← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

(اتَّفَقَتِ الأمةُ على جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب، وهم اليهودُ والنصارى إذا لم يكونوا عربًا) (١). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى. وكذلك على ضرب الجزية على المجوس) (٢). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفق الأئمة على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وعلى المجوس، فلا تؤخذ من عبدة الأوثان مطلقًا) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على أخذ الجزية من أهل الكتاب في الجملة: الحنفية، (٤) والمالكية، (٥) والشافعية، (٦) والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: حيث أمر اللَّه تعالى بقتال أهل الكتاب، ولم يجعل لذلك غاية إلا أن يسلموا، أو يؤدوا الجزية. ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: "صالح رسول اللَّه ﷺ أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، والنصف في رجب، يؤدونها إلى المسلمين. . " (٩). • وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أخذ الجزية من أهل نجران، وكانوا من النصارى. قال الزهري: (أول من أعطى الجزية أهل نجران، وكانوا نصارى) (١٠).

стр. 4097

٢ - عن معاذ ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ لما وجَّهه إلى اليمن، أمَره أنْ يأخذ من كل حالمٍ -يعني: محتلمٍ- دينارًا، أو عَدله من المعافر -ثيابٌ تكون باليمن" (١). • وجه الدلالة: فيه دلالة أن الجزية تعقد لليهود والنصارى؛ لأن أهل اليمن كان فيهم أتباع لهاتين الديانتين (٢). • الخلاف في المسألة: ذهب الحسن البصري وأبو يوسف من الحنفية إلى أن العرب من أهل الكتاب لا تؤخذ منهم الجزية، وإنما الأعاجم منهم (٣). وخصَّصوا عموم الآية، ناظرين إلى شرف العرب، وكون النبي ﷺ منهم، ومستدلين لرأيهم: أن النبي ﷺ قال لقريش: "إني أريد منهم كلمة واحدة، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية" (٤). قال ابن القيم رادًّا على هذا القول: (ولم يفرق رسول اللَّه ﷺ ، ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسول اللَّه ﷺ من نصارى العرب، وأخذها من مجوس هجر، وكانوا عربًا، فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل طائفة منهم تدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسًا لمجاورتها فارس، وتنوخ وبهرة وبنو تغلب نصارى (٥) لمجاورتهم للروم، وكانت قبائل من اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن، فأجرى رسول اللَّه ﷺ أحكام الجزية، ولم يعتبر آباءهم، ولا متى دخلوا في دين أهل الكتاب) (٦).

стр. 4098

النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق على أخذ الجزية من أعاجم أهل الكتاب، لعدم المخالف في ذلك. ٢ - أن الإجماع غير متحقق على أخذ الجزية من العرب من أهل الكتاب، لخلاف أبي يوسف، وإن كان رأيه مرجوح لضعف دليله. ٣ - دقَّة الإمام ابن حزم، والبغوي، وابن عادل الحنبلي في حكاية الإجماع، حيث قيدوا أخذ الجزية بأعاجم أهل الكتاب، بخلاف غيرهم ممن أطلق أهل الكتاب، ولم يُقيدهم. [١٣٤/ ٥] أخذ الجزية من المجوس: • تعريف المجوس: المجوس هم: الذين أثبتوا أصلين للعالم هما: (إله النور) خالق الخير واسمه: يزدان. و (إله الظلمة) خالق الشَّر، واسمه: أهرمن. والمجوس يعظمون النيران والأنوار. وانقسموا إلى مذاهب كثيرة منها: الثنوية، والزرادشتية، والمركونية، والمزدكية، والتناسخية (١). • المراد بالمسألة: أن الجزية يُشرع أخذها وتقبل من المجوس، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (أخذ الجزية من المجوس جائز بالإجماع) (٢). ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمع عوام أهل العلم من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، على أخذ الجزية من المجوس) (٣)، وقال: (فالجزية يجب أخذها من المجوس للأخبار التي جاءت في ذلك، ولأني لا أعلم في ذلك اختلافًا) (٤). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (ولم يختلفوا في جواز إقرار المجوس

стр. 4099

بالجزية) (١)، ويقول: (ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء في جواز أخذ الجزية من المجوس) (٢). والماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: (وقد أخذ رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر منهم الجزية، وانتشار هذا مع عدم المخالف فيه إجماع منعقد، ولأن الاتفاق على جواز أخذ الجزية منهم) (٣). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (فلا خلاف بين العلماء أن المجوس تؤخذ منهم الجزية) (٤) وقال: (ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الجزية تؤخذ من المجوس) (٥). وابن رشد (٥٢٠ هـ) حيث يقول: (فأما الذين تؤخذ الجزية منهم باتفاق فأهل الكتاب والمجوس والعجم) (٦). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (وكذلك اتفقوا على ضرب الجزية على المجوس) (٧). وابن رشد (الحفيد) (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فإن العلماء مجمعون على أنه يجوز أخذها من أهل الكتاب العجم ومن المجوس) (٨)، وقال: (وكذلك اتفق عامة الفقهاء على أخذها من المجوس) (٩). والرازي (٦٠٦ هـ) حيث يقول: (المسألة الرابعة: اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. . .) (١٠). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وجملته أن الكفار ثلاثة أقسام. . . وقسم لهم شبهة كتاب وهم المجوس، فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم وإقرارهم بها؛ لقول النبي ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في هذين القسمين) (١١).

стр. 4100

وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (فإن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين) (١). وابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (فأجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس) (٢). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفق الأئمة على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وعلى المجوس، فلا تؤخذ من عبدة الأوثان مطلقًا) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - ما ثبت "أن رسول اللَّه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر" (٩). ٢ - أن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أشهد لقد سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١٠). • وجه الدلالة: أن هذين الحديثين صريحا الدلالة على مشروعية أخذ الجزية من المجوس. ٣ - أن المغيرة بن شعبة ﵁ قال لعامل كسرى بين يدي معركة "نهاوند" في بلاد

стр. 4101

فارس ما نصه: "فأمرنا نبينا، رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده، أو تؤدوا الجزية" (١). • وجه الدلالة: أن طلب المغيرة ﵁ من الفرس وهم مجوس -أداء الجزية دليل على مشروعية أخذها من المجوس. ٤ - عن أبي موسى الأشعري عن حذيفة بن اليمان قال: "لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها" (٢). • الخلاف في المسألة: خالف في ذلك بعض أهل العلم على قولين: • القول الأول: أن الجزية لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط (٣). وحكي عن عبد الملك بن حبيب. ولم يُذكر له دليلًا، اللهم إلا أن يكون استمساكًا بظاهر القرآن في أخذ الجزية من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى فقط في قول أكثر أهل العلم. لكن يمكن أن يُجاب عن ذلك بما قال أبو عبيد: (فالجزية مأخوذة من أهل الكتاب بالتنزيل، ومن المجوس بالسنة) (٤). • القول الثاني: أن الجزية تؤخذ من مجوس العجم دون العرب (٥). وهو قول يُنسب إلى بعض الحنفية بناءً على تفريقهم بين أعاجم أهل الكتاب والعرب منهم. النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق على أخذ الجزية من المجوس العجم، وأما خلاف عبد الملك ابن حبيب فلا يخرم الإجماع؛ لأنه رأي شاذ محجوج بالسنة الصحيحة الصريحة.

стр. 4102

٢ - وأما المجوس العرب فالإجماع غير متحقق على مشروعية أخذ الجزية منهم، كما مضى في أهل الكتاب، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٥/ ٦] عدم أخذ الجزية من مشركي العرب: • المراد بالمسألة: أن الجزية لا تُعقد للمشركين من العرب، ولكن يدعون إلى الإسلام، فإن أسلموا وإلا قوتلوا، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن جرير الطَّبريُّ (٣١٠ هـ) حيث يقول: (أجمعوا على أنَّ رسول اللَّه ﷺ أبي أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب، ولم يقبل منهم إِلَّا الإسلام أو السَّيف) (١). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (لم يختلف مسلمان في أن رسول اللَّه ﷺ لم يقبل من الوثنيين من العرب إلا الإسلام أو السيف إلى أن مات ﷺ ، فهو إكراه في الدين) (٢). والدمشقي (٧٨٠ هـ) حيث يقول: (اتفق الأئمة على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وعلى المجوس، فلا تؤخذ من عبدة الأوثان مطلقًا) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، وقول عند المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، وأبو ثور، وداود، وجماعة من أهل العلم سواهم (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. فهذا عموم خُص منه أهل الكتاب بالذمة، بقوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا

стр. 4103

يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، فهذه الآية تقضي بجواز أخذ الجزية من أهل الكتاب خاصة، وأما ما عداهم من الكفار فيبقى على العموم (١). ٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. . . " الحديث (٢). • وجه الدلالة: أن الحديث عام في قتال جميع الكفار، وعدم قبول الجزية منهم، ولم يُخصَّص من هذا العموم إلا أهل الكتاب والمجوس، فمن عداهم من الكفار يبقى على العموم، فلا تقبل الجزية من عبدة الأوثان سواء أكانوا عربًا أم عجمًا. ولأن المشركين من عبدة الأوثان لم يكن عندهم سابقة من التوحيد والنبوة وشريعة فلا حرمة لمعتقدهم. ٣ - ولأن النبي ﷺ لم يأخذ الجزية من مشركي العرب (٣). ٤ - وما روي عن الزهري: "أن النبي ﷺ صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من كان منهم من العرب" (٤). ٥ - واستدلوا من المعقول: بأن كفرهم قد تغلظ؛ لأن النبي ﷺ نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقهم أظهر، لأنهم كانوا أعرف بمعانيه ووجوه الفصاحة فيه. وكل من تغلظ كفره لا يقبل منه إلا الإسلام، أو السيف لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] أي: تقاتلونهم إلى أن يسلموا. • الخلاف في المسألة: وذهب مالك في قول: وهو الراجح عند المالكية (٥) -

стр. 4104

والأوزاعي (١) إلى أن الجزية تقبل من جميع الكفار، ومنهم المشركون وعبدة الأوثان، سواء أكانوا من العرب، أم من العجم، وسواء أكانوا قرشيين أم غير قرشيين. وصححه ابن العربي، وإليه ذهب ابن القيم، والشوكاني، والصنعاني (٢). • واستدلوا لذلك بما يلي: ١ - بحديث بريدة قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى اللَّه. . . وقال: "اغزوا بايم اللَّه، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم" (٣). وذكر من هذه الخصال الجزية؛ فقوله ﷺ : "عدوك من المشركين"، قال القاضي عياض: (فيه حجة لمالك وأصحابه في أخذ الجزية من كل كافر، عربيا كان أو غيره، كتابيا أو غيره) (٤). ٢ - واستدلوا لقبول الجزية من عبدة الأوثان بالقياس على المجوس، بجامع أن كلًّا منهما ليس له كتاب منزَّل (٥). بل إن كفر المجوس أغلظ من عبادة الأصنام، فكيف يجعل المجوس الذين دينهم أقبح الأديان أحسن حالًا من مشركي العرب، فتُقبل منهم الجزية دون مشركي العرب (٦). ونقل عن مالك أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا مشركي قريش. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على عدم أخذ الجزية من مشركي العرب، لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4105

[١٣٦/ ٧] لا جزية على المرتد: • تعريف المرتد: المرتد: هو المكلف الذي يرجع عن الإسلام طوعًا إما بتصريح بالكفر، أو بلفظ يقتضيه، أو بفعل يتضمنه (١). • المراد بالمسألة: أن المرتد عن الإسلام -والعياذ باللَّه- لا يمر على كفره بالجزية، بخلاف غيره من الكفار (٢)، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (وبرهان ذلك: إجماعكم معنا على أن المرتد لا يقر على ردته، بخلاف المشرك الكتابي الذي يقر على كفره إذا أدى الجزية صاغرًا وتذمم، وأنه لا يقبل من المرتد جزية أصلًا)، ثم حكى أن قومًا ادعوا الإجماع على عدم قبول الجزية من المرتد حيث يقول: "فإن ادعوا أن المرتد لا تقبل منه جزية، ولا تؤكل ذبيحته، ولا يسترق إجماعًا) (٣). والماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: (أما المرتدون إذا كانوا في دار الإسلام ولم يلحقوا بدار الحرب فلا خلاف نعرفه في أنه لا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم، تغليبًا لما تقدم من حرمة إسلامهم ولا يجوز أن تؤكل ذبائحهم، ولا ينكحوا تغليبًا لحكم شركهم، ولا تقبل جزيتهم، ولا يهادنوا) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩).

стр. 4106

• مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]. • وجه الدلالة: حيث ذهب بعض أهل العلم أن المراد بهم أهل الردة من بني حنيفة وغيرهم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق، فقد جعل اللَّه حكمهم القتل أو الإسلام ولم يذكر الجزية. فدل أن الجزية لا تقبل من المرتد (١). ٢ - وعن عكرمة قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول اللَّه ﷺ "لا تعذبوا بعذاب اللَّه"، ولقتلتهم لقول رسول اللَّه ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٢). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث أن حكم المرتد هو القتل، فلا يقر بالجزية، ولا يقبل منه سوى الإسلام أو السيف. ٣ - ولأن قبول الجزية موضوع للإقرار على الكفر، والمرتد لا يقر على كفره (٣). • الخلاف في المسألة: أشار ابن حزم أن من السلف من قال بأخذ الجزية من المرتدين، حيث قال: (فَقَدْ صَحَّ عن بَعْضِ السَّلَفِ أَخْذُ الْجِزْيَةِ منهم) (٤). والذي وقفت عليه من أقوال السلف في المسألة قول عمر بن عبد العزيز: وهو التفريق بين المرتد الذي عرف شرائع الإسلام ثم ارتد بعد ذلك: فهذا لا يقر ويقتل على ردته، وبين المرتد الذي لم يعرف شرائع الإسلام وهذا يُقر ولكن تُغلَّظ عليه الجزية. فقد كتب عروة إلى عمر بن عبد العزيز في رجل أسلم ثم ارتد، فكتب إليه عمر: أن سله عن شرائع الإسلام، فإن كان قد عرفها فاعرض عليه الإسلام، فإن أبي فاضرب عنقه، وإن كان لم يعرفها فغلظ الجزية ودعه (٥).

стр. 4107

والجواب عن هذه الرواية التي تدل على ترك المرتدين بعد فرض الجزية عليهم: بأنها خاصة في قوم أسلموا ثم ما لبثوا أن ارتدوا وقد جهلوا أحكام الشَّرْع، بدليل قوله: (وإن كان لم يعرفها)، ولذلك لم يطبق عليهم حكم الرِّدَّة، لفقدان شرط العلم. فهو مقصورٌ على حالة لا تتوافر فيها شروط إقامة الحد على جريمة الرِّدَّة. النتيجة: أن الإجماع متحقق على عدم الجزية من المرتد؛ لعدم وجود المخالف المعتبر. وأما ما روي من خلاف عن عمر بن عبد العزيز، فلا حجة في الاستدلال به على خلاف الإجماع، لأنه متأول بأن المرتد إذا لم ينطبق عليه شروط الرِّدَّة، أو أركانها، كأن يكون جاهلًا أو متأوَّلًا، أو كلاهما، فإنه يمكن حينئذ تعزيره، بالجزية وتغليظها عليه واللَّه أعلم. [١٣٧/ ٨] صفة من يُكلَّف بالجزية: • المراد بالمسألة: بيان أوصاف من تجب عليهم الجزية وهذه الأوصاف هي: الذكورة، والعقل، والبلوغ، والحرية، وقد نقل الإجماع على وجوب توفر هذه الأوصاف فيمن تجب عليهم الجزية. • من نقل الإجماع: الإمام ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على ألَّا تؤخذ من صبي ولا من امرأة جزية، وأجمعوا على أن لا جزية على العبيد) (١). وأبو العباس المنصوري (نحو ٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع المسلمون أن الجزية لا تجب على النساء، ولا على الصبيان، ولا على العبيد) نقله عنه ابن القطان (٢). وأبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف أن المرأة لا تؤخذ منها الجزية إلا أن يقع الصلح عليه) (٣). وقال: (وأيضا لو كانوا عبيدًا لم يجز أن تؤخذ الجزية من رقابهم؛ لأنه لا خلاف أن العبيد لا جزية عليهم) (٤). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على وجوب أخذ الجزية من اليهود والنصارى، ممن كان منهم من الأعاجم الذين دان أجدادهم بدين من الدينين قبل مبعث الرسول ﷺ ، ولم يكن معتقًا، ولا بدل ذلك الدين بغيره، ولا شيخًا كبيرًا ولا

стр. 4108

مجنونًا ولا زمنًا ولا غير بالغ ولا امرأة ولا راهبًا ولا عربيًّا ولا ممن تجر في أول السنة وكان غنيًّا) (١). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (فهذا إجماع من علماء المسلمين لا خلاف بينهم فيه أن الجزية إنما تضرب على البالغين من الرجال دون النساء والصبيان) (٢). وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن الجزية لا تضرب على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم حتى يبلغوا، ولا على عبيدهم ولا على مجنون ولا ضرير ولا شيخ فان ولا على أهل صوامع) (٣). ونقله عنه الدمشقي مقرًّا له في"رحمة الأمة" (٤). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فإنهم اتفقوا على أنها -[الجزية]- إنما تجب بثلاثة أوصاف: الذكورية والبلوغ والحرية، وإنها لا تجب على النساء ولا على الصبيان إذا كانت إنما هي عوض من القتل، والقتل إنما هو متوجه بالأمر نحو الرجال البالغين إذ قد نهي عن قتل النساء والصبيان، وكذلك أجمعوا أنها لا تجب على العبيد) (٥). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (قال: (ولا جزية على صبي، ولا زائل العقل، ولا امرأة، لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في هذا) (٦)، وقال: (مسألة: قال: ولا على سيد عبد عن عبده، إذا كان السيد مسلمًا لا خلاف في هذا نعلمه) (٧). والقرطبي (٦٧١ هـ): حيث يقول: (وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون، دون النساء والذرية والعبيد والمجانين والغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني) (٨). والأمير الصنعاني (٨٥٢ هـ) في "سبل السلام" (٩) نقلًا عن الإمام ابن رشد. فقد تضمَّنت هذه النصوص الإجماع على أن الجزية إنما تجب على من توفَّرت فيه الأوصاف التالية: الذكورة، فلا تجب الجزية على النساء. العقل والبلوغ، فلا تجب على المجنون، ولا الصبي.

стр. 4109

الحرية، فلا تجب الجزية على العبيد. القدرة على أدائها، فلا تجب على الفقير. السلامة من الكبر، والعمى، والزمانة. أن يكون مخالطًا، فلا تجب على أهل الصوامع. وتفصيل هذه المسائل وتحقيق الإجماع فيها في المسائل الآتية: [١٣٨/ ٩] عدم وجوب الجزية على النساء: • المراد بالمسألة: بيان أن الجزية لا تجب على المرأة، وإنما تؤخذ من الرجال، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: نقل الإجماع على ذلك: الإمام ابن المنذر (٣١٨ هـ)، وأبو العباس المنصوري (نحو ٣٥٠ هـ)، وأبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ)، وابن حزم (٤٥٦ هـ)، وابن عبد البر (٤٦٣ هـ)، وابن هبيرة (٥٦٠ هـ)، وابن رشد (٥٩٥ هـ)، وابن قدامة (٦٢٠ هـ)، والقرطبي (٦٧١ هـ)، والأمير الصنعاني (٨٥٢ هـ). • الموافقون للإجماع: وافق الجمهور من: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وأبي ثور (٥)، وغيرهم (٦) على أنَّ الجزية لا تفرض على النساء والصبيان، ولا على العبيد، إلَّا على الرجال الأحرار البالغين، روي ذلك عن مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، وغيرهم. قال أبو بكر بن المنذر: (لا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهم) (٧). • مستند الإجماع: ١ - لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ

стр. 4110

الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: من وجهين: حيث أوجب اللَّه تعالى الجزية على من هو أهل للقتال، لأن المقاتلة مفاعلة من القتال، فتستدعى أهلية القتال من الجانبين، والمرأة ليست من أهل القتال فلا تجب عليها الجزية. أن الجزية إنما تؤخذ من الرجال المقاتلين، لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾، ويقول: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ﴾ وهذا أسلوب يقضي بأن المراد به الرجال (١). ٢ - أن النبي ﵁ لما وجه معاذ ﵁ إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم -يَعني محتلمًا دينارًا (٢). • وجه الدلالة: أن في قوله: (من كل حالم) دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكران دون الإناث، لأن الحالم عبارة عن الرجل فلا وجوب لها على النساء (٣). ٣ - وعن أسلم مولى عمر، أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: أن يقاتلوا في سبيل اللَّه، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا النساء، ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جَرَتْ عليه المواسي. . .، وزاد أبو عبيد في روايته: وكتب إلى أمراء الأجناد: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جَرَتْ عليه المواسي. قال أبو عبيد: يعني: من أَنْبَتَ (٤). قال أبو عبيد: (وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية، ومن لا تجب عليه، ألا تراه إنما جعلها على المذكور المذكورين دون الإناث والأطفال، وأسقطها عمن لا يستحق القتل، وهم الذرية) (٥). ٤ - ولأن المرأة محقونة الدم، فتبذل لها الذمة بلا جزية، لأنها تابعة كالصبي.

стр. 4111

• الخلاف في المسألة: خالف أبو محمد بن حزم فقال: الرجال والنساء، في كلِّ ذلك سواء، فأوجب الجزية على المرأة (١). • واستدلَّ على ما ذهب إليه بما يأتي: بعموم قول اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وعن مسروق قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم وحالمة من أهل الذمة دينارًا أو قيمته من المعافر" (٢). • وجه الدلالة: حيث أمر النبي ﷺ معاذًا بأخذ الجزية من المذكور والإناث على حدٍّ سواء. ٣ - أن المرأة كالرجل مطالبة بالإسلام، فتجب عليها الجزية كالرجل. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية لا تجب على النساء، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٩/ ١٠] لا تجب الجزية على المجنون المطبق، والصبي: • المراد بالمسألة: بيان أن من شروط وجوب الجزية العقل والبلوغ، وعليه فلا تؤخذ من المجنون المطبق (٣) حتى يفيق، ولا من الصبي حتى يبلغ، وقد نقل الإجماع على

стр. 4112

ذلك. • من نقل الإجماع: نقل الإجماع على ذلك: الإمام ابن المنذر (٣١٨ هـ)، وأبو العباس المنصوري (نحو ٣٥٠ هـ)، وأبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ)، وابن حزم (٤٥٦ هـ)، وابن عبد البر (٤٦٣ هـ)، وابن هبيرة (٥٦٠ هـ)، وابن رشد (٥٩٥ هـ)، وابن قدامة (٦٢٠ هـ)، والقرطبي (٦٧١ هـ)، والأمير الصنعاني (٨٥٢ هـ). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وأبو ثور (٥)، وغيرهم (٦). على أنَّ الجزية لا تفرض على المجانين والصبيان. • مستند الإجماع: ١ - لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. وجه الدلالة حيث أوجب اللَّه تعالى الجزية على من هو أهل للقتال، لأن المقاتلة مفاعلة من القتال فتستدعي أهلية المقاتلين من بلوغ وعقل، فلا تجب الجزية على من ليس من أهل القتال كالصبي والمجنون، إذ لا يُتصوَّر القتال منهما (٧). ٢ - أن رسول اللَّه ﷺ أرشد معاذًا لما بعثه إلى اليمن أن يأخذ الجزية من كل حالم -أي محتلم- دينارًا (٨). • وجه الدلالة: أن مفهوم قوله: (حالم) وهو: الذي بلغ الحلم، يدل على المنع

стр. 4113

في الصبي، (١) ومن طريق الأولى المجنون. ٣ - وعن أسلم مولى عمر: "أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: أن يقاتلوا في سبيل اللَّه، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا النساء، ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جَرَتْ عليه المواسي. . . "، وزاد أبو عبيد في روايته: "وكتب إلى أمراء الأجناد: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جَرَتْ عليه المواسي". قال أبو عبيد: يعني: من أَنْبَتَ (٢). ٤ - ولأن الصبي والمجنون محقونا الدم، ومال من الأموال بدليل ملكهما بنفس الأسر كما تقدم، فلم يجب عليهما شيء بالسكنى (أي: بعقد الذمة)، كسائر الأموال (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أنه لا جزية على الصبي ولا على المجنون المطبق، لأنهما غير مكلفين، ولم يخالف في ذلك أحد فيما أعلم، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٠/ ١١] لا تجب الجزية على الرقيق: • المراد بالمسألة: بيان أن من شروط وجوب الجزية الحرية، فلا تؤخذ من العبد، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: نقل الإجماع على ذلك: الإمام ابن المنذر (٣١٨ هـ)، وأبو العباس المنصوري (نحو ٣٥٠ هـ)، وأبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ)، وابن حزم (٤٥٦ هـ)، وابن عبد البر (٤٦٣ هـ)، وابن هبيرة (٥٦٠ هـ)، وابن رشد (٥٩٥ هـ)، وابن قدامة (٦٢٠ هـ)، والقرطبي (٦٧١ هـ)، والأمير الصنعاني (٨٥٢ هـ). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 4114

• مستند الإجماع: ١ - لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا﴾ ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي (١). ٢ - ولما رُوي عن عمر أنه قال: "لا جزية على مملوك" (٢). ٣ - ولأن العبد ليس من أهل ملك الط ل، بل هو بنفسه مال، فلا تجب عليه الجزية (٣). • الخلاف في المسألة: خالف أبو محمد بن حزم فقال: الحر والعبد في كلِّ ذلك سواء، فأوجب الجزية على العبد (٤) • واستدلَّ على ما ذهب اليه بما يأتي: ١ - بعموم قول اللَّه -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ٢ - أن العبد مطالب بالإسلام، فتجب عليه الجزية كالحر. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية لا تجب على الرقيق، لخلاف الظاهرية في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٤١/ ١٢] الجزية على الفقير: • المراد بالمسألة: بيان أن من شروط وجوب الجزية القدرة على أدائها، وعليه فالفقير العاجز عن الكسب، أو الذي لم يجد كسبًا، لا تؤخذ منه الجزية، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: نقل الإجماع على ذلك: ابن حزم (٤٥٦ هـ).

стр. 4115

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك في الجملة: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية في وجه لهم (٣) اختاره ابن المنذر (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁: جعل أهل الجزية طبقات، وجعل أدناهم الفقير المعتمل (٦). فدلَّ على أنها لا تجب على غير المعتمل. ٢ - أن قواعد الشريعة كلها تقتضي ألا تجب على عاجز كالزكاة والدية والكفارة والخراج، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فلا واجب مع عجز. ٣ - وقالوا: إذا لم يجب خراج الأرض في أرض لا نبات لها، لم يجب خراج الرقاب، في رقبة لا كسب لها أيضًا (٧). • الخلاف في المسألة: يرى أبو ثور، وبعض الشافعية في أحد الوجهين في مذهبهم أن الجزية تجب على الفقير، ولا تسقط عنه. وعليه: فتكون دينًا في ذمته يُطالب بها إن أيسر. وقيل: بل يُخرج من بلاد الإسلام، ولا سبيل إلى إقامته في دار الإسلام بغير جزية (٨). • وحجتهم: ١ - لعموم قوله ﷺ : "خذ من كل حالم دينارًا" (٩). ٢ - ولأنها تجب على سبيل العوض، فاستوى فيه المعتمل وغير المعتمل كالثمن والأجرة. ٣ - ولأن المعتمل وغير المعتمل يستويان في القتل بالكفر فكلٌّ منهما غير محقون الدم، فاستويا في الجزية فعلى هذا يُنظر إلى الميسرة، فإذا أيسر طولب بجزية ما

стр. 4116

مضى. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية لا تجب على الفقير؛ لوجود المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٢/ ١٣] لا تجب الجزية على الشيخ الفاني: • المراد بالمسألة: بيان أن الشيخ الفاني الذي بلغ به الكبر مبلغًا عظيمًا، وأصبح عاجزًا عن القتال، لا تؤخذ منه الجزية، لأنها لا تجب عليه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: نقل الإجماع على ذلك: ابن حزم (٤٥٦ هـ)، وابن هبيرة (٥٦٠ هـ)، والقرطبي (٦٧١ هـ). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية في قول (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: لأنه ليس من أهل القتال، فلا تجب عليه الجزية. • الخلاف في المسألة: يرى الشافعي -في أحد قوليه-: أن عليه الجزية، بناءً على جواز قتله، والزَّمِنِ، والأعمى، ومن في معناهم، فوجبت الجزية بدلًا عن القتل (٥). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية لا تجب على الشيخ الفاني ما دام عاجزا عن القتال، لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٣/ ١٤] أهل الصوامع غير المخالطين لا جزية عليهم: • المراد بالمسألة: عُبَّاد النصارى ورهبانهم المنقطعون في صوامعهم غير المخالطين للناس، إذا لم تكن لهم علاقة بالحرب، وليس لهم عملٌ، ولا رأيٌ، ولا تدبيرٌ، ولا

стр. 4117

مشورة في أعمال القتال، فهؤلاء نُقل الإجماع بأنه لا جزية عليهم ما داموا على تلك الحال. • من نقل الإجماع: نقل الإجماع على ذلك: ابن حزم (٤٥٦ هـ)، وابن هبيرة (٥٦٠ هـ). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ١ - لأنهم ليسوا من أهل القتال في العادة؛ لأنهم حبسوا أنفسهم في الصوامع، فأشبهوا من لا يقدر على القتال، كالنساء والصبيان. ٢ - ولأنهم لا كسب لهم، فأشبهوا الفقير غير المعتمل. • الخلاف في المسألة: ويرى الشافعية في القول الراجح في المذهب (٤)، واحتمال (٥) عند الحنابلة (٦) أن الجزية واجبة عليهم. • واحتجوا بما يأتي: ١ - بعموم قول اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. والراهب كافرٌ صحيحٌ قادرٌ على أداء الجزية. فتجب عليه. ٢ - وعن عمر بن عبد العزيز، أنه فرض على رهبان أهل الديارات (٧)، على كل راهب دينارين (٨). ٣ - أن الجزية عوض عن سكنى دار الإسلام، والراهب كغيره في الانتفاع بالدار،

стр. 4118

فلا تسقط عنه الجزية. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية غير واجبة على أهل الصوامع غير المخالطين، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. وأما إذا كانوا من المخالطين، أو ممن لهم أعمال وتجارات، فإنهم كسائر أهل الكتاب، تؤخذ عليهم الجزية بالإجماع، كما أوضحنا ذلك في مسألة: (أخذ الجزية من أهل الكتاب). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من له تجارة منهم أو زراعة وهو مخالطهم أو معاونهم على دينهم، كمن يدعو إليه من راهب وغيره، تلزمه الجزية، وحكمه حكمهم، بلا نزاع) (١). [١٤٤/ ١٥] لا تجب الجزية على الزمنى وأصحاب العاهات: • تعريف الزمنى، وأصحاب العاهات: الزمنى: جمع زَمِنٍ، يقال: رجل زَمِنٌ أَي مُبْتَلًى بَيِّنُ الزَّمانة، والزَّمانة العاهة (٢). أصحاب العاهات: جمع عاهة وهي الآفة التي تصيب الإنسان وغيره وتلازمه (٣). والمراد بهم: أصحاب الأمراض والآفات المزمنة، التي لا يُرجى برؤها كالشلل، والعمى ونحوها. • المراد بالمسألة: بيان أن من شروط وجوب الجزية على الذمي أن يكون صحيحًا سالمًا من العاهات المزمنة، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: نقل الإجماع على ذلك: ابن حزم (٤٥٦ هـ)، وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) في الضرير. • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والشافعية في قول (٥)،

стр. 4119

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - عموم قول اللَّه -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أن الجزية تؤخذ ممن كان منهم من أهل القتال، ولذلك لا تؤخذ الجزية ممن لم يكن من أهل القتال: كالأعمى والزمن والمشلول، سواء أكان موسرا، أم غير موسر، كالنساء والصبيان. ٢ - ولأن الجزية تؤخذ ممن أبيح قتله من الحربيين، وهؤلاء لا يقتلون. • الخلاف في المسألة: وفي المسألة قولان آخران: • القول الأول: ذهب المالكية (٢)، وأبو يوسف من الحنفية (٣) إلى أن الجزية تؤخذ من الزمنى والعميان وأصحاب العاهات إذا كان لهم مال. • واحتجوا بما يأتي: ١ - بأن هؤلاء المصابين بالعاهات المزمنة أهل للقتال إذ إنهم يقتلون إذا كانوا ذوي رأي في الحرب والقتال، فتجب عليهم الجزية، كما تجب على غيرهم. ٢ - ولأن الجزية تجب على الفقير المعتمل، ووجود المال عند هؤلاء المصابين أكثر من القدرة على العمل، فتجب عليهم الجزية إذا كانوا موسرين، ولا تجب عليهم إذا كانوا معسرين. ٣ - أن هذا ما كان عليه عمل الصحابة ﵃ فقد جاء في كتاب الصلح بين خالد بن الوليد ﵁ وأهل الحيرة: (وجعلت لهم أيُّما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام. .) (٤). • القول الثاني: وذهب أبو ثور والمذهب عند الشافعية إلى أن الجزية تؤخذ من

стр. 4120

المصابين بالعاهات المزمنة، ولو لم يكونوا موسرين (١). ١ - واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فهو يشمل الزمنى والعميان وأصحاب العاهات. ٢ - ولأنها كأجرة الدار، فاستوى فيها أصحاب الأعذار، وغيرهم. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية لا تجب على الزمنى وأصحاب العاهات، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. • [١٤٥/ ١٦] أولاد أهل الجزية يجري عليهم الحكم الذي عقده أجدادهم، ولا يحتاجون إلى تجديده: • المراد بالمسألة: بيان أن عقد الجزية قد يجري في بعض الأحيان عن طريق التبع، فإن الأولاد الصغار يدخلون في عقد الجزية تبعًا لآبائهم، ولذلك لا يحتاجون إلى تجديده بعد بلوغهم، فهم أهله بالعقد الأول الذي عقده آباؤهم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن أولاد أهل الجزية ومن تناسل منهم، فإن الحكم الذي عقده أجدادهم، وإن بعدوا جارٍ عليهم لا يحتاج إلى تجديده مع من حدث منهم) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية في وجه (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - أنه لم يأت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه كلهم في جميع الأعصار، تجديد العقد لكل من بلغ بعقد جديد، ولا يهمل الأئمة مثل هذا الأمر لو كان مشروعًا.

стр. 4121

٢ - ولأنهم دخلوا في العقد تبعًا مع آبائهم كما كانوا يدخلون في عقد الهدنة تبعًا. ٣ - ولأنه عقد مع الكفار، فلم يحتج إلى استئنافه لهؤلاء، كعقد المؤمنين. • الخلاف في المسألة: يرى الشافعية في وجه هو الأصح: تخيير أولاد أهل الجزية البالغين بين التزام العقد وبين أن يرد إلى مأمنه، فإن اختار الذمة عقدت له، وإن اختار اللحاق بمأمنه أجيب إليه (١). ولم يذكروا لهم دليلًا فيما ذهبوا إليه. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن أولاد أهل الجزية يجري عليهم الحكم الذي عقده أجدادهم، ولا يحتاجون إلى تجديده، لوجود الخلاف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٦/ ١٧] الجزية تجب مرة واحدة في العام: • المراد بالمسألة: بيان أن المال المعقود عليه في عقد الجزية، يجب تحصيله من الذميين مرة واحدة كل عام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - أن الجهاد أقل ما يُفعل مرة واحدة، والجزية بدلٌ عن النصرة في الجهاد، فلها حكم مُبدلها. ٢ - وقياسًا على زكاة المال في حق المسلم، وخراج الأرض على الذمي فإنهما لا يجبان إلا مرة في الحول. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الجزية تجب مرة واحدة في العام، لعدم

стр. 4122

المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٧/ ١٨] يجب أداء الجزية آخر الحول: • المراد بالمسألة: بيان أن وقت وجوب أداء الجزية هو آخر الحول، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فإنهم اتفقوا على أنها لا تجب إلا بعد الحول. . . وإنهم اتفقوا على أنه لا تجب عليه قبل انقضاء الحول، لأن الحول شرط في وجوبها فإذا وجد الرافع لها وهو الإسلام قبل تقرر الوجوب -أعني قبل وجود شرط الوجوب- لم تجب) (١). وابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (وهذه كانت سنة رسول اللَّه ﷺ فيهم أنهم إذا التزموا له بذل الجزية كف عنهم بمجرد التزامهم، ولهذا يحرم قتالهم إذا التزموها قبل إعطائهم إياها اتفاقًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: أن المراد بالآية التزام إعطاء الجزية، دون نفس الإعطاء، فالغاية: هي قبولهم ذمتنا، وعبَّر فيها بالجزية لما فيها من معنى العوض، بدليل قوله ﷺ : "ثم ادعهم إلى الجزية، فإن هم أجابوك، فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم. ." (٦)، فأمره بالكف اقترن بقبولهم الجزية لا بدفعهم إياها. ٢ - وقياسًا على الزكاة في مال المسلم، فإنها تجب في آخر الحول. • الخلاف في المسألة: يرى الحنفية أن أخذ الجزية يجب في أول الحول الذي تُعقد فيها الذمة للذمي (٧).

стр. 4123

• وحجتهم: ١ - استدلوا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: أن اللَّه أمر بقتال الكفار، وجعل الغاية: التي نكف عنهم بمقتضاها هو الدفع المنجز للجزية مقرونًا بعقد الذمة. ٢ - ولأن الجزية تجب عوضًا لحقن الدم، وعصمة النفس في المستقبل، فلا تؤخر إلى آخر السنة، فوجب أن يتقرر العوض قياسًا على سائر المعوضات. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية يجب أداؤها في آخر الحول؛ لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٨/ ١٩] تُصرف الجزية من غير تخميس في مصالح المسلمين: • المراد بالمسألة: بيان أن الجزية التي تؤخذ من أهل الذمة تُصرف في مصالح المسلمين كالفيء يصرف جميعه -ولا يُخمَّس- في مصالح المسلمين العامة ومرافق الدولة الهامة: كأرزاق المجاهدين وذراريهم وسد الثغور، وبناء الجسور، والمساجد والقناطر، وإصلاح الأنهار التي لا مالك لها، ورواتب الموظفين من القضاة والمدرسين والعلماء والمفتين والعمال وغير ذلك، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما المسألة السادسة وهي: في ماذا تصرف الجزية؟ فإنهم اتفقوا على أنها مشتركة لمصالح المسلمين، من غير تحديد، كالحال في الفيء) (١). وابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ولم يختلفوا: أن حكم ما يؤخذ منهم على ذلك بمثابة حكم الجزية، لا حكم الصدقة، ويوضع في مال الفيء) (٢). وابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) حيث يقول: (وحكى طائفة من أصحابنا -منهم أبو الخطاب- الإجماع على أن الجزية لا تُخمَّس) (٣).

стр. 4124

• الموافقون للإجماع: وافق: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]. قال معمر: "بلغنا أن هذه الآية نزلت في الجزية، والخراج" (٦). ٢ - عن أنس: "أُتي النبي ﷺ بمال من البحرين، فقال: "انثروه في المسجد"، فكان أكثر مال أتي به رسول اللَّه ﷺ ، فخرج رسول اللَّه ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول اللَّه، أعطني، إني فاديت نفسي، وفاديت عقيلًا، قال: "خذ"، فحثا في ثوبه، ثم ذهب ويُقِلُّهُ فلم يستطع، فقال: اؤْمُرْ بعضهم يرفعه إلي، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت علي، قال: "لا"، فنثر منه، ثم ذهب يُقِلُّهُ فلم يرفعه، فقال: اؤْمُرْ بعضهم يرفعه علي، قال: "لا"، قال فارفعه أنت علي قال: "لا"، فنثر ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا من حرصه، فما قام رسول اللَّه ﷺ وثَمَّ منها درهم" (٧). • وجه الدلالة: أن مال البحرين من مال الجزية، وقد صرفه ﷺ في الناس حسب ما تقتضيه المصلحة، وسدًّا لحاجاتهم. ٣ - ولأنه مال وصل إلى المسلمين بغير قتال، فيكون لبيت مالهم معدًّا لمصالحهم، وذلك في مثل: (أرزاق المقاتلة وذراريهم، وسد الثغور. .) أما سد

стр. 4125

الثغور وبناء القناطر والجسور فمصلحة عامة؛ وأما أرزاق من ذكر فلأنهم يعملون للمسلمين فيجب كفايتهم عليهم، والمقاتلة يقاتلون لنصرة الإسلام والمسلمين، وإعزاز كلمة الدين، ولتكون كلمة اللَّه هي العليا، فيجب على الإمام والمسلمين كفايتهم، وكفاية: ذريتهم، إذ لو لم يكفوا لاشتغلوا بالاكتساب للكفاية (١). ٤ - أما عدم تخميس الجزية فمستنده: أن عمر ﵁ لما قرأ هذه الآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]، قال: "استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: ولئن عشت ليأتين الراعي -وهو بسَرْوِ حمير (٢) - نصيبه منها، لم يعرق فيها جبينه" (٣). • الخلاف في المسألة: يرى الشّافعيّة في الجديد (٤)، والخرقيّ من الحنابلة (٥) أن الجزية تصرف في مصالح المسلمين إلا أنها تُخمَّس ويُصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة. واحتجوا، بالقياس على الفيء بجامع أن كلًّا من المالين حصل للمسلمين من غير قتال. النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق على أن الجزية تُصرف لمصالح المسلمين، لعدم المخالف في ذلك. ٢ - أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية تُخمَّس، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٩/ ٢٠] سقوط الجزية بالإسلام قبل انقضاء الحول: • المراد بالمسألة: بيان أن من وجبت عليه الجزية إذا أسلم قبل انتهاء الحول، ولم تستوف منه، فإنها تسقط عنه، ولا يُلزم بها، ولا تُؤخذ منه بعد إسلامه. وقد نقل

стр. 4126

الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول: (وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إذا أَسْلَمَ وُضِعَتْ عنه جِزْيَةُ رَقَبَتِهِ) (١). وابن المنذر (٣٨٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع أهل العلم على أن لا جزية على المسلمين) (٢). وابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن كل جزية ساقطة من المستأمن إذا أسلم، وان لم يكن كافرا فلا جزية عليه) (٣). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن الذمي إذا أسلم فلا جزية عليه فيما يستقبل) (٤). وابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (إنهم اتفقوا على أنها لا تجب إلا بعد الحول وأنه تسقط عنه إذا أسلم قبل انقضاء الحول) (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية في قول (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أن الكافر إذا أسلم يغفر له ما قد مضى من دمٍ أو مالٍ أو أي شيء (١٠). ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تصلح قبلتان في أرض واحدة، وليس على مسلم جزية" (١١).

стр. 4127

• وجه الدلالة: أن الحديث نص صريح في سقوط الجزية عن المسلم. ٣ - لأن الحول شرط في وجوبها فإذا وجد الرافع لها وهو الإسلام قبل تقرر الوجوب -قبل وجود شرط الوجوب- لم تجب كالزكاة. ٤ - ولأن الجزية وجبت بطريق العقوبة، لا بطريق الديون، وعقوبات الكفر تسقط بالإسلام كالقتل، وبهذا فارق سائر الديون. ٥ - ولأنها وجبت وسيلة إلى الإسلام فلا تبقى بعد الإسلام. ٦ - ولأن الجزية صغار، فلا تؤخذ منه، كما لو أسلم قبل الحول. • الخلاف في المسألة: ويرى الشافعية في الأصح وأبو ثور أن الجزية لا تسقط بالإسلام، بل تؤخذ منه بعد إسلامه (١). • وحجتهم: أن الجزية حق ثبت في الذمة، ووجبت عوضًا عن حقن الدم والسكنى في دار الإسلام، وقد استوفى المعوض، فتقرر العوض وهو الجزية، كالخراج وسائر الديون. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية تسقط بالإسلام قبل انقضاء الحول، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٠/ ٢١] جواز أخذ العُشر على تجار أهل الذمة زيادة على الجزية إذا شُرط عليهم: • تعريف العشر: • العشر هو: ما يُفرض على الكفار في أموالهم المعدَّة للتجارة، إذا انتقلوا بها من بلد إلى بلد في دار الإسلام، وسميت بذلك لكون المأخوذ عُشرًا أو مضافًا إلى العشر، كنصف العشر وربعه (٢).

стр. 4128

• المراد بالمسألة: أن أخذ العشر من تجارة غير المسلمين عند دخولهم بها إلى دار الإسلام، إذا كان ذلك شرطًا عليهم جائز، ويصبح واجبًا عليهم ما لم تكن بالناس حاجة أو ضرورة لتلك التجارة، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن أهل الذمة إذا رضوا حين صلحهم الأول بالتزام خراج في الأرضين أو بعشر، أو بتعشير من تجر منهم في مصره وفي الآفاق، أو بأن يؤخذ منهم شيء معروف زائد على الجزية محدود يحل ملكه، وكان كل ذلك زائدا على الجزية أن كل ذلك إذا رضوه أولا، لازم لهم ولأعقابهم في الأبد) (١). والسرخسي (٤٨٣ هـ) حيث يقول (اعلم أنا اتبعنا الأثر في هذا فقلنا: يأخذ العاشر من المسلم الذي مر عليه ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر، لأن عمر -رضي اللَّه تعالى عنه- هكذا أمر عاشره بأخذ العشر، وكان ذلك بمشهد من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع) (٢). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ومن يجز من أهل الذمة إلى غير بلده، أخذ منه نصف العشر في السنة، اشتهر هذا عن عمر ﵁ وصحت الرواية عنه به. . . وهذا كان بالعراق، واشتهرت هذه القصص ولم تنكر، فكانت إجماعًا، وعمل به الخلفاء بعده) (٣). وقال أيضًا: (وإذا دخل إلينا منهم تاجر حربي بأمان أخذ منه العشر. . . وأن عمر أخذ منهم العشر، واشتهر ذلك فيما بين الصحابة، وعمل به الخلفاء الراشدون بعده والأئمة بعده في كل عصر من غير نكير، فأي إجماع يكون أقوى من هذا) (٤). والشوكاني (١٢٥٥ هـ) حيث يقول -بعد أن أورد الآثار في ضرب العشور عن عمر ﵁ (وَفِعْلُ عُمَرَ وَإِنْ لم يَكُنْ حُجَّةً، لَكِنَّهُ قد عَمَلَ الناس بِهِ قَاطِبَةً، فَهُوَ إجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ) (٥)

стр. 4129

• الموافقون للإجماع: وافق: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن عَطَاء بن السائبِ عن حرْب بن عبيد اللَّه عن جدِّه أبي أُمِّهِ عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما العشور على اليهود والنصارى وليس على أهل الإسلام عشور" (٦). • وجه الدلالة: أن الحديث يدل على أنه لا يؤخذ من المسلم مال سوى الزكاة، ويؤخذ من اليهود والنصارى عشر التجارات وهو حَقٌّ لِلْمسْلِمِينَ وَاجِبٌ عليهم كَالْجِزْيَةِ الْوَاجِبَةِ لهم عليهم (٧). ٢ - عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال: "قيل لعمر ﵁: كيف نأخذ من تجار الحرب إذا قدموا علينا، فقال عمر ﵁: كيف يأخذون منكم إذا أتيتم بلادهم؟ قالوا: العشر، قال: فكذلك خذوا منهم" (٨). ٣ - وعن السائب بن يزيد أنه قال: "كنت غلامًا عاملًا مع عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن الخطاب، فكنَّا نأخذ من النَّبط (٩)

стр. 4130

العُشْرَ" (١). ٤ - وعن عبد الرحمن بن معقل قال: "سألت زياد بن حدير: من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلمًا ولا معاهدًا قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم" (٢). ٥ - ومن المعقول: فالتاجر الذي ينتقل بتجارته من بلد إلى آخر يحتاج إلى الأمان، والحماية: من اللصوص وقطاع الطرق، والدولة الإسلامية تتكفل بتأمين ذلك عبر طرقها وممراتها التجارية، فالعشر الذي يؤخذ من التاجر هو في مقابل تلك الحماية، والانتفاع بالمرافق العامة للدولة الإسلامية (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز أخذ العشر من تجار غير المسلمين إذا دخلوا بلاد الإسلام، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٥١/ ٢٢] جواز أخذ مقدار أو شيء معروف ومحدد، كالخراج، والعشور (٤)، وما صولحوا عليه قدرًا زائدًا على الجزية: • تعريف الخراج: • الخراج لغة: يُطلق على الكراء والغلة، وعلى الإتاوة تؤخذ من الأموال (٥). • وفي الاصطلاح: هو ما يوضع على الأرض غير العشرية من حقوق تؤدى عنها إلى بيت المال (٦). ويتفق الخراج مع الجزية: في أنهما يجبان على أهل الذمة، ويصرفان في مصارف الفيء. ومن الفروق بينهما: أن الجزية توضع على الرؤوس، أما الخراج فيوضع على

стр. 4131

الأرض، والجزية تسقط بالإسلام، أما الخراج فلا يسقط بالإسلام، ويبقى مع الإسلام والكفر (١). • المراد بالمسألة: بيان أن الجزية واجبة على الذمي، وأن حكمها حكم الديون، واجب في ذمته، لأجل حقن دمه، وبدلًا عن حمايته ونصرته، ولهذا لا مانع من أن يجتمع مع الجزية خراج على أرضه التي يزرعها، أو عشر ما اتجر به في بلاد المسلمين، وكذلك ما اشتُرِط عليهم ورضوا به كضيافة من مر بهم من المسلمين، وقد نُقل الإجماع على جواز اجتماع تلك الواجبات المالية مع الجزية على الذمي. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن أهل الذمة إذا رضوا حين صلحهم الأول بالتزام خراج في الأرضين أو بعشر، أو بتعشير من تجر منهم في مصره وفي الآفاق، أو بأن يؤخذ منهم شيء معروف زائد على الجزية محدود يحل ملكه، وكان كل ذلك زائدًا على الجزية أن كل ذلك إذا رضوه أولا، لازم لهم ولأعقابهم في الأبد) (٢). والمرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (ويجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين بلا نزاع) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "منعت العراق درهمها وقفيزها (٨)، ومنعت الشام مديها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم" قالها ثلاثا، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه" (٩).

стр. 4132

• وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث على أن وجوب الجزية لا ينفي وجوب الخراج والعشر على أهل الذمة؛ لأنه جمع بين القفزان والنقد، والعشر يؤخذ بالقفزان، والخراج من النقد (١). ٢ - وعن الأحنف بن قيس: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يشترط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا قناطر، وإن قتل بينهم قتيل فعليهم ديته، وقال غيره عن هشام، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته" (٢). • وجه الدلالة: حيث دلَّ على جواز اشتراط الضيافة على أهل الذمة، وهي قدر زائد على الجزية لا تلزمهم إلا بالشرط. ٣ - أنه لا مانع من اجتماع عدد من الواجبات المالية على أهل الذمة إضافة إلى الجزية، إذا اقتضى ذلك ما يوجب المصلحة، وكان ذلك برضاهم، ولا سيما إذا كان يُحقق لهم في مقابل ذلك منافع متنوعة، فالخراج أجرة عن أرض ذات منفعة، والجزية عوض عن حقن الدم والإقرار على الكفر والحماية: والسكنى في بلاد المسلمين، والعشر عوض عن انتفاع التاجر الذمي بمرافق الدولة كطرق المواصلات، وتوفير الحماية: له أثناء التنقل من بلد إلى بلد، مما يُهيِّئ له أسباب الربح. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز أخذ مقدار أو شيء معروف ومحدد، كالخراج، والعشور، وما صولحوا زائدًا على الجزية، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4133

الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الفيء تمهيد: في تعريف الفيء: • الفيء في اللغة: مأخوذ من فاء يَفِيء، إذا رجع، كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم. ومنه قيل للظِّل الذي يكون بعد الزوال: فيء؛ لأنه يرجع من جانب الغرْب إلى جانب الشرق (١). • وفي الاصطلاح: هو المال الحاصل للمسلمين من أموال الكفار بغير قتال (٢). ومما يدخل في الفيء: مال الجزية، والخراج، وعشور تجارة أهل الحرب والذمة، ومال المرتد، وما يتركه الكفار فزعًا أو اختيارًا، ومال الذمي إذا هلك ولم يكن له وارث خاص. [١٥٢/ ١] الإمام هو من يتولَّى جباية الفيء، وتفريقه حسب المصلحة: • المراد بالمسألة: بيان أن من يتولى جباية الفيء وتحصيله ممن هم أهله هو الإمام، أو من يقوم مقامه، وذلك يُعد ضمن واجباته ومسؤولياته الجسام في استيفاء الحقوق المالية للدولة، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) كما نقله عنه ابن حجر حيث قال: (كان أبو عبد اللَّه رجل من الصحابة يقول: "الزكاة، والحدود، والفيء، والجمعة إلى السلطان". قال الطحاوي: لا نعلم له مخالفًا من الصحابة) (٣). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (وقال عبد اللَّه بن محيريز: "الحدود والفيء والجمعة والزكاة إلى السلطان". . . والسلف قد روي عنهم ذلك ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه) (٤). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): (أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر، وزكاة

стр. 4134

الماشية والتجارة وغير ذلك، فإنه يسقط ذلك عن صاحبه، إذا كان الإمام عادلًا يصرفه في مصارفه الشرعية باتفاق العلماء) (١). وابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) حيث يقول: (للإمام ولاية المطالبة بالخراج، كجزية الرؤوس، وقد كان عمر وعثمان وعلي ومن بعده يبعثون عمالهم على جباية الخراج، وهذا متفق عليه) (٢). • الموافقون للإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: أن هذا هو ما جرت عليه سنة رسول اللَّه ﷺ ، وخلفائه الراشدين، وولاة المسلمين من بعدهم، أنهم كانوا يتولون جباية الفيء وقسمته، ومما يدل على ذلك ما يأتي: عن الحكم قال: "كتب رسول اللَّه ﷺ إلى معاذ بن جبل وهو باليمن: أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارًا، أو قيمته، ولا يفتن يهودي عن يهوديته" (٧). أن بلالًا قال لعمر بن الخطاب: "إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن" (٨). • وجه الدلالة من الحديث والأثر: أن رسول اللَّه ﷺ وخلفاءه من بعده كانوا يقومون على جباية الفيء، ولم يتركوا ذلك لآحاد الرعية. وعن مسلم بن يسار، عن أبي عبد اللَّه رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال مسلم: كان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه، قال: هو عالم فخذوا عنه، فسمعته يقول: "الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان ثم قال: أرأيتم لو أخذتم لصوصًا، أكان لكم

стр. 4135

أن تقطعوا بعضهم وتدعوا بعضهم؟ قال: قلنا: لا، قال: أفرأيتم لو رفعتموهم إليهم، فقطعوا بعضهم وتركوا بعضهم، أكان عليكم منهم شيء؟ قال: قلنا: لا، أما نحن فقد قضينا ما علينا، قال: فهكذا تجري الأمور" (١). وعن عبد اللَّه بن محيريز قال: "الحدود والفيء والجمعة والزكاة إلى السلطان" (٢). وقال الحسن البصري: "أربع من أمر الإسلام إلى السلطان: الحكم والفيء والجهاد والجمعة" (٣). ولأن الفيء يُصرف في المصالح العامة، ويحتاج إلى اجتهاد، ويتعلق بها جميع المسلمين، والإمام هو النائب لهم، والمجتهد في تعيين مصالحهم (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الإمام هو من يتولَّى جباية الفيء، وتفريقه حسب المصلحة؛ لعدم المخالف المعتبر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٣/ ٢] من أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء (٥) للمسلمين: • المراد بالمسألة: بيان أن أرض الكفار التي يستولي عليها المسلمون بالقوة والقهر، وينقاد أهلها عنوة، ثم يُسلم أهلها عليها، أن أرضهم تكون فيئًا للمسلمين لا تقسم، بل تكون وقفًا في مصالح المسلمين، على حكم الفيء، لا يستأثر أحد بملك أعيانها، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (وقال المهلب. . . فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء للمسلمين) (٦). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية في المشهور (٧)، ورواية
следующие страницы →