← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

• من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (إلا أنهم اتفقوا أن بني العباس وبني أبي طالب من ذوي القربى مدة حياة الرسول ﷺ ) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: عن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول اللَّه ﷺ فقلنا: يا رسول اللَّه، أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد" (٧). • وجه الدلالة: أن جبيرًا وعثمان ﵄ اعترضا على أن بني المطلب يعطون وهم لا يعطون وهم بمنزلة واحدة، ولم ينكرا على إعطاء بني هاشم، فهذا دليل على أن بني هاشم لا نزاع فيهم، وقد كان رسول ﷺ يعطيهم، ومن بني هاشم: بنو العباس، وبنو أبي طالب، كما سبق بيانه. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن بني العباس، وبني أبي طالب من ذوي القربى مدة حياة الرسول ﷺ الذين كانوا يعطون من خمس الخمس من الغنيمة، لعدم المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4027

[٩٧/ ٢٧] سقوط الصفي من الغنيمة بعد النبي ﷺ -: • تعريف الصفي: "الصفي": هو كل شيء يصطفيه رئيس الجيش من رأس الغنيمة لنفسه قبل القسمة من فرس، أو جارية، أو عبد، أو سيف، أو ما شاء، على حسب حال الغنيمة (١). • المراد بالمسألة: أن ما كان يصطفيه النبي ﷺ من الغنيمة قبل القسمة خاص به، قد سقط بموته، فليس لأحد بعده. وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: (قال الشافعي: الأمر الذي لم يختلف فيه أحد من أهل العلم عندنا علمته ولم نزل نحفظ من قولهم أنه ليس لأحد ما كان لرسول اللَّه ﷺ من صفي الغنيمة) نقله عنه الإمام البيهقي (٢). والطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: (قد أجمعوا أن سهم الصفي ليس لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ ، وأن حكم رسول اللَّه ﷺ في ذلك خلاف حكم الإمام من بعده) (٣). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (ولم يختلف الفقهاء أن الصفي قد سقط بموته ﷺ ) (٤). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء على أن الصفي ليس لأحد بعد النبي ﷺ ، إلا أن أبا ثور حكي عنه ما يخالف هذا الإجماع) (٥). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن الصفي ليس لأحد من بعد رسول اللَّه ﷺ ، إلا أبا ثور فإنه قال: يجري مجرى سهم النبي ﷺ ) (٦). وابن عطية (٥٤١ هـ) حيث يقول: (وكان رسول اللَّه ﷺ مخصوصًا من الغنيمة بثلاثة أشياء، كان له خمس الخمس، وكان له سهم في سائر أربعة الأخماس، وكان له صفي يأخذه قبل القسمة دابة أو سيف أو جارية، ولا صفي لأحد بعده بإجماع، إلا ما قال أبو ثور من أن الصفي باق للإمام، وهو قول معدود في شواذ الأقوال) (٧).

стр. 4028

ونقله أَيضًا: ابن قدامة، وابن مفلح الحنبلي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، والبهوتي، ومحمد بن عبد الوهاب، ومحمد عليش (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ما ثبت عنه ﷺ أنه كان يختار من الغنيمة شيئًا منها؛ فعن عائشة ﵂ قالت: "كانت صفية من الصفي" (٦). • ووجه الدلالة: إخبار عائشة بأن الرسول ﷺ كان يصطفي من الغنيمة، ولم يثبت عن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم اصطفاء شيءٍ من الغنيمة، فدل على اختصاصه ﷺ به؛ إذ لا يعقل تواطؤهم على ترك السنة (٧). • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك أبو ثور، وقال: للإمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذه النبي ﷺ . وقد أشار ابن قدامة إلى قول أبي ثور وما تمسك به بقوله: (قال أحمد: الصفي إنما كان للنبي ﷺ خاصة لم يبق بعده، ولا نعلم مخالفًا لهذا إلا أبا ثور؛ فإنه قال: إن كان الصفي ثابتًا للنبي ﷺ فللإمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذه النبي ﷺ ، ويجعله مجعل سهم النبي من خمس الخمس، فجمع بين الشك فيه في حياة النبي ﷺ ومخالفة الإجماع في إبقائه بعد موته. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا سبق أبا ثور إلى هذا القول) (٨).

стр. 4029

النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الصفي ليس لأحد من بعد رسول اللَّه ﷺ ، وخلاف أبي ثور شاذ مردود بإجماع من قبله ومن بعده، ثم لم أجد من قال بقول أبي ثور إلا الشوكاني في "نيل الأوطار" ورجح هو ثبوته للإمام (١). فكل هؤلاء محجوج بإجماع المسلمين من قبلهم ومن بعدهم. واللَّه تعالى أعلم. [٩٨/ ٢٨] تحديد الغلول في الغنيمة: • تعريف الغلول: • الغلول لغة: بضم المعجمة والسلام مصدر غَلَّ يَغُلُّ: وهو الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة. يقال: غَلَّ في المغنم يَغُلّ غُلُو لا فهو غَالٌّ. وكل من خان في شيء خفية فقد غل. وسميت غلولًا لأن الأيدي فيها مغلولة: أي ممنوعة مجعول فيها غل وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه (٢). • والغلول في الاصطلاح: أخذ ما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة قبل حوزها (٣). وقوله: (ما لم يبح) احتراز مما أبيح فيها للضرورة فإنه ليس بغلول كالطعام ولا يحتاج إلى إذن الإمام. • المراد بالمسألة: بيان حقيقة الغلول وأن من أخذ من أهل الجيش أو السرية من المسلمين -أسيرًا كان أو غيره- شيئًا له ثمن أو بال، مما كان يملكه أهل الحرب -قل أو كثر مما عدا الطعام- فإن انفرد بملكه ولم يلقه في الغنائم، فإنه قد غل. وقد نقل الإجماع على ذلك (٤). • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من أخذ

стр. 4030

من أهل العسكر أو السوقة (١) من المسلمين شيئًا، قد تملكه أهل الحرب ليس طعامًا، سواء قل أو كثر، السلطان كان أو غيره، أنه قد غل إذا انفرد بملكه، ولم يلقه في الغنائم) (٢). وابن جماعة الكناني (٧٩٠ هـ) حيث يقول: (الغلول في الغنيمة: حرام باتفاق، وهو: أن يخفي عن الإمام أو نائبه شيئًا من الغنيمة، وإن قل، أو يخون في شيء منها) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - أن النبي ﷺ قام في الناس -منصرفه من حنين- فقال: "أدوا الخائط والمخيط؛ فإن الغلول عار، ونار، وشنار على أهله يوم القيامة" (٨). • وجه الدلالة: أن هذا نص في الخائط والمخيط -وهو الخيط والابرة- أمر رسول اللَّه ﷺ بأدائه، وجعل له حكم الغلول المتوعد عليه بالنار، فكيف بما فوقه، لا شك أنه أولى بالحكم، وأولى بالاجتناب. ٢ - عن رويفع بن ثابت الأنصاري، أن النبي- ﷺ قال: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر، فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر، فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه" (٩).

стр. 4031

• وجه الدلالة: أن الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة بوجه غير مشروع، ثم رده أن ذلك محرم، وهو من الغلول، فإذا كان ذلك على سبيل الانتفاع فما كان على سبيل الأخذ والاستئثار به دون المسلمين أولى وأحرى. النتيجة: أن الإجماع متحقق على من أخذ شيئًا له ثمن أو بال، مما كان يملكه أهل الحرب -قل أو كثر مما عدا الطعام- فإن انفرد بملكه ولم يلقه في الغنائم، فإنه قد غل سلطان أو غيره؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩٩/ ٢٩] تحريم الغلول في الغنيمة: • المراد بالمسألة: بيان أن حكم الغلول حرام، بل كبيرة من كبائر الذنوب قليله وكثيره. وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وأجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر) (١). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء على القول بهذا الحديث، ولم يختلفوا في شيء منه، فلا يجوز عندهم الغلول ولا الغدر ولا المثلة. . . وهذا لا يحل بإجماع) (٢). وابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن الغلول حرام) (٣). والقاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (وفي الحديث تعظيم أمر الغلول والعقوبة عليه، ولا خلاف أنه من الكبائر) (٤). • الموافقون للإجماع: وقال بذلك الحنفية (٥) والمالكية (٦) والشافعية (٧) والحنابلة (٨) والظاهرية (٩).

стр. 4032

• مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. قال ابن جرير الطبري ﵀: (يعني بذلك تعالى ذكره: ومن يخن من غنائم المسلمين شيئًا، وفيئهم، وغير ذلك، يأت به يوم القيامة في المحشر) (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا رسول اللَّه ﷺ فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره، قال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، يقول: يا رسول اللَّه أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا؛ قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول اللَّه أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا؟ قد أبلغتك، وعلى رقبته صامت فيقول: يا رسول اللَّه أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا؟ قد أبلغتك، أو على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول اللَّه أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا؟ قد أبلغتك" (٢). ٣ - عن عبد اللَّه بن عمرو ﵁ قال: "كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له كركرة، فمات، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هو في النار". فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها" (٣). • وجه الدلالة من النصوص السابقة: أن تعظيم النبي ﷺ لأمر الغلول، وترتب هذه العقوبة العظيمة عليه دليل على تغليظ الغلول، وأنه من الكبائر. النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم الغلول، وأنه من الكبائر، ولم يخالف في ذلك أحد، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٠/ ٣٠] هل الحيوان يدخل في متاع الغال المأمور بتحريقه ؟ • المراد بالمسألة: الغلول محرم بل هو كبيرة من كبائر الذنوب، فإن غل أحد الغانمين شيئًا. فقد قيل: إنه يحرق متاعه -على خلاف قوي في المسألة (٤) - إلا أن يكون في

стр. 4033

متاعه مصحف أو حيوان فإنه لا يحرق، وقد نقل الإجماع على ذلك: • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأما المصحف. . . والحيوان لا يحرق. . . وهذا لا خلاف فيه) (١). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (ولا يحرق المصحف لحرمته. . . وكذلك الحيوان لا يحرق. . . وهذا لا خلاف فيه) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك جميع من قال بتحريق متاع الغال وهم: الحنابلة (٣) حيث إن تحريق متاع الغال من مفردات المذهب، والحسن البصري (٤). • مستند الإجماع: ١ - عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتي برجل قد غل، فسأل سالمًا عنه، فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي- ﷺ قال: "إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه". قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا، فسأل سالمًا عنه، فقال: بعه وتصدق بثمنه (٥). ٢ - أن المصحف لا يحرق لقداسته وحرمته، والحيوان لحرمته في نفسه، ولكون التحريق تعذيب بالنار، وهو منهي عنه. ٣ - ولأنه لا يدخل في اسم المتاع المأمور بتحريقه. النتيجة: أن الإجماع متحقق على عدم جواز تحريق مصحف وحيوان الغال، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٠١/ ٣١] حكم الغال التائب قبل قسمة الغنائم: • المراد بالمسألة: إذا غل أحد المقاتلين شيئًا مما غنمه المسلمون -قل أو كثر- ثم

стр. 4034

تاب وندم قبل تقسيم الغنائم، فإنه يجب على الغال رد ما أخذه قبل أن يقتسموا ويتفرق الجيش، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن على الغال رد ما غل إلى صاحب المقسم إذا وجد السبيل إليه، ولم يفترق الناس) (١). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء على أن على الغال أن يرد ما غل إلى صاحب المقسم إن وجد السبيل إلى ذلك. . .) (٢). والقاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء على أن على الغال رد ما أغل وأخذ في المقاسم ما لم يفترق الناس) (٣). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (إذا تاب الغال قبل القسمة، رد ما أخذه في المقسم بغير خلاف) (٤). وأبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء على أن على الغال أن يرد الغلول إلى المقاسم قبل أن يتفرق الناس) (٥). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول (أجمع العلماء على أن على الغال أن يرد جميع ما غل إلى صاحب المقاسم قبل أن يتفرق الناس إن وجد السبيل إلى ذلك) (٦). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وأجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر، وأجمعوا على أن عليه رد ما غله. . .) (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة قال: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة، إلا الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول اللَّه ﷺ غلامًا يقال له مدعم، فوجه رسول اللَّه ﷺ إلى وادي القرى، حتى إذا كان بوادي القرى، بينما مدعم يحط رحلًا لرسول اللَّه ﷺ ، إذا

стр. 4035

سهم عائر فقتله، فقال الناس هنيئا له الجنة. فقال رسول اللَّه ﷺ "كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا". فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ﷺ فقال "شراك من نار أو شراكان من نار" (١). ٢ - وعن عبد اللَّه بن عمرو قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالًا فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه، ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر. فقال: يا رسول اللَّه، هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال: "أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ ". قال: نعم. قال: فما منعك أن تجيء به؟ ، فاعتذر إليه. فقال: "كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك" (٢). • وجه الدلالة من الحديثين: أن فيهما دلالة على وجوب رد ما غله، وكان ذلك قبل القسمة. ٣ - أن من شروط قبول التوبة رد الحقوق إلى أهلها (٣). ٤ - أن ما أخذه الغال حق تعين رده إلى أهله، ولم يتعذر ذلك، فوجب رده إلى صاحب المقاسم قياسًا على المسروق. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أنه يجب على الغال رد ما أخذه إلى صاحب المقسم قبل أبي يتفرق الناس؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٢/ ٣٢] الغال التائب بعد قسمة الغنائم، عليه أن يؤدي خمس ما غلَّ للإمام: • المراد بالمسألة: إذا غَلَّ أحد أفراد الجيش شيئًا مما غنمه المسلمون، ثم تاب وندم بعد القسمة، وتفرق الناس، فإنه يؤدي خمس ما غل للإمام ليصرف في مصارفه ويتصدق بالباقي، وقد نقل الإجماع على ذلك.

стр. 4036

• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فان تاب بعد القسمة فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي. . . ولنا قول من ذكرنا من الصحابة ومن بعدهم ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم فيكون إجماعًا) (١). • الموافقون للإجماع: وهذا قول ابن مسعود ومعاوية ﵄، وهو قول مالك (٢) وأَحمد (٣) والأوزاعي والزهري (٤). • مستند الإجماع: ١ - عن حوشب بن سيف قال: غزا الناس الروم، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغل رجل مائة دينار، فلما قسمت الغنيمة، وتفرق الناس، ندم، فأتى عبد الرحمن، فقال: قد غللت مائة دينار، فاقبضها. قال: قد تفرق الناس, فلن أقبضها منك حتى توافي اللَّه بها يوم القيامة. فأتى معاوية، فذكر ذلك له، فقال له مثل ذلك. فخرج وهو يبكي، فمر بعبد اللَّه بن الشاعر السكسكي، فقال: ما يبكيك؟ فأخبره، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، أمطيعي أنت يا عبد اللَّه؟ قال: نعم. قال: فانطلق إلى معاوية فقل له: خذ مني خمسك، فأعطه عشرين دينارًا، وانظر إلى الثمانين الباقية، فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن اللَّه تعالى يعلم أسماءهم ومكانهم، وإن اللَّه يقبل التوبة عن عبادة. فقال معاوية: "أحسن واللَّه, لأن أكن أنا أفتيته بهذا أحب إلى من أن يكون لي مثل كل شيء امتلكت" (٥). ٢ - ولأن تركه تضييع له، وتعطيل لمنفعته التي خلق لها, ولا يتخفف به شيء من إثم الغال، وفي الصدقة نفع لمن يصل إليه من المساكين، وما يحصل من أجر الصدقة يصل إلى صاحبه، فيذهب به الإثم عن الغال، فيكون أولى (٦). • الخلاف في المسألة: وللفقهاء في حكم الغال إذا تاب بعد القسمة وتفرق الجيش، قولان آخران: • القول الأول: أنه مخير بين ردها إلى الإمام -وهو أولى وأحسن- وبين إبقائه

стр. 4037

معه حتى يأتي مستحقه، وإذا انقطع طمعه في ذلك تصدق به بشرط الضمان إذا حضر المستحق. وهذا قول الحنفية (١). • القول الثاني: أنه يرد كل ما أخذه إلى الإمام كالأموال الضائعة؛ لأنه ليس له أن يتصرف بمال غيره، وهذا قول الشافعي (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الغال التائب بعد قسمة الغنائم يرد خمس ما غل إلى الإمام ويتصدق بالباقي، لوجود الخلاف المعتبر بين الفقهاء في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٣/ ٣٣] عدم قطع الغال من الغنيمة قبل حيازتها، إذا كان له فيها حق: • المراد بالمسألة: إذا استبان أمر من غل نصابًا من الغنيمة قبل قسمتها وتوزيعها على الغانمين، وكان له حق (سهم) فيها، فإنه لا يقام عليه حد قطع السارق، ولا يعفيه ذلك من التعزير، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أنه لا يقطع، إذا كان له فيها سهم) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، وبعض المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عباس ﵁ "أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فلم يقطعه وقال: "مال اللَّه سرق بعضه بعضًا" (٨).

стр. 4038

• وجه الدلالة: هذا الحديث يفيد أن سرقة العبد من مال الغنيمة لا تقطع فيها اليد؛ لأنه سرقة غير تامة لشبهة الملك فيها. ٢ - عن القاسم بن عبد الرحمن قال: إن رجلًا سرق من بيت المال فكتب فيه سعد ابن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر إليه: "أن لا قطع عليه؛ لأن له فيه نصيبًا" (١). ٣ - وأن علي بن أبي طالب أتى برجل قد سرق من الخمس مغفرًا، فلم يقطعه علي، وقال: "أن له فيه نصيبًا" (٢). • وجه الدلالة: أن عدم القطع للغال قبل الحيازة قول صحابيين لا يعرف لهما مخالف من الصحابة ﵃. ٤ - ولأنه شريك في مشاع خان فيه، فسقط عنه القطع لموجب أسقطه، وهو شبهة الملك غير التام. • الخلاف في المسألة: يرى بعض المالكية (٣)، والظاهرية، وأبو ثور (٤) أنه يقطع كالسارق، واستدلوا بما يأتي: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. • وجه الدلالة: أن الآية عامة لم تخص سارق من سارق، ولا سرقة دون سرقة. ٢ - أنه سرق مالًا من حرز لا شبهة له في عينه كغير المغنم. ويمكن أن يقال: قياس غير المغنم على المغنم قياس مع الفارق؛ إذ المغنم له نصيب فيه بخلاف غيره. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن من غل من غنيمة له فيها حق أنه لا يقطع؛ لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4039

[١٠٤/ ٣٤] جواز التنفيل في الحرب: • تعريف التنفيل: • التنفيل في اللغة: من النفَل بفتح الفاء. وهو الغنيمة: يقال: نفله أعطاه النفل، ونفله بالتخفيف نفلًا وأنفله إياه، ونفل الإمام الجند إذا جعل لهم ما غنموا، ونفل فلان على فلان فضله على غيره. • قال أهل اللغة: جماع معنى النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل (١). * والنفل في الاصطلاح: زيادة مال على سهم الغنيمة يشترطه الإمام أو أمير الجيش لمن يقوم بما فيه نكاية زائدة على العدو (٢). • المراد بالمسألة: إذا رأى الإمام أو نائبه كأمير الجيش أو السرية مصلحة للمسلمين في عمل ما، أو رأي ما، فله أن ينفل ببذل جعل لمن يقدمه مثل: الدلالة على طريق، أو ماء، أو قلعة، أو حصن ونحوها، وكان بعد إصابة الغنائم (٣). وقد نقل الإجماع على جواز ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن للإمام أن يعطي من سدس الخمس من رأى إعطاءه صلاحًا للمسلمين) (٤) وقال: (واتفقوا أن التنفيل المذكور ليس بواجب) (٥). والسرخسي (٤٨٣ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف أن التنفيل جائز قبل الإصابة، للتحريض على القتال) (٦). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (اتفق العلماء على جواز تنفيل الإمام من

стр. 4040

الغنيمة) (١). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فصل: ويجوز للإمام أو نائبه أن يبذلا جعلًا لمن يدله على مصلحة المسلمين، مثل طريق سهل أو ماء في مفازة أو قلعة يفتحها أو مال يأخذه أو عدو يغير عليه أو ثغرة يدخل منها, لا نعلم فيه خلافًا) (٢). وأبو الفرج بن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (لا نعلم خلافًا في أنه يجوز للإمام ونائبه أن يبذل جعلًا لمن يدله على ما فيه مصلحة للمسلمين) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. • وجه الدلالة: حيث إن هذه الآية الكريمة دليل على جواز بذل الجعل في الجملة، والتنفيل بمعناه. عن ابن عمر ﵄ قال: "بعث النبي ﷺ سرية (٩) قبل نجد، فكنت فيها، فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرًا ونفلنا بعيرًا بعيرًا فرجعنا بثلاثة عشر بعيرًا" (١٠). وعنه ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم سوى قسم عامة الجيش" (١١).

стр. 4041

أن النبي ﷺ وأبا بكر الصديق ﵁ أستأجرا يوم الهجرة من يدلهما على الطريق وهو كافر (١). • وجه الدلالة: حيث استأجر النبي ﷺ وصاحبه ﵁ دليلًا يدلهما، وبذلا له أجرة الدلالة وهو كافر، فيجوز بذل الجعل للمسلم الذي يبلي بلاءً حسنًا في الجهاد من باب أولى. • الخلاف في المسألة: خالف عمرو بن شعيب، فخصَّ النفل بالنبي ﷺ دون من بعده، ولم يذكر له مستندًا فيما ذهب إليه (٢). قال ابن حجر: (وفي هذا رد على من حكى الإجماع على مشروعيته) (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز التنفيل، ولا عبرة بخلاف عمرو بن شعيب في تخصيص جوازه بالنبي ﷺ لعدم الدليل، ومثل ذلك لا يقدح في سلامة الإجماع، واللَّه تعالى أعلم (٤). [١٠٥/ ٣٥] مصدر التنفيل: • المراد بالمسألة: بيان أن الزيادة والتنفيل الذي يعطاه من أبلى من المسلمين بلاء حسنًا إنما يكون ذلك من الخمس، وتبقى أربعة الأخماس موفورة للجيش، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (وروى مالك أيضًا عن أبي الزناد أنه سمع سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس. قلت (يعني ابن حجر): وظاهره اتفاق الصحابة على ذلك) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية إذا أحرزت الغنائم (٦)، وهو قول

стр. 4042

المالكية (١)، والصحيح عند الشافعية (٢). • مستند الإجماع: واستدلوا بما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: "بعث النبي ﷺ سرية قبل نجد، فكنت فيها، فبلغت سهامنا اثني عشر بعيرًا ونفلنا بعيرًا بعيرًا فرجعنا بثلاثة عشر بعيرًا" (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أعطى كل منهم سهمه من الغنيمة ثم نفلهم من الخمس بعيرًا بعيرًا. • الخلاف في المسألة: اختلف الفقهاء رحمهم اللَّه تعالى في مصدر التنفيل على ثلاثة أقوال، أحدها: محل الإجماع المنقول سابقًا، والقولين الآخرين هما: • القول الأول: أن النفل من أربعة أخماس الغنيمة: وبهذا قال الحنفية قبل إحراز الغنائم (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم (٦). قال ابن قدامة: (وهو قول أنس بن مالك وفقهاء الشام منهم: رجاء بن حيوة وعبادة ابن نسي وعدي بن عدي ومكحول والقاسم بن عبد الرحمن ويزيد بن أبي مالك ويحيى ابن جابر والأوزاعي، وبه قال إسحاق وأبو عبيد. وقال أبو عبيد: والناس اليوم على هذا) (٧). واستدلوا بحديث عبادة وحبيب بن سلمة أن النبي ﷺ : "نفل الربع والثلث بعد لخمس" (٨).

стр. 4043

• ووجه الدلالة: أن الربع والثلث لا يتصور إخراجها من الخمس (١)، فلزم أن يكون النفل من أربعة أخماس الغنيمة. • القول الثاني: أن النفل من أصل الغنيمة قبل أن تخمس. وبه قال: النخعي وأبو ثور (٢). ولم يذكر له دليل. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن التنفيل يكون من الخمس؛ للخلاف المعتبر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٦/ ٣٦] حد التنفيل: • المراد بالمسألة: بيان أن المقدار الذي يمكن أن ينفله الإمام لمن أبلى في القتال، أو ظهر له نفع للمسلمين مقدر بألَّا يتجاوز الثلث مما ساقه من المغنم، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أنه لا ينفل من ساق مغنما أكثر من ربعه في الدخول، ولا أكثر من ثلثه في الخروج) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: واستدلوا بما يأتي: ١ - عن عبادة بن الصامت ﵁ "أن النبي ﷺ كان ينفل في البدأة (٨) الربع، وفي القفول (٩) الثلث" (١٠).

стр. 4044

٢ - وعن حبيب بن مسلمة الفهري ﵁ أنه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل" (١). • وجه الدلالة: أن نفل النبي ﷺ انتهى إلى الثلث فينبغي ألَّا يتجاوزه (٢). • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك الشافعية فقالوا: لا حد للتنفيل (٣). ووجه هذا القول: ما روى ابن عمر أنه نفل نصف السدس (٤)، وهذا يدل على أنه ليس للنفل حد لا يجاوزه الإمام، ولكن راجع إلى اجتهاد الإمام، فله أن ينفل ما يراه مناسبًا ويجعله بقدر العمل وخطره. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أنه لا يتجاوز بالنفل الثلث؛ للخلاف المعتبر. واللَّه أعلم. [١٠٧/ ٣٧] استعمال ثياب العدو وسلاحه ودوابه: • المراد بالمسألة: أن استعمال المجاهد لثياب الأعداء وأخذه سلاحهم من الغنيمة قبل القسمة إذا احتاج إليه في قتال العدو ثم رده بعد القتال، جائز ولا بأس به. وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (ويجوز أن يركب دوابهم ويلبس ثيابهم ويستعمل سلاحهم في حال الحرب بالإجماع، ولا يفتقر إلى إذن الإمام. وشرط الأوزاعي إذنه وخالف الباقين) (٥). وابن حجر: (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب) (٦)، ونقله عنه

стр. 4045

الشوكاني أيضًا (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة في السلاح دون الثياب (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن مسعود ﵁ قال: "انتهيت إلى أبي جهل فوقع سيفه من يده فأخذته فضربته به حتى برد" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينكر على ابن مسعود استخدام سلاح العدو في القتال، فدل ذلك على جواز استخدام سلاح العدو في القتال عند الحاجة. ٢ - ولأن الحاجة إلى السلاح أعظم من الحاجة إلى الطعام، وضرر استعماله أقل من ضرر الأكل من الغنيمة لعدم زوال عين السلاح بالاستعمال (٧). وبهذا يتقرر جواز أخذ السلاح من الغنيمة لقتال العدو عند الحاجة إلى ذلك فإن لم تكن هناك حاجة. فلا يجوز أخذه. • الخلاف في المسألة: يرى الحنابلة عدم جواز الانتفاع من الغنيمة بركوب دابة منها, ولا لبس ثوب من ثيابها (٨). ويوافقون الجمهور في جواز استعمال سلاح الأعداء حال قتالهم عند الحاجة، كما سبق بيانه. • واستدلوا بما يأتي: عن رويفع بن ثابت قال: لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ يقول يوم خيبر: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يركب دابة من

стр. 4046

فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه" (١). ولأن الغنيمة مشتركة بين الغانمين وأهل الخمس فلم يجز لواحد الاختصاص بمنفعته كغيره من الأموال المشتركة. فإن دعت الحاجة إلى القتال بسلاحهم فلا بأس (٢). ويمنع الركوب على دوابهم لأنها تتعرض للعطب غالبًا، خلاف السلاح (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز استعمال سلاح الأعداء حال الحرب عند الحاجة؛ لعدم المخالف المعتبر في ذلك. وغير متحقق بالنسبة لثيابهم ودوابهم؛ لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٨/ ٣٨] استهلاك طعام العدو وعلفه في دار الحرب بغير إذن الإمام: • المراد بالمسألة: إذا دخل الغزاة المسلمون دار الحرب جاز لهم أن يأكلوا ما يحتاجون إليه من الطعام وما يكون له حكم الطعام: من أعلاف الدواب، وما أشبه ذلك، ولو بغير إذن الإمام. وذلك بشرطين: أحدهما: الاقتصار بذلك على دار الحرب. • والثاني: أخذ قدر الحاجة هناك دون ما زاد. وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن للغزاة أن يأكلوا طعام العدو وأن يعلفوا دوابهم أعلافهم) (٤). وابن المنذر (٣١٨) حيث يقول: (أجمع عوام أهل العلم -إلَّا من شذ عنهم- على أن للقوم إذا دخلوا دار الحرب غزاة أن يأكلوا طعام العدو، وأن يعلفوا دوابهم من أعلافهم) (٥). وأبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: (قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. ظاهره: أن يكون الجميع غنيمة، إلا أنهم متفقون على إباحة

стр. 4047

أكل الأطعمة هناك، وإعلاف الدواب منها، فخص ذلك من الآية، وحكم العموم باق فيما عداها)، نقله عنه الجصاص (٣٧٠ هـ) (١). والخطابي (٣٨٨ هـ) حيث يقول: (لا أعلم خلافًا بين الفقهاء في أن الطعام لا يخمس في جملة ما يخمس من الغنيمة، وإن لواجده أكله ما دام الطعام في حد القلة وعلى قدر الحاجة وما دام صاحبه مقيمًا في دار الحرب) (٢). والقاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجاتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه، ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه). نقله عنه النووي (٦٧٦ هـ) (٣). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (أجمع جمهور علماء المسلمين على إباحة أكل الطعام إذا كان للحربيين، ما دام المسلمون في أرض الحرب، يأخذون منه قدر حاجتهم) (٤). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم على أن للغزاة إذا دخلوا أرض الحرب أن يأكلوا مما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من أعلافهم) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠)، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد (١١):

стр. 4048

أنه لا بأس أن يؤكل الطعام والعلف في دار الحرب بغير إذن الإمام. • مستند الإجماع: عن ابن عمر قال: "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه" (١). وعن عبد اللَّه بن مغفل، قال: "أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا قال: فالتفت فإذا رسول اللَّه ﷺ متبسمًا" (٢). عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، قال: قلت: هل كنتم تخمسون -يعني: الطعام- في عهد رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: "أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء ويأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف" (٣). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: حيث أقرهم النبي ﷺ في أكلهم وانتفاعهم بما وجدوه في أرض الحرب، وعدم استئذانهم في ذلك. وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر: "كلوا واعلفوا ولا تحملوا" (٤). • وجه الدلالة: فيه التصريح بالرخصة في الأكل وأعلاف الدواب، بشرط عدم الحمل، بمعنى أن الانتفاع محصور ما داموا بدار الحرب. ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوابهم، فإنه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإسلام، ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه، ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه، ولا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم، ولو قسم لم يحصل

стр. 4049

للواحد منهم شيء ينتفع به ولا يدفع به حاجته، فأباح اللَّه تعالى لهم ذلك (١). ولأن الحاجة تبيح مال المعصوم، فمال الكافر أولى (٢). • الخلاف في المسألة: كان ابن شهاب لا يرى ذلك إلا بإذن الإمام (٣)، وكذا ابن سيرين (٤). قال ابن عبد البر: (لا أعلم أحدًا قاله غيره) (٥). وقد صرح ابن حجر العسقلاني أن المسألة خلافية بقوله: (وهي مسألة خلاف، والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به وكل طعام يعتاد أكله عمومًا وكذلك علف الدواب، سواء كان قبل القسمة أو بعدها بإذن الإمام وبغير إذنه) (٦). وذكر ابن رشد سبب الاختلاف في المسألة فقال: (والسبب في اختلافهم معارضة الآثار التي جاءت في تحريم الغلول للآثار الواردة في إباحة أكل الطعام. . . فمن خصص أحاديث تحريم الغلول بهذه أجاز أكل الطعام للغزاة، ومن رجح أحاديث تحريم الغلول على هذا لم يجز ذلك) (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على جواز أكل الطعام ونحوه من أعلاف الدواب؛ للخلاف المعتبر من الإمام الزهري. واللَّه تعالى أعلم. [١٠٩/ ٣٩] رد ما فضل وكان كثيرًا من المال والطعام إلى الغنيمة: • المراد بالمسألة: إذا دخل المسلمون دار الحرب جاز لهم أن يأكلوا من الطعام وأن يعلفوا دوابهم بما يحتاجون إليه، فإذا أخذوا معهم منه شيئًا فأدخلوه بلاد الإسلام فإن كان كثيرًا فإنهم يردونه في الغنيمة. وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (اتفقوا أن من أخذ من أهل العسكر أو السوقة من المسلمين شيئًا قد تملكه أهل الحرب -ليس طعامًا سواء قل أو

стр. 4050

كثر- السلطان كان أو غيره أنه قد غل إذا انفرد بملكه ولم يلقه في الغنائم) (١). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (مسألة: قال ومن فضل معه من الطعام، فأدخله البلد طرحه في مقسم تلك الغزاة في إحدى الروايتين) قال ابن قدامة: والأخرى: مباح له أكله إذا كان يسيرًا، أما الكثير فيجب رده بغير خلاف نعلمه) (٢). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (أما الكثير فيجب رده بغير خلاف علمناه) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - أن النبي ﷺ قال: "ردوا الخيط والمخيط" (٩). ٢ - ما روي أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر ﵁: "إنا أصبنا أرضًا كثيرة الطعام والعلف وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك، وكتب إليه عمر: "دع الناس يعلفون ويأكلون، فمن باع منهم شيئًا بذهب أو فضة، ففيه خمس اللَّه وسهام المسلمين" (١٠). ٣ - قال عبد اللَّه بن أبي أوفى ﵁: "أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف" (١١). ٤ - لأن الأصل تحريمه لكونه مشتركًا بين الغانمين كسائر المال، وإنما أبيح منه ما دعت الحاجة إليه، فما زاد فيبقى على أصل التحريم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على وجوب رد ما فضل وكان كثيرًا من المال والطعام إلى الغنيمة ليقسم على الغزاة المستحقين له، ولم يخالف في ذلك أحد، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4051

[١١٠/ ٤٠] استحقاق المجاهد لسلب من قتله، إذا شرط له الإمام ذلك: • تعريف السلب: • السلب في اللغة: مأخوذ من سَلَبَهُ الشيءَ يَسْلُبه سَلْبًا وسَلَبًا، وكل شيء على الإنسان من اللباس فهو سَلَب (١). • وفي الاصطلاح: وهو ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه ومعه من سلاح وثياب ودابة وغيرها (٢). • المراد بالمسألة: إذا حث الإمام أو قائد جيش المسلمين المجاهدين في بداية الغزو على الاستبسال في القتال، وشرط لهم أن من قتل قتيلًا فله سلبه (٣)، فإن القاتل يستحق هذا السلب دون غيره، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (الفصل الأول: أن القاتل يستحق السلب في الجملة، ولا نعلم فيه خلافًا) (٤). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (لم يختلف العلماء أن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ليس على عمومه، وأنه يدخله الخصوص، فمما خصصوه بإجماع أن قالوا: سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام، وكذلك الرقاب -أعني: الأسارى- الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)،

стр. 4052

والحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: عن أبي قتادة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" (٣). • وجه الدلالة: دل الحديث صراحة على أن القاتل له الحق في سلب المقتول، ما دام له بينة على قتله، ولا سيما إذا انضم إلى ذلك شرط الإمام تحفيزًا لهم وتشجيعًا. النتيجة: أن الإجماع متحقق على استحقاق المجاهد سلب من قتله إذا شرط له الإمام ذلك؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١١١/ ٤١] عدم استحاق السلب لمن قتل صغيرًا، أو شيخًا هرمًا، أو أجهز على جريح مثخن: • المراد بالمسألة: بيان أن المقتول الذي يأخذ قاتله سلبه، يشترط أن يكون من المقاتلين الذين يجوز قتلهم شرعًا، أما إذا قتل امرأة، أو صبيًّا، أو شيخًا فانيًا، أو مجنونًا، أو راهبًا منعزلًا في صومعته، أو نحوهم ممن ورد النهي عن قتلهم، فلا يستحق قاتله السلب ما لم يشترك في القتال. فإن اشترك أحد من هؤلاء في القتال استحق قاتله سلبه؛ لجواز قتله حينئذ. وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (إجماع العلماء على أن لا سلب لمن قتل طفلًا, أو شيخًا هرمًا، أو أجهز على جريح) (٤). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فأما إن قتل امرأة، أو صبيًّا، أو شيخًا فانيًا، أو ضعيفًا مهينًا ونحوهم، ممن لا يقاتل، لم يستحق سلبه، لا نعلم فيه خلافًا، وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه؛ لأنه يجوز قتله) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، . . . .

стр. 4053

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ١ - قالوا: إن السلب مخصص بمن أبيح قتله من الكفار، فلا يدخل في ذلك المرأة ولا الغلام إذا لم يقاتلا، والرهبان ونحوهم على مذهب من رأى النهي فيهم أيضًا، فأما إذا قاتل الغلام والمرأة، أو غيرهم ممن يلحقه بهم ملحق في النهي عن القتل؛ فقد استبيح قتله بالشرع، وخرج أن يكون ممن استثني من العموم، فوجب أن يكون الحكم في السلب لقاتلهم. ٢ - أن تسويغ تمليك القاتل سلب المقتول وتخصيصه به دون الجيش: إنما هو لمكان العناء والجرأة في قتله، فحينئذ لا يدخل فيه هؤلاء الأصناف لضعفهم، وقلة المؤنة في قتلهم، فلا يكون السلب لقاتلهم على هذا الوجه (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على عدم استحاق السلب لمن قتل صغيرًا، أو امرأة ونحوهم ممن ليسوا بأهل للقتال، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4054

الفصل الرابع: مسائل الإجماع في الأسرى والسبي، وعدد مسائله (١٨) مسألة تمهيد: في تعريف الأسرى والسبي: • أولًا: تعريف الأسرى: • الأسرى لغة: جمع أسير. والأسير: مأخوذ من الإسار، وهو القيد؛ لأنهم كانوا يشدونه بالقيد، فسمي كل أخيذ أسيرًا وإن لم يشد به. وكل محبوس في قيد أو سجن أسير (١). • وفي الاصطلاح: الرجال المقاتلون من الكفار، إذا ظفر المسلمون بهم أحياء (٢). • ثانيًا: تعريف السبي: • السبي لغة: يقال سَبَى العدوَّ وغيرَه سَبْيًا وسِباءً إذا أَسَرَه، فالسبى أخذ الناس عبيدًا وإماءً (٣). • والسبي في الاصطلاح: لا يكاد يخرج عن التعريف اللغوي. وقد ذكر بعض العلماء التفريق بين السبايا والأسرى؛ فالسَّبْيُ يطلق على النساء والصبيان خاصَّة الذين ظفر بهم المسلمون أحياء، ولا يقال ذلك للرجال؛ وإنما يُقال لهم: أسارى (٤). [١١٢/ ١] جواز الأسر: • المراد بالمسألة: بيان أنه يجوز أسر كفار أهل الحرب وهم: جميع من يقع في يد المسلمين من الأعداء من الرجال المقاتلة، والنساء، والذراري في الجملة، وقد نُقل

стр. 4055

الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (أجمع أهل العلم على جواز النكاية بالأسر في جميع الكفار عامًّا في الرجال والنساء والذرية، وعلى اختلاف أحوالهم ممن فيه أهلية القتال، أو به عجز عن ذلك؛ كالمرضى والزمنى وغيرهم، إلَّا خلافًا في الرهبان المنقطعين في الصوامع والديارات، وحيث ينفردون، فلا يكون منهم أذى بتدبير ولا غيره) (١) • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) والظاهرية في أهل الكتاب خاصة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]. • وجه الدلالة: حيث أباح اللَّه تعالى بهذه الآية أسر الكفار إذا أثخناهم بالجراح وغيره، فدَّل ذلك على مشروعية الأسر (٧). ٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. • وجه الدلالة: أن قوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ يعني الأسر. فدلَّ على جواز الإسار في الكفار (٨). ٣ - أن في أخذ الأسرى مصالح متعددة منها: كسر شوكة العدو، ودفع شره، وإبعاده عن ساحة القتال، والمنع من فاعليته وأذاه، وليمكن افتكاك أسرى المسلمين بهم (٩).

стр. 4056

• الخلاف في المسألة: يرى الظاهرية أن الأسر لا يجري إلا على كفار أهل الكتاب خاصة، أما غيرهم فحكمهم الإسلام أو السيف (١). واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ولم يخص اللَّه من ذلك أحدًا إلَّا أهل الكتاب بشرط إعطاء الجزية بقوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. النتيجة: ١ - أن الإجماع منعقد على مشروعية وجواز الأسر لأهل الكتاب من أهل الحرب، لعدم المخالف المعتبر. ٢ - أن الإجماع غير متحقق على مشروعية الأسر للكفار سوى أهل الكتاب لخلاف الظاهرية في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١١٣/ ٢] جواز قتل الأسرى من الرجال: • المراد بالمسألة: أن لإمام المسلمين الحق في قتل الأسرى من الكفار، إذا رأى في ذلك مصلحة، كأن يعلم أن في قتله وهنًا لقومه وتحطيمًا لمعنوياتهم، أو لشدة خطورته. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القاضي عبد الوهاب (٤٢٢ هـ) حيث يقول: (لا خلاف في جواز قتل أسرى العدو) (٢). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير، لا نعلم بينهم خلافًا فيه، وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في قتله الأسير) (٣). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (وكذلك الرقاب -أعنى الأسارى- الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف) (٤). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفقوا على أن الإمام غير في الأسرى بين القتل

стр. 4057

والاسترقاق) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]. فعموم هذه الآيات وأشباهها يقتضي القتل في كل مشرك سواء قبل الإسار وبعده. ٢ - ولأن النبي ﷺ قتل جماعة من الأسرى يوم بدر منهم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث وغيرهما (٧). • الخلاف في المسألة: يرى الضَّحَّاك وجوب استحياء الأسرى، والمَنْعَ من قتلهم (٨)، وروي عن ابن عمر وعطاء، والحسن كراهة قتلهم (٩). ودليلهم قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]. • وجه الدلالة: حيث أمرنا بالقتال إلى غاية الأسر ثُم جعل الحكم بعد ذلك المن أو الفداء، ورأوا أن هذه الآية ناسخةً لعموم قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (١٠). ومن العجب أن الحسن بن محمد التيمي حكى إجماع الصحابة أن الإمام إذا ظفر

стр. 4058

بالحربيين استرقوا ولم يقتلوا، وأن الخلاف إنما جاء بعدهم (١). وعامة أهل العلم على جواز قتل الأسرى إن رأى الإمام مصلحة في ذلك. يقول الإمام الترمذي (٢٧٩ هـ): (وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ من أَصْحَابِ النبي ﷺ وَغَيْرِهِمْ أَنَ لِلإمَامِ أَنْ يَمُنَ على من شَاءَ من الْأُسَارَى وَيَقْتُلَ من شَاءَ منهم وَيَفْدِي من شَاءَ، وَاخْتَارَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْقَتْلَ على الْفِدَاءِ, وقال الْأَوْزَاعِيُّ بَلَغَنِي أَنَّ هذه الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ نَسَخَتْهَا ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾) (٢). ومما يجدر التنبيه له في هذا المقام أن السلف قد يطلقون على تقييد المطلق، وتخصيص العام (نسخًا)، فإن سورة التوبة من آخر ما أُنزل، فكيف نَسَخَهُ ما نزل قبله، والمُخَصَّص قد يتقدم، وقد يتأخَّر، بخلاف النسخ؛ لا يصحّ تقدم الناسخ بحال، فتُحملُ الآية عندهم على قتل غير الأسرى (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن لإمام المسلمين قتل أسرى الكفار إن رأى مصلحة في ذلك، لعدم المخالف المعتبر، وأما خلاف من خالف فيمكن أن نجيب عنه بما يأتي: أن خلاف الضحاك في أن آية الفداء هي الناسخة، هو قول شاذ (٤). كما اضطرب النقل عن الضحاك، فقد نُقل عنه أَيضًا أن آية التوبة هي الناسخة (٥). وأما خلاف ابن عمرو الحسن وعطاء فإنهم كرهوا القتل ولم يمنعوا منه، والكراهة لا تنافي الجواز والمشروعية. كما قيل أن ابن عمر إنما كره قتل الرجل لأنه كان مشدود اليدين، لا لأنه تحرَّز عن قتله بعدما أُسر (٦).

стр. 4059

أن الروايات عن ابن عمرو من نُقل عنهم الكراهية متضاربة، فكما نُقل عنهم الكراهة كما سبق، نُقل عنهم تخيير الإمام بين قتل الأسرى واسترقاقهم والمن عليهم (١). وعليه فالإجماع متحقق، واللَّه تعالى أعلم. [١١٤/ ٣] المنع من قتل من كان صغيرًا أو امرأة من السبي إذا لم يُقاتل: • المراد بالمسألة: بيان أنه إذا وقع في أيدي المسلمين سبايا من أهل الحرب من النساء والصبيان، فإن لا يجوز قتلهم، ما لم يشتركوا في قتال المسلمين؛ لأنه لا يجوز قتلهم أثناء القتال فلا يجوز قتلهم بعد السبي. وقد فصلنا القول في المسألة بذكر الناقلين للإجماع، ومن وافقهم، ومستندهم، والنتيجة التي توصلنا إليها في ذلك، عند كلامنا على مسألة: (حكم قتل نساء العدو وصبيانهم إذا لم يقاتلوا) مما يغنينا عن التكرار بذكرها في هذا الموضع، فلتراجع هناك. [١١٥/ ٤] لا يجوز إجبار الأسير البالغ إذا كان كتابيًّا على مفارقة دينه: • المراد بالمسألة: بيان أن من صار من كفار أهل الكتاب -وهو بالغ- مأسورًا في يد المسلمين، فإنهم يُسمح لهم بالبقاء على دينهم، ولا يُجبرون على الدخول في الإسلام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من أسر بالغًا منهم، فإنه لا يجبر على مفارقة دينه -أعني إن كان كتابيًّا) (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧).

стр. 4060

• مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. • وجه الدلالة: حيث قيل: أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام (١). وقال ابن كثير في تفسيره: (أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّن وضِحٌ جلي دلائله وبراهينه، لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه اللَّه للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا) (٢). ٢ - ومما له دلالة ظاهرة ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في موقفه من مولاه النصراني "أُسَّق" حيث كان يعرض عليه الإسلام فيأبى، فلم يكرهه عليه والإسلام في أوج قوته عن أُسَّق قال: كنت مملوكًا لعمر بن الخطاب ﵁ وكان يقول لي: أسلم، فإنك إن أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين، فإنه لا ينبغي لي أن أستعين على أمانتهم من ليس منهم، قال: فأبيت فقال: لا إكراه في الدين. قال: فلما حضرته الوفاة أعتقني، وقال: اذهب حيث شئت (٣). ٣ - أن الإكراه على الدخول في الدين لو كان جائزًا، لما كانت الجزية مشروعة إذا لم يقبل الكفار الدخول في الإسلام. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أنه لا يجوز إجبار الأسير البالغ إذا كان كتابيًا على مفارقة دينه، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١١٦/ ٥] استرقاق الأسير: • تعريف الاسترقاق: • الاسترقاق لغة: الإدخال في الرق، والرق: كون الآدمي مملوكًا مستعبدًا (٤).

стр. 4061

• وفي الاصطلاح: الرق: عجز حكمي شُرع في الأصل جزاء عن الكفر (١). • المراد بالمسألة: إذا ظهر المسلمون على الحربيين؛ فإن الإمام مخيَّرٌ بعد أسرهم أن يحكم عليهم بالرق، فيكونون مملوكين بأيدي المسلمين، وقد نُقل الإجماع على جواز ذلك في الجملة. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فأما النكاية التي هي الاستبعاد، فهي جائزة بطريق الإجماع في جميع أنواع المشركين، أعني ذكرانهم وإناثهم وشيوخهم وصبيانهم وكبارهم إلَّا الرهبان، فإن قومًا رأوا أن يتركوا دون أن يتعرض إليهم لا بقتل ولا استعباد) (٢). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (وكذلك الرقاب أعني الأسارى الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤) في غير ذكور مشركي العرب، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة في غير من لا يقر على الجزية من عبدة الأوثان ومن يحرم قتلهم غير النساء والصبيان (٧)، والظاهرية في غير الحربي من العرب (٨). • مستند الإجماع: ١ - الآيات القرآنية الكريمة التي أباحت ملك اليمين الذي يعني ملكية الرقيق، وهذا يقتضي مشروعية الاسترقاق، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. ٢ - والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة تعز عن الحصر، وقد عقد علماء الحديث أبوابًا عن الاسترقاق ومعاملة الرقيق وتحريرهم، ومن هذه الأحاديث قوله ﷺ : "إن إخوانكم خولكم جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما

стр. 4062

يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم" (١). ٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال لعامل كسرى: "فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم" (٢). • وجه الدلالة: أن قوله: (ملك رقابكم) الظاهر منه هو استرقاق من لم يُقتل من أهل الحرب في القتال الذين يقعون في أسر المسلمين وقبضتهم (٣). ٤ - ومما يدل على جواز الاسترقاق والاستعباد للأسرى إجماع الصحابة ﵃ على ذلك، قال ابن رشد القرطبي (٥٩٥ هـ): (وأجمعت الصحابة بعده على استعباد أهل الكتاب ذكرانهم وإناثهم) (٤). • الخلاف في المسألة: يرى الحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير أن حكم الأسير دائرٌ بين المن والفداء فقط (٥). وحجتهم: قوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]. • وجه الدلالة: حيث حصرت الآية الكريمة حكم الأسارى بين المن والفداء، والاسترقاق خارج عن هذين الأمرين. النتيجة: أن الإجماع متحقق على مشروعية استرقاق الأسرى في الجملة إن رأى الإمام المصلحة في ذلك، لعدم الخلاف المعتبر، وأما خلاف الحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير فحادث بعد إجماع الصحابة ﵃، فلا يقدح في صحة الإجماع. أن الإجماع متحقق على جواز الاسترقاق للنساء والصبيان والمقاتلين من أهل

стр. 4063

الكتاب لعدم الخلاف المعتبر. أن الإجماع غير متحقق على جواز أسر الرجال الذين لا يقرون بالجزية كمشركي العرب وعبدة الأوثان، ولا من يحرم قتلهم غير النساء والصبيان كالشيخ والزمن والراهب؛ للخلاف بين المذاهب الفقهية في جواز استرقاق هذه الأصناف، واللَّه تعالى أعلم. [١١٧/ ٦] إجراء الرق على من كان قرشيًا: • المراد بالمسألة: إذا ظهر المسلمون على أهل الحرب فأسروهم، فإن من كان منهم من قريش فإنه لا يجوز عليه الرق بحال. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو العباس المنصوري (نحو ٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن قريشًا لا يجوز عليها الرق) نقله عنه ابن القطان في "الإقناع" (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية حيث يرون أن كل العرب لا يجري عليهم الرق ومنهم قريش (٢)، وابن وهب من المالكية (٣)، والشافعية في القديم (٤)، والداودي، وأبو عبيد (٥). • مستند الإجماع: وعللوا ذلك: أنه إكرام لهم عن الذلة، لمكانهم من رسول اللَّه ﷺ فهم قومه المختارون لحمل رسالته، فلا يجري عليهم رق. وعلل الحنفية بقولهم بأن النبي ﷺ نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقهم أظهر، فكان كفرهم -والحالة هذه- أغلظ من كفر العجم (٦). • الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (٧)، والشافعية في الجديد، وبعض الحنابلة

стр. 4064

جواز استرقاقهم (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن القرشي الكافر لا يسترق؛ لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١١٨/ ٧] إسلام الأسير يُسقط عنه القتل: • المراد بالمسألة: أن الأسير من الكفار إذا أسلم بعد أسره، فإنه يسقط عنه حكم القتل خاصة، فيُعصم دمه، ويحرم قتله، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (ولو أسلم الأسير زال القتل اتفاقًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: مجاهد (٣) وهو المذهب عند الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: عن عمران بن حصين قال: "كانت ثقيف حلفاء لبنى عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وأسر أصحاب رسول اللَّه ﷺ رجلًا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول اللَّه ﷺ وهو في الوثاق، قال: يا محمد. فأتاه فقال: "ما شأنك؟ ". فقال: بم أخذتني، وبم أخذت سابقة الحاج (٨)؟ فقال إعظامًا لذلك: "أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف". ثم انصرف عنه فناداه فقال: يا محمد، يا محمد. وكان رسول اللَّه ﷺ رحيمًا رقيقًا فرجع إليه، فقال "ما شأنك؟ ". قال: إني مسلم. قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح". ثم انصرف

стр. 4065

فناداه، فقال: يا محمد، يا محمد. وفادى به النبي ﷺ الرجلين" (١). قال النووي: (معناه: لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر حين كنت مالك أمرك أفلحت كل الفلاح؛ لأنه لا يجوز أسيرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فزت بالإِسلام وبالسلامة من الأسر، ومن اغتنام مالك، وأما إذا أسلمت بعد الأسر فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمن والفداء) (٢). ولأنه سقط القتل بإسلامه لقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوه؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على اللَّه " (٣). ولأن الغرض من قتلهم دفع شرهم، وقد اندفع شرهم بالإسلام (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الأسير إذا أسلم سقط قتله وحرم دمه، لعدم المخالف المعتبر. واللَّه تعالى أعلم. [١١٩/ ٨] بقاء من أسلم بعد أن مُلِك على الرق: • المراد بالمسألة: بيان أن من مُلِك واستُرِق من الكفار، ثم بدا له أن يسلم، فأسلم، أن إسلامه لا يُزيل الرق عنه، فرقُّه باقٍ لمالكه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. * الناقلون للإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من أسلم منهم بعد أن ملك، فإن الرق باقٍ عليه) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).
следующие страницы →