← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

المفتوحة عنوة، من قسمة الغنائم، ومن سبي النساء والذرية، وغير ذلك مما هو موجود في حكم البلاد المفتوحة عنوة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وقد أجمعوا على أنها لم يجز فيها من حكم العنوة، ولم يقتل فيها إلا من استثناه ﵇، وأمر بقتله، ولم يَسب فيها ذرية ولا عيالًا ولا مالًا، وإن أهلها بقوا إذ أسلموا على ما كان بأيديهم، من دار وعقار، وليس هذا حكم العنوة بإجماع) (١). والماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: (واختلف الناس في دخوله ﷺ مكة عام الفتح هل دخلها عنوة أو صلحًا؟ مع إجماعهم إلى أنه لم يغنم منها مالًا ولم يسب فيها ذرية) (٢). والقرطبي (٦٥٦ هـ) في "المفهم" حيث يقول: (وفي هذا الحديث لمالك نصٌّ على أن النبي ﷺ دخلها (مكة) عنوة وقهرًا، وهو الذي صار إليه جمهور العلماء والفقهاء، مالك وغيره، ما عدا الشافعي فإنه قال: فتحت صلحًا، والكل متفقون على أن النبي ﷺ لما دخلها أمن أهلها، ولم يغنمهم، وترك لهم أموالهم وذراريهم وأراضيهم، ولم يجر عليهم حكم الغنيمة، ولا حكم الفيء، فكان ذلك أمرًا خاصًّا بمكة لشرفها وحرمتها، ولا يساويها في ذلك غيرها) (٣). وابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف مع ذلك أنه لم يُجْرَ فيها قسم غنيمة ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو مما يؤيد قول من قال: لم يكن فتحها عنوة) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: عن وهب بن منبه قال: "سألت جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا" (٩).

стр. 4167

قال ابن تيمية: (وفي الجملة: من تدبر الآثار المنقولة علم بالاضطرار أن مكة فتحت عنوة، ومع هذا فالنبي ﷺ لم يقسم أرضها، كما لم يسترق رجالها، ففتح خيبر عنوة وقسمها، وفتح مكة عنوة ولم يقسمها) (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أنه لم يكن في فتح مكة شيءٌ من حكم البلاد المفتوحة عنوة، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4168

الفصل الرابع: مسائل الإجماع في الهدنة • تعريف الهدنة: • الهدنة في اللغة: السكون: مأخوذ من هدن الأمر، أو الشخص يهدن هدونا. سكن بعد الهيج، ويقال: هادنه مهادنة: صالحه (١). • وفي الاصطلاح: عقد إمام أو نائبه على ترك القتال مع غير المسلمين مدة معلومة بعوض أو بغير عوض (٢). وتسمى موادعة، ومعاهدة، ومسالمة ومصالحة (٣). [١٧٣/ ١] حكم مصالحة أهل الحرب: • المراد بالمسألة: أن مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة جائز إذا كان فيها مصلحة للمسلمين من حيث الجملة، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو الحسن بن المغلس (٣٢٤ هـ) حيث يقول: (واتفق الجميع أن الصلح لا يجوز إلا في صلاح المسلمين) نقله عنه ابن القطان (٤). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن إعطاء المهادنة على إعطاء الجزية بالشروط التي قدمنا جائزة) (٥)، وقال: (واتفقوا أن الوفاء بالعهود التي نص القرآن على جوازها ووجوبها وذكرت فيه بصفاتها وأسمائها وذكرت في السنة كذلك وأجمعت الأمة على وجوبها أو جوازها فإن الوفاء بها فرض، وإعطاؤها جائز) (٦). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ويتنوع (الصلح) أنواعًا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا

стр. 4169

خيف الشقاق بينهما. . . وأجمعت الأئمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها) (١). وزكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) حيث يقول: (والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ١]، وقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الآية [الأنفال: ٦١]، ومهادنته ﷺ قريشا عام الحديبية) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ [التوبة: ١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. • وجه الدلالة من الآيات: دلَّت الآيات الكريمات على جواز عقد الهدنة مع المشركين، لأن اللَّه قد برئ من المشركين، إلا المعاهدين منهم الذين عقدوا الهدنة مع المسلمين، فثبتوا على عهدهم فيجب إتمام العهد إليهم بشرط الوفاء بشروط العهد من قبلهم، فلا يعاونون أحدًا على المسلمين (٧). ٢ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت على أن الكفار إذا مالوا إلى الهدنة، فينبغي للمسلمين قبولها والميل لها (٨).

стр. 4170

٣ - ومن السنة المطهرة حيث دلَّت وقائع وأحداث السيرة النبوية مباشرة النبي ﷺ ذلك ومنها ما يأتي: ب- حديث صلح الحديبية، حيث ثبت أن رسول اللَّه ﷺ عقد الصلح بينه وبين المشركين يوم الحديبية، على وضع الحرب بينه وبينهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، كتبه علي بن أبي طالب (١). ٤ - ومصالحته وموادعته ﷺ ليهود المدينة، فعندما استقر ﷺ بالمدينة كتب كتابًا بين المسلمين واليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم واشترط لهم (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق في كون الهدنة مع الكفار جائزة إذا حققت مصلحة للمسلمين، لعدم المخالف المعتبر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٤/ ٢] من تشمله المصالحة: • المراد بالمسألة: أن الصلح إذا وقع بين إمام المسلمين، وملك من ملوك الكفار، فإن من تحت ولاية هذا الحاكم الكافر، يدخلون في هذا الصلح، فلا يجوز أن يُعتدى عليهم، بل يجب أن يُوفَّى لهم عهدهم كذلك، لأنهم من رعيته. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث يقول: (العلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم) (٣) ونقله عنه ابن حجر (٤)، وأبو عبد اللَّه المغربي (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، . . . . .

стр. 4171

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]. • وجه الدلالة: حيث جاءت ألفاظ الأمر بالوفاء بالهدنة والمعاهدة بصيغة الجمع (أوفوا، فاتموا، استقاموا)، مع أن عقد الهدنة قد يتم من رجلين يمثلان كلا الطرفين، فدلَّ ذلك على دخول من تحت أيديهم من الرعية في الوفاء ببنود هذه الهدنة. ٢ - يمكن أن يقال: أن الإمام والرئيس باعتباره ممثلًا للجماعة التي يرأسها، ومعبرًا عن إرادتها، وناظرًا لمصلحتها فإن ما يعقده من مهادنات يسري حكمها على من تحت يده من الرعية. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٥/ ٣] الإمام هو من يعقد الهدنة مع أهل الحرب: المراد بالمسألة: أن عقد الهدنة من اختصاص الإمام أو من يقيمه الإمام مقامه، فإن تولى أحد الأفراد عقد الهدنة بدون تفويض من الإمام بطل العقد، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ولا يصح عقد الذمة والهدنة إلا من الإمام أو نائبه، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافًا) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: جمهور الفقهاء من الحنفية (٤)، المالكية (٥)، والشافعية (٦) والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: أن عقد الهدنة متعلق بمصلحة عامة بالمسلمين والتي لا يقررها

стр. 4172

إلا الإمام (١). لو جاز أن يعقد الهدنة آحاد الرعية، لكان ذلك افتياتًا على الإمام وتعديًا على سلطانه، وقد يؤدي إلى تعطُّل الجهاد فلا يؤمن أن يهادن الرجل أهل إقليم والمصلحة في قتالهم (٢). • الخلاف في المسألة: يرى بعض الحنفية (٣)، وسحنون من المالكية (وقيده في حال الضرورة) (٤): أنه لا يقتصر حق إبرام عقد الهدنة على الإمام أو من ينيبه، فيجوز عندهم أن يعقد الموادعة فريق من المسلمين من غير إذن الإمام إن كانت هناك مصلحة للمسلمين. وللإمام أن ينهي الهدنة عند عدم تحقق المصلحة. • وحجتهم أنهم قالوا: أن المعوَّل عليه وجود المصلحة، وقد وجدت، فجاز ذلك. أن الموادعة أمان، وأمان الواحد كأمان الجماعة (٥). النتيجة: أن الإجماع متحقق، وما ذكر من خلاف بعض الأحناف وسحنون من المالكية لا يقدح في ثبوت الإجماع وصحته لما يأتي: ١ - ما ذكر من خلاف بعض الأحناف، فالذي يظهر من مذهبهم أنه لو وقع مثل هذه الهدنة فعقد واحد من الرعية بدون إذن الإمام فإنها تصح على أنها أمان، ثم ينظر فيها الإمام فإن رأى فيها مصلحة أمضاها فتقع هدنة وإلا أبطلها، وعندئِذٍ ينتفي الضرر. يقول محمد بن الحسن الشيباني (١٩٨ هـ): (ولو أن مسلمًا وادع أهل الحرب سنة على ألف دينار جازت موادعته، ولم يحل للمسلمين أن يغزوهم، وإن قتلوا واحدًا منهم غرموا ديته؛ لأن أمان الواحد من المسلمين بمنزلة أمان جماعتهم. وإن لم يعلم الإمام بذلك حتى مضت سنة أمضى موادعته وأخذ المال فجعله في بيت المال؛ لأن منفعة المسلمين متعينة في إمضاء الموادعة بعد مضي المدة. . . وإن علم بموادعته قبل مضي السنة، فإنه ينظر في ذلك فإن كانت المصلحة في إمضاء تلك الموادعة أمضاها وأخذ المال فجعله في بيت المال؛ لأن له أن ينشئ الموادعة بهذه الصفة إذا رأى المصلحة فيها، فلأن يمضيها كان أولى. وإن رأى المصلحة في إبطالها رد المال إليهم

стр. 4173

ثم نبذ إليهم وقاتلهم؛ لأن أمان المسلم كان صحيحًا والتحرز عن الغدر واجب) (١). ٢ - وأما سحنون فإنه نص على جوازها مع الكراهة من السرايا، وذلك في حال الضرورة (٢). وهو خلاف المعتمد من المالكية وعليه فخلافه شاذ، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٦/ ٤] الغموض في تحديد مدة عقد الهدنة: • المراد بالمسألة: إذا تضمن عقد الهدنة أمرًا يحيل العقد إلى الغموض فإن ذلك لا يجوز. ومثاله: أن يقع العقد مطلقًا بلا تحديد مدة، أو أن يشترط أن للطرفين أو لأحدهما نقض الهدنة متى ما أراد، فإنه لا يجوز. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وقد وافقوا (أي القاضي والشافعي) الجماعة في أنه لو شرط في عقد الهدنة أني أقركم ما أقركم اللَّه لم يصح، فكيف يصح منهم الاحتجاج به مع إجماعهم مع غيرهم على أنه لا يجوز اشتراطه) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦) (٧). • مستند الإجماع: لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، وذلك يُفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وهو غير جائز (٨). • الخلاف في المسألة: وذهب الحنفية وبعض المالكية ورواية لأحمد ورواية المزني عن الشافعي (٩) إلى أن عقد الموادعة يصح أن يكون مطلقا عن المدة إذا كان في ذلك

стр. 4174

الصلح مصلحة للمسلمين فلا بأس به، ولكن لا ينهض إليهم المسلمون ولا يحاربونهم حتى ينبذوا إليهم (أي يعلمهم بنقض عهدهم) على سواء، ليستووا في العلم بنقض العهد. وانتصر لهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (١). واستدلوا بما يأتي: ١ - لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١]. • وجه الدلالة: أن الآية مطلقة لكن تم تقييدها برؤية مصلحة للمسلمين في ذلك بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]. ٢ - قال ابن القيم: (وعامة عهود النبي ﷺ مع المشركين كانت كذلك مطلقة غير مؤقتة جائزة غير لازمة منها عهده مع أهل خيبر) (٢). ٣ - ولأن مدة الموادعة تدور مع المصلحة، وهي قد تزيد وتنقص (٣). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على عدم جواز الإطلاق في تحديد مدة الهدنة لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٧/ ٥] الهدنة المؤبدة: المهادنة قد تكون مؤقتة بمدة محددة معينة، وقد تكون مؤبدة غير مؤقتة، وقد تكرن مطلقة عن التوقيت والتأبيد. • المراد بالمسألة: بيان أن مهادنة الكفار من أهل الحرب على الأبد باطلة إذا كان بالمسلمين قوة على حربهم. وقد نُقل الاجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (أجمعوا أن موادعة أهل الشرك من عبدة الأوثان، ومصالحة أهل الكتاب على أن أحكام المسلمين عليهم

стр. 4175

غير جائز إلى الأبد، باطلة إذا كان بالمسلمين قوة على حربهم) (١). ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (وأصحاب هذا القول (أي المانعين من الإطلاق في تحديد مدة الهدنة) كأنهم ظنوا أنها إذا كانت مطلقة تكون لازمة مؤبدة كالذمة، فلا تجوز بالاتفاق) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: لأن التأبيد يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وهو ممتنع، فيمنع ما يؤدي إليه (٧). ولأن مصلحة العدو في تأبيد عقد الهدنة أعظم حالة قوة المسلمين، حيث يمكنه أن يتحصَّن، ويكثر من آلات الحرب والعدة فيصعب على المسلمين تحصيل المراد (٨). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن عقد الهدنة لا يصح مؤبدًا، بل لا بد من مدة سواء كانت مؤقتة أو مطلقة، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٨/ ٦] الهدنة على عدم حرب العدو وإن حاربوا المسلمن باطل: • المراد بالمسألة: بيان أن من شروط صحة الهدنة انتفاء الضرر عن المسلمين، ووجود المصلحة من عقدها، فإذا لم يتحقق ذلك فإنها لا تصح، كما لو أُعطي العدو الهدنة على أن يُحاربوا المسلمين، ولا يحاربهم المسلمون، فإنها باطلة، لا تنفذ. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أنه إن أمنهم على أن يحاربوا المسلمين، ولا يحاربهم المسلمون أن ذلك باطل لا ينفذ) (٩).

стр. 4176

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٥). • وجه الدلالة: دلّ الحديث أنه لا يجوز الإقدام على ما فيه ضرر على النفس ولا على الغير، وهذه الهدنة بلا شك فيها ضررٌ، وإجحاف بالمسلمين، فلا يجوز الإقدام عليها. ٢ - ولما فيها من الإهانة، والاستذلال للمسلمين، وهذا منافٍ لما ينبغي أن يكون عليه المسلم من العزة والقوة. فلا تجوز إجابة مثل هذه الهدنة. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الهدنة على عدم حرب العدو وإن حاربوا المسلمين باطل، لا ينفذ، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4177

الباب الثالث: مسائل الإجماع في أحكام الحربيين وأهل الكتاب، وأهل الذمة وفيه تمهيد، وثلاثة فصول: • تمهيد: في تعريف الحربيين، وأنواع الكفار. • الفصل الأول: مسائل الإجماع في أحكام الحربيين. • الفصل الثاني: مسائل الإجماع في أحكام أهل الكتاب. • الفصل الثالث: مسائل الإجماع في أحكام أهل الذمة.

стр. 4178

الفصل الأول: مسائل الإجماع في أحكام الحربيين تمهيد: في تعريف الحربيين، وأنواع الكفار: • أولًا: تعريف الحربيين: • الحربيون لغة: جمع حربي، والحربي نسبة إلى دار الحرب، والحرب ضد السلم (١). ودار الحرب هي: البلاد التي يغلب فيها حكم الكفار، وبينها وبين المسلمين حرب (٢). سواء كانت الحرب قائمة فعلًا، أو مُجمَّدة مع توقُّع الاعتداء على المسلمين. وهو ما يُطلق عليه. حديثًا: حالة وقف إطلاق النار (٣). فالحربي: هو أصلًا من ينتمي لدولة في حالة حرب مع الدولة الإسلامية، وهو أيضًا: من كان معصومًا بأمان أو عهد، فانتهى أمانة أو نقض عهده (٤). • ثانيًا: أنواع الكفار: لا بد من التفريق بين أنواع الكفار؛ فإنهم على أربعة أقسام: ذميون، ومعاهدون، ومستأمنون، وحربيون. • فالذميون: هم من أقام بدار الإسلام إقامة دائمة بأمان مؤبّد. • والمعاهدون: هم أهل البلد من أهل الحرب المتعاقد معهم على ترك القتال مدّةً معلومة. وأهل الحرب: هم أهل بلاد الكفر التي لم يجرِ بينهم وبين المسلمين عهد. وأما المستأمن: فهو الحربي الذي يدخل دار الإسلام بأمانٍ مؤقت لأمرٍ يقتضيه (٥).

стр. 4179

[١٧٩/ ١] الحربي ليس له حكم المحارب: • تعريف المحارب: • المحارب في اللغة: لفظ مشتق من الحرابة مصدر حَرِبَ، وحَرَبَه يَحْرُبه: إذا أخذ ماله، والمحارب: الغاصب الناهب (١). • ويبين ابن عبد البر ﵀ تعريفه الاصطلاحي بقوله: (كل من قطع السبل وأخافها، وسعى في الأرض فسادًا بأخذ المال، واستباحة الدماء، وهتك ما حرم اللَّه هتكه من المحارم، فهو محارب) (٢). • المراد بالمسألة: بيان أن من قاتل من أجل أخذ المال، أو إخافة السبيل، بأي نوع كان من أنواع القتال، فهو محارب قاطع، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال فهو حربي (٣). وأن الحربي والمحارب لا يستويان في الحكم، فالحربي يُقاتَل حتى يسلم، أو يُعطي الجزية إن كان ممن تقبل منه، وأما المحارب فإنه إن تاب قبل القدرة عليه، فإن العقوبة تسقط عنه فيما بينه وبين اللَّه، ثم ينظر بعد في حقوق من تضرر منه من الآدميين، كما أن حكم الحربي في القتال هو القتل، وإن وقع أسيرًا خُيِّر فيه الإمام بين أمور وهي: القتل، والاسترقاق، والمن (إطلاق سراح الأسير بلا مقابل)، والفداء (تبادل الأسرى أو أخذ المال فدية عنهم)، وفرض الجزية على الرجال القادرين منهم. وأما المحارب فحكمه أن يقتل، أو يصلب، أو تقطع منه الأيدي والأرجل من خلاف، أو ينفى من الأرض، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (وإنما حكم الحربيين القتل في اللقاء كيف أمكن حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ومن كان منهم كتابيًّا في قولنا وقول طوائف من الناس. أو من كان منهم من أي دين كان ما لم يكن عربيًّا في قول غيرنا. أو يؤسر فيكون حكمه ضرب العنق فقط بلا خلاف، . . . أو يسترق، أو يطلق إلى أرضه. . . أو يفادى به. . . أو نطلقهم أحرارا ذمة، . . . فهذه أحكام الحربيين بنص القرآن، والسنن الثابتة، والإجماع المتيقن، ولا خلاف في أنه

стр. 4180

ليس الصلب، ولا قطع الأيدي والأرجل، ولا النفي، من أحكامهم.) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - أمْرُ الشارع في القرآن الكريم بقتال المشركين في كثير من الآيات، دون ذكر هذه العقوبة الخاصة بالمحاربين من (القتل، والصلب. .)، مما يدل على أنها لا تشمل الحربيين، ومن شواهد ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، وغيرها من الآيات التي أمرت بقتال المشركين أمرًا مطلقًا، دون ذكر هذه العقوبة. ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣] ثم قال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. • وجه الدلالة: أن في الآية دليل واضح أن الحكم الذي ذكره اللَّه في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين دون المشركين؛ إذ لو كان حكمًا في أهل الحرب من المشركين لوجب أن لا يسقط إسلامهم عنهم إذا أسلموا أو تابوا بعد قدرتنا عليهم ما للمسلمين عليهم من حقوق، وقد أجمع المسلمون أن إسلام المشرك يضع عنه ما كان فعله قبل إسلامه من إتلاف للأموال والدماء. بخلاف المحارب فإنه تلزمه تلك الحقوق، فدلَّ ذلك أن الحكم في الآية لا يشمل أهل الحرب من المشركين (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الحربي ليس له حكم المحارب في إيقاع العقوبة الخاصة بالحرابة عليه، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4181

[١٨٠/ ٢] ملك صبيان أهل الحرب ونسائهم: • المراد بالمسألة: بيان أنه إذا وقع الكفار المحاربون في أسر المسلمين، فإن نساءهم وصبيانهم مما أباح اللَّه تملكه للمسلمين بعد استرقاقهم، فيمتلك المجاهدون الإماء والعبيد كما يمتلكون الغنائم بعد قسمتها، ويجوز لمن تملَّك أمَةً أو عبدًا أن يبيعهما، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن ملك صبيان أهل الحرب، ما لم يكن من ولدهم باي وجه كان مرتدًّا، ومسلم ومسلمة، وإن بعدت تلك الولادة، ملك حلال، وكذلك قسمتهم، وكذلك القول في نسائهم) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - أن النبي ﷺ استرق نساء بني قريظة وذراريهم. وذلك حينما رد رسول اللَّه ﷺ الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فقال سعد: "فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذوية والنساء، وتقسم أموالهم"، فقال ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه " (٦). ٢ - وكذلك ما ثبت من سنته ﷺ أنه سبى نساء هوازن، وهم عرب وقسمهم بين الغانمين فصاروا رقيقًا لهم (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز ملك صبيان أهل الحرب ونسائهم بعد ضرب الرق عليهم، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4182

[١٨١/ ٣] جواز أخذ العشر من التاجر الحربي: القول في هذه المسألة، من حيث بيان المراد منها، ومن نقل الإجماع عليها، والموافقون على ذلك، ومستند الإجماع، وسائر محاور المسألة -هو نفس القول في المسألة السابقة: (جواز أخذ العشر على تجار أهل الذمة زيادة على الجزية إذا شُرط عليهم). فتفاديًا للتكرار، نُحيل القارئ الكريم للنظر إليها في ذلك الموضع (١). مع التذكير بالنتيجة التي توصلنا إليها وهي: أن الإجماع متحقق على جواز أخذ العشر من تجار غير المسلمين إذا دخلوا بلاد الإسلام، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٢/ ٤] جواز قتل الجاسوس (٢) الحربي: • المراد بالمسألة: أن الكافر الحربي إذا دخل بلاد المسلمين بلا أمان أو عهد، ثم حصل منه تجسس، فإنه يجوز قتله، وقد نُقل الإجماع على ذلك (٣). • الناقلون للإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (وفيه قتل الجاسوس من الحربيين، ولا خلاف في ذلك) (٤). وأبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) في كتابه "المفهم"، حيث يقول: (وفيه قتل الجاسوس، ولا خلاف في ذلك، إذا لم يكن معاهدًا أو مسلمًا) (٥). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وفيه (٦) قتل الجاسوس الكافر الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين) (٧).

стр. 4183

والعيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: (وفيه: قتل الجاسوس الحربي، وعليه الإجماع) (١)، ونقله الحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) (٢)، والشوكاني (١٢٥٠ هـ) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ عينٌ (٨) من المشركين -وهو في سفر- فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ : "اطلبوه واقتلوه، فقتلته"، فقال: "من قتل الرجل؟ " فقالوا: ابن الأكوع، فقال: "له سلبه أجمع" (٩). • وجه الدلالة: أنه نص صحيح صريح في قتل الجاسوس الحربي الكافر. ٢ - أن في قتله مصلحة عظيمة للمسلمين، بل لا يندفع شره إلا بقتله؛ وذلك لعظم إفساده وإطلاعه على عورات المسلمين، ولا سيما أنه كافر حربي مهدر الدم، فكيف إذا أنضاف إلى ذلك التجسس (١٠). النتيجة: أن الإجماع متحقق على قتل الجاسوس الكافر الحربي، حيث لم أقف على من خالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٣/ ٥] الجاسوس المسلم يُعزَّر، ولا يقتل: • المراد بالمسألة: إذا تجسَّس أحد المسلمين لصالح الأعداء؛ طمعًا، أو لأي سبب

стр. 4184

عارض، فإن تجسسه لا يُخرجه عن الإسلام، ولا يُباح من أجله قتله، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: أبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: (لم يختلفوا أن المسلم لو فعل ذلك -أي التجسس- لم يُبح دمه)، نقله عنه أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ) (١)، والحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) مقرًّا له (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على أن الجاسوس المسلم يُعزَّر ولا يُقتل: الحنفية (٣)، وبعض المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وظاهر مذهب الحنابلة (٦)، والأوزاعي، وابن القيم (٧). • مستند الإجماع: عن علي ﵁ قال: "بعثني رسول اللَّه ﷺ أنا والزبير والمقداد ابن الأسود قال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (٨)، فإن بها ظعينة (٩) ومعها كتاب، فخذوه منها". فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها (١٠)، فأتينا به رسول اللَّه ﷺ ، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا حاطب، ما هذا؟ ". قال: يا رسول اللَّه، لا تعجل علي، إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة، يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم،

стр. 4185

أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا، ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد صدقكم". قال عمر: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل اللَّه أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فقد كفرت لكم؟ " (١). • وجه الدلالة: لو أن عمل حاطب يستوجب القتل كفرًا أو حدًّا لما تركه رسول اللَّه ﷺ ، وانتماؤه إلى أهل بدر لا يمنع ذلك، لذا فإن المسلم إذا تجسَّس للكفار على المسلمين، كأن يكتب بعورات المسلمين، وأقر بذلك، فإنه لا يُقتل. لكن أمره إلى الإمام يُعزِّره بما يرى أنه يردعه. • الخلاف في المسألة: وخالف في ذلك بعض العلماء على قولين: • القول الأول: يرى المالكية في المذهب عندهم (٢)، وبعض الحنابلة (٣): أن المسلم إذا صار عينًا للأعداء، فإنه يمتل. • وحجتهم: حديث حاطب المتقدم، حيث لم يقتله النبي ﷺ ؛ لكونه من أهل بدر، لا لكونه مسلمًا فقط. والجاسوس بإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض، أضر من المحاربين (٤). • القول الثاني: ذهب ابن الماجشون من المالكية (٥): إلى أنه يُقتل في حالة تكرار التجسس، واتخاذه عادة. • وحجتهم: أن المرء لا يكون جاسوسًا بالفعل إلا إذا تكرر منه التجسس، واتخذه عادةً له، ولهذا يؤاخذ حاطب ﵁، لفعله مرة واحدة ولم يتكرر منه، ولهذا لم يقتله رسول اللَّه ﷺ . النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن الجاسوس المسلم يُعزَّر، ولا يقتل، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4186

[١٨٤/ ٦] لا يُقام الحد على الحربي بعد أن أصبح من أهل الذمة، وكان قد اقترف ذلك وهو حربي: • المراد بالمسألة: إذا ارتكب الحربي ما يوجب حدًّا، وهو في دار الحرب، من شرب خمر، أو سرقة، أو قذف، وغيرها، ثم دخل إلى بلاد الإسلام بأمان مؤبَّد (عقد ذمة)، فإنه لا يُقام عليه الحد، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن الحربي لا يقام عليه بعد ذمته أو إسلامه حد زنا كان منه قبل ذلك ولا قتل مسلم أو غيره ولا قذف ولا خمر ولا سرقة ولا يغرم ما أتلف من مال المسلم أو غيره) (١). والقرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب، وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلمًا فإنه يحد وإن سرق قطع وكذلك الذمي إذا قذف) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: لأن الكفر يمنع وجوب الحد ابتداء، لكونه غير ملتزم لأحكام الإسلام حال كونه حربيًّا. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أنه لا يُقام الحد على الحربي إذا ارتكب ما يوجبه، بعد أن أصبح من أهل الذمة، وكان قد اقترف ذلك وهو حربي؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4187

[١٨٥/ ٧] لا يُقام القصاص على الحربي، فيما جناه قبل دخوله دار الإسلام: • تعريف القصاص: • القصاص لغة: تتبع الأثر (١). • وفي الاصطلاح: هو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل (٢). • المراد بالمسألة: أن الحربي بعد أن يدخل دار الإسلام بأمان، أو يصبح من أهل الذمة، أو يدخل في الإسلام، وكان قد جَنَى جناية، أو قتل أحدًا، وهو حربي، وفي دار الحرب، فإنه لا يقتص منه، ولا تؤخذ منه دية، سواء وقعت الجناية، أو القتل، على مسلم، أم على غيره. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشرك الحربي يضع عنه بعد قدرة المسلمين عليه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة عليه) (٣). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (وقد صح النص والإجماع بإسقاطه، وهو ما أصابه أهل الكفر ما داموا في دار الحرب قبل أن يتذمموا أو يسلموا فقط، فهذا خارج بفعل رسول اللَّه ﷺ في كل من أسلم منهم، فلم يؤاخذهم بشيء مما سلف لهم، من قتل أو زنى أو قذف أو شرب خمر أو سرقة، وصح الإجماع بذلك) (٤). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وقد أجمع علماء المسلمين على أن الكفار إذا انتهوا وتابوا من كفرهم غفر لهم كل ما سلف، وسقط عنهم كل ما كان لزمهم في حال الكفر من حقوق اللَّه وحقوق المسلمين، قبل أن يقدروا عليهم وبعد أن يقدروا عليهم ويصيروا في أيدي المسلمين، فلا يحل قتلهم بإجماع المسلمين ولا يؤخذ بشيء نحوه في مال أو دم) (٥). وابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (فتبين بهذا أن الكفار المحاربين إذا استولوا على أموال المسلمين، ثم أسلموا، كانت لهم ولم ترد إلى المسلمين؛ لأنها أخذت في اللَّه وأجورهم فيها على اللَّه لما أتلفه الكفار من دمائهم وأموالهم، فالشهداء لا يضمنون،

стр. 4188

ولو أسلم قاتل الشهيد، لم يجب عليه دية، ولا كفارة بالسنة المتواترة، واتفاق المسلمين) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]. • ووجه الدلالة من الآية: أن اللَّه تعالى وعبد الكفار إن تابوا وآمنوا بالمغفرة، فدل ذلك على سقوط ما فعلوا في حال كفرهم سواء حقوق اللَّه، أو حقوق الآدميين، في الدماء وغيرها. ٢ - أنه قد أسلم جماعة على عهد النبي ﷺ ، وقد عرف من قتلوه: مثل: وحشي بن حرب قاتل حمزة، ومثل قاتل النعمان بن قوقل وغيرهما، فلم يطلب النبي ﷺ أحدًا بشيء؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ﴾ (٦). ٣ - اتفاق الصحابة على هذا الحكم، ويدل عليه: أنه لما عزم الصديق ﵁ على تضمين المحاربين من أهل الردة ديات المسلمين وأموالهم. فقال عمر ﵁: تلك دماء أصيبت في سبيل اللَّه، وأجورهم على اللَّه، ولا دية لشهيد. فاتفق الصحابة على ما قال عمر (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق على سقوط القصاص فيما جناه الكافر الحربي من دماء المسلمين حال كفره، إذا أسلم بعد ذلك، أو دخل دار الإسلام بعقد أمان، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٦/ ٨] لا يقتل المسلم بالحربي: • المراد بالمسألة: إذا قتل المسلم كافرًا حربيًّا، سواءٌ كان في دار الحرب، أو كان

стр. 4189

الحربي مستأمنًا في دار الإسلام، فإن المسلم لا يُقاد بالحربي. ومن صوره المعاصرة: لو قتل مسلم يهوديًّا أظهر العداوة للإسلام، فلا يجوز أن يقاد به؛ لأن الدماء غير متكافئة، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ) حيث نُقل عنه أنه قال: (لا خلاف أنه لا يقتل بالحربي المستأمن)، نقله عنه الجصاص (٣٧٠ هـ) في "مختصر اختلاف العلماء" (١). التميمي (٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أنه لا يُقتل مؤمنٌ بحربي مستأمن، إلا أبا يوسف فإنه قال: يُقتل به) (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (واحتجوا في ذلك بإجماعهم على أنه لا يقتل مسلم بالحربي الذي أمن) (٣). ابن مفلح (٧٩٣ هـ) حيث يقول: "فلا يجب القصاص بقتل حربي" لا نعلم فيه خلافًا (٤) الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: (قوله: "وأن لا يقتل مسلم بكافر" دليل على أن المسلم لا يقاد بالكافر أما الكافر الحربي فذلك إجماع) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: ١ - لأن الحربي لا عصمة لدمه لمناوأته الإسلام وأهله. بل قد أمر الشرع المطهر بقتله، قال اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ٢ - عن أبي جحيفة قال: سألت عليًّا ﵁: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة". قلت: وما في الصحيفة؟ قال: "العقل، وفكاك الأسير،

стр. 4190

وأن لا يقتل مسلم بكافر" (١). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث أن المسلم لا يُقتل بالكافر قصاصًا. ٣ - ولأن من شروط وجوب القصاص على القاتل كونه معصوم الدم. والحربي مباح الدم (٢). • الخلاف في المسألة: يرى أبو يوسف أن المسلم يُقاد بالحربي المستأمن خاصة في دار الإسلام. • وحجته: أن المستأمن كالذمي له عصمة مؤقتة ما دام في أرض الإسلام (٣). النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق على أن المسلم لا يُقاد بالحربي، ما دام في دار الحرب، لعدم المخالف المعتبر. ٢ - أن الإجماع غير متحقق على أن المسلم لا يُقاد بالحربي المستأمن، لخلاف أبي يوسف من الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٧/ ٩] لا يقتل الذمي بالحربي: • المراد بالمسألة: بيان أن الذمي لو قتل حربيًّا في دار الحرب، فإنه لا يُقتل به، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ولا يقتل ذمي بحربي، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه مباح الدم على الإطلاق) (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: لأن الحربي مباح الدم ولا عصمة له، فلا يُقتص من قاتله، كما

стр. 4191

تقرر بالأدلة في المسألة السابقة. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الذمي لا يُقتل بالحربي، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٨/ ١٠] الكفار الحربيون غير ضامنين ما أتلفوه من أموال المسلمين: • تعريف الضمان والإتلاف: • أولًا: تعريف الضمان. • الضمان لغة: الكفالة والغرامة (١). • وفي الاصطلاح: التزام حق ثابت في ذمة الغير، أو إحضار من هو عليه، أو التزام عين مضمونة (٢). • ثانيًا: تعريف الإتلاف: • الإتلاف لغة: جعل الشيء تالفًا، أي هالكًا (٣). • وفي الاصطلاح: خروج الشيء من أن يكون منتفعًا به المنفعة المطلوبة منه عادة بفعل آدمي (٤). • المراد بالمسألة: أن الكافر الحربي بعد أن يدخل دار الإسلام بأمان، أو يُصبح من أهل الذمة، أو يدخل في الإسلام، وكان قد أتلف مال مسلم، فإنه لا يلزمه ضمان ذلك المتلف، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشرك الحربي يضع عنه بعد قدرة المسلمين عليه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة عليه. . .) (٥). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (وقد صح النص والإجماع بإسقاطه، وهو ما

стр. 4192

أصابه أهل الكفر ما داموا في دار الحرب قبل أن يتذمموا أو يسلموا فقط، فهذا خارج بفعل رسول اللَّه ﷺ في كل من أسلم منهم، فلم يؤاخذهم بشيء مما سلف لهم، من قتل أو زنى أو قذف أو شرب خمر أو سرقة، وصح الإجماع بذلك) (١)، وقال أيضًا: (واتفقوا أن الحربي لا يقام عليه بعد ذمته أو إسلامه حد زنا. . . ولا يغرم ما أتلف من مال المسلم أو غيره) (٢). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وقد أجمع علماء المسلمين على أن الكفار إذا انتهوا وتابوا من كفرهم غفر لهم كل ما سلف، وسقط عنهم كل ما كان لزمهم في حال الكفر من حقوق اللَّه وحقوق المسلمين، قبل أن يقدروا عليهم وبعد أن يقدروا عليهم ويصيروا في أيدي المسلمين، فلا يحل قتلهم بإجماع المسلمين ولا يؤخذ بشيء نحوه في مال أو دم) (٣). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وقد أجمعوا على أن الكفار غير ضامنين لأموال المسلمين) (٤). وابن قدامه (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فصل: ولا أعلم خلافًا في أن الكافر الحربي إذا أسلم، أو دخل إلينا بأمان، بعد أن استولى على مال مسلم فأتلفه، أنه لا يلزمه ضمانه) (٥). والقرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: (ولهم أموال وديار تحت أيدي الكفار، ولانعقاد الإجماع على عدم الضمان في الاستهلاك) (٦). وابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضًا يعتقدون جوازه، فإنه يستقر لهم بالإسلام كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع. . .) (٧). ونقله جمعٌ غيرهم (٨).

стр. 4193

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]. • ووجه الدلالة من الآية: أن اللَّه تعالى وعبد الكفار إن تابوا وآمنوا بالمغفرة، فدل ذلك على سقوط ما فعلوا في حال كفرهم سواء حقوق اللَّه أو حقوق الآدميين. ٢ - أن هذا ما جرت عليه السنة النبوية، يقول ابن القيم: (وكان المشركون يعمدون إلى من هاجر من المسلمين ولحق بالمدينة، فيستولون على داره وعقاره، فمضت السنة أن الكفار المحاربين إذا أسلموا لم يضمنوا ما أتلفوه على المسلمين من نفس، أو مال) (٦). ٣ - اتفاف الصحابة على هذا الحكم، ويدل عليه: أنه لما عزم الصديق ﵁ على تضمين المحاربين من أهل الردة ديات المسلمين وأموالهم. فقال عمر ﵁: تلك دماء أصيبت في سبيل اللَّه، وأجورهم على اللَّه، ولا دية لشهيد. فاتفق الصحابة على ما قال عمر (٧). فإذا كانوا لا يضمنون ما أزهقوه من دماء المسلمين، فلا يضمنون ما أتلفوه من أموالهم من باب أولى. النتيجة: أن الإجماع متحقق على سقوط الضمان فيما أتلفه الكافر الحربي أو استهلكه من أموال المسلمين حال كفره، إذا أسلم بعد ذلك، أو دخل دار الإسلام بعقد أمان، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٩/ ١١] ثبوت نسب الحربي بالإقرار: • المراد بالمسألة: بيان أن أهل الحرب إذا دخلوا إلى دار الإسلام، وأقر بعضهم

стр. 4194

بنسب بعض، من غير إنكار، أو تكذيب، فإن نسبهم يثبت بذلك الإقرار، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وجملته أن أهل الحرب إذا دخلوا إلينا مسلمين، أو غير مسلمين، فأقر بعضهم بنسب بعض، ثبت نسبهم كما يثبت نسب أهل دار الإسلام من المسلمين وأهل الذمة بإقرارهم، . . . ولا نعلم في هذا خلافًا) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - لأنه إقرار لا ضرر على أحد فيه، فقبل، كإقرارهم بالحقوق المالية. ٢ - ولأن الإقرار بالنسب أحد أسباب ثبوته، والشارع يتشوَّف للحوق بالنسب، والكافر كالمسلم في سبب النسب. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن نسب الحربي يثبت بالإقرار عليه، لعدم المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٠/ ١٢] صحة ما اقتسمه أهل الحرب: • المراد بالمسألة: بيان أن ما حصل من قسمة بين أهل الحرب في دارهم، من مواريث، أو نصيب في شركة من عقابى أو غيره، ثم دخلوا دار الإسلام، وهم مسلمون، أو مستأمنون، أو بعقد ذمة، فإنا نقر تلك القسمة على ما هي عليه، ولا نتعرَّض لها بتغيير، أو رد، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن ما اقتسمه الحربيون قبل أن يسلموا، فإنه لا يرد) (٦).

стр. 4195

وابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول بعد أن أورد حديث: "كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ: فِي الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ": (وهذا أيضًا يوافق ما دل عليه كتاب اللَّه، ولا نعلم فيه خلافًا؛ فإن الحربي لو عقد عقدًا فاسدًا من ربا، أو بيع خمر، أو خنزير، أو نحو ذلك، ثم اسلم بعد قبض العوض، لم يحرم ما بيده، ولم يجب عليه رده) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الإِسْلاَمُ فَإِنَّهُ عَلَى قَسْمِ الِإسْلاَمِ" (٦). ٢ - وعن عبد اللَّه بن عمر أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما كان من ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسمة الجاهليَّة، وما كان من ميراث أدركه الإسلام، فهو على قسمة الإسلام" (٧). قال الخطابي: (فيه بيان أن أحكام الأموال والأسباب والأنكحة التي كانت في الجاهلية ماضية على ما وقع الحكم منهم فيها في أيام الجاهلية، لا يرد منها شيء في الإسلام، وأن ما حدث من هذه الأحكام في الإسلام، فإنه يستأنف فيه حكم الإسلام) (٨). ٣ - وعن ابن أبي نجيح قال: "لما قدم رسول اللَّه ﷺ مكة، نظر إلى تلك الرباع، فما أدرك منها قد اقتسم على أمر الجاهلية تركه لم يحركه، وما وجده لم يقسم، قسمه على قسمة الإسلام" (٩). ٤ - وأن هذا ما كان عليه عمل الصحابة حيث كانوا يجرون قسم الجاهلية على ما

стр. 4196

هي عليه: فعن يزيد بن قتادة: أن إنسانًا من أهله مات وهو على غير دين الإسلام، قال: فورثته ابنته دوني وكانت على دينه، ثم إن جدي أسلم وشهد مع رسول اللَّه ﷺ حنينًا، فتوفي وترك نخلًا، فأسلمت، وخاصمتني في الميراث إلى عثمان بن عفان، فحدث عبد اللَّه بن الأرقم: أن عمر قضى أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فإنه نصيبه، فقضى له عثمان فذهبت بالأولى، وشاركتني في الآخرة (١). • ووجه الدلالة: أن قضاء الصحابة ماضٍ على إقرار قسم الجاهلية، وعدم تغييره، حيث لم يتعرضوا لنصيب البنت حينما ورثت في المرة الأولى دون أخيها من أبيها المشرك. ٥ - ولأن الكفر لا تفترق أحكامه فيمن أسلم منهم: أنه يقر على نكاحه، ويلحقه ولده، فكذلك يقر على ما حصل له من القسمة، وإن كانت تخالف قسمة الإسلام (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على صحة ما اقتسمه أهل الحرب، وعدم تحريكه وتركه على ما هو عليه، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٩١/ ١٣] الحربي إذا استولى على الحر المسلم أو الذمي لم يملكه، ولا يُزيل عنه الحرية: • المراد بالمسألة: إن من النتائج الحتمية للحروب وقوع الأسر على بعض الأفراد، فإذا استولى الكفار الحربيون على حر -مسلم أو ذمي- فإنهم لا يملكونه، فهو حرٌّ على حاله، وكان في ذمَّة المسلمين، يلزمهم العمل على خلاصه، وإذا استخلصه المسلمون، عاد حرًّا على أصله، ولا ينتقض عقد الذمة من الذمي، بل يرجع إلى ذمته، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من أسره أهل الحرب من كبار أهل الذمة وصغارهم ونسائهم، أن ذمتهم لا تنتقض بذلك، ما لم يلحق مختارًا، وأنه إن ظفر المسلمون بالمأسورين المذكورين، من أنهم لا يسترقون) (٣). والكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: (ولا خلاف في أنهم أيضًا إذا استولوا على رقاب المسلمين، ومدبريهم، وأمهات أولادهم، ومكاتبيهم، أنهم لا يملكونهم، وإن

стр. 4197

أحرزوهم بالدار) (١). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فصل: وأن استولوا على أهل ذمتنا فسبوهم، وأخذوا أموالهم، ثم قدر عليهم، وجب ردهم إلى ذمتهم، ولم يجز استرقاقهم في قول عامة أهل العلم منهم: الشعبي، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ولا نعلم لهم مخالفًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: ١ - قال الشعبي: أغار أهل ماه، وأهل جولاء على العرب، فأصابوا سبايا العرب، فكتب السائب بن الأقرع إلى عمر ﵁ في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم، قد اشتراه التجار من أهل ماه، فكتب عمر ﵁: "أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به من غيره، وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما أقتسم فلا سبيل إليه، وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم، فإن الحر لا يباع ولا يشترى" (٨). • ووجه الدلالة: أن عمر ﵁ بيَّن أن الحر لا تزول عنه حريته بالأسر، أو الاسترقاق. ٢ - وقال عمر بن الخطاب ﵁ في وصيته للخليفة بعده: "وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيرًا، أن يوفي لهم بعهدهم، ويخاطر من ورائهم" (٩). ٣ - وقال علي ﵁: "إنما بذلوا الجزية؛ لتكون دمائهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا" (١٠).

стр. 4198

• وجه الدلالة: أن هذا دال على ثبوت حكم الحرية لأهل الذمة، كما هو ثابت للمسلمين. ٤ - ولأن الحر لا يضمن بالقيمة، ولا تثبت عليه اليد بحال. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن استرقاق الحربي للحر المسلم أو الذمي لا يزيل حريتهما، ولا يثبت به الرق عليهما؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٢/ ١٤] تحريم بيع السلاح لأهل الحرب: • المراد بالمسألة: أن أهل الحرب إذا دخلوا بلاد المسلمين بعقد أمان، أو دخل إليهم أحد من المسلمين، فأرادوا أن يبتاعوا من المسلمين شيئًا من السلاح، وآلة الحرب، فإنه يحرم على المسلمين بيعه لهم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وأما بيع السلاح لأهل الحرب، فحرام بالإجماع) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. • ووجه الدلالة: أن في الآية نهى عن معاونة الغير على المعصية، وبيع السلاح للعدو من أعظم الإعانة على المعصية؛ لأنهم يتقوون به على المسلمين والاعتداء عليهم (٧). ٢ - ما روي أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب، وحمله إليهم" (٨).

стр. 4199

٣ - عن عمران بن الحصين ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع السلاح في الفتنة" (١). • ووجه الدلالة: أن في الحديث نهيًا عن بيع السلاح للمسلم في حال الفتنة بينهم حتى لا يقتل بعضهم بعضًا، فإذا كان البيع على العدو ليقتل به المسلم كانت الحرمة في ذلك أعظم وأشد. ٤ - ولأن في بيع السلاح على العدو معونة لهم على قتل المسلمين وإضعاف الدين (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم بيع السلاح لأهل الحرب، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٣/ ١٥] لا يجوز رهن السلاح لأهل الحرب: • تعريف الرهن: • الرهن لغة: الدوام والثبوت (٣). • وفي الاصطلاح: توثيق دين بعين، يمكن أخذه، أو بعضه منها، أو من ثمنها (٤). • المراد بالمسألة: بيان أن المسلم إذا استدان من أهل الحرب دينًا، أو فك أسيرًا، وطلبوا منه الرهن، فإنه لا يجوز أن يرهنهم السلاح. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن التين (٦١١ هـ) حيث يقول: (وإنما يؤخذ جواز رهن السلاح من الحديث الذي قبله، قال: وإنما يجوز بيعه ورهنه عند من تكون له ذمة أو عهد باتفاق) كما نقله عنه الحافظ في "فتح الباري" (٥). الشوكاني (١٢٥٥ هـ) حيث يقول: (وجواز رهن السلاح عند أهل الذمة لا عند أهل

стр. 4200

الحرب بالاتفاق) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الشافعية (٢)، ومقتضى مذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ١ - لأن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه، وما لا يجوز بيعه، لا يمكن ذلك فيه. ٢ - ولأن الفقهاء اتفقوا على عدم جواز بيع السلاح للحربي فكذلك رهنه؛ لأن ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه (٥). ٣ - ولأن الكافر الحربي غير مأمون، فقد يستخدم هذا السلاح في قتال المسلمين. • الخلاف في المسألة: يرى بعض فقهاء الشافعية، والحنابلة جواز رهن السلاح للحربي، وإن كان لا يجوز بيعه له ابتداءً (٦). ورأوا أن ذلك مستثنى من قاعدة: "ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا". النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أنه لا يجوز رهن السلاح لأهل الحرب؛ لوجود الخلاف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٤/ ١٦] يحرم بيع رقيق المسلمين لأهل الحرب: • المراد بالمسألة: إذا أراد المسلمون بيع رقيقهم سواء كانوا مسلمين أو كفارا، فإنه لا يجوز لهم بيعهم على الكفار، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: ابن قدامه (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ولم يجوِّز أحد بيع شيء من رقيق المسلمين لكافر سواء كان الرقيق مسلمًا أو كافرًا. . . ولنا قول عمر، ولم ينكر فيكون إجماعًا) (٧)،

стр. 4201

ونقله أبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (١). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وأما إذا اشترى الكافر عبدًا مسلمًا من مسلم أو غيره، فهذا البيع حرام بلا خلاف) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (٣) في بيع العبد المسلم، والصغير من الكفار، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - لما فيه من إذلال للمسلم، وعلو للكافر عليه، واللَّه يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ٢ - ما جاء في كتاب عبد الرحمن بن غنم ﵀ لعمر بن الخطاب ﵁، في أمان أهل الجزيرة ما بين دجلة والفرات وفيه: فكتب لهم عمر ﵁: "أن امض لهم ما سألوه، وألحق فيه حرفين -أي شرطين- اشترط عليهم مع ما اشترطوا على أنفسهم: أن لا يشتروا من سبايانا شيئًا، ومن ضرب مسلمًا عمدًا فقد خلع عهده" (٦). ٣ - "أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب ينهى عنه أمراء الأمصار" (٧). ٤ - ولأن فيه تفويتًا للإسلام الذي هو الأقرب، فإنه إذا بقي رقيقًا للمسلمين فإن الظاهر إسلامه، فيفوت ذلك ببيعه لكافر. • الخلاف في المسألة: للفقهاء في جواز شراء الكافر لرقيق المسلم -مسلمًا أو ذميًّا- قولان آخران: • القول الأول: يرى الحنفية صحة البيع ولكن يجبر على إزالة ملكه. • وحجتهم: لأنه يملك المسلم بالإرث، ويبقى ملكه عليه إذا أسلم في يده، فصح أن يشتريه كالمسلم (٨).

стр. 4202

• القول الثاني: التفصيل: إن اشترى الكافر بالغًا على دينه لم يمنع من شرائه إذا كان يسكن به في بلد المسلمين، ولا يباع لمن يخرج به عن بلاد الإسلام لما يخشى من إطلاعه أهل الحرب على عورة المسلمين. وإن كان العبد صغيرًا على دينه يعي الكتاب وغيره، منع من شرائه لما يرجى من إسلامه سرعة إجابته إذا دعي إلى الإسلام؛ لكونه لم يرسخ في نفسه الكفر بخلاف الكبير (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على تحريم بيع رقيق المسلمين لأهل الحرب؛ لوجود الخلاف بين الفقهاء في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٥/ ١٧] جواز هبة المسلم للحربي: • تعريف الهبة: • الهبة لغة: مصدر وهب يهب، وهي عبارة عن إيصال الشيء إلى الغير بما ينفعه (٢). • وفي الاصطلاح: تمليك المال بلا عوض (٣). • المراد بالمسألة: بيان أن للمسلم أن يبذل الهدايا للمحاربين من الكفار ليتألفهم بذلك، وليرغبهم في الإسلام، أو لمصلحة معتبرة، وقد نُقل الإجماع على جواز هبة المسلم للحربي. • الناقلون للإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ثم قد حصل الإجماع على جواز الهبة، والوصية في معناها) (٤). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (ثم قد حصل الإجماع على صحة الهبة للحربي) (٥).

стр. 4203

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية، (١) المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عمر ﵄ قال: "رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي ﷺ : ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد، فقال: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة"، فأتي رسول اللَّه ﷺ منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: "إني لم أَكْسُكَهَا لتلبسها، تبيعها، أو تكسوها"، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم" (٦). ٢ - وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: "أتتني أمي وهي راغبة -تعني الإسلام- فسألت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، أتتني أمي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم" (٧). • وجه الدلالة: أن هذين الحديثين فيهما دلالة واضحة على جواز صلة أهل الحرب وبرهم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز هبة المسلم للحربي؛ لعدم المخالف المعتبر، إلا أن بعض العلماء قيدوا جواز الهبة للحربي بعدة ضوابط منها: ألا يترتب على الإهداء إلى الكفار مفسدة ظاهرة كاستكبار الكفار واستعلائهم، أو تكون مبالغ فيها؛ لورود النهي عن التبذير. ألا تكون هذه الهدية في يوم عيد من أعيادهم، أي لأجل العيد، لأن في ذلك إقرارًا لهم ومشاركة في الاحتفال بعيدهم الباطل (٨). [١٩٦/ ١٨] إسلام الحربي يحقن دمه، ويعصم ماله، ونفسه من الرق: • المراد بالمسألة: بيان أن الكافر الحربي إذا خرج لجيش المسلمين وأعلن دخوله في

стр. 4204

الإسلام، فإن إسلامه يعصم له دمه، ويحرز له جميع أمواله، وصار إسلامه أيضًا عاصمًا له من الاسترقاق، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن الحربي الذي يسلم في أرض الحرب، ويخرج إلينا، مختارًا، قبل أن يؤسر، أنه لا يحل قتله، ولا أن يسترق) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - لأنه أصبح بالفعل جزءًا من المسلمين، فلا يجوز التعرُّض له بسوء، كما لا يجوز التعرُّض لأي مسلم من المسلمين؛ عملًا بقوله ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" (٦). ٢ - وعن صخر بن العيلة البجلي قال: فر قوم من بني سليم عن أرضهم، فأخذتها، فأسلموا، وخاصموني إلى النبي ﷺ ، فردها عليهم وقال: "إذا أسلم الرجل، فهو أحق بأرضه ومالِهِ" (٧). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث أن من أسلم من الحربيين أن مالهم لهم، لا يغنمه المسلمون. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الكافر الحربي إذا أسلم، فإن إسلامه يعصم دمه وماله، ونفسه من الرق؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٧/ ١٩] إسلام الحربي لا يشمل أولاده الكبار: • المراد بالمسألة: بيان أن أولاد الكافر الحربي البالغين لا يتبعون آباءهم، فإسلام

стр. 4205

الآباء لا يعصم الأبناء البالغين؛ لأنهم لا يتبعون آباءهم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: المروزي (٢٩٤ هـ) حيث يقول: (أن أهل العلم بأجمعهم، قد اتفقوا على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم آبائهم، ما لم يبلغوا فإذا بلغوا فحكمهم حكم أنفسهم)، نقله عنه ابن عبد البر في "التمهيد" (١). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن ولده الكبار المختارين لدين الكفر على دين الإسلام، فإنهم كسائر المشركين، ولا فرق) (٢). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء فيما علمت قديمًا وحديثًا على أن أحكام الأطفال في الدنيا كأحكام آبائهم، ما لم يبلغوا، فإذا بلغوا فحكمهم حكم أنفسهم) (٣). وشيخ الإسلام (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (فإذا بلغ وتكلم بالإسلام أو بالكفر، كان حكمه معتبرًا بنفسه، باتفاق المسلمين، فلو كان أبواه يهودًا أو نصارى فأسلم كان من المسلمين، باتفاق المسلمين، ولو كانوا مسلمين فكفر كان كافرًا باتفاق المسلمين) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: أن الشارع ربط التكليف بالواجبات والمحرمات ولزوم آثار الأحكام في الجملة، بشرط البلوغ، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، نذكر منها ما يناسب بحثنا في مسألتنا هذه: منها قول النبي ﷺ لمعاذ لما أرسله إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارًا أو عدله معافريًّا" (٩) فجعل الاحتلام موجبًا للجزية. ومنها ما حصل يوم قريظة، من أن من اشتبهوا في بلوغه من الأسرى، كان إذا أنبت
следующие страницы →