← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

الأرض، والجزية تسقط بالإسلام، أما الخراج فلا يسقط بالإسلام، ويبقى مع الإسلام والكفر (١). • المراد بالمسألة: بيان أن الجزية واجبة على الذمي، وأن حكمها حكم الديون، واجب في ذمته، لأجل حقن دمه، وبدلًا عن حمايته ونصرته، ولهذا لا مانع من أن يجتمع مع الجزية خراج على أرضه التي يزرعها، أو عشر ما اتجر به في بلاد المسلمين، وكذلك ما اشتُرِط عليهم ورضوا به كضيافة من مر بهم من المسلمين، وقد نُقل الإجماع على جواز اجتماع تلك الواجبات المالية مع الجزية على الذمي. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن أهل الذمة إذا رضوا حين صلحهم الأول بالتزام خراج في الأرضين أو بعشر، أو بتعشير من تجر منهم في مصره وفي الآفاق، أو بأن يؤخذ منهم شيء معروف زائد على الجزية محدود يحل ملكه، وكان كل ذلك زائدًا على الجزية أن كل ذلك إذا رضوه أولا، لازم لهم ولأعقابهم في الأبد) (٢). والمرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (ويجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين بلا نزاع) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "منعت العراق درهمها وقفيزها (٨)، ومنعت الشام مديها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم" قالها ثلاثا، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه" (٩).

стр. 4132

• وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث على أن وجوب الجزية لا ينفي وجوب الخراج والعشر على أهل الذمة؛ لأنه جمع بين القفزان والنقد، والعشر يؤخذ بالقفزان، والخراج من النقد (١). ٢ - وعن الأحنف بن قيس: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يشترط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا قناطر، وإن قتل بينهم قتيل فعليهم ديته، وقال غيره عن هشام، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته" (٢). • وجه الدلالة: حيث دلَّ على جواز اشتراط الضيافة على أهل الذمة، وهي قدر زائد على الجزية لا تلزمهم إلا بالشرط. ٣ - أنه لا مانع من اجتماع عدد من الواجبات المالية على أهل الذمة إضافة إلى الجزية، إذا اقتضى ذلك ما يوجب المصلحة، وكان ذلك برضاهم، ولا سيما إذا كان يُحقق لهم في مقابل ذلك منافع متنوعة، فالخراج أجرة عن أرض ذات منفعة، والجزية عوض عن حقن الدم والإقرار على الكفر والحماية: والسكنى في بلاد المسلمين، والعشر عوض عن انتفاع التاجر الذمي بمرافق الدولة كطرق المواصلات، وتوفير الحماية: له أثناء التنقل من بلد إلى بلد، مما يُهيِّئ له أسباب الربح. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز أخذ مقدار أو شيء معروف ومحدد، كالخراج، والعشور، وما صولحوا زائدًا على الجزية، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4133

الفصل الثاني: مسائل الإجماع في الفيء تمهيد: في تعريف الفيء: • الفيء في اللغة: مأخوذ من فاء يَفِيء، إذا رجع، كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم. ومنه قيل للظِّل الذي يكون بعد الزوال: فيء؛ لأنه يرجع من جانب الغرْب إلى جانب الشرق (١). • وفي الاصطلاح: هو المال الحاصل للمسلمين من أموال الكفار بغير قتال (٢). ومما يدخل في الفيء: مال الجزية، والخراج، وعشور تجارة أهل الحرب والذمة، ومال المرتد، وما يتركه الكفار فزعًا أو اختيارًا، ومال الذمي إذا هلك ولم يكن له وارث خاص. [١٥٢/ ١] الإمام هو من يتولَّى جباية الفيء، وتفريقه حسب المصلحة: • المراد بالمسألة: بيان أن من يتولى جباية الفيء وتحصيله ممن هم أهله هو الإمام، أو من يقوم مقامه، وذلك يُعد ضمن واجباته ومسؤولياته الجسام في استيفاء الحقوق المالية للدولة، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) كما نقله عنه ابن حجر حيث قال: (كان أبو عبد اللَّه رجل من الصحابة يقول: "الزكاة، والحدود، والفيء، والجمعة إلى السلطان". قال الطحاوي: لا نعلم له مخالفًا من الصحابة) (٣). والجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (وقال عبد اللَّه بن محيريز: "الحدود والفيء والجمعة والزكاة إلى السلطان". . . والسلف قد روي عنهم ذلك ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه) (٤). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): (أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر، وزكاة

стр. 4134

الماشية والتجارة وغير ذلك، فإنه يسقط ذلك عن صاحبه، إذا كان الإمام عادلًا يصرفه في مصارفه الشرعية باتفاق العلماء) (١). وابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) حيث يقول: (للإمام ولاية المطالبة بالخراج، كجزية الرؤوس، وقد كان عمر وعثمان وعلي ومن بعده يبعثون عمالهم على جباية الخراج، وهذا متفق عليه) (٢). • الموافقون للإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: أن هذا هو ما جرت عليه سنة رسول اللَّه ﷺ ، وخلفائه الراشدين، وولاة المسلمين من بعدهم، أنهم كانوا يتولون جباية الفيء وقسمته، ومما يدل على ذلك ما يأتي: عن الحكم قال: "كتب رسول اللَّه ﷺ إلى معاذ بن جبل وهو باليمن: أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارًا، أو قيمته، ولا يفتن يهودي عن يهوديته" (٧). أن بلالًا قال لعمر بن الخطاب: "إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن" (٨). • وجه الدلالة من الحديث والأثر: أن رسول اللَّه ﷺ وخلفاءه من بعده كانوا يقومون على جباية الفيء، ولم يتركوا ذلك لآحاد الرعية. وعن مسلم بن يسار، عن أبي عبد اللَّه رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال مسلم: كان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه، قال: هو عالم فخذوا عنه، فسمعته يقول: "الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان ثم قال: أرأيتم لو أخذتم لصوصًا، أكان لكم

стр. 4135

أن تقطعوا بعضهم وتدعوا بعضهم؟ قال: قلنا: لا، قال: أفرأيتم لو رفعتموهم إليهم، فقطعوا بعضهم وتركوا بعضهم، أكان عليكم منهم شيء؟ قال: قلنا: لا، أما نحن فقد قضينا ما علينا، قال: فهكذا تجري الأمور" (١). وعن عبد اللَّه بن محيريز قال: "الحدود والفيء والجمعة والزكاة إلى السلطان" (٢). وقال الحسن البصري: "أربع من أمر الإسلام إلى السلطان: الحكم والفيء والجهاد والجمعة" (٣). ولأن الفيء يُصرف في المصالح العامة، ويحتاج إلى اجتهاد، ويتعلق بها جميع المسلمين، والإمام هو النائب لهم، والمجتهد في تعيين مصالحهم (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الإمام هو من يتولَّى جباية الفيء، وتفريقه حسب المصلحة؛ لعدم المخالف المعتبر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٣/ ٢] من أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء (٥) للمسلمين: • المراد بالمسألة: بيان أن أرض الكفار التي يستولي عليها المسلمون بالقوة والقهر، وينقاد أهلها عنوة، ثم يُسلم أهلها عليها، أن أرضهم تكون فيئًا للمسلمين لا تقسم، بل تكون وقفًا في مصالح المسلمين، على حكم الفيء، لا يستأثر أحد بملك أعيانها، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (وقال المهلب. . . فاتفق العلماء على أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بأرضه، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء للمسلمين) (٦). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية في المشهور (٧)، ورواية

стр. 4136

للحنابلة (١). وقال به من السلف: الحسن البصري، وعطاء بن السائب، وشريك النخعي، وغيرهم (٢). • مستند الإجماع: وحجتهم: فعل عمر بن الخطاب ﵁ بأرض مصر، والشام، والعراق، إذ إنه لم يقسم الأراضي بل وقفها على مصالح المسلمين، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة، إلا نفرٌ يسير (٣). قال مالك: (بلغني أن بلالًا وأصحابه سألوا عمر في قسم الأرض المأخوذة عنوة، فأبى ذلك عليهم، وكان بلال من أشد الناس عليه كلامًا، فزعم من حضر ذلك أن عمر دعا عليهم فقال: "اللهم اكفنيهم" فلم يأت الحول وواحد منهم حي، ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك، وتلاه عثمان وعلي على مثل ذلك، وقد غنم ﵊ غنائم وأراضي فلم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر، وهذا إجماع من السلف) (٤). • الخلاف في المسألة: وللفقهاء في هذه المسألة قولان آخران عدا القول المحكي عليه الإجماع: • القول الأول: ذهب الشافعية (٥)، والظاهرية (٦)، وأبو ثور وغيرهم (٧) إلى تقسيم الأرض المفتوحة عنوة بين الغانمين، كسائر ما ظهر عليه الإمام من قليل أموال المشركين أو كثيره، وحكم اللَّه في الغنيمة أن تخمس. • وحجتهم: ١ - عموم قوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. • وجه الدلالة: أن هذا نصٌّ عامٌّ فيدخل في ذلك جميع ما غنموا من الأرض أو غيرها. ٢ - وما ثبت أن النبي ﷺ قسم خيبر على الغانمين (٨).

стр. 4137

• القول الثاني: وذهب الحنفية (١)، والحنابلة في المشهور عنهم (٢) إلى أن الإمام مُخيَّرٌ في هذه الأرض يفعل ما يراه الأصلح من قسمتها بين الغانمين، أو بين إقرار أهلها عليها وضرب الخراج على أراضيهم. وحجتهم: أن قسمها في المغانم ثابت من فعل رسول اللَّه ﷺ بخيبر، ووقفها فيئًا لمصالح المسلمين ثابت من فعل عمر ﵁ بأرض السواد (٣). فالإمام مخيَّرٌ بينهما. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن من أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء للمسلمين، لوجود الخلاف المعتبر بين أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٤/ ٣] جواز إعطاء المجاهدين وذراريهم من مال الفيء: • المراد بالمسألة: بيان أن من المصارف المشروعة للفيء الإنفاق منها على المجاهدين، ومن يعولونهم من الذرية والنساء، نظير تفرُّغهم للجهاد، والانشغال به عن التكسُّب وطلب الرزق، وقد نُقل الإجماع على جواز إعطائهم من مال الفيء. • من نقل الإجماع: ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (لما رأى الإجماع على أن أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وغير ذلك من مال الفيء) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). قال الشافعي: (ينبغي للإمام أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة: وهم من قد احتلم واستكمل خمس عشرة سنة من الرجال، ويحصي الذرية: وهم من دون المحتلم، ودون البالغ خمس عشرة، والنساء: صغيرتهن وكبيرتهن، ويعرف قدر نفقاتهم، وما يحتاجون إليه في مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم، ثم يعطي

стр. 4138

المقاتلة في كل عام عطاءهم، والذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم في كسوتهم ونفقاتهم طعامًا أو قيمته دراهم أو دنانير، ويعطي المنفوس شيئًا، ثم يزاد كلما كبر على قدر مؤنته، وهذا مستو أنهم يعطون الكفاية، ويختلف في مبلغ العطاء باختلاف أسعار البلدان وحال الناس فيها، فإن المؤنة في بعض البلدان أثقل منها في بعض) (١). • مستند الإجماع: ١ - لأن جيش المسلمين أهم المصالح، لكونهم يحفظون المسلمين فيعطون كفاياتهم. ٢ - ولأن فيه تطييب قلوب المجاهدين، فإنهم متى علموا أن عيالهم وذراريهم يكفون المؤنة بعد سفرهم للجهاد، أقبلوا على الجهاد، وإذا علموا خلاف ذلك، أقبلوا على الكسب، وآثروه على الجهاد، مخافة الضيعة على عيالهم (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز إعطاء المجاهدين وذراريهم من مال الفيء، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٥/ ٤] لا يُمنع أهل الأهواء نصيبهم من الفيء: • تعريف أهل الأهواء: • الأهواء لغة: جمع هوى: وهو محبة الإنسان الشيء وغلبته على قلبه (٣). • وهو في الاصطلاح: ميل النفس إلى خلاف ما يقتضيه الشرع (٤). وأهل الأهواء من المسلمين هم: من زاغ عن الطريقة المثلى من أهل القبلة. ويسمون أهل البدع والضلال (٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والبدعة التي يُعدُّ بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة؛ كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة) (٦). • المراد بالمسألة: بيان أن أهل الأهواء والبدع إذا شاركوا عموم المسلمين في قتال الكفار، فإنهم لا يُمنعون نصيبهم من الفيء، وقد نُقل الإجماع على ذلك.

стр. 4139

• من نقل الإجماع: أبو الحكم البلوطي (٣٥٥ هـ) حيث يقول: (وأهل الأهواء لا يمنعون نصيبهم من الفيء إذا حضروا الحرب بإجماع) نقله عنه ابن القطان في "الإقناع" (١). • الموافقون للإجماع: لم أقف على من وافق البلوطي صراحة، إلا الشافعي (٢)، ولعل بعض الفقهاء لم يصرحوا بذلك لكون الفيء من حق جميع المسلمين. ويدخل في ذلك أهل الأهواء ما دامت بدعهم وأهواؤهم لم تُخرجهم عن دائرة الإسلام. • مستند الإجماع: يمكن أن يكون مستند هذا الإجماع: ما جاء عن علي ﵁: أنه كان قائمًا على المنبر بالكوفة يخطب فقال الخوارج من ناحية المسجد: لا حكم إلا للَّه، فقطع خطبته وقال: "كلمة حق يراد بها باطل، أما إن لهم عندنا ثلاثًا: ألَّا نمنعهم حقهم من الفيء ما كانت أيديهم مع أيدينا، ولا نمنعهم مساجد اللَّه أن يذكروا فيها اسمه، ولا نقاتلهم حتى يقاتلونا" (٣). • وجه الدلالة: حيث دلَّ هذا الأثر أن الخوارج لا يُمنعون نصيبهم من الفيء، وكذلك الحكم في غيرهم من أهل الأهواء. • الخلاف في المسألة: لم أجد من خالف في ذلك، سوى أن كثيرًا من أهل السلف نصوا بأن الرافضة (٤) لا حظَّ لهم في الفيء، ومن ذلك: قال مالك بن أنس: "من تَنَقَّصَ أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، أو كان في قلبه عليهم غِلٌّ، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] فمن تنقصهم أو كان في قلبه عليهم غِل، فليس له في الفيء

стр. 4140

حق" (١). والحجة على أن من سب أصحاب رسول اللَّه ﷺ ليس له في الفيء حقٌّ: أن اللَّه قد قسم الفيءَ على ثلاثة أصناف، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. قال ابن كثير: (وما أحسن ما استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح اللَّه به) (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على ألَّا يُمنع أهل الأهواء نصيبهم من الفيء، ما داموا في حكم الإسلام، سوى الرافضة؛ فقد قال كثير من السلف بأنه لا حق لهم فيه، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٦/ ٥] لا حق للعبيد في الفيء: • المراد بالمسألة: بيان أن الأرقاء كغيرهم ممن ليسوا من أهل القتال، ليس لهم سهم من فيء المسلمين، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث يقول: (ولم يختلف أحد لقيناه في أن ليس للمماليك في العطاء حق ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة) نقله عنه الخطابي (٣). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (لا نعلم خلافًا بين أهل العلم اليوم في أن العبيد لا حق لهم في الفيء) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)،

стр. 4141

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - ما جاء عن عمر ﵁ أنه قال: "ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد فليس لهم فيه شيء" (٢). ٢ - أن الفيء اختص بالمقاتلة، لأنه كان لرسول اللَّه ﷺ في حياته لحصول النصرة، فلما مات صارت بالجند ومن يحتاج إليه المسلمون، والعبيد ليسوا من المقاتلة (٣). • الخلاف في المسألة: وخالف في ذلك الظاهرية فذهبوا أنه يُسهم له كالحر (٤). • وحجة قائلين هذا القول: ١ - "أن أبا بكر الصديق كان يُعطي الأحرار والعبيد من الفيء، وكان عمر يقرض للسيد وللعبد" (٥). ٢ - ولأن خطاب الشرع بالأمر والنهي، والإثبات والنفي، وسائر أسباب التكليف لا يخص حرًّا من عبد، ولا ذكرا من أنثى، إلا ما خرج من ذلك بدليل. ولا دليل لخروج العبد من القسم في الفيء. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أنه لا حق للعبيد من الفيء، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4142

الفصل الثالث: مسائل الإجماع في الأمان تمهيد: في تعريف الأمان، والفرق بينه وبين عقد الذمة، والهدنة • تعريف الأمان: • الأمان لغة: مشتق من الأمن، والأمن ضد الخوف، وهو الاطمئنان. يقال: أَمَّنَه وآمَنَه، وآمن فلان العدو أي أعطاه الأمان. والعدو مُؤَمَّن، واستأمن الحربي استجار ودخل دار الإسلام مستأمنًا (١). • وفي الاصطلاح: رفع استباحة دم الحربي، ورقه، وماله، حين قتاله، أو العزم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما (٢). وعرف بأنه: عقد يفيد ترك القتل والقتال مع الحربيين (٣). والمستأمن: من له أمان بعقد جزية، أو هدنة، أو أمان (٤). الفرق بين الأمان وبين عقد الذمة، والهدنة: يوضح الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) الفرق بين عقد الأمان، والهدنة، والذمة فيقول: (والعقود التي تفيدهم الأمن ثلاثة: أمان وجزية وهدنة. لأنه إن تعلق بمحصور (أي: عدد محدود) فالأمان، أو بغير محصور فإن كان إلى غاية (أي: كان مؤقتًا بمدة معينة ينتهي عندها) فالهدنة، وإلا فالجزية (أي: عقد ذمة) وهما (أي: الهدنة، والجزية) مختصان بالإمام بخلاف الأمان) (٥). [١٥٧/ ١] للإمام وللرجل الحر البالغ العاقل حق منح الأمان: • المراد بالمسألة: لبيان المراد بالمسألة لابد من التفريق بين نوعين من الأمان،

стр. 4143

وهما: الأمان العام، والأمان الخاص، ونوضحهما فيما يأتي: أقسام الأمان: ينقسم الأمان إلى قسمين: • الأول: أمان عام: وهو ما يعطَى لناحية أو بلدة أو قلعة، وهذا باتفاق الفقهاء لا يصح إلا من الإمام أو نائبه، لأنه من المصالح العامة التي تحتاج إلى نظر وتمحيص وهذا لا يتأتى إلا من الإمام أو نائبه. وهذا كعقد المهادنة أو الذمة، فلا نبحثه في هذا الموضع. • الثاني: أمان خاص: وهو ما يعطَى لقافلة، أو لحصن صغير او لفرد من الأفراد، يطلبون الأمان لدخول دار الإسلام لأمر يقضونه ثم ينصرفون بانقضائه دون أن يكونوا ملتزمين بأحكام الإسلام أو الذمة، فهذا أيضًا نُقل فيه اتفاق الفقهاء على جواز منحه من الإمام أو نائبه ومن آحاد المسلمين بالشروط المعتبرة، وهو موضع النظر والتمحيص في هذه المسألة. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (أجمع أهل العلم أن أمان والي الجيش، أو الرجل الحر الذي يقاتل جائز على جميعهم) (١). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن الحر البالغ العاقل الذي ليس سكران إذا أمن أهل الكتاب الحربيين على أداء الجزية على الشروط التي قدمنا، أو على الجلاء، أو أمن سائر أهل الكفر على الجلاء بأنفسهم وعيالهم وذراريهم، وترك بلادهم، واللحاق بأرض حرب، لا بأرض ذمة، ولا بأرض إسلام، أن ذلك لازم لأمير المؤمنين ولجميع المسلمين، حيث كانوا) (٢). وعلاء الدين السمرقندي (٥٣٩ هـ) حيث يقول: (أمان الواحد الحر، أو العبد المقاتل، أو المرأة، صحيح بلا خلاف) (٣). وابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: (فأما الأمير فلا خلاف في أن إجارته جائزة؛ لأنه مقدم للنظر والمصلحة، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار) (٤). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على جواز تأمين الإمام) (٥).

стр. 4144

وابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (اتفق أهل العلم على أن الحُرَّ البالغ العاقل إذا أمَّنَ، صحَّ تأمينه) (١). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف بين كافة العلماء أن أمان السلطان جائز) (٢). وأبو عبد اللَّه المغربي (٩٥٤ هـ) حيث يقول: (إذ لا خلاف في جوازه (التأمين) للإمام ابتداءً) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على جواز تأمين الإمام وتأمين الواحد من المسلمين بالشروط المعتبرة فيه أصحاب المذاهب الأربعة: من الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بإعطاء الأمان لمن يريد سماع الشريعة، والإمام هو أعرف الناس من غيره فدل على جواز تأمينه. ٢ - عن عليٍّ قال: ما كتبنا عن النبي ﷺ إلا القرآن، وما في هذه الصَّحيفة، قال النبي ﷺ : "المدينة حرامٌ، ما بين عائِرٍ إلى ثور (٨)، فمن أحدثَ حَدثًا، أو آوى مُحدثًا؛ فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبلُ منه عدلٌ ولا صَرف، وذمَّة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم، فمن أخْفرَ مُسلمًا، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل" (٩). • وجه الدلالة: أن قوله ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم" عام في

стр. 4145

جميع المسلمين، دون تفريق بين أمير أو مأمور. ٣ - وعن ابن عباسٍ قال: حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب، أنها أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح، فأراد علي قتله، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، قال: "قد أجرْنَا من أجَرْتِ، وأمَّنَّا من أمَّنتِ" (١). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث أن أمان آحاد المسلمين جائز، ومنهم المرأة، فأمان الإمام جائز بطريق الأولى. • الخلاف في المسألة: يرى ابن الماجشون من المالكية: أن الأمان المؤقت لأهل الحرب لا يجوز إلا من الإمام أو نائبه، فإن أمَّن أحدٌ من الرعية أحدًا من الكفار، فالأمان لا يجوز ابتداءً إلا بعد عرضه على الإمام، فإن شاء أمضاه، أو رده (٢). واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]. • وجه الدلالة: أن الآية تدل على مشروعية الأمان، ثم الخطاب فيها موجَّه إلى النبي ﷺ بوصفه إمام المسلمين، فدلَّ ذلك على قصر الأمان على الإمام، فلا يجوز الافتئات عليه. قال ابن تيمية في "نقد مراتب الإجماع": (ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو نائبه، وهذا هو المشهور عند أصحاب أحمد، وفيه وجه في المذهبين أنها تصح من كل مسلم كما ذكره ابن حزم) (٣). وبعد النظر والتأمل في مذهبي الشافعية، والحنابلة تبيَّن أن المتقرر عندهم هو جواز أمان آحاد المسلمين بشرط وجود المصلحة، واستحب الحنابلة إذن الإمام فيه. قال في "المجموع": (ويجوز للمسلم أن يؤمن من الكفار آحادًا لا يتعطل بأمانهم الجهاد في ناحية كالواحد والعشرة والمائة وأهل القلعة) (٤). قال في "الفروع": (وأنه يستحب استحبابًا ألَّا يجار على الأمير إلا بإذنه) (٥).

стр. 4146

النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق على جواز إعطاء الإمام الأمان، لعدم المخالف في ذلك. ٢ - أن الإجماع متحقق على جواز إعطاء آحاد الرعية الأمان، إذا كان بإذن الإمام. ٣ - أن الإجماع غير متحقق على جواز إعطاء آحاد الرعية الأمان إذا لم يأذن به الإمام، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٨/ ٢] صحة أمان المرأة للعدو: • المراد بالمسألة: أن أمان المرأة المسلمة الحرة صحيح كالرجل، فإذا أعطت امرأة مسلمة لبعض الكفار أو أحدهم أمانًا، بألَّا يقتله أو يعرض له أحد من المسلمين، صح أمانها، وحرم أن يخفر أمانها أحد من المسلمين، ونقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٦ هـ) حيث يقول: (والعمل على هذا عند أهل العلم، أجازوا أمان المرأة) (١). وابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن أمان المرأة جائز، وانفرد الماجشون فقال: لا يجوز) (٢). وعلاء الدين السمرقندي (٥٣٩ هـ) حيث يقول: (أمان الواحد الحر أو العبد المقاتل أو المرأة صحيح بلا خلاف) (٣). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وبالمرأة، فإن أمانها يصح في قولهم جميعًا) (٤). ونقله أيضًا: ابن مفلح (٧٦٣ هـ) (٥)، والقنوجي (١٣٠٧ هـ) (٦)، وابن القاسم (١٣٩٢ هـ) (٧). • الموافقون للإجماع: وافق على أن أمان المرأة الحرة جائزٌ كالرجل: الحنفية (٨)،

стр. 4147

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق، وداود، وغيرهم (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. • وجه الدلالة: فهاتان الآيتان عامتان في الأمر بالوفاء والنهي عن الخيانة مطلقًا، ويدخل فيها المرأة كما يدخل فيها الرجل ولا فرق. ٢ - عن عليٍّ قال: ما كتبنا عن النبي ﷺ إلا القرآن، وما في هذه الصَّحيفة، قال النبي ﷺ : "المدينة حرامٌ، ما بين عائِرٍ إلى ثور، فمن أحدثَ حَدثًا، أو آوى مُحدثًا؛ فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبلُ منه عدلٌ ولا صَرف، وذمَّة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم، فمن أخْفرَ مُسلمًا، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل" (٥). • وجه الدلالة: أن قوله ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم" عام في جميع المسلمين، دون تفريق بين ذكر وأنثى. ٣ - وعن ابن عباسٍ قال: حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب، أنها أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح، فأراد علي قتله، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، قال: "قد أجرْنَا من أجَرْتِ، وأمَّنَّا من أمَّنتِ" (٦). ٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "إن كانت المرأة لَتُجير على المؤمنين فيجوزُ" (٧). ٥ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين (٨).

стр. 4148

٦ - عن أنس ﵁ قال: لما أسر أبو العاص زوج زينب بنت رسول اللَّه ﷺ قالت زينب: إني قد أجرت أبا العاص، فقال النبي ﷺ : "قد أجرنا من أجارت زينب، إنه يجير على المسلمين أدناهم" (١). • وجه الدلالة من النصوص السابقة: أنها صريحة الدلالة في ثبوت أمان المرأة وصحته. • الخلاف في المسألة: يرى بعض العلماء أن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام، رُوي عن خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص ما يدلُّ على ذلك (٢). وبه قال من أصحاب مالك: سحنون، وعبد الملك بن الماجشون (٣). ومستندهم في المنع من تأمين المرأة مما وقفت عليه ما يأتي: ١ - يحتمل أن يكون لأنها ليست من أهل القتال، فلم يكن لها تصرف في الأمان. ٢ - وأجابوا عن حديث أم هانئ من وجهين: الأول: قالوا: لو كان تأمينها جائزًا على كل حالٍ دون إذن الإمام؛ ما أراد عليٌّ قتل من أمَّنتْهُ، وهو قد حرُم بتأمينها دمُه. • والثاني: قالوا: ولو كان تأمينها جائزًا لقال رسول اللَّه ﷺ في الجواب عن ذلك قولًا مُسْتقلًّا يعمُّ أمانَ النساء، وإنما جاوبها على الخصوص في ذلك، إنما قال: "قد أجَرنا من أجرتِ، وأمَّنَّا من أمنتِ"، فهو دليل على أن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام أو ردِّه (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق، وأما خلاف ابن الماجشون وسحنون فشاذ (٥)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4149

[١٥٩/ ٣] لا يصح أمان المجنون للعدو: • المراد بالمسألة: بيان أن المجنون لا يصح أمانه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: (ومنها البلوغ وسلامة العقل عن الآفة عند عامة العلماء) (١). وابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر) (٢). والعيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: (والمجنون كذلك لا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: لأن العقل شرط أهلية التصرف، ولأن كلامه غير معتبر فلا يثبت به حكم (٨). النتيجة: أن الإجماع متحقق على عدم صحة أمان المجنون، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٠/ ٤] لا يصح أمان الصبي للعدو: • المراد بالمسألة: بيان أن أمان الصبي غير المميز لا يصح، ولا يثبت له حكم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن أمان الصبي غير

стр. 4150

جائز) (١)، وقال: (وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز) (٢). • الموافقون للإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: لأنه غير مخاطب بأفعاله، وأقوالُه غير معتبرة (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق في عدم صحة أمان الصبي غير المميز، لعدم وجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٦١/ ٥] صحة أمان العبد للعدو: • المراد بالمسألة: بيان أن العبد المأذون له في القتال يصح أمانه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: (اتفقوا أن العبد إذا قاتل يجوز أمانه) نقله عنه الرازي في "مختصر اختلاف الفقهاء" (٨). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وعن عمر من طرق أنه أجاز أمان العبد ولا خلاف في ذلك بين السلف إلا ما خرج مخرج الشذوذ) (٩). وعلاء الدين السمرقندي (٥٣٩ هـ) حيث يقول: (أمان الواحد الحر أو العبد المقاتل أو المرأة صحيح بلا خلاف) (١٠). وعلاء الدين الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: (فَيَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ في الْقِتَالِ بِالْإِجْمَاعِ) (١١).

стр. 4151

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والثوري، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأبو ثور، وداود؛ فقالوا بجواز تأمينه كالحرِّ (٤). • مستند الإجماع: ١ - أن النبي ﷺ قال: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل" (٥). • وجه الدلالة: أن قوله: "يسعى بها أدناهم" عام يشمل العبد والحر، وليس في شيء من الأخبار: قاتل أو لم يقاتل (٦). ٢ - وروى فضيل بن يزيد الرقاشي قال: جهز عمر بن الخطاب جيشًا، فكنت فيه، فحضرنا موضعا، فرأينا أنا سنفتحها اليوم، وجعلنا نقبل ونروح، فبقي عبد منا فراطنهم وراطنوه، فكتب لهم الأمان في صحيفة وشدها على سهم ورمى بها إليهم، فأخذوها وخرجوا، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: "العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم" (٧). ٣ - ولأنه مسلم مكلف فصح أمانه كالحر (٨)، وما ذكروه من التهمة يبطل بما إذا أذن له في القتال فإنه يصح أمانه، وبالمرأة فإن أمانها يصح في قولهم جميعًا، قالت عائشة: -إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز- وعن أم هانئ أنها قالت: يا رسول اللَّه، إني أجرت أحمائي وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي أراد قتلهم. فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، إنما يجير على المسلمين أدناهم". وأجارت زينب بنت رسول اللَّه ﷺ أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول اللَّه ﷺ .

стр. 4152

• الخلاف في المسألة: يرى أبو حنيفة: أن أمان العبد غير جائز، إلا أن يكون العبد فيمن يقاتل، وهو قول أبي يوسف، وخالفهما محمد بن الحسن، فقال بقول الجماعة (١)، ويُحْكَى مثل قول أبي حنيفة عن سحنون من أصحاب مالك (٢). • ودليل الحنفية: أن الأمان من القتال، والعبد المحجور عليه لا يملك القتال، فكذلك لا يملك الأمان (٣). أنه محجورٌ عليه، فلم يَجُزْ تأمينه، كالطِّفل، والذي لا يَعقل، فإذا أذن له فقاتل ارتفع المانع فجاز (٤). ولأنه مجلوب من دار الكفر، فلا يؤمن أن ينظر لهم في تقديم مصلحتهم (٥). النتيجة: أن الإجماع متحقق في العبد المأذون له في القتال، فيصح أمانه أن الإجماع غير متحقق في العبد غير المأذون له في القتال. [١٦٢/ ٦] لا يصح أمان المكره: • المراد بالمسألة: بيان أن من شرط صحة الأمان أن يكون عاقده مختارًا غير مكره عليه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. مثال أمان المكره: الأسير من المسلمين في دار الحرب، إذا أمن أهل الحرب مكرهًا فلا يصح أمانه على غيره من المسلمين؛ لأنه مقهورٌ تحت أيديهم. • من نقل الإجماع: المرداوي (: ٨٨٥ هـ) حيث يقول: (وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الْمُكْرَهِ بِلَا نِزَاعٍ) (٦). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، . . . . .

стр. 4153

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: ١ - لأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح كالإقرار (٣). ٢ - ولأن أمان المكره إنما يقع ليتخلص به، لا بصفة النظر للمسلمين، فلا يلزمون به (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على عدم صحة أمان المكره، لعدم وجود المخالف المعتبر. [١٦٣/ ٧] لا يصح أمان الذمي: • المراد بالمسألة: أن الذِّميَّ إذا كان مع المسلمين، فأراد أن يجير مشركًا ويؤمنه؛ فأمانه باطلٌ ولا حكم له، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن أمان الذمي لا يجوز) (٥). ابن المناصف (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأما قوله ﷺ : "ذمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة اللَّه" (٦)، فهو كالنصّ أن ذلك لا مدخل فيه لكافر، وأيضًا فهو مما لا خلاف فيه) (٧). علاء الدين السمرقندي (٥٣٩ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أنه لا يجوز أمان التاجر في دار الحرب ولا الأسير فيها ولا أمان المسلم الذي لم يهاجر إلينا ولا أمان الذمي المقاتل معهم لأنهم متهمون في ذلك) (٨). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)،

стр. 4154

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أنه ليس للكافرين ولاية على المسلمين، والأمان من باب الولاية، إذ به ينفذ كلام المؤمنين على غيرهم شاؤوا أم أبوا (٢). ٢ - قوله ﷺ : "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" (٣). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث أن التأمين الذي يلزم المسلمين الوفاء به هو ما عقدوه، أو عقده واحدٌ منهم. وعليه لا يصح أمان الذمي. ٣ - ومن جهة النظر أنه كافر، غير مأمونٍ في الدِّين، ولا ناصحٍ لجماعة المسلمين، فلم يلزمهم تأمينه، كالحربي. ٤ - أن الأمان فيه معنى النصرة، والكافر ليس من أهل نصرة الدين (٤). • الخلاف في المسألة: قال ابن المنذر: (وقد رُوينا عن الأوزاعي أنه قال: "إن كان غزا مع المسلمين، فإن شاء الإمام أجاره، وإن شاء ردَّه إلى مأمنه") (٥). ولم يذكر له دليلًا، وعلى كل حال فإن المجير في هذه الحال هو الإمام، فدلَّ ذلك أن أمان الذمي لا يصح استقلالًا. النتيجة: أن الإجماع متحقق لعدم وجود المخالف المعتبر، وما ذكر من خلاف للأوزاعي لا يقدح في الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٤/ ٨] صفة الأمان: • المراد بالمسألة: بيان أن الأمان ينعقد بكل لفظ مفيد للغرض صريحًا، كقوله: أجرتك، أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب، أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة، والرسالة، والإشارة المفهمة (٦)، لذا فإنه بأي صفة قيل الأمان وفهم منه

стр. 4155

المراد ثبت الأمان، وحرم على المسلمين خفره، سواء بالكلمات التي ورد بها الشرع، مثل: أمنتك وأجرتك أو غيرها مما هي في معناها. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف علمته بين العلماء في أن من أمن حربيًّا بأي كلام لهم به الأمان فقد تم له الأمان) (١). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (صفة الأمان فالذي ورد به الشرع لفظتان: أجرتك وأمنتك. . . وفي معنى ذلك إذا قال: لا تخف، لا تذهل، لا تخش، لا خوف عليك، لا بأس عليك. . . وهذا كله لا نعلم فيه خلافًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - فدليل انعقاد الأمان باللفظ الصريح قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، ٢ - وقوله ﷺ لأم هانئ: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" (٧)، ٣ - وقوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" (٨). • وجه الدلالة: حيث جاء الأمان بلفظه الصريح وهو: أجرنا، وآمن. ٤ - وعن أبي وائلٍ قال: كتب إليَّ عمر بن الخطاب فقال: "وإذا لقي الرجلُ الرجلَ فقال: مَتَّرْسْ؛ فقد أمَّنه، وإذا قال: لا تخف؛ فقد أمَّنه، وإذا قال: لا تذهل، فقد أمَّنه، إن اللَّه يعلم الألسنة" (٩). • وجه الدلالة: فيه دليل أن الصحابة ﵃ اعتبروا كل لفظ دلَّ على معنى الأمان سواء كان عربيًّا أو أعجميًّا مما هو في لغة العدو.

стр. 4156

ودليل انعقاد الأمان بالإشارة المفهمة ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "واللَّه لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل إليه على ذلك، فقتله؛ لقتلته به" (١). ٥ - ولأن الكفار في الغالب لا يفهمون كلام المسلمين، والمسلمون لا يفهمون كلامهم، فدعت الحاجة إلى التكليم بالإشارة (٢). ولأن المراد الإشعار بالتأمين بكل شيء يحصل به الشعور (٣). ٦ - ودليل انعقاد الأمان بالكتابة، لأن الكتاب أحد البيانين (٤)، وقد عمل النبي ﷺ فيما ثبت عنه من مكاتبة ملوك الكفر يدعوهم إلى الإسلام. النتيجة: أن الإجماع متحقق على انعقاد الأمان بأي لفظ أو إشارة مفهومة تدل عليه، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٥/ ٩] جواز إعطاء الأمان لمعرفة الإسلام، أو لمن يريد سماع كلام اللَّه: • المراد بالمسألة: إذا طلب الكافر الحربي الأمان من المسلمين، لغرض معرفة الإسلام وشرائعه وأحكامه، أو لأن يسمع كلام اللَّه تعالى، وجب أن يُعطى الأمان لذلك، فإن أسلم وإلا وجب رده إلى مأمنه الذي جاء منه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ومن طلب الأمان ليسمع كلام اللَّه ويعرف شرائع الإسلام وجب أن يعطاه، ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم في هذا

стр. 4157

خلافا) (١). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي من الذين أمرتك بقتالهم. ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي سأل جوارك، أي أمانك وذمامك، فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي: يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه. فإن قبل أمرًا فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه. وهذا ما لا خلاف فيه. واللَّه اعلم) (٢). وابن مفلح (٧٩٣ هـ) حيث يقول: (إذا طلب الكافر الأمان ليسمع كلام اللَّه ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته، ثم يرد إلى مأمنه بغير خلاف نعلمه للنص، قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). وبه قال قتادة ومكحول والأوزاعي وكتب عمر بن عبد العزيز بذلك إلى الناس (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]. • وجه الدلالة: أن الآية نص في وجوب إعطاء الأمان لمن يريد سماع الشريعة، ومعرفة الإسلام، ووجوب إبلاغه مأمنه بعد السماع. وعللَّ اللَّه ذلك بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ٢ - وكان رسول اللَّه ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدًا (٩). النتيجة: أن الإجماع متحقق في وجوب إعطاء الأمان لمن طلبه ليسمع كلام اللَّه، ويعرف شرائع الإسلام، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4158

[١٦٦/ ١٠] أثر الأمان بالنسبة للمسلمين: • المراد بالمسألة: بيان أن الأمان إذا وقع للحربيين من الإمام، أو من غيره بشروطه وجب على المسلمين جميعًا الوفاء به، فيحرم قتل المستأمن أو أسره أو استرقاقه، وكذا الالتزام بسائر الأمور المتفق عليها في عقد الأمان ويحرم عليهم نقضه، قبل انتهاء مدته. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع أهل العلم على أن الذمي -إذا أقام على ما عوهد عليه-، والمستأمن لا يجوز نقض عهده، ولا إكراهه على ما لم يلتزمه) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال -تعالى-: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. ٢ - عن عليٍّ قال: قال النبي ﷺ : "ذمَّة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم، فمن أخْفرَ مُسلمًا، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل" (٦). • ووجه الدلالة من النصوص السابقة واضح في وجوب الوفاء بعقد الأمان، وتحريم نقضه قبل انتهاء مدته. النتيجة: أن الإجماع متحقق على وجوب الوفاء بعقد الأمان والتزام ما تضمَّن من شروط، وتحريم نقضه، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٧/ ١١] عصمة دم المستأمن وماله: • المراد بالمسألة: بيان أن المستأمنين بعقد الأمان يثبت لهم حق العصمة على

стр. 4159

نفوسهم، وأموالهم، فيحرم الاعتداء عليهم، ويجب حمايتهم والدفاع عنهم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (والغدر أن يؤمن ثم يقتل، وهذا حرام بإجماع، والغدر والقتل سواء قال رسول اللَّه ﷺ : "الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن"، وقال ﵊: "يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه هذه غدرة فلان" (١) وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (والقتل إنما يجوز إذا لم يكن يوجد بعد تأمين، وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين) (٢). والزركشي (٧٧٢ هـ) حيث يقول: (يصح إعطاء الأمان للكفار في الجملة بالإجماع، فيحرم قتلهم ومالهم) (٣). وابن رجب (٧٩٥ هـ) حيث يقول: (ومنها لو أعطينا الأمان لواحد من أهل حصن أو أسلم واحد منهم ثم تداعوه حرم قتلهم بلا خلاف) (٤). والحطاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: (بل لا يجوز لمن أمنه قتله اتفاقًا) (٥). والشوكاني (١٢٥٥ هـ) حيث يقول: (المعاهد هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان، فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه) (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى

стр. 4160

يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآيات الكريمة على وجوب الوفاء بالمواثيق والعهود على سبيل العموم، مع المسلمين أو غيرهم، وتحريم الخيانة فيها، وأن على الإمام أو من يقوم مقامه المحافظة على المستأمن في ماله ونفسه حتى يبلغه مأمنه. ٢ - وعن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يُرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدرًا من أمير عامّةٍ" (١). ٣ - وعن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "من قتلَ مُعاهدًا لم يرحْ رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا" (٢). ٤ - وعن أبي بكرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قتل مُعاهدًا في غير كُنهه (٣)، حرَّم اللَّه عليه الجنة" (٤).

стр. 4161

• وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: حيث تضمنت التحذير الأكيد، والوعيد الشديد لمن اعتدى على معاهد، وهو من تربطه بالمسلمين عهود ومواثيق، وأن من الأنفس المعصومة في الإسلام أنفس المعاهدين ومنهم المستأمنون (١). ٥ - ولأن دور الأمان هو وقف القتال، وحقن دماء وأموال من منحوا ذلك الأمان، حتى تكتمل مهمتهم، ويبلغوا مأمنهم، وهو أمر واضح؛ إذ لا معنى للأمان إذا كان المؤمَّن لا يأمن على نفسه وماله (٢). قال ابن القيم ﵀: (أحكام المستأمن والحربي مختلفة، لأن المستأمن يحرم قتله وتضمن نفسه، ويقطع بسرقة ماله، والحربي بخلافه) (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على عصمة المستأمن في ماله ونفسه، حيث لم يخالف في ذلك أحد من العلماء، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٨/ ١٢] إذا اشتبه من أُعطي الأمان بغيره، ولم يبيَّن، حرم قتل الجميع: • المراد بالمسألة: إن حصر المسلمون حصنًا للكفار، فناداهم واحد من هذا الحصن: آمنوني وأفتح لكم الحصن، فلما فتح الحصن، ادَّعى أكثر من واحد أو كل واحد من أهل الحصن أنه هو الذي طلب الأمان، وفتح الحصن، ولم يتبيَّن من هو، فإنه لا يجوز قتل أحدهم لوجود الاشتباه فيما بينهم. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (أن المسلمين إذا حصروا حصنًا، فناداهم رجل: آمنوني أفتح لكم الحصن، جاز أن يعطوه أمانًا. . . فإن أشكل الذي أعطي الأمان، وادعاه كل واحد من أهل الحصن، فإن عرف صاحب الأمان عمل على ذلك، وإن لم يعرف لم يجز قتل واحد منهم. . . وبهذا قال الشافعي ولا أعلم فيه خلافًا (٤). والمرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (ومن أعطى أمانًا ليفتح حصنًا ففتحه واشتبه علينا فيهم حرم قتلهم بلا نزاع) (٥).

стр. 4162

• الموافقون للإجماع: هو مقتضى مذهب الشافعية (١)، والمذهب عند الحنابلة (٢). • مستند الإجماع: لأن كل واحد منهم يحتمل صدقه، وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لا ضرورة إليه، فحرم الكل، كما لو اشتبهت ميتة بمذكاة، أو أخته بأجنبيات، أو اشتبه زان محصن برجال معصومين. ومن "القواعد الفقهية" التي تؤيد هذا الإجماع: " إذا اجتمع الحرام والحلال غُلِّبَ الحرام" (٣). "إذَا اشْتبهَ الْمُبَاحُ بالْمحظور، فِيمَا لا تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، لَمْ يَجُزِ التَّحَرِّي" (٤). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أنه إذا اشتبه من أُعطي الأمان بغيره، ولم يبيَّن، حرم قتل الجميع، لعدم المخالف فيما أعلم، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٩/ ١٣] نقض الأمان بعودة الحربي المستأمن إلى دار الحرب: • المراد بالمسألة: أن المستأمن ينتقض أمانه إذا رجع إلى بلاده، ومحل إقامته الدائمة وهي دار الكفر، وتُرفع عنه عصمة دمه وماله، ونقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: (لا خلاف أن الحربي المستأمن إذا لحق بدار الحرب عاد إلى حكم الحرب، وبطل الأمان)، نقله عنه الرازي في "مختصر اختلاف العلماء" (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 4163

• مستند الإجماع: أن عودة الحربي المؤمَّن إلى بلاده بنية الإقامة فيها دليلٌ على رغبته في فسخ الأمان، فتزول عنه العصمة بذلك، ولا تعود إليه إلا بالدخول في الإسلام، أو بعقد أمانٍ جديد. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الأمان ينتقض بعودة الحربي المستأمن إلى دار الحرب، لعدم المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٠/ ١٤] نقض الأمان بالتجسس: • تعريف التجسس: • التجسس لغة: الجيم والسين أصلٌ واحد، وهو: تعرُّف الشيء بمسٍّ لطيف، والتجسس: السؤال عن العورات، والتفتيش عن بواطن الأمور (١). • وفي الاصطلاح: الجاسوس: هو الذي يطلع على عورات المسلمين وينقل أخبارهم للعدو (٢). • المراد بالمسألة: بيان أن المستأمن لو دخل دار الإسلام بأمان لمدة محدَّدة، وكان قد شُرط عليه عدم القيام بالتجسس على عورات المسلمين أو الدلالة عليها بالمكاتبة، أو غيرها، فإنه ينتقض عهده، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (قال النووي: "فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق، وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف" (٣). أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقا) (٤). ونقله مقرًّا له الشوكاني (١٢٥٥ هـ) (٥)، والعظيم آبادي (١٣٢٩ هـ) (٦). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، . . . . .

стр. 4164

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: وحجتهم بأن قالوا: إن المعلَّق على شرط يكون معدومًا قبل وجود الشرط، وقد عُلِّق أمان المستأمن بشرط ألَّا يكون عينًا، فإذا ظهر أنه عين، فإنه يعود حربيًّا لا أمان له فيُقتل، وينتقض أمانه، وحكمه للإمام، وهو كالأسير الحربي. وإذا نقض العهد فإنه لا يستحق تبليغه مأمنه؛ لأنه نقض عهده، وفعل ما فيه ضرر على المسلمين، وهو أشبه ما لو قاتلهم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن تجسس المستأمن الذي شُرط عليه ألَّا يتجسس فتجسس أنه ينقض أمانه، لعدم المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٧١/ ١٥] ثبوت أمان الرسول ﷺ لأهل مكة: • المراد بالمسألة: بيان أن الرسول ﷺ حين منَّ اللَّه عليه بفتح مكة، عرض الأمان على أهلها، بأن من دخل داره، أو المسجد، أو دار أبي سفيان، أو ألقى السلاح فهو آمن، وقد نُقل الإجماع على ثبوت ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (ولم تختلف الآثار ولا اختلف العلماء في أن رسول اللَّه ﷺ أمن أهل مكة، كل من دخل داره، أو المسجد، أو دار أبي سفيان، أو ألقى السلاح) (٣) ونقله عنه ابن القطان (٦٢٨ هـ) (٤). وأبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) حيث يقول: (والكل متفقون على أن النبي ﷺ لما دخلها أمَّن أهلها. .) (٥). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (فأسلم أبو سفيان وأمنه النبي ﷺ ، وقال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن". . . وهذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل العلم، مذكور في عامة الكتب المصنفة في هذا الشأن) (٦).

стр. 4165

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وعامة أهل السير والمغازي (٤). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة أنه ذكر فتح مكة، وفيه: فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول اللَّه أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول اللَّه ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" (٥). ٢ - وعن ابن عباس قال: "لما نزل رسول اللَّه ﷺ مر الظهران، قال العباس: قلت واللَّه لئن دخل رسول اللَّه ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش، فجلست على بغلة رسول اللَّه ﷺ ، فقلت لعلي: أجد ذا حاجة يأتي أهل مكة، فيخبرهم بمكان رسول اللَّه ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه، فأني لأسير إذ سمعت كلام أبا سفيان، وبديل بن ورقاء، فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، قلت: هذا رسول اللَّه ﷺ والناس، قال: فما الحيلة؟ قال: فركب خلفي، ورجع صاحبه، فلما أصبح غدوت به على رسول اللَّه ﷺ فأسلم، قلت: يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن"، قال: فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد" (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق على ثبوت أمان الرسول ﷺ لأهل مكة، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٢/ ١٦] لم يكن في فتح مكة شيءٌ من حكم البلاد المفتوحة عنوة: • المراد بالمسألة: بيان أن فتح مكة وإن وقع الخلاف في فتحها، أكان عنوة، أم صلحًا؟ إلا أن الإجماع قد نُقل على أنه لم يكن في ذلك الفتح شيء من حكم البلاد

стр. 4166

المفتوحة عنوة، من قسمة الغنائم، ومن سبي النساء والذرية، وغير ذلك مما هو موجود في حكم البلاد المفتوحة عنوة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وقد أجمعوا على أنها لم يجز فيها من حكم العنوة، ولم يقتل فيها إلا من استثناه ﵇، وأمر بقتله، ولم يَسب فيها ذرية ولا عيالًا ولا مالًا، وإن أهلها بقوا إذ أسلموا على ما كان بأيديهم، من دار وعقار، وليس هذا حكم العنوة بإجماع) (١). والماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: (واختلف الناس في دخوله ﷺ مكة عام الفتح هل دخلها عنوة أو صلحًا؟ مع إجماعهم إلى أنه لم يغنم منها مالًا ولم يسب فيها ذرية) (٢). والقرطبي (٦٥٦ هـ) في "المفهم" حيث يقول: (وفي هذا الحديث لمالك نصٌّ على أن النبي ﷺ دخلها (مكة) عنوة وقهرًا، وهو الذي صار إليه جمهور العلماء والفقهاء، مالك وغيره، ما عدا الشافعي فإنه قال: فتحت صلحًا، والكل متفقون على أن النبي ﷺ لما دخلها أمن أهلها، ولم يغنمهم، وترك لهم أموالهم وذراريهم وأراضيهم، ولم يجر عليهم حكم الغنيمة، ولا حكم الفيء، فكان ذلك أمرًا خاصًّا بمكة لشرفها وحرمتها، ولا يساويها في ذلك غيرها) (٣). وابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف مع ذلك أنه لم يُجْرَ فيها قسم غنيمة ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو مما يؤيد قول من قال: لم يكن فتحها عنوة) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: عن وهب بن منبه قال: "سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا" (٩).

стр. 4167

قال ابن تيمية: (وفي الجملة: من تدبر الآثار المنقولة علم بالاضطرار أن مكة فتحت عنوة، ومع هذا فالنبي ﷺ لم يقسم أرضها، كما لم يسترق رجالها، ففتح خيبر عنوة وقسمها، وفتح مكة عنوة ولم يقسمها) (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أنه لم يكن في فتح مكة شيءٌ من حكم البلاد المفتوحة عنوة، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4168

الفصل الرابع: مسائل الإجماع في الهدنة • تعريف الهدنة: • الهدنة في اللغة: السكون: مأخوذ من هدن الأمر، أو الشخص يهدن هدونا. سكن بعد الهيج، ويقال: هادنه مهادنة: صالحه (١). • وفي الاصطلاح: عقد إمام أو نائبه على ترك القتال مع غير المسلمين مدة معلومة بعوض أو بغير عوض (٢). وتسمى موادعة، ومعاهدة، ومسالمة ومصالحة (٣). [١٧٣/ ١] حكم مصالحة أهل الحرب: • المراد بالمسألة: أن مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة جائز إذا كان فيها مصلحة للمسلمين من حيث الجملة، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو الحسن بن المغلس (٣٢٤ هـ) حيث يقول: (واتفق الجميع أن الصلح لا يجوز إلا في صلاح المسلمين) نقله عنه ابن القطان (٤). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن إعطاء المهادنة على إعطاء الجزية بالشروط التي قدمنا جائزة) (٥)، وقال: (واتفقوا أن الوفاء بالعهود التي نص القرآن على جوازها ووجوبها وذكرت فيه بصفاتها وأسمائها وذكرت في السنة كذلك وأجمعت الأمة على وجوبها أو جوازها فإن الوفاء بها فرض، وإعطاؤها جائز) (٦). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ويتنوع (الصلح) أنواعًا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا

стр. 4169

خيف الشقاق بينهما. . . وأجمعت الأئمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها) (١). وزكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) حيث يقول: (والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ١]، وقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الآية [الأنفال: ٦١]، ومهادنته ﷺ قريشا عام الحديبية) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ [التوبة: ١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. • وجه الدلالة من الآيات: دلَّت الآيات الكريمات على جواز عقد الهدنة مع المشركين، لأن اللَّه قد برئ من المشركين، إلا المعاهدين منهم الذين عقدوا الهدنة مع المسلمين، فثبتوا على عهدهم فيجب إتمام العهد إليهم بشرط الوفاء بشروط العهد من قبلهم، فلا يعاونون أحدًا على المسلمين (٧). ٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت على أن الكفار إذا مالوا إلى الهدنة، فينبغي للمسلمين قبولها والميل لها (٨).

стр. 4170

٣ - ومن السنة المطهرة حيث دلَّت وقائع وأحداث السيرة النبوية مباشرة النبي ﷺ ذلك ومنها ما يأتي: ب- حديث صلح الحديبية، حيث ثبت أن رسول اللَّه ﷺ عقد الصلح بينه وبين المشركين يوم الحديبية، على وضع الحرب بينه وبينهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، كتبه علي بن أبي طالب (١). ٤ - ومصالحته وموادعته ﷺ ليهود المدينة، فعندما استقر ﷺ بالمدينة كتب كتابًا بين المسلمين واليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم واشترط لهم (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق في كون الهدنة مع الكفار جائزة إذا حققت مصلحة للمسلمين، لعدم المخالف المعتبر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٤/ ٢] من تشمله المصالحة: • المراد بالمسألة: أن الصلح إذا وقع بين إمام المسلمين، وملك من ملوك الكفار، فإن من تحت ولاية هذا الحاكم الكافر، يدخلون في هذا الصلح، فلا يجوز أن يُعتدى عليهم، بل يجب أن يُوفَّى لهم عهدهم كذلك، لأنهم من رعيته. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث يقول: (العلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم) (٣) ونقله عنه ابن حجر (٤)، وأبو عبد اللَّه المغربي (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، . . . . .
следующие страницы →