أجمع العلماء على القول بهذا الحديث ولم يختلفوا في شيء منه، فلا يجوز عندهم الغلول ولا الغدر ولا المثلة ولا قتل الأطفال في دار الحرب. والغدر أن يؤمن الحربي ثم يقتل وهذا لا يحل بإجماع) (١). وابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: (الغدر حرام في كل ملة لم تختلف فيه شريعة) (٢). والقاضي عياض (٦٥٦ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في تحريم الغلول، والغدر، وكراهية المثلة) (٣). وابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع المسلمون على وجوب الوفاء بعقد الأمان، وتحريم الخيانة فيه) (٤). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول -عند حديث "إذا أمَّر أميرًا على جيش": (وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها وهي تحريم الغدر. .) (٥). والصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: (وتحريم الغدر والنكث مجمع عليه) (٦)، وقال أيضًا: (وتحريم الغدر وتحريم المثلة وتحريم قتل صبيان المشركين وهذه محرمات بالإجماع) (٧). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١).

стр. 3980

• مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت على وجوب الوفاء بالعهود عمومًا، وعليه فمن أعطى العهد بالأمان وترك الحرب، ثم حارب أو قاتل فإنه ناقض للعهد، متعرض للوعيد. ٢ - عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا جمع اللَّه الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء (١)، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان" (٢). • وجه الدلالة: أنه صريح في النهي عن الغدر والخيانة، فمن أعطى الأمان ثم قتل فقد غدر. النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم الغدر والخيانة في العهد؛ حيث لم يخالف في ذلك أحد، واللَّه تعالى أعلم. [٧٠/ ٤٩] جواز صبغ المجاهد شعره بالسواد: • المراد بالمسألة: بيان الرخصة في صبغ المجاهد لشعره بالسواد؛ لما فيه من إرهاب العدو، وإظهار المجاهد بقوة الشباب، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: برهان الدين المرغيناني (٦١٦ هـ) حيث يقول كما نقل عنه ابن عابدين: (قال في الذخيرة أما الخضاب بالسواد للغزو ليكون أهيب في عين العدو فهو محمود بالاتفاق) (٣). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (ولهذا اختار النووي أن الصبغ بالسواد يكره كراهية تحريم. . . ويستثني من ذلك المجاهد اتفاقًا) (٤).

стр. 3981

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية بل هو عندهم مندوب إليه في الجهاد (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ١ - عن صهيب الخير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم" (٥). ٢ - وعن عمر بن الخطاب ﵁، "أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد، ويقول: هو تسكين للزوجة وأهيب للعدو" (٦). ٣ - ولما فيه من إدخال الرهبة في نفوس الأعداء بإظهار الشباب وما ينطوي عليه من مظهر القوة (٧). • الخلاف في المسألة: ذكر القاضي أبي يعلى في "الأحكام السلطانية" أن من العلماء من يمنع من الخضاب بالسواد في الجهاد وفي غير الجهاد (٨). وحجتهم: عموم النهي عن الصبغ بالسواد، يشمل المجاهد وغيره، فعن جابر بن عبد اللَّه قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا فقال رسول اللَّه ﷺ : "غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السَّواد" (٩). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على جواز الصبغ بالسواد للمجاهد؛ لخلاف بعض فقهاء الحنابلة في ذلك، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 3982

الفصل الثالث: مسائل الإجماع في أحكام الغنائم [٧١/ ١] الغنيمة المذكورة في القرآن الكريم هي ما كان مأخوذًا بطريق القهر: • تعريف الغنيمة: الغنيمة في اللغة: واحدة الغنائم مأخوذة من الغنم، وهو الفوز بالشيء من غير مشقة أو جهد (١). والغنيمة اصطلاحًا: هي ما أخذ المسلمون من أموال أهل الحرب عنوة، والحرب قائمة، بطريق القهر والغلبة (٢). • المراد بالمسألة: بيان أن مفهوم الغنيمة التي ذكرها اللَّه في كتابه، وأوضح قسمتها، وحدد المستحقين لها هو: ما أخذ من الكفار بطريق الغلبة والقهر، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ من شيء: مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر) (٣). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفق الأئمة على أن ما حصل في أيدي المسلمين من مال الكفار بإيجاف الخيل والركاب فهو غنيمة عينه وعروضه) (٤). والسيوطي (٨٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفق الأئمة على أن ما حصل في أيدي المسلمين من مال الكفار بإيجاف الخيل والركاب فهو غنيمة عينه وعروضه) (٥). • الموافقون للإجماع: قال به: سفيان الثوري وعطاء بن السائب (٦)، وأصحاب

стр. 3983

المذاهب الأربعة (١). • مستند الإجماع: عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال ﷺ : "من قتل قتيلًا فله كذا ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا"، وكانوا قتلوا سبعين وأسروا سبعين فجاء أبو اليسر ابن عمرو بأسيرين فقال: يا رسول اللَّه، إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا وقد جئت بأسيرين، فقام سعد فقال: يا رسول اللَّه، إنا لم يمنعنا زيادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون؛ فإنك إن تعطِ هؤلاء لا يبقَ لأصحابك شيء. قال: وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١] فسلموا الغنيمة لرسول ﷺ ، ثم نزلت ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية (٢). • وجه الدلالة: أن هذه الآية نزلت في الأموال التي ظفر بها المسلمون من المشركين يوم بدر، وإنما كان ذلك بطريق القهر والغلبة، كما لا يخفى. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الغنيمة هي ما أخذ بطريق الغلبة من أهل الحرب؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٧٢/ ٢] أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] نزل بعد قوله سبحانه: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]: • المراد بالمسألة: بيان أن الغنائم كانت في بدء الإِسلام لرسول اللَّه ﷺ يصنع بها ما يشاء، كما قال تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (لم يختلفوا أن قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ نزلت بعد قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾) (٣).

стр. 3984

ونقل القرطبي (٦٧١ هـ) إجماع ابن عبد البر السابق مقرًّا له حيث قال: (ومما يدل على صحة هذا. .) (١). • الموافقون للإجماع: هو قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والشعبي، والسدي (٢)، وعليه يجيء مذهب أكثر الفقهاء؛ لأن جمهورهم يقول: لا يجوز للإمام أن ينفل أحدًا من الغنمية شيئًا إلا من سهم النبي ﷺ ؛ لأن أربعة الأخماس قد صارت لمن شهد الحرب من الجيش. وهو قول جمهور المفسرين ومنهم ابن المنذر والقاضي عياض وابن العربي كما قال القرطبي (٣). • مستند الإجماع: ما ورد في سبب نزول الآية: فعن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال ﷺ : "من قتل قتيلًا فله كذا ومن أسر أسيرًا فله كذا"، وكانوا قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين فقال: يا رسول اللَّه، إنك وعدتنا من قتل قتيلًا فله كذا وقد جئت بأسيرين، فقام سعد فقال: يا رسول اللَّه، إنا لم يمنعنا زيادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون، فإنك إن تعطِ هؤلاء لا يبقَ لأصحابك شيء، قال: وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١]، فسلموا الغنيمة لرسول ﷺ ، ثم نزلت ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية (٤). • وجه الدلالة: أن هذا الأثر صريح في أن نزول ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ جاء متأخرًا بعد نزول ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ حيث رتب ذلك بـ (ثم) والتي تفيد الترتيب، وهذا معنى النسخ. • الخلاف في المسألة: وقد قيل: إن الآية محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول اللَّه ﷺ ، وليست مقسومة بين الغانمين وحكاه المازري عن كثير من المالكية.

стр. 3985

واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين حيث لم تقسم الغنائم بين الغانمين وقد وقعا بعد بدر. قال أبو عبيد: افتتح رسول اللَّه ﷺ مكة عنوة، ومنَّ على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئًا. ورأى بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ نسخ بقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، لوجود الخلاف المعتبر. واللَّه تعالى أعلم. [٧٣/ ٣] نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ في تشاجر أهل بدر في غنائمهم: • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء على أن قول اللَّه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر) (٢). ونقل القرطبي (٦٧١ هـ) إجماع ابن عبد البر السابق وقال: (ومما يدل على صحة هذا. .) (٣). • الموافقون للإجماع: قال بذلك: ابن عباس، وعبادة بن الصامت ﵁، وعكرمة (٤). • مستند الإجماع: عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال، فقال: فينا أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه اللَّه من أيدينا، وجعله إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقسمه رسول اللَّه ﷺ بين المسلمين (٥). • الخلاف في المسألة: جكى المفسرون الخلاف في سبب نزول هذه الآية ومن هذه الأقوال ما يأتي: • القول الأول: نزلت هذه الآية لأن بعض أصحاب رسول اللَّه سأله من المغنم شيئًا قبل قسمتها فلم يعطه إياه، إذ كان شركًا بين الجيش، فجعل اللَّه جميع ذلك لرسول اللَّه.

стр. 3986

وممن يروى عنه هذا القول: سعد بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن مالك ﵃ (١). • القول الثاني: نزلت لأن أصحاب رسول اللَّه سألوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر فأعلمهم اللَّه أن ذلك للَّه ولرسوله دونهم ليس لهم فيه شيء. وممن يروى عنه هذا القول: ابن مسعود وأصحابه ﵃ (٢). وبعد أن ساق ابن جرير الخلاف السابق قال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن اللَّه تعالى أخبر في هذه الآية عن قوم سألوا رسول اللَّه الأنفال أن يعطيهموها، فأخبرهم اللَّه أنها للَّه وأنه جعلها لرسوله. لماذا كان ذلك معناه جاز أن يكون نزولها كان من أجل اختلاف أصحاب رسول اللَّه فيها، وجائز أن يكون من أجل مسألة من سأله السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه، وجائز أن يكون من أجل مسألة من مسألة قسم ذلك بين الجيش) (٣). وبهذا يظهر أن الخلاف في ذلك هو من قبيل اختلاف التنوع المعروف في كتب التفسير، إذ إن مؤدى جميع الأقوال أن مكان وزمان النزول يوم بدر. النتيجة: أن الإجماع متحقق في نزول الآية حين معركة بدر، لعدم الخلاف المعتبر، وما ورد من أقوال فهو من قبيل اختلاف التنوع في تحديد السبب بعينه الذي نزلت من أجله الآية الكريمة، وهو لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا. واللَّه أعلم. [٧٤/ ٤] هل النفل هو الغنيمة ؟ • تعريف النفل: • النفل في اللغة: هو الغنيمة، ومنه قول الشاعر: إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن اللَّه ريثي والعجل أي: خير غنيمة، ويقال: نفل الإِمام الجند إذا جعل لهم ما غنموا، وجماع معنى النفل ما كان زيادة على الأصل (٤). • والنفل اصطلاحًا يطلق على أمرين: الأول: بمعنى الغنائم فقد سمى اللَّه

стр. 3987

الغنائم التي أوجف عليها المسلمون بخيلهم وركابهم أنفالًا. قال اللَّه : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. وسميت الغنائم أنفالاً؛ لأنها كانت حرامًا على من كان قبلنا، كانت تنزل نار فتحرقها، فأحلها اللَّه تعالى لهذه الأمة تفضلًا منه؛ ولذلك سماها أنفالاً؛ لأن أصل النافلة والنفل ما تطوع به المُعطي مما لا يجب عليه. والثاني: زيادة مال على سهم الغنيمة يشترطه الإِمام أو أمير الجيش لمن يقوم بما فيه نكاية زائدة على العدو. وكل ذلك من فضل اللَّه فلذلك سميت أنفالًا (١). • المراد بالمسألة: بيان أن الأنفال بالمعنى الاصطلاحي الأول وهو الغنائم، هو المقصود في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (النفل الغنيمة والأنفال الغنائم، هذا ما لا خلاف فيه عند العلماء ولا أهل اللغة) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: علماء اللغة وعلى رأسهم الخليل وابن الأثير وغيرهما (٣). • مستند الإجماع: أنه قول ترجمان القرآن ابن عباس؛ وهو قول غير واحد من التابعين أنها الغنائم. قال ابن عباس ﵄: (﴿الْأَنْفَالِ﴾ المغانم) (٤). • الخلاف في المسألة: وقد نازع بعض أهل العلم في ذلك فقالوا: إن الأنفال في الآية ليست هي الغنائم، على قولين: • القول الأول: أن الأنفال شيء يزاده بعض الجيش على سهمه، وأن للإمام أن ينفل من شاء من الغنيمة إذا كان في ذلك مصلحة، وممن روي عنه هذ القول -أيضًا: ابن

стр. 3988

عباس، ورجحه ابن جرير والسرخسي (١). • وحجتهم: أن التنفيل في اللغة: الزيادة. قالوا: فهذا هو الذي يسمى نفلًا على الحقيقة؛ لأنها زيادات يزادها الرجل فوق سهمه من الغنيمة، ويتأيد هذا القول بحديث عبد اللَّه بن عمر: • "أن رسول اللَّه- ﷺ بعث سرية فيها عبد اللَّه بن عمر قِبَلَ نجد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكان سهمانهم اثني عشر بعيرًا -أو: أحد عشر بعيرًا- ونفلوا بعيرًا بعيرًا" (٢). • ووجه الدلالة: أنه ذكر فيه التنفيل زيادة على القسم، فكان النفل شيئًا زائدًا على السهم من جملة الغنيمة. والقول الثاني: أن الأنفال هي الخمس خاصة؛ كان المهاجرون سألوا لمن هو؟ فأنزل اللَّه في ذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] وروي هذا القول عن مجاهد (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن معنى الأنفال هو الغنائم في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] لوجود الخلاف المعتبر بين العلماء، واللَّه تعالى أعلم. [٧٥/ ٥] تحديد وعاء الغنيمة في الأموال المنقولة التي يجوز بيعها: • المراد بالمسألة: بيان أن الغنيمة تشمل جميع ما غنمه المسلمون من أموال أهل الحرب المنقولة التي يجوز بيعها، كالفضة والذهب والسلاح والآلة والعروض

стр. 3989

والأمتعة والخيل والسبي وغير ذلك، سوى الأرضين (١)، والأسلاب، وما يأخذه المجاهدون من طعامهم أو علف دوابهم، وقد نقل الإجماع على قسمة الأموال المنقولة بين الغانمين. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (أجمعوا أن ما كان جائزًا بيعه، فجائز قسمه في المغانم) (٢). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن أموال أهل الحرب كلها مقسومة، واختلفوا في أموال الرهبان والأرضين) (٣). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (اتفقوا على أن ما حصل في أيديهم من الغنيمة من جميع الأموال عينها وعروضها سوى الأراضي فإنه يؤخذ منه الخمس) (٤). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (من صار منهم رقيقًا بضرب الرق عليه، أو فودي بمال فهو كسائر الغنيمة يخمس، ثم يقسم أربعة أخماسه بين الغانمين لا نعلم في هذا خلافًا) (٥). وأبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) حيث يقول: (ولم يختلف العلماء أن أربعة أخماس الغنيمة تقسم بين الغانمين، وأعني بالغنيمة ما عدا الأرضين فإن فيها خلافًا يذكر إن شاء اللَّه. .) (٦). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وفي هذه الأحاديث دليل لمذهب الشافعي وموافقيه أن الأرض التي تفتح عنوة تقسم بين الغانمين الذين افتتحوها، كما تقسم بينهم الغنيمة المنقولة بالإجماع) (٧).

стр. 3990

وابن جماعة (٧٣٣ هـ) حيث يقول: (إذا كسر جيش المسلمين جيش الكفار، أو فتح المسلمون بلدًا، أو حصنا عنوة، فذلك البلد وكل ما فيه من الأموال غنيمة مخمسة بلا خلاف، وكذلك كل ما أصابوه من أموالهم في المصاف، أو أخذوه بغلبة ومَنَعَةٍ في غير مصاف، غنيمة مخمسة مقسومة يجب تخميسها وقسمتها بلا خلاف) (١). والسيوطي (٨٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفق الأئمة على أن ما حصل في أيدي المسلمين من مال الكفار بإيجاف الخيل والركاب فهو غنيمة عينه وعروضه) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ١ - عموم قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. • وجه الدلالة: أن قوله سبحانه في الآية الأولى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: نكرة في سياق الشرط فتعم جميع ما يغنمه المسلمون من أموال أهل الحرب. وكذا قوله تعالى في الآية الثانية: ﴿مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ فإن (ما) اسم موصول يفيد العموم. فكان عموم الآيتين يقتضي تخميس كل شيء استولي عليه من الكفار، وقسم سائره في الغانمين؛ إلا أن يخص شيئًا من ذلك دليل فيوقف عنده. ٢ - وبعموم حديث جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي"، وذكر منها: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" (٨). ٣ - "أن النبي ﷺ قسم فداء أسرى بدر بين الغانمين" (٩). • وجه الدلالة: أن الرقيق ومال الفداء مال غنمه المسلمون فأشبه باقي مال الغنيمة

стр. 3991

مثل الخيل والسلاح ونحوها (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن جميع أموال أهل الحرب المنقولة مغنومة، إلا ما استثناه الشرع كالأسلاب ونحوها, لعدم المخالف المعتبر، واللَّه أعلم. [٧٦/ ٦] المال المغنوم إذا كان ملكًا لأحد من المسلمين قبل ذلك: فإنه يرد إلى صاحبه إذا عرف: • المراد بالمسألة: إذا غلب الكفار على شيء من أموال المسلمين، ثم غنمه المسلمون في جملة أموال الكفار، فإن عُلِم صاحبُهُ قبل القسمة رد له بلا شيء، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (إذا أخذ الكفار أموال المسلمين، ثم قهرهم المسلمون، فأخذوها منهم، فإن علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء في قول عامة أهل العلم) (٢). وشيخ الإِسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (وإذا كان المغنوم مالًا قد كان للمسلمين قبل ذلك من عقار، أو منقول وعرف صاحبه قبل القسمة، فإنه يرد إليه بإجماع المسلمين) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.

стр. 3992

• وجه الدلالة: حيث دلت الآية الكريمة أن كل مال أخذ من مالكه على غير وجه الشرع، فإنه باطل ويجب أن يرد إلى صاحبه، ولا فرق بين أخذ الكفار له أو المسلمين. ٢ - وعن عمران بن حصين قال: أسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم ترغ -قال: وهي ناقة منوقة- (١) فقعدت في عجزها، ثم زجرتها، فانطلقت، ونذروا بها فطلبوها، فأعجزتهم، قال: ونذرت للَّه: إن نجاها اللَّه عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء: ناقة رسول اللَّه ﷺ فقالت: إنها نذرت إن نجاها اللَّه عليها لتنحرنها، فأتوا رسول اللَّه ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "سبحان اللَّه! بئس ما جزتها! نذرت للَّه إن نجاها اللَّه عليها لتنحرنها؟ ! ، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك" (٢). • وجه الدلالة: في هذا دليل على أن أهل الحرب لا يملكون علينا بالغلبة، ولو ملكوها لكانت المرأة قد ملكتها كسائر أموالهم، وكان يصح نذرها (٣). ٣ - وعن ابن عمر قال: "ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرد عليه في زمان رسول اللَّه ﷺ ، وأبق عبد له، فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ " (٤). ٤ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "ما أصاب المشركون من مال المسلمين،

стр. 3993

ثم أصابه المسلمون بعد، فإن أصابه صاحبه قبل أن تجري عليه سهام المسلمين؛ فهو أحق به، وإن جرت عليه سهام المسلمين؛ فلا سبيل إليه إلا بالقيمة" (١). • الخلاف في المسألة: وخالف في ذلك الزهريّ وحكي عن عمرو بن دينار: إن ما حازه العدو من ذلك فقد ملكوه، فإذا استولى عليه المسلمون؛ كان غنيمة لمن استولى عليه، كسائر أموالهم، ولا حق في ذلك لصاحبه بحال (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن من وجد ماله الذي غلب عليه الكفار ثم غنمه المسلمون أنه لمالكه قبل أن تقسم الغنيمة، وخلاف الزهري وعمرو بن دينار شاذ، لمخالفته ظواهر نصوص الكتاب والسنة، واللَّه تعالى أعلم. [٧٧/ ٧] جواز إتلاف الغنيمة إن عجز عن حملها: • المراد بالمسألة: بيان أن المسلمين إذا عجزوا عن حمل شيء من متاع الكفار أو متاع المسلمين إلى بلاد الإِسلام جاز لهم إتلافه بالحرق -في غير الحيوان- وغيره؛ ليحصل للعدو النكاية وعدم الانتفاع به، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن المسلمين إن لحقهم أهل الكفر وبأيدي المسلمين من غنائمهم ما لا يقدرون على تخليصه أن لهم حرق الأثاث غير الحيوان) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠].

стр. 3994

• وجه الدلالة: مما لا شك فيه أن إحراق أموال الكفار التي عجز المسلمون عن حملها إلى بلاد الإِسلام إغاظة لهم، ونحن مأمورون بفعل كل ما من شأنه إيغال قلوبهم، وكسر شوكتهم. ٢ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢]. • وجه الدلالة: حيث وصف اللَّه تخريب اليهود بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وصفًا يدل على رضاه جل وعلا عنه، فدل ذلك على جواز إتلاف أموال الكفار التي لم يمكن المسلمون الانتفاع بها. ٣ - أن إتلاف أموال الأعداء فيه إغاظةٌ وكبتٌ لهم، وكسر لشوكتهم، فيكون مشروعًا، حيث لا يوجد ما ينهى عن ذلك شرعًا. ٤ - وليحصل للعدو النكاية وعدم الانتفاع بهذه الأموال وحتى لا يَتَقَوُّون بها على قتال المسلمين (١). ٥ - ولأنه لما جاز قتل النفوس -وهي أعظم حرمة من هذه الأموال المغنومة- لكسر شوكتهم، فما دونه من الإتلاف من باب أولى (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز دك حصون العدو، وإتلاف أموالهم المستخدمة حال القتال، وما يعد قوة لهم، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٧٨/ ٨] ملكية الغنيمة تستقر بالقسمة الصحيحة: • المراد بالمسألة: بيان ما تستقر به الغنيمة ملكًا للغانمين، فقد نقل الإجماع أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين لها إلا بعد القسمة الصحيحة. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن الغنيمة تملك بالقسمة الصحيحة) (٣).

стр. 3995

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢). • مستند الإجماع: عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيًا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى (٣) لتركتهم له" (٤). • وجه الدلالة: حيث دل الحديث أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها إلا بعد القسمة، ولو كان يستقر ملكهم بالأخذ لاستأذن ﷺ الغانمين، فلما لم يفعل دل أن ملكهم لم يستقر بعد. • الخلاف في المسألة: يرى الشافعية (٥)، والحنابلة (٦) أن الغنائم لا تملك إلا بالأخذ والاستيلاء. وحجتهم: أن الغنيمة مال مباح فتملك بالاستيلاء كسائر المباحات فتفيد الملك، كالاستيلاء على الحشيش والحطب، ولا شك أن المستولى عليه مال مباح, لأنه مال كافر محارب وهو مباح. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الغنيمة تملك بالقسمة الصحيحة, لوجود الخلاف المعتبر بين أصحاب المذاهب المتبعة، واللَّه تعالى أعلم. هذا ويترتب على الخلاف في هذه المسألة عدة مسائل، منها: إذا مات أحد الغانمين بعد الاستيلاء وقبل القسمة. لا يورث نصيبه عند الحنفية والمالكية، ويورث على القول الثاني. أن المدد إذا لحق الجيش فأحرزوا الغنائم وحملوها مع الجيش إلى بلاد الإِسلام
следующие страницы →