← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

• وفي الاصطلاح: الرق: عجز حكمي شُرع في الأصل جزاء عن الكفر (١). • المراد بالمسألة: إذا ظهر المسلمون على الحربيين؛ فإن الإمام مخيَّرٌ بعد أسرهم أن يحكم عليهم بالرق، فيكونون مملوكين بأيدي المسلمين، وقد نُقل الإجماع على جواز ذلك في الجملة. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فأما النكاية التي هي الاستبعاد، فهي جائزة بطريق الإجماع في جميع أنواع المشركين، أعني ذكرانهم وإناثهم وشيوخهم وصبيانهم وكبارهم إلَّا الرهبان، فإن قومًا رأوا أن يتركوا دون أن يتعرض إليهم لا بقتل ولا استعباد) (٢). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (وكذلك الرقاب أعني الأسارى الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤) في غير ذكور مشركي العرب، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة في غير من لا يقر على الجزية من عبدة الأوثان ومن يحرم قتلهم غير النساء والصبيان (٧)، والظاهرية في غير الحربي من العرب (٨). • مستند الإجماع: ١ - الآيات القرآنية الكريمة التي أباحت ملك اليمين الذي يعني ملكية الرقيق، وهذا يقتضي مشروعية الاسترقاق، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. ٢ - والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة تعز عن الحصر، وقد عقد علماء الحديث أبوابًا عن الاسترقاق ومعاملة الرقيق وتحريرهم، ومن هذه الأحاديث قوله ﷺ : "إن إخوانكم خولكم جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما

стр. 4062

يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم" (١). ٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال لعامل كسرى: "فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم" (٢). • وجه الدلالة: أن قوله: (ملك رقابكم) الظاهر منه هو استرقاق من لم يُقتل من أهل الحرب في القتال الذين يقعون في أسر المسلمين وقبضتهم (٣). ٤ - ومما يدل على جواز الاسترقاق والاستعباد للأسرى إجماع الصحابة ﵃ على ذلك، قال ابن رشد القرطبي (٥٩٥ هـ): (وأجمعت الصحابة بعده على استعباد أهل الكتاب ذكرانهم وإناثهم) (٤). • الخلاف في المسألة: يرى الحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير أن حكم الأسير دائرٌ بين المن والفداء فقط (٥). وحجتهم: قوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]. • وجه الدلالة: حيث حصرت الآية الكريمة حكم الأسارى بين المن والفداء، والاسترقاق خارج عن هذين الأمرين. النتيجة: أن الإجماع متحقق على مشروعية استرقاق الأسرى في الجملة إن رأى الإمام المصلحة في ذلك، لعدم الخلاف المعتبر، وأما خلاف الحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير فحادث بعد إجماع الصحابة ﵃، فلا يقدح في صحة الإجماع. أن الإجماع متحقق على جواز الاسترقاق للنساء والصبيان والمقاتلين من أهل

стр. 4063

الكتاب لعدم الخلاف المعتبر. أن الإجماع غير متحقق على جواز أسر الرجال الذين لا يقرون بالجزية كمشركي العرب وعبدة الأوثان، ولا من يحرم قتلهم غير النساء والصبيان كالشيخ والزمن والراهب؛ للخلاف بين المذاهب الفقهية في جواز استرقاق هذه الأصناف، واللَّه تعالى أعلم. [١١٧/ ٦] إجراء الرق على من كان قرشيًا: • المراد بالمسألة: إذا ظهر المسلمون على أهل الحرب فأسروهم، فإن من كان منهم من قريش فإنه لا يجوز عليه الرق بحال. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو العباس المنصوري (نحو ٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن قريشًا لا يجوز عليها الرق) نقله عنه ابن القطان في "الإقناع" (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية حيث يرون أن كل العرب لا يجري عليهم الرق ومنهم قريش (٢)، وابن وهب من المالكية (٣)، والشافعية في القديم (٤)، والداودي، وأبو عبيد (٥). • مستند الإجماع: وعللوا ذلك: أنه إكرام لهم عن الذلة، لمكانهم من رسول اللَّه ﷺ فهم قومه المختارون لحمل رسالته، فلا يجري عليهم رق. وعلل الحنفية بقولهم بأن النبي ﷺ نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقهم أظهر، فكان كفرهم -والحالة هذه- أغلظ من كفر العجم (٦). • الخلاف في المسألة: ذهب المالكية (٧)، والشافعية في الجديد، وبعض الحنابلة

стр. 4064

جواز استرقاقهم (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن القرشي الكافر لا يسترق؛ لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١١٨/ ٧] إسلام الأسير يُسقط عنه القتل: • المراد بالمسألة: أن الأسير من الكفار إذا أسلم بعد أسره، فإنه يسقط عنه حكم القتل خاصة، فيُعصم دمه، ويحرم قتله، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (ولو أسلم الأسير زال القتل اتفاقًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: مجاهد (٣) وهو المذهب عند الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: عن عمران بن حصين قال: "كانت ثقيف حلفاء لبنى عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وأسر أصحاب رسول اللَّه ﷺ رجلًا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول اللَّه ﷺ وهو في الوثاق، قال: يا محمد. فأتاه فقال: "ما شأنك؟ ". فقال: بم أخذتني، وبم أخذت سابقة الحاج (٨)؟ فقال إعظامًا لذلك: "أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف". ثم انصرف عنه فناداه فقال: يا محمد، يا محمد. وكان رسول اللَّه ﷺ رحيمًا رقيقًا فرجع إليه، فقال "ما شأنك؟ ". قال: إني مسلم. قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح". ثم انصرف

стр. 4065

فناداه، فقال: يا محمد، يا محمد. وفادى به النبي ﷺ الرجلين" (١). قال النووي: (معناه: لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر حين كنت مالك أمرك أفلحت كل الفلاح؛ لأنه لا يجوز أسيرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فزت بالإِسلام وبالسلامة من الأسر، ومن اغتنام مالك، وأما إذا أسلمت بعد الأسر فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمن والفداء) (٢). ولأنه سقط القتل بإسلامه لقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوه؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على اللَّه " (٣). ولأن الغرض من قتلهم دفع شرهم، وقد اندفع شرهم بالإسلام (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الأسير إذا أسلم سقط قتله وحرم دمه، لعدم المخالف المعتبر. واللَّه تعالى أعلم. [١١٩/ ٨] بقاء من أسلم بعد أن مُلِك على الرق: • المراد بالمسألة: بيان أن من مُلِك واستُرِق من الكفار، ثم بدا له أن يسلم، فأسلم، أن إسلامه لا يُزيل الرق عنه، فرقُّه باقٍ لمالكه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. * الناقلون للإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من أسلم منهم بعد أن ملك، فإن الرق باقٍ عليه) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 4066

• مستند الإجماع: ١ - عن عمران بن حصين قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيلٍ، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وأسر أصحاب رسول اللَّه ﷺ رجلًا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول اللَّه ﷺ وهو في الوثاق، قال: يا محمد. فأتاه فقال: "ما شائك؟ ". فقال: بم أخذتني؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال: إعظامًا لذلك "أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف". ثم انصرف عنه، فناداه فقال: يا محمد، يا محمد. وكان رسول اللَّه ﷺ رحيمًا رقيقًا فرجع إليه، فقال: "ما شأنك؟ ". قال: إني مسلم. قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح". ثم انصرف فناداه، فقال: يا محمد، يا محمد. وفادى به النبي ﷺ الرجلين" (١). قال الشافعي: (وهكذا من أسر من المشركين فأسلم حقن له إسلامه دمه، ولم يخرجه إسلامه من الرق) (٢). ٢ - ولأنه سقط القتل بإسلامه، فبقي باقي الخصال من (الاسترقاق، والمن. .) على ما كانت عليه. ٣ - ولأن الرق أثر الكفر؛ لأن الكفار لما استنكفوا عن عبادة اللَّه تعالى جعلهم عبيد عبيدة -سبحانه- فثبوت بقاء الرق باعتبار أثر الكفر، لا باعتبار أنه مسلم (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن مجرد إسلام الرقيق لا يُزيل الرق عنه، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٠/ ٩] الحكم بإسلام الطفل المسبي منفردًا عن أبويه: • المراد بالمسألة: إذا سبي من لم يبلغ الحلم من أولاد الكفار الحربيين، ذكرًا كان أم أنثى فإنه يصير رقيقًا بالسبي، فإذا كان قد سبي وحده منفرذا عن أبويه كليهما، فإنه يُعد مسلمًا تبعًا لسابيه. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وجملته أنه إذا سبي من لم يبلغ من أولاد الكفار صار رقيقًا، ولا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها أن يسبى منفردًا

стр. 4067

عن أبويه فهذا يصير مسلمًا إجماعًا) (١). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (أن يسبى منفردًا عن أبويه فيصير مسلمًا بالإجماع) (٢)، ونقله المرداوي (٨٥٥ هـ) في "الإنصاف" (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة في المذهب (٧)، والظاهرية (٨). قال ابن القيم (٧٥١ هـ): (فإذا سبي الطفل منفردًا عن أبويه حكم بإسلامه؛ لأنه صار تحت ولايته وانقطعت ولاية الأبوين عنه، هذا مذهب الأئمة الأربعة) (٩). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء" (١٠) (١١). • وجه الدلالة: دلَّ الحديث أن الدين يثبت للطفل بطريق التبع، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، لانقطاعهما عنه، أو أحدهما، وإخراجه من دارهما إلى دار الإسلام. فصار

стр. 4068

تابعًا لسابيه المسلم في دينه (١). ولأن للسابي له عليه ولاية، وليس معه من هو أقرب إليه منه، فيتبعه كالأب، وكأن السابي لما أبطل. حريته قَلَبه قلبًا كلِّيًا، فعدم عما كان، وافتتح له وجود تحت يد السابي وولاية، فأشبه تولده بين الأبوين المسلمين (٢). أن تبعيته في الدين لسابيه المسلم أصلح له، فتعيَّن المصير إليه. لأن السابي وليه فهو أولى به، فقام في دينه مقام أبويه كما قام في الولاية والكفالة (٣). • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك الحنابلة في رواية (٤): قال المرداوي (٨٨٥ هـ): (إذَا سُبي الطِّفْلُ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُسْلِمٌ. قال الْمُصَنِّفُ وَالشَّارحُ وَغَيْرُهُمَا: بِالإِجْمَاعِ هذا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَافِرٌ) (٥). وحجتهم: ١ - بالقياس على ما لو سُبِيَ مع والديه فإنه يُحكم بكفره، فكذا لو سبي منفردًا عنهما. ٢ - ولأن يد السابي يد ملك، فلا توجب إسلامه، كيد المشترى. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الطفل إذا سبي منفردًا عن أبويه حكم بإسلامه، لخلاف الحنابلة في رواية عنهم، واللَّه تعالى أعلم. [١٢١/ ١٠] جواز توزيع الأسرى من أهل الكتاب بعد استرقاقهم على الغانمين: • المراد بالمسألة: إذا وقع المحاربون من أهل الكتاب في أسر المسلمين، فإن الإمام مخيَّرٌ فيهم بين الاسترقاق أو المن أو الفداء أو القتل -على خلاف في التفاصيل- فإن اختار استرقاقهم، فإنهم يكونون داخلين في أصل الغنيمة، ويجوز توزيعهم حينئِذٍ على الغانمين، وقد نُقل الإجماع على ذلك.

стр. 4069

• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن للأمام أن يقسم الكتابيين من الأسرى ويُخمِّسهم) (١). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (من صار منهم رقيقًا بضرب الرق عليه، أو فودي بمال فهو كسائر الغنيمة يُخمَّس، ثم يقسم أربعة أخماسه بين الغانمين لا نعلم في هذا خلافًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ١ - عموم قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. • وجه الدلالة: أن قوله سبحانه في الآية الأولى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم جميع ما يغنمه المسلمون من أموال أهل الحرب. وكذا قوله تعالى في الآية الثانية: ﴿مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ فإن (ما) اسم موصول يفيد العموم. فكان عموم الآيتين يقتضي تخميس كل شيء استُولي عليه من الكفار، وقسم سائره في الغانمين، ويدخل في ذلك من ضُرب عليه الرق؛ لأنهم مالٌ من الأموال. ٢ - أن النبي ﷺ قسم فداء أسرى بدر بين الغانمين (٨). • وجه الدلالة: أن الرقيق مال غنمه المسلمون فاشبه باقي مال الغنيمة مثل الخيل والسلاح ونحوه، فتجوز قسمته بين الغانمين (٩).

стр. 4070

النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز توزيع الأسرى من أهل الكتاب بعد استرقاقهم على الغانمين، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٢/ ١١] لا يجوز التفريق بين المسبية وطفلها: • المراد بالمسألة: إذا أسر المسلمون امرأة وولدها الطفل، فلا يجوز أن يفرق بينهما، بأن تباع الأم أو توهب لشخص وطفلها لشخص آخر. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (أجمع أهل العلم على أن التفريق بين المسبية وطفلها الذي لم يبلغ سبع سنين غير جائز) (١). وابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن التفرقة بين الولد وأمه، وهو صغير لم يستغن عنها، ولم يبلغ سبع سنين، أن بيعه غير جائز) (٢). والبلوطي (٣٥٥ هـ) حيث يقول: (وأجمع المؤمنون على المنع من التفريق بين المرأة وولدها حتى يثغر) (٣) (٤). وابن قدامة (٦٢١ هـ) حيث يقول: (أجمع أهل العلم أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز) (٥). وأبو الفرج ابن قدامه (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (أجمع أهل العلم على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز) (٦). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠).

стр. 4071

• مستند الإجماع: ١ - عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من فرق بين والدة وولدها، فرق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة" (١). ٢ - وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يفرق بين الوالدة وولدها"، فقيل إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية" (٢). • وجه الدلالة: أن الحديثين نصٌ في المنع من التفريق بين الوالدة وولدها. ٣ - ولدفع الضرر الواقع على الوالدة والطفل معًا حال التفريق، والقاعدة الشرعية تنص على أن (لا ضرر ولا ضرار) و (الضرر يزال) (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أنه لا يجوز التقريق بين المسبية وابنها الطفل في القسمة، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٣/ ١٢] حل وطء المسبية من أهل الكتاب: • المراد بالمسألة: إذا سبى المسلمون نساء أهل الكفر وكن غير متزوجات، أو مات أزواجهن، ثم أسلمن، فإنهن حلال لمن ملكهن من المسلمين يعد الاستبراء. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على وطء إماء أهل الكتاب بملك اليمين، وانفرد الحسن البصري فقال: لا يجوز) (٤). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (ولإجماعهم على أن السبي يحل المسبية غير متزوجة) (٥). وابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (اتفق أهل العلم فيما ملكه المسلمون من سبايا الكفار فأسلمن، أن وطء من أسلم منهن ولم يكن لها زوج، أو كان فقتل، حلال لسيدها

стр. 4072

بملك اليمين، من أي أصناف الكفر كانت؛ كتابية أو وثنية إذا هي أسلمت واستُبْرِئَت) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) ولم يشترطوا إسلامهن، والظاهرية، واشترطوا إسلامهن (٦). • مستند الإجماع: ١ - لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]. • وجه الدلالة: حيث نصت الآية على إباحة المملوكة لسيدها، ويدخل في ذلك غير ذات الزوج المسلمة دخولًا أوليًّا. ٢ - ولأنه يحل له أن ينكحها، فيحل له أن يتسرَّى بها من باب أولى كالمسلمة (٧). • الخلاف في المسألة: يرى الحسن البصري كراهة وطء الأمة الكتابية لمن ملكها (٨). • وحجته: لأن الأمة الكتابية يحرم نكاحها، فحرم التسري بها كالمجوسية. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على حل المسبية إذا لم تكن ذات زوج، أو مات زوجها، إذا أسلمت؛ لخلاف الحسن البصري ﵁، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٤/ ١٣] وجوب استبراء المسبية التي يقصد وطؤها: • تعريف الاستبراء: • الاستبراء في اللغة: مأخوذ من (برأ) وأضيفت إليه السين والتاء ليدل على البحث عن الشيء والكشف عنه، والوقوف على حقيقته (٩). • وفي الاصطلاح: الكشف عن حال الرحم ليعلم إن كانت بريئة من الحمل (١٠)،

стр. 4073

وذلك بالحيض أو ما يقوم مقامه عند عدمه من الشهور والأيام (١). • المراد بالمسألة: إذا سبيت المرأة من أهل الحرب انفسخ نكاحها من زوجها الحربي إن كانت ذات زوج، وإذا انتقلت ملكيتها إلى مسلم بالقسمة أو بالشراء، فإنها يحل له وطؤها بملك اليمين بشرط استبرائها قبل ذلك، وقد نُقل الإجماع على وجوب الاستبراء. • من نقل الإجماع: أبو الحسن بن المغلِّس (٣٢٤ هـ) حيث يقول: (واتفق الجميع على وجوب الاستبراء، والمراد منه البراءة من الحمل) (٢). وأبو الحسن التميمي (٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن المسبية من أهل الحرب لا عدة عليها، وعليها حيضة الاستبراء، إلَّا الحسن بن صالح؛ فإنه قال: عليها عدة الإماء حيضتان) (٣). والبلوطي (٣٥٥ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء أن المسبية التي زوجها مقيم بدار الحرب أن السباء قد فسخ نكاحها، وأن لمالكها أن يطأها بعد أن يستبرئها بحيضة) نقله عنه ابن القطان في "الإقناع" (٤). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (فهذه الأخبار تمنع من استحدث ملكًا في جارية أن يطأها حتى يستبرئها إن كانت حائلًا، وحتى تضع حملها إن كانت حاملًا، وليس بين فقهاء الأمصار خلاف في وجوب استبراء المسبية على ما ذكرنا) (٥). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول في المرأة إذا كان لها زوج في دار الحرب: (وكافة العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحدًا في أن الجميع بحيضة واحدة) (٦). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك في الجملة: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠).

стр. 4074

• مستند الإجماع: ١ - عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ قال في سبي أوطاس (١): "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة -قال يحيى: أو تستبري بحيضة" (٢). • وجه الدلالة: حيث إنه دالٌ على حكم المسألة بالمطابقة. ٢ - أن الاستبراء إنما شرع لبراءة الرحم وصيانة عن اختلاط الأنساب. النتيجة: أن الإجماع متحقق على وجوب استبراء المسبية التي يقصد وطؤها، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٥/ ١٤] فسخ نكاح المسبية إذا سبيت وحدها دون زوجها: • المراد بالمسألة: إذا سبى المسلمون المرأة المتزوجة من أهل الحرب دون زوجها، فإنه ينفسخ النكاح بينهما، وتكون حلًّا لسيدها دونه، وذلك بعد الاستبراء. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: البلوطي (٣٥٥ هـ) حيث يقول: (وأجمع العلماء أن المسبية التي زوجها مقيم بدار الحرب أن السباء قد فسخ نكاحها، وأن لمالكها أن يطأها بعد أن يستبرئها بحيضة) نقله عنه ابن القطان في "الإقناع" (٣). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (الحال الثاني: أن تسبى المرأة وحدها، فينفسخ النكاح، بلا خلاف علمناه) (٤). وأبو الفرج (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (أن تسبى المرأة وحدها، فينفسخ النكاح بلا خلاف علمنا) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، . . . . . .

стр. 4075

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والمقصود بالمحصنات هنا: المتزوجات، كما قال ابن عباس ﵄: "إلَّا ذوات الأزواج من المسبيات" (٤). ٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج من قومهن، فذكروا ذلك للرسول ﷺ ، فنزلت ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ " (٥). • ووجه الدلالة منهما: أن اللَّه استثنى ذوات الأزواج من المسبيات من محرمات النساء، والمستثنى من الحظر إباحة، فهي إذًا تعد حلالا. ٣ - وعنه ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة"، وفي رواية: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ" (٦). • ووجه الدلالة: أن تحريمه ﷺ الوطء حال الحمل يدل على الحل بعد الوضع. وإنما جعل الحمل عارضًا، متى ما زال حلت، وحيث جعل الاستبراء كان دليلًا على الحل وانفساخ النكاح الأول. • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك ابن حزم الظاهري فقال لا تحل للسيد حتى تسلم، فإذا أسلمت انفسخ نكاحها وحل لسيدها وطؤها بعد الاستبراء. وعلل ما ذهب إليه بقوله: (فإن أسلمت انفسخ نكاحها حين تسلم لما قدمنا، وأما

стр. 4076

بقاء الزوجية فلأن نكاح أهل الشرك صحيح قد أقرهم رسول اللَّه ﷺ عليه، ولم يأت نص بأن سباءهما، أو سباء أحدهما يفسخ نكاحهما) (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن سبي الزوجة وحدها يوجب الفرقة بينها وبين زوجها، ويحلها لسيدها، للخلاف المعتبر من ابن حزم، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٦/ ١٥] فداء الأسير المسلم: • المراد بالمسألة: إذا وقع المسلم أسيرًا في أيدي الأعداء فإنه يجب على المسلمين استنقاذه من الأسر، ولو بدفع فداءٍ نظير إطلاق سراحه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن لإمام المسلمين أن يفدي. أسرى المسلمين من العدو بالعروض من النبات، وغيره غير السلاح والكراع) (٢) وقال: (وأجمعوا أن للأسير المسلم أن يفدي نفسه من العدو) (٣). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أنه إن لم يقدر على فك المسلم المأسور إلَّا بمال يُعطاه أهل الحرب، أن إعطاءهم ذلك المال حتى يفك ذلك الأسير واجب) (٤). وابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (بل ذلك واجبٌ على الإمام (يعنى فداء الأسرى المسلمين) إن هو عَجَزَ عن استنقاذهم بالقتال؛ لأنَّ افتداء المسلمين واجب بالكتاب والسُّنَّة والإجماع) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠).

стр. 4077

• مستند الإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ -يعني: افتداء الأسارى هو مما كتبه اللَّه تعالى- ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] يعني: قتالهم وإخراجهم. ٢ - وعن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُكُّوا العاني -يعني: الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض" (١). • وجه الدلالة: أن قوله ﷺ : "فُكُّوا العاني" أمر وهو للوجوب، ويتجه لكل المسلمين (٢). وسئل مالك: أواجبٌ على المسلمين افتداء من أُسِرَ منهم؟ قال: نعم؛ أليس واجبًا عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم؟ فقيل: بلى. قال: فكيف لا يفتدونهم بأموالهم؟ ! قيل: أراد مالكٌ قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، نزل في قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين. قال مالك: وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكلِّ ما يملكون، فذلك عليهم (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على وجوب استنقاذ الأسر المسلمين ولو بالفداء؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٧/ ١٦] دفع بدل الفداء، إذا كان بإذن الأسير: • المراد بالمسألة: إذا أسر الكفار الحربيون مسلمًا، فاشترى مسلمٌ هذا الأسير، وخلَّصه من أيدي العدو، وكان هذا الشراء بإذن الأسرى، فإنه يلزم الأسير المُشتَرى أن يؤدي إلى المشتري ما دفعه في تخليصه. وقد نُقل الإجماع على ذلك. وصورته: أن يقول الأسير: افتدني من أهل الحرب، أو اشترني منهم (٤).

стр. 4078

• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن الرجل إذا اشترى أسيرًا من أسرى المسلمين بأمره بمال معلوم ودفع المال بأمره، أن له أن يرجع بذلك عليه) (١). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وإجماعهم على أنه لو أمره بالفداء رجع عليه دون جماعة المسلمين) (٢). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وإذا اشترى المسلم أسيرًا من أيدي العدو) ثم قال: (لا يخلو هذا من حالتين، أحدهما: أن يشتريه بإذنه فهذا يلزمه أن يؤدي إلى المشتري ما أداه فيه بغير خلاف نعلمه) (٣). وابن جزي (٧٤١ هـ) حيث يقول: (من فدى أسيرًا بامره رجع عليه بالفدية اتفاقًا) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩). • مستند الإجماع: ١ - قال الشعبي: أغار أهل ماه (١٠) وأهل جلولاء (١١) على العرب، فأصابوا سبايا العرب، فكتب السائب بن الأقرع إلى عمر ﵁ في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم، قد اشتراه التجار من أهل ماه، فكتب عمر ﵁:

стр. 4079

"أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبيل إليه، وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم، فإن الحر لا يباع ولا يشترى" (١). • ووجه الدلالة: أن عمر ﵁ بيَّن أن رؤوس أموال مشتري الأسرى ترد إليهم. ٢ - لأنه إذا أذن فيه كان نائبه في شراء نفسه، فكان الثمن على الآمر، كالوكيل. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الأسير المسلم إذا أذن أو أمر بدفع الفداء عنه، فإنه يرده إلى من اشتراه؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٨/ ١٧] هرب الأسير المسلم، وإضراره بآسريه إذا لم يؤمنوه: • المراد بالمسألة: إذا وقع المجاهد المسلم في الأسر، فقد يتصوَّر خلاصه بلجوئه للفرار، وقد يسبق هذه المحاولة أو يصحبها محاولة الإضرار بآسريه، من قتل لرجالهم، أو أخذٍ لأموالهم ونسائهم وذراريهم. وقد نُقل الإجماع على أن للأسير المسلم إن قدر على التخلُّص منهم والهرب بأي وسيلة، ولو أدى الأمر إلى قتل بعض الأعداء، أو كسر القيود والأغلال، أو أخذ بعض الأموال، ما لم يأخذوا عليه الأمان طائعًا ألَّا يخونهم (٢). • من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن للأسير من المسلمين إذا كان في أيدي العدو، وقدر أن يتخلَّص منهم بقتلهم وأخذ ذراريهم أن له أن يفعل ذلك، ويتخلَّص منهم. وكذلك إن كان في قيده فله أن يكسر قيده ويهرب منهم، وإن قدر أن يأخذ من أموالهم ونسائهم وذراريهم ويقتل من رجالهم ففعل فحلال له ذلك جائز) (٣).

стр. 4080

والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أنه لو أكرهوه فحلف لا يهرب لا يمين عليه لأنه مكره) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - ما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ أنه أقر أبا بصير على فراره من أيدي المشركين، وقتله لبعضهم رغم أن شروط صلح الحديبية كانت تُقرِّر تسليم الفارين من مكة وإعادتهم إلى المشركين، ورغم أنه ﷺ قد ردة قبل ذلك إليهم حين جاء إليهم مسلمًا (٧). ٢ - ولأن قتله لهم من باب الدفع، فجاز ذلك، قياسًا عل دفع الصائل. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز هرب الأسير المسلم وإضراره بآسريه إذا لم يؤمنوه، أو يأخذوا عليه عهدًا، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٩/ ١٨] زوجة الأسير المسلم لا تُنكح حتى تتبيَّن وفاته: • المراد بالمسألة: بيان حكم بقاء نكاح زوجة الأسير المسلم في يد الأعداء، وأن رابطة النكاح لا تزال بينهما لم تنقطع، وعليه فإنها لا تنكح حتى تعلم بيقين وفاته. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن زوجة الأسير لا تُنكح حتى تعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام) (٨). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى

стр. 4081

تعلم يقين وفاته وهذا قول النخعي والزهري ويحيى الأنصاري ومكحول والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان" (٦). • وجه الدلالة: أن الحديث -إن صح- فهو نصٌّ في المسألة. ٢ - ولأن ملكه لعصمة زوجته ثابت، وغيبوبته لا توجب الفرقة والموت محتمل، فلا يزول الثابت باليقين بالاحتمال (٧). هذا وقد فرَّق أهل العلم بين المفقود (٨) وبين الأسير المسلم في يد الأعداء. جاء في"المدونة الكبرى" قوله: (قلت: أرأيت الأسير يفقد في أرض العدو أهو بمنزلة المفقود في قول مالك؟ قال: لا، والأسير لا تتزوج امرأته إلَّا أن ينعى أو يموت. قال: فقيل لمالك: وإن لم يعرفوا موضعه، ولا موقفه بعد ما أسر؟ قال: ليس هو بمنزلة المفقود، ولا تتزوج امرأته حتى يعلم موته، أو يُنعى. قلت: ولم قال مالك في الأسير: إذا لم يعرفوا أين هو إنه ليس بمنزلة المفقود؟ قال: . لأنه في أرض العدو وقد غُرِفَ أنه قد أسر، ولا يستطيع الوالي أن يستخبر عنه في أرض العدو، فليس هو

стр. 4082

بمنزلة من فقد في أرض الإسلام) (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن زوجة الأسير المسلم لا تُنكح حتى تتبيَّن وفاته، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4083

الباب الثاني: مسائل الإجماع في أحكام الجزية والفيء والأمان والهدنة وفيه تمهيد، وأربعة فصول: • تمهيد: تعريف الجزية، وأنواعها. • الفصل الأول: مسائل الإجماع في أحكام الجزية. • الفصل الثاني: مسائل الإجماع في أحكام الفيء. • الفصل الثالث: مسائل الإجماع في أحكام الأمان. • الفصل الرابع: مسائل الإجماع في أحكام الهدنة. * * *

стр. 4084

الفصل الأول مسائل الإجماع في الجزية، وعدد مسائله (٢٢) مسألة تمهيد: تعريف الجزية، وأنواعها: • أولًا: تعريف الجزية: • الجزية في اللغة: مشتقة من الْمُجَازَاةِ، لِكَفِّنَا عَنْهُمْ. وَقِيلَ: من الْجَزَاءِ، بِمَعْنَى الْقَضَاءِ يُقَال: جَزَيْت دَيْنِي، أَيْ: قَضَيْته، وَجَمْعُهَا جِزًى كَقَرْيَةٍ وَقُرًى. والجزية اسم هيئة لأنها تدل على هيئة أخذ المال من الكافر كائها جزاء على إسكاننا إيّاه في دارنا، أو جزاء بقائه على كفره وعصمتنا دمه وماله وعياله (١). وتُطْلَقُ الْجِزْيَةُ على الْعَقْدِ وَعَلَى الْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ (٢). • وفي الاصطلاح: عرَّفها الحنفية بأنّها: (اسم لما يؤخذ من أهل الذِّمَّة وسميت بذلك لأنها تجزئ من القتل) (٣). وعرَّفها المالكية بأنها: (ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن في مائهم مع إقرارهم على كفرهم عنوة أو صلحًا) (٤). وعرّفها الشافعيّة بأنّها: (المال المأخوذ بالتّراضي لإسكاننا إيّاهم في ديارنا، أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفّنا عن قتالهم) (٥). وعرَّفها الحنابلة بأنّها: (ما يؤخذ من الكفار على إقامتهم تحت أيدي

стр. 4085

المسلمين) (١). • ثانيًا: أنواع الجزية: الجزية -باعتبار المحل الذي تجب فيه- نوعان: جزية رؤوس، وجزية أموال: جزية الرؤوس: وهي ما يُفرض على أشخاص أهل الذمة. وهي على ضربين: • الضرب الأول: الجزية العنوية: وهي المأخوذة من الكفار الذين فتحت بلادهم قهرًا وغلبة. لِأَمْنِهمِ بِاسْتِقْرَارِهمِ تَحْتَ حُكْمِ الإسلام وَصَوْنِهِم. • الضرب الثاني: الجزية الصلحية: وَهِيَ الْمَأْخُوذَةُ مِمَّنْ مَنَعُوا أنفسهم وَحَفِظُوهَا برضاهم وَطَلَبوا الإقامة بِبَلَدِهِم، فَتُقْبَلُ منهم وَلَوْ بَعُدَتْ أماكنهم؛ لأنهم صَالَحُونَا على الْبَقَاءِ فيها (٢). ٢ - جزية الأموال (العشور): وهي ما يُفرض على الأموال التجارية لأهل الذمة إذا اتجروا بها في بلاد المسلمين، كالعشر ونصف العشر (٣). قال ابن تيمية: (العشور التي تؤخذ من الذمي تدخل في أحكام الجزية) (٤). [١٣٠/ ١] مشروعية الجزية: • المراد بالمسألة: أنه إذا فتح المسلمون ديار الكفار، فإن الكفار يُخيرون بين الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتل، فإن اختاروا دفع الجزية كان ذلك بمثابة الخضوع العام للنظام الاسلامي ويتركون على كفرهم، وقد نُقل الإجماع على جواز أخذ الجزية من الكفار في الجملة.

стр. 4086

• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة) (١) وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول (والجزية ركن من أركان الفيء، والفيء حلال للأغنياء بإجماع من العلماء) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: حيث نصَّت الآية الكريمة على أن الغاية التي ينبغي عندها وقف القتال ضد الكفار هي إعطاؤهم الجزية، وأن يلتزموا بالصغار (٨). ٢ - عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال-، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. . . فإن هم أبوا فسلهم الجزبة، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن باللَّه وقاتلهم. . " (٩).

стр. 4087

• وجه الدلالة: أن قوله ﷺ : "فإن هم أبوا فسلهم الجزية" يدل على مشروعيَّة الجزية وإقرارها. ٣ - وجاء أن المغيرة بن شعبة قال لعامل كسرى بين يدي معركة "نهاوند" في بلاد فارس ما نصه: "فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم" (١). • وجه الدلالة: حيث ينص الحديث على الأمر بقتال الكفار حتى يُسلموا، أو يؤدوا الجزية، فدلَّ ذلك على مشروعية أخذ الجزية. ٤ - وفعل النبي ﷺ ، فقد أخذ الجزية من مجوس هجر (٢) (٣)، ومن نصارى نجران (٤) (٥)، وصالح أُكيدر دومة الجندل على الجزية (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق على مشروعية الجزية في الجملة، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ ابن حجر: (قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام) (٧).

стр. 4088

[١٣١/ ٢] الجزية لقاء الهدنة: • تعريف الهدنة: • الهدنة في اللغة: السكون: مأخوذ من هدن الأمر، أو الشخص يهدن هدونًا. سكن بعد الهيج، ويقال: هادنه مهادنة: صالحه (١). • وفي الاصطلاح: هي عقد يقيمه الإمام أو نائبه مع الحربيين مدة محددة من الزمن بعوض أو بغير عوض (٢). • المراد بالمسألة: إذا عقد الإمام مع دار الحرب عقدًا لمدة زمنية محدودة على أن يكون العوض من الكفار، فإن ذلك جائز وهو من جنس الجزية (٣)، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن إعطاء المهادنة على إعطاء الجزية بالشروط التي قدمنا جائزة) (٤). المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (قوله: (وإن سألوا الموادعة بمال أو غيره: جاز، إن كانت المصلحة فيه). . . تنبيه: قوله: "بمال وغيره" أما المال: فلا نزاع فيه) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: ١ - ما جاء عن ابن إسحاق أنه قال: "فلما انتهى رسول اللَّه ﷺ

стр. 4089

إلى تبوك أتاه يُحنَّة بن رؤبة صاحب أيلة (١)، فصالح رسول اللَّه ﷺ وأعطاه الجزية" (٢). • وجه الدلالة: حيث دلَّ هذا الحديث أن المهادنة التي كانت بين النبي ﷺ وبين يُحنَّة ملك (أيلة)، كانت على أساس دفع جزية معينة، وهذا يدل على مشروعية أخذ الجزية لقاء الهدنة. ٢ - أن الهدنة إذا جازت على غير مال، فعلى مال وهو أكثر نفعًا أولى (٣). ٣ - أن في ذلك مصلحة للمسلمين (٤). ٤ - أن أخذ الجزية منهم في هذه الحالة نوع من الجهاد؛ لما فيه من كسر شوكتهم، وإضعاف مادتهم (٥). • الخلاف في المسألة: يرى بعض العلماء أنه وإن جاز أخذ العوض من الكفار مقابل المصالحة والهدنة معهم فإن هذا العوض لا يُعَدّ جزية. يقول ابن رشد: (وقوم لم يجيزوها -أي: الهدنة- إلَّا لمكان الضرورة الداعية لأهل الإسلام من فتنة أو غير ذلك، إما بشيء يأخذونه منهم لا على حكم الجزية إذ كانت الجزية إنما شرطها أن تؤخذ منهم وهم بحيث تنفذ عليهم أحكام المسلمين) (٦). ويقول ابن المناصف: (فأمَّا مصالحة من صولح من العدو على مالٍ يُؤذونه، وإقرارهم هناك على حالِ مملكتهم ومنعتهم؛ فليس هذا من باب الجزية في شيء، وهي مهادنة، ولا تجوز إلَّا لضرورة) (٧). ولمناقشة هذا الرأي يمكن القول: أن ما يعطيه الكفار لقاء الهدنة وإن كان لا يسمى جزية فإن له حكم الجزية، ولذا قال العلماء: والمال الذي هودنوا عليه مثل

стр. 4090

الجزية (١)، لأن الكل يدخل في الفيء وهو كل ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب كالعشور والجزية وما هربوا عنه (٢). أنه لا مشاحة في الاصطلاح، فإن الجزية لفظ مشترك، فإذا اصطلح كثير من الفقهاء وضع لفظ (الجزية) على البدل الذي يؤديه أهل الذمة وهم من عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الإسلام إذ هم مقيمون في بلاد الإسلام، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن ما يؤديه أهل الهدنة الذين صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم ولا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة. أن ذلك لا يدخل في حكم الجزية؛ إذ الكل أهل عهد يجب الكف عنهم ما داموا مقيمين عليه ولم ينقضوه (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز أخذ الجزية لقاء الهدنة، لعدم وجود المخالف المعتبر. وأما خلاف بعض أهل العلم في تسمية ذلك (جزية) فإنه خلاف لفظي لا يخرم الإجماع؛ إذ الكل يُعد فيئًا للمسلمين، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٢/ ٣] مقدار الجزية العنوية: • المراد بالمسألة: بيان أن المقدار المالي الذي يقبل ويجزئ عمَّن أدَّاه في (الجزية العنوية) ثابتٌ ومقدَّرٌ في الشرع، وأن أربعة دنانير من الذهب، أو قيمتها من الفضة قدر يجزئ في الجزية في انقضاء كل عام قمري. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو الحسن بن المُغلِّس (٣٢٤ هـ) حيث يقول: (والجزية المأخوذة: هي ما أخذه عمر بن الخطاب ﵁ من أهل الذمة، أربعة دنانير، أو قيمتها من الورق. واتفق الفقهاء على إيقاع اسم الجزية على هذا المقدار، واختلفوا في إيقاعه على ما دونه) نقله عنه ابن القطان الفاسي (٤). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (وذكر يحيى بن آدم أن الجزية على مقدار

стр. 4091

الاحتمال بغير توقيت وهو خلاف الإجماع) (١). وابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أنه إن أعطى كل من ذكرنا عن نفسه وحدها فقيرًا كان أو غنيًّا أو معتقًا أو حرًّا أربعة مثاقيل ذهبًا في انقضاء كل عام قمري بعد أن يكون صرف كل دينار اثني عشر درهمًا كيلًا فصاعدًا على أن يلتزموا على أنفسهم. . . (ما ذكره من شروط الذمة). . . فقد حرمت دماء كل من وفى بذلك وماله وأهله وظلمه) (٢). وشيخي زاده الحنفي (١٠٧٨ هـ) حيث يقول: (توضع الجزية على الظاهر الغنى في السنة ثمانية وأربعون درهمًا، يؤخذ منه في كل شهر أربعة دراهم، وعلى المتوسط في الغنى نصفها أي أربعة وعشرون درهمًا، يؤخذ منه في كل شهر درهمان، وعلى الفقير القادر على الكسب ربعها أي: اثنا عشر درهمًا، يؤخذ منه في كل شهر درهم، نقل ذلك عن عمر وعثمان وعلي رضي اللَّه تعالى عنهم، والصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم متوافرون لم ينكر عليهم أحد منهم، فصار إجماعًا) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة في رواية (٧)، والظاهرية (٨) أن للجزية مقدارًا محدَّدًا بالشرع، وأن من بذل من أهل الجزية أربعة دنانير من الذهب أو قيمتها من الفضة أجزأت عنه، وإن اختلفوا في إيقاع الجزية فيما دون ذلك (٩).

стр. 4092

• مستند الإجماع: استند جمهور الفقهاء القائلين بالتقدير بالشرع على عدد من الأحاديث والآثار التي تضمنت تقديرًا في الجزية ومنها: عن معاذ ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ لما وجَّهه إلى اليمن، أمَره أنْ يأخذ من كل حالمٍ -يعني: محتلمٍ- دينارًا، أو عَدله من المَعَافِر -ثيابٌ تكون باليمن" (١). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث أن للجزية مقدارًا مؤقتًا شرعًا لا ينقص عنه، وهو الدينار. قول الشافعية، أو ما يُقابله من الأموال الأخرى. كما استندوا على ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ من ضرائب مختلفة ومنها ما يأتي: عن عمر بن الخطاب "أنه ضَرَبَ الجزية على أهل الذَّهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعين درهمًا، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام" (٢). وعنه ﵁: "أنه بعث عثمان بن حنيف بوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين، واثني عشر" (٣).

стр. 4093

• وجه الدلالة: حيث دلَّت هذه النصوص الأثرية على التوقيت في مقدار الجزية، وما روي عن عمر ﵁ لا يحتمل أن يكون رأيًا؛ لأن المقدرات سبيل معرفتها التوقيف والسماع، وقد بلغ أعلى توقيت منها أربعة دنانير من الذهب أو ما يُعادلها من الفضة، فمن أدَّى هذا القدر من الجزية قبل منه في قول سائر من قال بتوقيت مقدار الجزية (١). • الخلاف في المسألة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "نقد مراتب الإجماع" -بعد ما نقل كلام ابن حزم السابق مبينًا أن المسألة مختلف فيها لا مجمعٌ عليها-: (قلت: للعلماء في الجزية هل هي مقدَّرةٌ بالشرع أو باجتهاد الإمام أن يزيد على أربعة دنانير؟ وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، هي مذهب عطاء والثوري ومحمد بن الحسن وأبي عبيد وغيرهم) (٢). قد خالف في هذه المسألة بعض العلماء فقالوا: إن الجزية ليس لها مقدارٌ مؤقت شرعًا، بل إن مرجعها إلى الإمام، فله أن يزيد وينقص على قدر ما يراه، وهو قول عطاء ابن أبي رباح، والثوري، وأبي عبيد، ويحيى بن آدم، وقول لمالك (٣)، والصحيح في مذهب الحنابلة (٤)، قال الخلال: وهو الذي عليه العمل (٥)، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (٦). واستدلوا لذلك بما يأتي: بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فلفظ الجزية في الآية مطلق غير مقيد بقليل أو كثير، فينبغي أن يبقى على إطلاقه، غير أن الإمام لما كان ولي أمر المسلمين جاز له أن يعقد مع أهل الذمة عقدًا على الجزية بما يحقق مصلحة

стр. 4094

المسلمين لأن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة (١). ولأن النبي ﷺ أمر معاذًا أن يأخذ من كل حالم دينارًا (٢)، وصالح أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر والباقي في رجب (٣). و"جعل عمر بن الخطاب الجزية على ثلاث طبقات: على الغني ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير اثني عشر درهمًا" (٤). فهذا الاختلاف يدل على أنها إلى رأي الإمام، لولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع هذه المواضع ولم يجز أن تختلف (٥). ويؤيد ذلك ما روي عن أبي نجيح. قلت لمجاهد: "ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من أجل اليسار" (٦). ولأن المال المأخوذ على الأمان ضربان: هدنة وجزية، فلما كان المأخوذ هدنة إلى اجتهاد الحاكم، فكذلك المأخوذ جزية، ولأن الجزية عوض، فلم تتقدر بمقدار واحد في جميع المواضع كالأجرة (٧). وقال أبو عبيد: "وهذا عندنا مذهب الجزية والخراج، إنما هما على قدر الطاقة من أهل الذمة، بلا حَمْلٍ عليهم، ولا إضرارٍ بفيء المسلمين، ليس فيه حَدٌّ مؤقت" (٨). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق في مقدر الجزية، لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4095

[١٣٣/ ٤] أخذ الجزية من أهل الكتاب: • تعريف أهل الكتاب: أهل الكتاب: هم من يعتقد دينًا سماويًّا، أي: منزلًا بكتاب؛ كاليهود والنصارى. فاليهود كتابهم التوراة، والنصارى كتابهم الإنجيل، وهم الذين توجَّه إليهم الخطاب في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ (١). • والمراد بالمسألة: أن الجزية يُشرع أخذها وتقبل من أهل الكتاب، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: عبد القاهر البغدادي (٤٢٩ هـ) حيث يقول: (وأجمع فقهاء الإسلام على استباحة ذبائح اليهود والسامرة والنصارى، وعلى جواز نكاح نسائهم وعلى جواز قبول الجزية منهم) (٢). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على وجوب أخذ الجزية من اليهود والنصارى، ممن كان منهم من الأعاجم (٣) الذين دان أجدادهم بدين من الدينين قبل مبعث الرسول ﷺ ولم يكن معتقًا ولا بَدَّلَ ذلك الدين بغيره) (٤). والبغوي (٥١٦ هـ)، وابن عادل الدمشقي الحنبلي (بعد ٨٨٠ هـ) حيث يقولان:

стр. 4096

(اتَّفَقَتِ الأمةُ على جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب، وهم اليهودُ والنصارى إذا لم يكونوا عربًا) (١). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى. وكذلك على ضرب الجزية على المجوس) (٢). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفق الأئمة على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وعلى المجوس، فلا تؤخذ من عبدة الأوثان مطلقًا) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على أخذ الجزية من أهل الكتاب في الجملة: الحنفية، (٤) والمالكية، (٥) والشافعية، (٦) والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: حيث أمر اللَّه تعالى بقتال أهل الكتاب، ولم يجعل لذلك غاية إلا أن يسلموا، أو يؤدوا الجزية. ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: "صالح رسول اللَّه ﷺ أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، والنصف في رجب، يؤدونها إلى المسلمين. . " (٩). • وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أخذ الجزية من أهل نجران، وكانوا من النصارى. قال الزهري: (أول من أعطى الجزية أهل نجران، وكانوا نصارى) (١٠).

стр. 4097

٢ - عن معاذ ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ لما وجَّهه إلى اليمن، أمَره أنْ يأخذ من كل حالمٍ -يعني: محتلمٍ- دينارًا، أو عَدله من المعافر -ثيابٌ تكون باليمن" (١). • وجه الدلالة: فيه دلالة أن الجزية تعقد لليهود والنصارى؛ لأن أهل اليمن كان فيهم أتباع لهاتين الديانتين (٢). • الخلاف في المسألة: ذهب الحسن البصري وأبو يوسف من الحنفية إلى أن العرب من أهل الكتاب لا تؤخذ منهم الجزية، وإنما الأعاجم منهم (٣). وخصَّصوا عموم الآية، ناظرين إلى شرف العرب، وكون النبي ﷺ منهم، ومستدلين لرأيهم: أن النبي ﷺ قال لقريش: "إني أريد منهم كلمة واحدة، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية" (٤). قال ابن القيم رادًّا على هذا القول: (ولم يفرق رسول اللَّه ﷺ ، ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسول اللَّه ﷺ من نصارى العرب، وأخذها من مجوس هجر، وكانوا عربًا، فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة منهم تدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسًا لمجاورتها فارس، وتنوخ وبهرة وبنو تغلب نصارى (٥) لمجاورتهم للروم، وكانت قبائل من اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن، فأجرى رسول اللَّه ﷺ أحكام الجزية، ولم يعتبر آباءهم، ولا متى دخلوا في دين أهل الكتاب) (٦).

стр. 4098

النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق على أخذ الجزية من أعاجم أهل الكتاب، لعدم المخالف في ذلك. ٢ - أن الإجماع غير متحقق على أخذ الجزية من العرب من أهل الكتاب، لخلاف أبي يوسف، وإن كان رأيه مرجوح لضعف دليله. ٣ - دقَّة الإمام ابن حزم، والبغوي، وابن عادل الحنبلي في حكاية الإجماع، حيث قيدوا أخذ الجزية بأعاجم أهل الكتاب، بخلاف غيرهم ممن أطلق أهل الكتاب، ولم يُقيدهم. [١٣٤/ ٥] أخذ الجزية من المجوس: • تعريف المجوس: المجوس هم: الذين أثبتوا أصلين للعالم هما: (إله النور) خالق الخير واسمه: يزدان. و (إله الظلمة) خالق الشَّر، واسمه: أهرمن. والمجوس يعظمون النيران والأنوار. وانقسموا إلى مذاهب كثيرة منها: الثنوية، والزرادشتية، والمركونية، والمزدكية، والتناسخية (١). • المراد بالمسألة: أن الجزية يُشرع أخذها وتقبل من المجوس، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (أخذ الجزية من المجوس جائز بالإجماع) (٢). ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمع عوام أهل العلم من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، على أخذ الجزية من المجوس) (٣)، وقال: (فالجزية يجب أخذها من المجوس للأخبار التي جاءت في ذلك، ولأني لا أعلم في ذلك اختلافًا) (٤). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (ولم يختلفوا في جواز إقرار المجوس

стр. 4099

بالجزية) (١)، ويقول: (ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء في جواز أخذ الجزية من المجوس) (٢). والماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: (وقد أخذ رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر منهم الجزية، وانتشار هذا مع عدم المخالف فيه إجماع منعقد، ولأن الاتفاق على جواز أخذ الجزية منهم) (٣). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (فلا خلاف بين العلماء أن المجوس تؤخذ منهم الجزية) (٤) وقال: (ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الجزية تؤخذ من المجوس) (٥). وابن رشد (٥٢٠ هـ) حيث يقول: (فأما الذين تؤخذ الجزية منهم باتفاق فأهل الكتاب والمجوس والعجم) (٦). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (وكذلك اتفقوا على ضرب الجزية على المجوس) (٧). وابن رشد (الحفيد) (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فإن العلماء مجمعون على أنه يجوز أخذها من أهل الكتاب العجم ومن المجوس) (٨)، وقال: (وكذلك اتفق عامة الفقهاء على أخذها من المجوس) (٩). والرازي (٦٠٦ هـ) حيث يقول: (المسألة الرابعة: اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. . .) (١٠). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وجملته أن الكفار ثلاثة أقسام. . . وقسم لهم شبهة كتاب وهم المجوس، فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم وإقرارهم بها؛ لقول النبي ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في هذين القسمين) (١١).

стр. 4100

وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (فإن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين) (١). وابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (فأجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس) (٢). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفق الأئمة على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وعلى المجوس، فلا تؤخذ من عبدة الأوثان مطلقًا) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - ما ثبت "أن رسول اللَّه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر" (٩). ٢ - أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أشهد لقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١٠). • وجه الدلالة: أن هذين الحديثين صريحا الدلالة على مشروعية أخذ الجزية من المجوس. ٣ - أن المغيرة بن شعبة ﵁ قال لعامل كسرى بين يدي معركة "نهاوند" في بلاد
следующие страницы →