← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

[٢١/ ٢]: الجور (١) في الحكم من الكبائر • المراد بالمسألة: أن القاضي إذا جار في حكمه عن عمد، فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم، من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا به) (٢). وقال في موضع آخر: (وأجمع علماء المسلمين أن الجور في الحكم من الكبائر للوعيد الوارد فيه قال اللَّه : ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥] (٣). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾. [المائدة: ٤٤]. • وجه الدلالة: الآيات صريحة في وجوب الحكم بما أنزل اللَّه واجتناب الهوى وذلك دليل على تحريم الجور في الحكم. ٣ - قول النبيّ ﷺ : "القضاة ثلاثة، قاضيانِ في النارِ وقاضٍ في الجنةِ. فأما الذي في الجنةِ فرجلٌ عرفَ الحقَّ وقضَى بهِ، واللذانِ في النارِ رجلٌ عرفَ الحقَّ فجارَ في الحقِّ، ورجل قضى للناسِ على جهلٍ" (٤).

стр. 4377

• وجه الدلالة: قوله ﷺ "واللذانِ في النارِ رجلٌ عرفَ الحقَّ فجارَ في الحقِّ" دليل على أن القاضي الجائر في حكمه في النار لارتكابه إثم عظيم (١). ٤ - ما روي عن مسروق رحمه اللَّه تعالى أنه قال "سألت عبد اللَّه بن مسعود عن السحت فقال: الرشا، وسألت عن الجور في الحكم، فقال: الكفر" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على أن الجور في الحكم من الكبائر وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٢/ ٢]: بطلان الحكم بما يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي • المقصود بالمسألة: أن القاضي إذا حكم بما يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس فحكمه مردود وباطل، وقد نقل الإجماع على ذلك.

стр. 4378

• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن من ولاه الإمام القرشي الواجب طاعته الأحكام، فإن أحكامه -إذا وافقت الحق- نافذة، على أنه إذا حكم بما يخالف الإجماع، فإن حكمه مردود) (١). . وقال في موضع آخر: (واتفقوا على وجوب الحكم بالقرآن والسنة والإجماع) (٢). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (واتفق أهل العلم جميعًا على أن الواجب على حاكم رفع إليه حكم -قد خالف الكتاب والسنة والاتفاق- أن يبطله ولا يجيزه) (٣). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: (المسلمون متفقون على أنه لا يجوز لمسلم أن يحكم بين أحد إلا بما أنزل اللَّه في القرآن) (٤). . وقال في موضع آخر: (ولهذا اتفق العلماء أن حكم الحاكم العادل إذا خالف نصًا أو إجماعًا فهو منقوض) (٥). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. • وجه الدلالة: كما قال الشافعي: فأعلم اللَّه نبيه ﷺ أن فرضًا عليه وعلى من قبله والناس إذا حكموا أن يحكموا بالعدل، والعدل إتباع حكمه جل وعلا المنزل (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (٧)،

стр. 4379

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم الظاهري (٤). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على بطلان الحكم بما يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الصحيح الجلي وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٣/ ٢]: لا يقضي القاضي وهو غضبان • المراد بالمسألة: لا ينبغي للقاضي أن يقضي وهو غضبان (٥)، وكذلك عند كل ما يشغل فكره، وقد نقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن العربي المالكي (٥٤٦ هـ) حيث قال: (اتفق العلماء أن القاضي لا يقضي إذا ناله غضب، أو جوع، أو جزع، ويجمع ذلك كل ما يشغل خاطره ويفسده بقطع النظر وعلمه ورأيه) (٦). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه، في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان) (٧)، ووافقه شمس الدين بن قدامة باللفظ والمعنى (٨). شمس الدين الزركشي (٧٩٤ هـ) حيث قال: (ولا يقضي بين اثنين -أي القاضي- وهو غضبان، وهذا واللَّه أعلم محل اتفاق) (٩).

стр. 4380

• مستند الاتفاق: ما روي عن أبي بكرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (١). • وجه الدلالة: أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان لما في ذلك من خروجه عن حال الاعتدال (٢). ٢ - ما روي عن عمر ﵁ في رسالته المشهورة في باب القضاء، التي أرسلها إلى أبي موسى الأشعري ﵁ وفيها: "وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس" (٣). • وجه الدلالة: أن فيهما نهي عن الحكم عند الغضب لما فيه من تشويش الفكر ويلحق به ما ذكر لأنه في معناه، وهذه الأمور تمنع حضور القلب واجتماع الفكر الذي يتوصل بهما إلى إصابة الحق في الغالب (٤). ٣ - أنه ينبغي للقاضي أن يجلس لقضائه وأمره معتدل، وأن يحكم في حال لا يتغير معها خلقه ولا عقله ولا فهمه، ومثل هذه الأحوال وعند طروء هذه العوارض ينشغل قلبه ويمنعه عن استيفاء النظر والاجتهاد في الحكم (٥). • الموافقون على نقل الاتفاق: وافق على الحكم الحنفية (٦)،

стр. 4381

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم الظاهري (٤). النتيجة: صحة ما ذكر من الاتفاق على أنه لا ينبغي للقاضي أن يقضي وهو غضبان، وذلك لعدم وجود مخالف. [٢٤/ ٢]: صحة القضاء في بيت القاضي • المراد بالمسألة: يجوز للقاضي أن يقضي في منزله، وإن فعل ذلك صح قضاؤه، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن للقاضي أن يحكم في منزله) (٥). • مستند الإجماع: ١ - إن الحكم عبادة، والعبادة لا تختص بمكان فجازت في بيت القاضي (٦). ٢ - ما ورد عن التجعد بن ذكونا، عن شريحة أنه كان إذا كان يوم مَطَرٍ قضى في داره (٧). ٣ - ما رواه حجاج بن محمد، قال: رأيت يحيى ابن سعيد الأنصاري يقضي في داره، ويقضي في المسجد، ورأيت ابن أبي ليلى يقضي في المسجد، ورأيت عثمان ابن عمر -يعني التميمي- يقضي في داره، قال

стр. 4382

أبي: كان هذا قاضيا بالبصرة، وكان سوار يقضي في داره (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (٢)، والشافعية (٣). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع ضلى صحة القضاء في بيت القاضي وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٥/ ٢]: جواز التقاضي في المسجد • المراد بالمسألة: أنه يسوغ للقاضين يجلس للقضاء بين الناس في المسجد، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الاجماع: ابن قدامه (٦٢٠ هـ) حيث قال: (إن القضاء في المسجد لا يكره بإجماع الصحابة) (٤)، ووافقه شمس الدين ابن قدامه باللفظ والمعنى (٥). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١]. • وجه الدلالة: أن الخصومة قد حدثت في مسجد ومصلى داود، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه كما قرره جماعة من الأصوليين ﵏ (٦).

стр. 4383

٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. • وجه الدلالة: أن الأمر في الآية جاء عامًا لا يدل على المكان، فهو أمر بالحكم في عموم الأمكنة، وهذا يدل على جواز الحكم في المسجد (١). ٣ - ما جاء في قصة لعان عوير العجلان لزوجته في المسجد، وكان ذلك بأمر النبي ﷺ ، واللعان من أعمال القضاء (٢). ٤ - أن أمير المؤمنين عمر ﵁ قضى بين زوجين باللعان في المسجد النبوي الشريف (٣). ٥ - ولأن ذلك أبعد عن التهمة، ولأنه يتمكن كل واحد من أن يحضر مجلسه عند حاجته، ولا يشتبه عليه موضعه، ولأن الحكم عبادة فيجوز إقامتها في المسجد كالصلاة (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وقول عند الشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • الخلاف في المسألة: هناك من يرى كراهة اتخاذ المسجد مجلسًا

стр. 4384

للقضاء، وهو رواية عن أبي حنيفة (١)، وهو قول الشافعي، وقال النووي: ربه قال عمر ﵁ (٢). أدلة هذا القول: قوله ﷺ : "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وخصوماتكم وأصواتكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم" (٣) وهذا الحديث نص في المسألة. ٢ - أن القاضي يدخل عليه في المسجد الكافر والجنب والحائض، وفي مكان يحصل فيه اللغط ورفع الصوت، وكل ذلك مكروه في المسجد (٤). ٣ - أن النبي ﷺ إنما نهى عن إنشاد الضالة في المسجد صيانة له، فمن باب أولى أن يصان عن حضور الجنب والحائض والكافر والمجانين والصبيان، وإنما قضى النبي ﷺ وخلفاؤه في المسجد في قضايا اتفقت مع حضورهم في المسجد فقضى فيها (٥). النتيجة: عدم صحة ما نقل من الإجماع على عدم كراهة التقاضي في المسجد، وذلك لوجود خلاف في المسألة. [٢٦/ ٢]: مشروعية كتاب القاضي إلى القاضي في المال وما يقصد منه المال • المراد بالمسألة: يصح كتاب القاضي إلى القاضي في قضايا المال وما يقصد منه المال، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن

стр. 4385

القاضي إذا كتب إلى قاض آخر بقضية قضى بتا على ما يجب ببينة عادلة. . . أن على المكتوب إليه قبول كتابته) (١). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن من أمره الإمام الواجبة طاعته من الحكام، بقبول كتاب حاكم آخر إليه من بلد بعيد، أو بمخاطبة غيره من الولاة، أن للحاكم أن يقبل الكتاب وأن يكتب ويحكم بما ورد فيه، مما يوجب الحكم، ويحكم بكتابه من أمر بقبوله أيضًا، كذلك إذا شهد بما في نص الكتاب عديلان، وكان الكتاب مختوما، وكان إلى هذا الذي وصل إليه، وكان الذي كتبه حيا، غير معزول في حين وصول الكتاب الذي كتب بت إليه، هذا في غير الحدود والقصاص، وفي غير كتابه من البلد القريب) (٢). ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (ومما اتفقوا عليه في هذا الباب أنه يقضي القاضي بوصول كتاب قاض آخر إليه) (٣). عون الدين ابن بيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن كتاب القاضي إلى القاضي من مصر إلى مصر في الحقوق التى هى المال، أو ما كان المقصود منه المال، جائز مقبول) (٤). ابن قدامه (٦٢٠ هـ) حيث قال: (وأجمعت الأمة على جواز كتاب القاضي إلى القاضي) (٥). الزركشي (٧٩٤ هـ) حيث قال: (كتاب القاضي إلى القاضي مقبول في الجملة بالإجماع) (٦).

стр. 4386

ابن الهمام (٨٦١ هـ) حيث قال: (والعمل بكتاب القاضي إلى القاضي على خلاف القياس، لكنه جائز بإجماع الصحابة والتابعين) (١). • مستند الإجماع: ما رواه أصحاب السنن عن الضحاك بن سفيان ﵁-وكان النبي ﷺ قد استعمله على صدقات الأعراب- قال: كتب إليّ رسول اللَّه ﷺ : "أن أورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها" (٢). • وجه الدلالة: الحديث يدل على أن النبي ﷺ كتب إلى قاضيه في الأعراب فقبله، فجاز أن يقبل كتاب القاضي إلى القاضي. ٢ - أن حاجة الناس تدعو إلى ذلك، لأنه لو لم يقبل كتاب القاضي إلى القاضي لأدى إلى تلف الحق المشهود عليه.، فإن الإنسان لا يقدر على أن يجمع بين شهوده والمرعى عليه، بأن يكونا في بلدين، وقد لا يكون هناك من يعرفهم بالعدالة، فلم يبق إلا شهادتهم في الموضع الذي هم فيه، وكتاب القاضي الذي يشهدون عنده إلى القاضي الذي يحتاج إليه في إقامة الشهادة عنده (٣).

стр. 4387

• الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على مشروعية كتاب القاضي إلى القاضي في المال وما يقصد منه المال (٥)، وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٧/ ٢]: اشتراط الإشهاد على كتاب القاضي إلى القاضي • المراد بالمسألة: أن كتاب القاضي إلى القاضي لا يعمل به إلا إذا شهد عليه شاهدان عدلان، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن القاضي إذا كتب إلى قاض آخر بقضية قضى بها على ما يجب، بينة

стр. 4388

عادلة، وقرأ الكتاب على شاهدين، وأشهدهما على ما فيه، فوصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، وشهد الشاهدان عنده بما في الكتاب، أن على المكتوب إليه قبول كتابه، إذا كان ذلك في غير حد) (١). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا أن كتاب الحاكم إلى الحاكم إذا كان بأمر من الإمام -كما ذكرنا- فشهد عدلان عند الحاكم المكتوب إليه: إن هذا كتاب فلان الحاكم إليك، وأشهدنا على ما فيه، أن على المكتوب إليه أن يحكم به) (٢). وقال في موضع آخر: (واتفقوا على أن من أمره الإمام الواجبة طاعته من الحكام، بقبول كتاب حاكم آخر إليه من بلد بعيد، أو بمخاطبة غيره من الولاة، أن للحاكم أن يقبل الكتاب وأن يكتب ويحكم بما ورد فيه، مما يوجب الحكم، ويحكم بكتابه من أمر بقبوله أيضًا، كذلك إذا شهد بما في نص الكتاب عدلان، وكان الكتاب مختوما، وكان إلى هذا الذي وصل إليه، وكان الذي كتبه حيا، غير معزول في حين وصول الكتاب الذي كتب به إليه، هذا في غير الحدود والقصاص، وفي غير كتابه من البلد القريب) (٣). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (يشترط لقبول كتاب القاضي شروط ثلاثة: أحدها: أن يشهد به شاهدان عدلان، ولا يكفي معرفة المكتوب إليه خط الكاتب، وختمه، ولا يجوز له قبوله بذلك، في قول أئمة الفتوى) (٤). • مستند الإجماع: أن ما أمكن إِتْيَانُهُ بِالشهادة لم يجز الاقْتِصار على

стр. 4389

الظاهر، كَإِثْبَاتِ العقود، ولأن الخط يشبه الخط، وَالْخَتْمُ يمكن التزوير عليه ولأنه نقل حكم أو إثبات، فلم يكن فيه بُدٌّ من شهادة عدلين، كالشهادة على الشهادة (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، الحنابلة (٥). • الخلاف في المسألة: ذهب قضاة البصرة: الحسن، وسوار بن عبد اللَّه، وعبيد اللَّه بن الحسن العنبري، وهو قول أبي يوسف، وأبي ثور وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام وهو إحدى الروايتين عن مالك، ومال إليه من أصحاب الشافعي أبو سعيد الإصطرخي، أنه إذا عرف القاضي المكتوب إليه خط القاضي الكاتب وختمه واتصلت بمثله كتبه، جاز أن يقبله، ويعمل بما تضمنه دون أن يشهد عليه (٦). • دليل هذا الرأي: أن السُّنَّةَ جرت بإقامة الخط مَقَامَ الخطأ بفقد صرح الْخَصَّافُ وَالصَّفَّارُ وغيرهما في باب كتاب القاضى بذلك واستدلا بكتاب اللَّه تعالى، وبأن النبي ﷺ كَتَبَ إلى الملوك وقام الكتاب مقام الخطاب في اللُّزُومِ وَلَزِمْنَا أمر اللَّه تعالى (٧).

стр. 4390

٢ - الإجماع: وكذا كان في زمن الخلافة بعده ﷺ ، والقضاة يعملون بذلك من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير (١). النتيجة: عدم تحقق ما نقل من الإجماع على وجوب الإشهاد على كتاب القاضي إلى القاضي للحكم بما فيه وذلك لوجود الخلاف في المسألة. [٢٨/ ٢]: قيام الخط (٢) مقام الشهادة في كتاب القاضي إلى القاضي في غير الحدود • المراد بالمسألة: إذا عرف خط القاضي وختمه فإنه يقوم مقام الشاهدين في العمل بكتاب القاضي إلى القاضي، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: المرغيناني (٥٣٠ هـ) حيث قال: (والقياس يأبى جواز العمل به لأنه لا يكون أقوى من عبارته، ولو حضر بنفسه مجلس المكتوب إليه وَعَبَّرَ بلسانه عما في الكتاب لم يعمل به القاضي فكيف وفيه شبهة التَّزْوِيرِ إذ الخط يشبه الخط والْخَاتَمُ الْخَاتَمَ إلا أنه يجوز لحاجة الناس لما روي أن عَلِيًّا ﵁ جَوَّزَهُ كذلك وعليه إجماع الفقهاء) (٣). ابن نجيم الحنفي (٩٧٠ هـ) حيث قال: (إنَّ السُّنَّةَ جرت بإقامة الخط مقام الخطاب فقد صرح الْخَصَّافُ وَالصَّفَّارُ وغيرهما في باب كتاب القاضي بذلك واستدل بكتاب اللَّه تعالى، وبأن النبي ﷺ كتب إلى

стр. 4391

الملوك، وقام الكتاب مقام الخطاب في اللُّزُومِ وَلَزِمْنَا أمر اللَّه تعالى. وكذا كان زمن الخليفة من بعده، والقضاة يعملون بذلك من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير) (١). بدر الدين العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: (والقياس يأبى جواز العمل به، لما فيه من شبهة التزوير، إذ الخط يشبه الخط، والخاتم يشبه الخاتم، إلا أنه جوز لحاجة الناس إليه، لحديث علي ﵁ أنه جوزه لحاجة الناس إلى ذلك وعليه أجمع الفقهاء) (٢). محمد بن يوسف المواق (٨٩٧ هـ) حيث قال نقلًا عن ابن المناصف: (وقال ابن المناصف: اتفق أهل عصرنا على قبول كتب القضاة في الأحكام والحقوق بمجرد معرفة خط القاضي، ولا يستطيع أحد فيما أظن على صرفهم عنه) (٣). محمد أحمد الفاسي (ميارة) (١٠٧٢ هـ) حيث قال: (اتفق أهل عصرنا في البلاد التي ينتهي إليها أمرنا على قبول كتاب القاضي في الأحكام، والحقوق بمجرد معرفة خط القاضي دون الشاهد على ذلك) (٤). • مستند الإجماع: أن النَّبِيَّ ﷺ كتب إلى الملوك، وقام الكتاب مقام الخطاب (٥). .، ما روي عن الشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ ومحمد بن الحسن أنهم كانوا يعملون بالكتاب إذا جاءهم بغير بَيِّنَةٍ (٦).

стр. 4392

• الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (١)، وبعض المالكية (٢). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة بعض المالكية وبعض الحنابلة حيث يرون أنه لا يجوز قبول كتاب القاضي بمجرد معرفة خطه (٣). • دليل هذا الرأي: ١ - أن ما أمكن إتيانه بالشهادة لم يجز الاقْتِصَارُ فيه على الظاهر، كإثبات العقود (٤). ٢ - أن الخط يشبه الخط، وَالْخَتْمُ يمكن التزوير عليه، ولأنه نقل حكم أو إثبات، فلم يكن فيه بد من شهادة عدلين، كالشهادة على الشهادة (٥). النتيجة: عدم تحقق ما نقل من الإجماع على قيام خط القاضي مقام الشهادة في كتاب القاضي إلى القاضي بالحكم في غير الحدود وذلك لوجود الخلاف في المسألة. [٢٩/ ٢]: لا يجوز للإمام أن يولي أحدًا القضاء على أن يحكم بمذهب معين • المراد بالمسألة: لا يجوز للإمام أن يولي القضاء أحدًا على أن يحكم بمذهب بعينه، لأنه مَأمورٌ بالحكم بالحق، والحق لا يتعين في مذهب بعيْنِه.

стр. 4393

وقد نقل نفي الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: الشيرازي (٤٧٦ هـ) حيث قال: (ولا يجوز أن يعقد تقلّد القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه، لقوله ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] والحق ما دل عليه الدليل. . . بغير خلاف نعلمه) (١). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ولا يجوز أن يقلد "الإمام" القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه. وهذا مذهب الشافعي ولم أعلم فيه خلافًا) (٢). ووافقه على ذلك شمس الدين ابن قدامه باللفظ والمعنى (٣). ابن مفلح الدمشقي (٨٨٤ هـ) حيث قال: (لا يجوزُ أن يقلد القضاء لواحدٍ على أن يحكم بمذهب بعينه، لا نعلَمُ فيه خلافًا، لأنه مَأمورٌ بالحكم بالحق، والحق لا يتعين في مذهب بعيْنِه) (٤). المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث قال: (لا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه، وهذا مذهب الشافعي ﵀، ولا نعلم فيه خلافًا) (٥). • مستند نفي الخلاف: قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. • وجه الدلالة: أن الحق ما دل عليه الدليل، وذلك لا يتعين في مذهب بعينه (٦). ٢ - ولأن القاضي مأمور بالعمل بما يؤدي إليه اجتهاده بالإجماع، فلا يجوز تكليفه على الحكم بخلاف ما يؤدي إليه اجتهاده (٧). ٣ - ولأنه مَأمورٌ بالحكم بالحق، والحق لا يتعين في مذهب بعيْنِه (٨).

стр. 4394

• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على الحكم الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). النتيجة: صحة ما نقل من نفي الخلاف في عدم جواز تقليد الإمام القضاء لأحد على أن يحكم بمذهب بعينه، وذلك لعدم وجود المخالف. [٣٠/ ٢]: مشروعية قضاء القاضي بعلمه الشخصي في الجرح والتعديل • المراد بالمسألة: أن القاضي يجوز له أن يقضي بعلمه الشخصي في التعديل والتجريح وهذا لا ينافي العمل بظاهر الأدلة فعمل القاضى في ذلك منصب على ترجيح إحدى البينتين الظاهرتين فما ثبت لديه من تعديله وجرحه جاز له القضاء به، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث قال: (لا اختلاف بين الفقهاء: أن للقاضي أن يحكم بعلمه في الجرح والتعديل) (٥). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (وذلك أن العلماء أجمعوا على أن القاضي يقضي بعلمه في التعديل والتجريح، وأنه إذا شهد الشهود بضد علمه لم يقضي به) (٦). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (وأما الجرح والتعديل فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف) (٧). ابن مفلح (٨٨٤ هـ) حيث قال: (وأما الجرح والتعديل فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلافٍ) (٨). . وقال في موضع آخر: (وكذلك اجمعوا على أنه

стр. 4395

يقضي بعلمه في تغليب حجة أحد الخصمين على حجة الآخر إذا لم يكن في ذلك خلاف) (١). بدر الدين العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل) (٢). أبو الحسن التسولي المالكي (١٢٥٨ هـ) حيث قال: (ويعتمد القاضي على علمه في التعديل والتجريح اتفاقًا) (٣). • مستند الإجماع: قول النبي ﷺ لهند بنت عتبة رضى اللَّه عنها: "خُذي ما يكفيكِ ووَلدَكِ بالمعروف" (٤). • وجه الدلالة: فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها (٥). ٢ - ما رواه عروة ومجاهد رضى اللَّه عنهما أن رجلًا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب رضى اللَّه عنهما أنه ظلمه حدًا في موضع كذا وكذا وقال عمر إني لأعلم الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فأتني بأبي سفيان فأتاه به فقال له عمر يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من هاهنا فضعه هاهنا فقال واللَّه لا أفعل فقال واللَّه لتفعلن فقال واللَّه لا أفعل فعلاه بالدرة وقال: خذه لا أم لك فضعه هاهنا فإنك ما علمت قديم الظلم. فأخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر، ثم إن عمر استقبل القبلة فقال: اللهم لك الحمد حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام، قال فاستقبل

стр. 4396

القبلة أبو سفيان وقال اللهم لك الحمد إذا لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما أذل به لعمر) (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على مشروعية قضاء القاضي بعلمه الشخصي في التعديل والتجريح وذلك لعدم وجود التهمة. [٣١/ ٢]: لا يقضي القاضي بخلاف علمه • المراد بالمسألة: أن الحاكم لا يجوز له أن يحكم بخلاف علمه، حتى وإن شهد العدول عنده بغير علمه، ولو أقر عنده أحد الخصوم، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (وذلك أن العلماء أجمعوا على أن القاضي يقضي بعلمه في التعديل والتجريح، وإنه إذا شهد الشهود بضد علمه لم يقض به، وأنه يقضي بعلمه في إقرار الخصم وإنكاره) (٥). ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: (ولهذا اتفق الناس على أن الحاكم لا يجوز له أن يحكم بخلاف علمه، وإن شهد عنده بذلك العدول، وإنما يحكم

стр. 4397

بشهادتهم إذا لم يعلم خلافها، وكذلك لو أقر إقرارا علم أنه كاذب فيه مثل أن يقول لمن هو أسن منه (هذا ابني) لم يثبت نسبه ولا ميراثه اتفاقا) (١). الزركشي (٧٩٤ هـ) حيث قال: (الخلاف في جواز حكمه بعلمه ولا نزاع أنه لا يحكم بخلاف علمه) (٢). زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) حيث قال: (وَلا يقضي القاضي بخلاف علمه، وإن قامت بَيِّنَةٌ كأن علم إبراء الْمُدَّعَى عليه مما ادعاه الْمُدَّعِي وأقام به بينة فلا يُقْضَى بِها فيه بالإجماع ولا يُقضَى في هذا بعلمه) (٣). ابن حجر (٩٧٣ هـ) حيث قال: (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع وقال ابن الحسين المدني في شرح تكملة شرحه يعني: ولا يقضي القاضي بخلاف علمه بلا خلاف) (٤). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث قال: (ولا يقضي القاضي بخلاف علمهم بالإجماع) (٥). شهاب الدين الرملي (١٠٦٩ هـ) حيث قال: (ولا يقضي -أي لا يجوز له القضاء- بخلاف علمه، أي ظنه المؤكد بالإجماع) (٦). • مستند الإجماع: لأنه لو حكم بخلاف علمه لكان قاطعًا ببطلان حكمه، والحكم على الباطل محرم في كل ملة، فإنه إذا رأى رجلًا قتل رجلًا، فادعى الولي القتل على غير القاتل، فأقر المدعى عليه بالقتل، أو

стр. 4398

قامت به بينة عادلة، فلا يجوز له قتل غير القاتل لعلمه بكذب المقر والبينة، فلو حكم بذلك لكان حكمًا بغير حجة شرعية، بل هو أقبح من الحكم بغير حجة شرعية؛ لأنه إذا حكم بغير حجة شرعية جاز أن يكون ما حكم به حقًا موافقا للباطل (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على أنه لا يجوز أن يقضي القاضي بخلاف علمه وذلك لعدم وجود المخالف. [٣٢/ ٢]: لا يقضي القاضي بعلمه في الحدود التي تستوجب القتل المقصود بالمسألة: أن القاضي لا يحكم بعلمه الشخصي في الحدود التي تستوجب القتل، وقد أجمع العلماء على ذلك لفساد الزمان وعظم حرمة الدماء. • من نقل الإجماع: أبو بكر بن العربي المالكي (٥٤٣ هـ) حيث قال: (اتفق العلماء عن بَكْرَةِ أَبِيهِمْ على أن القاضي لا يقتل بعلمه) (٥). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث قال: (إما أن يقضي بعلم استفاده في زمن

стр. 4399

القضاء ومكانه وهو الموضع الذي قلد قضاءه، وإما أن يقضي بعلم استفاده قبل زمان القضاء وفي غير مكانه، وإما أن يقضي بعلم استفاده بعد زمان القضاء في غير مكانه فإن قضى بعلم استفاده في زمن القضاء وفي مكانه بأن سمع رجلًا أقر لرجل بمال أو سمعه يطلق امرأته أو يعتق عبده أو يقذف رجلًا أو رآه يقتل إنسانًا وهو قاض في البلد الذي قلد قضاءها جاز قضاؤه عندنا، ولا يجوز قضاؤه به في الحدود الخالصة بلا خلاف) (١). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث قال: (وقد اتفق العلماء على أن القاضي لا يقتل بعلمه) (٢). وقد نقله عنه ابن كثير في تفسيره (٣). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١]. • وجه الدلالة: قال مالك ﵀: "النفاق في عهد رسول اللَّه ﷺ هو الزندقة (٤) فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة (٥)، لأنه لا يظهر ما يستتاب منه، وإنما كف رسول ﷺ عن المنافقين ليسن لأمته

стр. 4400

أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين (١) ". ٢ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]. • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يقتل المنافقين مع علمه بهم وقيام الشهادة عليهم أو على أكثرهم (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (٣)، الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على أن القاضي لا يقضي بعلمه الشخصي في الحدود التي تستوجب القتل وذلك لعدم وجود المخالف. [٣٣/ ٢]: قضاء القاضي بالظاهر في الأموال لا يحل حرامًا • المراد بالمسألة: إذا حكم القاضي بالظاهر لشخص بمال، وهو يعلم -المقضي له يعلم- أن ذلك المال حرام عليه فإن المال يبقى على حرمته ولا يجوز له أخذه، وحكم الحاكم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن أشياء مما يحكم بها الحاكم في الظاهر، حرام على المقضي له، مما يعلم أن ذلك حرام عليه، ومن ذلك أن يحكم له بالمال) (٦).

стр. 4401

ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: (قضاء القاضي بالظاهر الذي يعتد به لا يحل حرامًا في الباطن على من علمه، وأجمع العلماء على أن ذلك في الأموال صحيح) (١). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث قال: (أجمعوا على أن حكم الحاكم الظاهر الذي يعتريه لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، وذلك في الأموال خاصة) (٢). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: (وقد اتفق المسلمون على أن حكم الحاكم بالحقوق المرسلة لا يغير الشيء عن صفته في الباطن، فلو حكم بمال زيد لعمر لإقرار أو بينة، كان ذلك باطلًا، ولم يبح ذلك له في الباطن، ولا يجوز له أخذه باتفاق المسلمين) (٣). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث قال: (وقد حكى الشافعي الإجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام) (٤). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]. • وجه الدلالة: دلت الآية على أنه لا يحل ما أكل بالباطل، وأخذ من الحقوق، ومن فعل ذلك عالمًا به ليأكل أموال الناس بالباطل، ويدلي بذلك إلى الحاكم ليثبت الحكم فهو باطل (٥). ٢ - ما روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ : سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له

стр. 4402

بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها" (١). والحديث صريح الدلالة في أن ما حكم به الحاكم على ضوء ما قاله الخصم لأجل حجته وبينته، والباطن على خلاف ذلك، فهو محرم. • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على قضاء القاضي بالظاهر -في الأموال خاصة- لا يحل حرامًا وذلك لعدم وجود المخالف. [٣٤/ ٢]: من حكم له بالقود (٦) على من يعلم أنه بريء منه فلا يجوز له أن يقتاد منه • المراد بالمسألة: هذه المسألة تبع لسابقتها، والمراد بها: أنه إذا حكم لشخص بالقود ممن يعلم أنه بريء مما حُكم له عليه بقرائن ثبتت في الظاهر فلا يجوز له أن يقتاد منه، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أن أشياء مما يحكم بها الحاكم في الظاهر، حرام على المقضى له، مما يعلم أن ذلك حرام عليه. . . ومن ذلك القود على من يعلم أنه بريء مما حكم له عليه ببينات ثبتت في الظاهر) (٧). الخطابي (٣٨٨ هـ) حيث قال: (وفيه أنه لا يجوز للمقضي له بالشيء

стр. 4403

أخذه إذا علم أنه لا يحل له فيما بينه وبين اللَّه، وقد أجمع العلماء على هذا في الدماء والأموال) (١). • مستند الإجماع: ما روي عن أم سلمة ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها" (٢). • وجه الدلالة: أن الحديث صريح الدلالة على أن ما حكم به الحاكم على ضوء ما قاله الخصم لأجل حجته وبينته، والباطن على خلاف ذلك، فهو محرم ويستوي في ذلك الدماء والأموال لأن الحديث عام (٣). • الموافقون على نقل الإجماع: وافق على الحكم الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • الخلاصة: صحة ما نقل من الإجماع على أن من حكم له بالقود على من يعلم أنه بريء منه فلا يجوز له أن يقتاد منه وذلك لعدم وجود مخالف. [٣٥/ ٢] قول القاضي حجة (٨) تامة • المراد بالمسألة: أن قول القاضي حجة تامة فإذا قال القاضي قد

стр. 4404

قضيت على هذا بالرجم فارجمه أو بالقطع فاقطعه أو بالضرب فاضربه وسعك فعله (١) وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: السرخسي (٤٨٣ هـ) حيث قال: (أن مباشرته القضاء قول ملزم، فكذلك إخباره بالقضاء، والدليل عليه أنه لا يستقضي في كل بلدة أكثر من واحد فلو كانت الحجة لا تتم بمجرد خبر القاضي به لجرى الرسم بإيجاد القاضين في كل بلدة لصيانة الحقوق كما جرى الرسم به في الشهود، وفي الاكتفاء بقاض واحد في كل بلدة دليل الإجماع من المسلمين على أن مجرد قول القاضي حجة تامة) (٢). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. • وجه الدلالة: طاعة أولي الأمر واجبة، وفي تصديقه طاعة (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (٤)، ولم أقف على أقوال أخرى لبقية المذاهب حسب ما أطلعت عليه من كتب الفقهاء. • الخلاف في المسألة: نقل الخلاف عن بعض الأحناف حيث يرون أنه لا يؤخذ بقول القاضي على إطلاقه حتى تظهر الحجة، جاء عن محمد بن الحسن الشيباني أنه قال: (لا تأخذ بقوله حتى تعاين الحجة) (٥). • دليل هذا الرأي: أن قوله القاضي يحتمل الغلط والخطأ، والتدارك غير ممكن، وعلى هذه الرواية لا يقبل كتابه، واستحسن المشايخ هذه الرواية

стр. 4405

لفساد حال أكثر القضاة في زماننا إلا فِي كِتَابِ الْقَاضِي لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ (١). النتيجة: عدم تحقق ما نقل من الإجماع على أن قول القاضي حجة تامة وذلك لوجود الخلاف في المسألة. [٣٦/ ٢]: لا تنقض الأحكام السابقة بتغير اجتهاد القاضي • المراد بالمسألة: يقصد بتغير اجتهاد القاضي: أنه إذا قضى في حادثة محل اجتهاد برأيه ثم رفعت اليه مسألة أخرى مماثلة فتغير اجتهاده الفقهي، فإنه يعمل بالرأي الثاني، ولا يوجب هذا نقض الحكم بالرأي الأول، ولو رفعت إليه مسألة أخرى ثالثة فتحول رأيه الفقهي إلى الأول يعمل به ولا يبطل قضاؤه بالرأي الثاني بالعمل بالرأي الأول، كما لا يبطل قضاؤه الأول بالعمل بالرأي الثاني (٢)، وقد نقل الاتفاق على ذلك. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أنه لا يحل لمفتٍ ولا قاضٍ أن يحكم بما يشتهي مما ذكرنا في قصة، وبما اشتهى مما يخالف ذلك في أخرى مثلها، وإن كان كلا القولين مما قال به جماعة من العلماء، ما لم يكن ذلك لرجوع عن خطأ لاح له، إلى صواب بان له) (٣). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أنه إذا حكم الحاكم باجتهاده ثم بان له اجتهاد يخالفه فإنه لا ينقض الأول، وكذلك إذا رفع إليه حكم غيره فلم يره فإنه لا ينقضه (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (وأما إذا تغير اجتهاده من غير أن يخالف نصًا ولا إجماعًا أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقضه

стр. 4406

لمخالفته لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على ذلك) (١). وقال أيضًا: (كالحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدث مثلها، لزمه إعادة الاجتهاد، وهذا مذهب الشافعي، فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول، كما لو تغير اجتهاد الحاكم عمل بالثاني في الحادثة الثانية ولم ينقض حكمه الأول وهذا لا نعلم فيه خلافا) (٢). ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث قال: (قضى عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخويها لأبيها وأمها وأخويها لأمها، فأشرك عمر بين الإخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا، قال عمر: تلك ما قضينا يومئذ، وهذا ما قضينا اليوم، فأخذ أمير المؤمنين في كلا الإجتهادين، بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين) (٣). شمس الدين السيوطي (٨٨٠ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن الحاكم إذا حكم باجتهاده، ثم بأن له اجتهاد يخالفه فإنه لا ينقض) (٤). أبو عبد اللَّه الدمشقي (٨٩٨ هـ) حيث قال: (واتفقوا على أن الحاكم إذا حكم باجتهاده، ثم بأن له اجتهاد يخالفه، فإنه لا ينقض الأول) (٥). • مستند الاتفاق: ما روي عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: شهدتُ عمر بن الخطاب ﵁ أشرك الإخوة مع الأب والأم مع الأخوة من الأم في الثلث، فقال له رجلٌ: لقد قضيت عام أَوَّلَ بغير هذا، قالَ: فكيفَ

стр. 4407

قضيتُ، قالَ: جَعَلْتَهُ للإخوة من الأب والأم، ولم تجعل للإخوة من الأم شيئًا، قالَ: تلكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وهَذِهِ على مَا نقضي) (١). ٢ - ما روي عن الشعبي أنه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يقضي بالقضاء، ثم ينزل القرآن بغير الذي قضى به فلا يرده ويستأنف" (٢). • وجه الدلالة: دلت الأحاديث السابقة على أن القاضي إذا قضى في حادثة باجتهاده ثم رأى خلاف ما قضى به، لم ينقض ما مضى من القضاء، لكنه يستأنف الحكم في المستقبل بما يحول إليه رأيه، لأن رأيه الحادث في مقابلة الرأي الأول، دون القرآن النازل في مقابلة ما حكم به الرسول ﷺ قبل ذلك ثم ينزل القرآن مع ذلك لم ينقض ما مضى من الحكم، فبتغير الرأي أولى (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على عدم نقض اجتهاد القاضي السابق باجتهاد لاحق وذلك لعدم وجود المخالف.

стр. 4408

[٣٧/ ٢]: لا تجوز الشفاعة في الحدود بعد بلوغها للحاكم • المراد بالمسألة: أن الشفاعة في الحد بعد بلوغها الحاكم (الإمام، الخليفة، القاضي) لا تجوز شرعًا لوجوب حق اللَّه تعالى، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (وأجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام -أي الحد- لم تجز الشفاعة فيه، لأن ذلك إسقاط حق وجب للَّه تعالى) (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: (أجمع العلماء على تحريمها -أي الشفاعة- بعد بلوغ الإمام (٢) نقله عنه ابن حجر (٣)، والخطيب الشربيني (٤)، والبكري الدمياطي (٥) باللفظ والمعنى. القاري (١٠١٤ هـ) حيث قال: (وقد أجمعوا على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام) (٦). الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث قال: (وتحرم الشفاعة بعد البلوغ إلى الإمام وأنه يجب على الإمام إقامة الحد، وقد نقل الإجماع على ذلك) (٧). ابن عابدين (١٢٥٢ هـ) حيث قال: (لا خلاف بين الفقهاء في تحريم الشفاعة في حد من حدود اللَّه بعد بُلُوغِهِ إلى الحاكم) (٨). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ

стр. 4409

وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]. • وجه الاستدلال: أن الشفاعة في الحد رأفة في إقامة دين اللَّه، والرأفة هنا منهي عنها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] (١). ١ - ما روي عن عائشة ﵂: "أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخطَبَ، فَقَالَ: إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأيْمُ اللَّهِ: لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ رهب في الشفعة في الحد وقد بلغ الإمام لوجوب الحد بعد البلوغ باعتباره حق للَّه. وهذا ما بينه ابن عمر ﵄ في قوله من حلت شفاعته دون حد من حدود اللَّه فقد ضاد اللَّه في حكمه (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والشوكاني (٨).

стр. 4410

النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على عدم مشروعية الشفاعة في الحدود بعد بلوغها للإمام وذلك لعدم وجود المخالف. [٣٨/ ٢]: انعقاد اليمين على نية (١) المستحلف ولا تنفع التورية • المراد بالمسألة: إذا ادعى رجل حقًا على رجل فحلفه القاضي، فحلف متوريًا، فنوى غير ما نواه القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه المستحلف، ولا تنفعه التورية، وقد نقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو بكر بن العربي المالكي (٥٤٣ هـ) حيث قال: (ولم ينفعه ما نوى إذا أضمر من معنى اليمين خلاف الظاهر منها، لقول النبي ﷺ : "يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك" (٢). وهو حديث صحيح ومعنى قويم متفق عليه) (٣). النووي (٦٧٦ هـ) حيث قال: (إذا ادعى رجل حقًا على رجل فحلفه القاضي، فحلف وورى، فنوى غير ما نواه القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي، ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه، ودليل على هذا الحديث والإجماع) (٤). . وقال في موضع آخر: (واعلم أن التورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق، وهذا مجمع عليه) (٥).

стр. 4411

ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث قال: (ولا ينفع الحالف تأويله، وبهذا قال الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا) (١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث قال: (ونظير هذا أن يتأول الحالف من يمينه إذا استحلفه الحاكم لفصل الخصومة، فإن يمينك على ما يصدقك به صاحبك، والنية للمستحلف في مثل هذا باتفاق المسلمين ولا ينفعه التأويل وفاقًا) (٢). • مستند الإجماع: ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ" (٣) وما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اليمين على نية المستحلف" (٤) • وجه الدلالة: أن الأحاديث صريحة في أن العبرة في اليمين بنية المستحلف. - أن اليمين مقصودها تخويف الحالف ليرتاع عن الجحود، خوفا من عاقبة اليمين الكاذبة، فمتى ساغ (٥) التأويل له، انتفى ذلك، وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق (٦).

стр. 4412

• الموافقون على الإجماع: وافق على الحكم الأحناف (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم (٤)، والشوكاني (٥). النتيجة: صحة ما نقل من الإجماع على انعقاد اليمين على نية المستحلف وذلك لعدم وجود المخالف. [٣٩/ ٢]: جواز القضاء على الخصم (٦) الغائب (٧) في حقوق العباد • المراد بالمسألة: يصح القضاء على الخصم الغائب عن مجلس الحكم إذا صح الحق قِبلَه، وذلك في حقوق العباد دون حقوق اللَّه تعالى، فلو قامت البينة على الغائب بسرقة مثلًا يحكم بالمال دون القطع، وقد نقل نفي الخلاف على ذلك.

стр. 4413

• من نقل نفى الخلاف: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث قال: (ويصح القضاء على الغائب إذا صح الحق قِبلَه، وهو قول عمر وعثمان ولا أعلم في ذلك خلافًا) (١). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث قال: والقضاء على الغائب في حقوق الآدميين دون حق اللَّه تعالى جائز بالاتفاق (٢). بدر الدين العيني (٨٥٥ هـ) حيث قال: (يصح الحكم على الغائب أي في حقوق الآدميين دون حق اللَّه تعالى بالاتفاق، فلو قامت البينة على الغائب بسرقة مثلًا حكم بالمال دون القطع) (٣). شهاب الدين الرملي (١٠٦٩ هـ) حيث قال: (والدليل الواضح أنه صح عن عمر وعثمان ﵄ الْقَضَاءُ على الغائب ولا مخالف لهما من الصحابة وَاتِّفَاقُهُمْ على سماع البينة عليه فَالْحُكْمُ مثلها، وَالْقِيَاسُ على سماعها على مَيِّتٍ وَصَغِيرٍ مع أنهما أعجز عن الدفع من الغائب) (٤). • مستند نفي الخلاف: قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، • وجه الدلالة: أن الذي شهدت به بينة المدعي على الغائب حق، فوجب الحكم به (٥). ٢ - قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه" (٦).

стр. 4414

• وجه الدلالة: أن الحديث دل على سماع بينة المدعي، ولم يذكر حضور الخصم المدعى عليه، فاشتراط حضوره مجلس الحكم زيادة على ما في هذا الحديث (١). ٣ - ما روي عن عائشة ﵄ قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال النبي ﷺ : "خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك بالمعروف" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قضى على أبي سفيان وهو غائب عن مجلس الحكم، فدل على جواز الحكم على الغائب (٣). ٤ - أن الغيبة لا تصلح مانعًا من الحكم على الغائب، لأنه لو حضر لكان بين إقرار وإنكار، فإن أقر فالبينة موافقة، وإن أنكر فالبينة حجة عليه (٤). ٥ - اتِّفَاقُهُمْ -أي الفقهاء- على سماع البينة عليه فَالْحُكْمُ مثلها (٥). ٦ - الْقِيَاسُ على سماعها على مَيِّتٍ وَصَغِيرٍ مع أنهما أعجز عن الدفع

стр. 4415

عن الغائب (١). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على الحكم المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية (٥)، والشافعية في قول (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧)، إلى أنه لا يصح الحكم على الخصم الغائب مطلقًا سواء كان داخل البلد أم خارجه وسواء كان مستترًا أم لا. • أدلة هذا القول: قوله ﷺ : "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع. . . الحديث" (٨). • وجه الدلالة: أن القضاء مبنى على سماع كلام الخصوم، وهذا مقتضٍ حضورهما، أما الغائب فلم يسمع منه، فلا يجوز القضاء عليه (٩). ٢ - ما جاء عن علي ﵁ قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت يا رسول اللَّه: ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء، فقال "إن اللَّه سيهدي قلبك وبثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين لأحد حتى تسمع من الآخر فإنه أحرى أن يثبت لك
следующие страницы →