← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

[٤٢ - ٣٢٩] جواز تيمم الجماعة من موضع واحد: إذا تيمم جماعة من المسلمين من موضع واحد، فيجوز لهم ذلك، وتيممهم صحيح. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "ويجوز أن يتيمم جماعة من موضع واحد بغير خلاف" (١). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند نفي الخلاف: ١ - أنه يجوز أن يتوضأ جماعة من حوض واحد، فكذا التيمم من موضع واحد بجامع الطهارة في كلٍّ (٥). ٢ - أن التراب المتيمَّم به لم يصر مستعملًا بهذا؛ إذ التيمم إنما يتأدى بما التزق بيده، لا بما فضل؛ كالماء الفاضل في الإناء بعد وضوء الأول (٦). النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٣ - ٣٣٠] وجود الماء النجس لا يمنع التيمم: إذا وجد المسلم ماءً نجسًا، ولم يجد غيره، فإنه لا يتوضأ به، ولا يمنعه من أن يتيمم. • من نقل الإجماع: ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "فإن وجود الماء النجس لا يمنعه من التيمم إجماعًا" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٨)، والشافعية (٩)،

стр. 527

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - أن الطهارة من التطهير والتنظيف، والوضوء بالماء النجس يخالف المقصود من الطهارة، فليس أمامه إلا التيمم لمن لا يجد غير الماء النجس. ٢ - أن واجد الماء النجس كالعادم للماء في الحكم؛ إذ لا فائدة منه في الطهارة ولا الشرب، فوجب التيمم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٤ - ٣٣١] لا يصح التيمم إلا بنية: إذا أراد المسلم التيمم، فإنه يجب عليه أن ينوي التيمم. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن النية شرط في صحة التيمم" (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "لا نعلم خلافًا في أن التيمم لا يصح إلا بنية، غير ما حكي عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، أنه يصح بغير نية، وسائر أهل العلم على إيجاب النية فيه" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على نفي الخلاف ربيعة، والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر (٤)، والحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، وابن حزم (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٩). • وجه الدلالة: أن الأعمال إنما تكون بالنيات، فما لم يكن بنية ليس بعمل، فوجب تعيين النية في التيمم. ٢ - أن التيمم ليس بطهارة حقيقية، وإنما جُعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية، بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية، فلا تشترط له الحاجة ليصير

стр. 528

طهارة، فلا تشترط له النية (١). • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة الأوزاعي، والحسن بن صالح (٢)، وزفر (٣)؛ فقالوا: لا تشترط النية في التيمم. ووجهه: أن التيمم خلفٌ (٤)، والخلف لا يخالف الأصل في الشروط، ثم الوضوء يصح بدون النية، كذا التيمم (٥). النتيجة: أن نفي الخلاف غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٥ - ٣٣٢] المسافر إذا ظن عدم الماء في رحله وتيمم وصلى ثم وجده يعيد الصلاة ؟ إذا ظن المسافر عدم الماء في رحله، ثم تيمم وصلى، ثم وجده في رحله، فهل يجب عليه إعادة الصلاة، أو لا؟ هذه مسألتنا. • من نقل الإجماع: السغناقي (٧١١ هـ) حيث يقول بعد عبارة الماتن: "والمسافر إذا نسي الماء في رحله، فتيمم وصلى، ثم ذكر الماء، لم يعدها" (٦)، قال: "قيَّد بالنسيان؛ لأن في الظن لا يجوز بالإجماع يعيد الصلاة". نقله عنه العيني (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في قول (٨)، والشافعية على القول الأصح (٩)، والحنابلة على الصحيح (١٠). • مستند الإجماع: ١ - أن من تيمم بعد ظنه عدم الماء في رحله، ثم وجده بعد الصلاة مفرطٌ، فهو تيمم والماء موجود عنده، فوجب عليه إعادة الصلاة (١١). ٢ - أن الطهارة بالماء واجبة، ولا تسقط بالظن مع التمكن من العلم، فوجب على من عمل بالظن، ثم تبين خلافه الإعادة، فيعيد الصلاة إذا وجد الماء في رحله (١٢).

стр. 529

• الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قولٍ (١)، والشافعية على قول (٢)، والحنابلة في رواية (٣)، فقالوا: يجزئه تيممه ذلك، ولا يعيد. واحتجوا بعدم تقصيره، وأنه مع النسيان غير قادر على الاستعمال (٤). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٦ - ٣٣٣] إجزاء التيمم للمسافر إذا وضع غيرُه الماءَ في رحله ولم يعلم: إذا أراد المسافر أن يصلي، وبحث عن الماء فلم يجده، ثم تيمم وصلى، وبعد ذلك وجد الماء في رحله، بعد أن وضعه غيره فيه دون علمه؛ فإنه يجزئه تيممه هذا. • من نقل الإجماع: المراغي (٨١٦ هـ) حيث يقول معددًا لعدد من الصور: "أو وضعه خلافه أو جيرانه، وهو لا يعلم. . .، وفي الثاني - يعني: الصورة الماضية - يجوز بالإجماع". نقله عنه العيني (٥). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولو وضع غيره في رحله ماء، وهو لا يعلم به، فتيمم وصلى، ثم علم، لا رواية لهذا أيضًا، وقال بعض مشايخنا: إن لفظ الرواية في "الجامع الصغير" يدل على أنه يجوز بالإجماع" (٦). السغناقي (٧١٠ هـ) حيث يقول: "فإنه لو وضعه غيره، وهو لا يعلم به؛ يجزئه بالإجماع". نقله عنه العيني (٧). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "لو وضعه غيره، ولو عبده أو أجيره، بغير أمره لا يعيد اتفاقًا" (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٩)، والشافعية على الأصح (١٠)، والحنابلة في وجه (١١).

стр. 530

• مستند الإجماع: ١ - حديث ابن عباس ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قال بأن الخطأ مرفوع عن الأمة، ومن الخطأ أن يصلي الإنسان متيممًا وهو لا يدري أن في رحله ماء (٢). ٢ - أن المرء مخاطب بفعله، ولا يخاطب بفعل الغير، ومن وُضع في رحله ماء، فهو ليس من فعله (٣). • الخلاف في المسألة: نقد العيني دعوى الإجماع هذه، وقال: ليست بصحيحة (٤). خالف الشافعية على قولٍ من أحد الطريقين عندهم (٥)، والحنابلة على الصحيح (٦)، فقالوا بعدم الإجزاء، ووجوب الإعادة للصلاة. ويمكن أن يحتج له بأن الماء قريب منه، وتبين إمكان استعماله. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٧ - ٣٣٤] أقطع اليدين يتيمم إذا لم يجد من يوضئه ووجد من ييممه: إذا لم يجد أقطع اليدين من يوضئه، ووجد من ييممه، فإن التيمم يلزمه في هذه الحالة. • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وإن وجد من ييممه، ولم يجد من يوضئه، لزمه التيمم؛ كعادم الماء إذا وجد التراب، وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا" (٧).

стр. 531

• الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية على الصواب عندهم (٣). • مستند نفي الخلاف: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أسقط التكليف على ما ليس في وسع الإنسان، ومن لم يستطع الوضوء، ويستطيع التيمم، فإنه يقوم بما يستطيع من التيمم، فمن كان أقطع اليدين، ولم يجد من يوضئه، ووجد من ييممه، فإنه يتيمم؛ لأنه استطاعته، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف أبو الخير يحيى بن سالم صاحب "البيان" من الشافعية (٤)، فقال بأنه لا يتيمم، بل يصلي على حاله. وقال النووي عن هذا القول: "وهذا شاذ ومنكر" (٥). النتيجة: أن نفي الخلاف متحقق؛ لعدم وجود المخالف المعتبر في المسألة، أما ما ذكره النووي من معارضة صاحب "البيان"، فقد أجاب عنه النووي بأنه شاذ ومنكر، ولم يتابعه أحد عليه، فهو خطأ ولا يُنقض بمثله، واللَّه تعالى أعلم. [٤٨ - ٣٣٥] لا يجوز التيمم بالمعادن: إذا أراد المسلم أن يتيمم، فلا يجوز له أن يتيمم بالمعادن التي تنطبع (٦). • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "ومكان الإجماع على المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف، والفضة، والياقوت، والزمرد، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات" (٧). ونقله عنه العيني (٨). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن ما ينطبع، كالحديد والنحاس

стр. 532

والرصاص لا يسمى صعيدًا، ولا يجوز التيمم به" (١). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "فتلخص أن المتيمَّم به ثلاثة أقسام: . .، وغير جائز اتفاقًا، وهو المعادن والتراب النجس" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية في قول (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أمره تعالى بالمسح يقتضي أن يمسح بما له غبار يعلق بعضه بالعضو، والمعادن لا غبار لها؛ فلم يجز التيمم بها (٦). ٢ - حديث النبي ﷺ ، وفيه: "جعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعل تربتها لنا طهورًا" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علق الصلاة على الأرض، ثم نزل في التيمم إلى التراب، فلو جاز التيمم بجميع الأرض لما نزل عن الأرض إلى التراب (٨). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول (٩)، وابن حزم (١٠) في المسألة، فقالوا: يجوز التيمم بها إذا كانت ما زالت على الأرض، فالتيمم بها جائز. وأشار ابن حزم للخلاف في المسألة، باستثناء المعادن من الاتفاق بين العلماء (١١). ووجهه: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. إذ أن الصعيد ما صعد على وجه الأرض، وهو يشمل كل ذلك، فيجوز التيمم بها ما

стр. 533

دامت على الأرض (١). وخالف الأوزاعي، والثوري (٢)، والحنابلة في قول (٣)؛ فقالوا: يجوز التيمم بكل ما على وجه الأرض. واحتجوا بأن الصعيد كل ما صعد على وجه الأرض (٤). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٩ - ٣٣٦] التيمم على الأطعمة ممنوع: إذا أراد المسلم أن يتيمم على الأطعمة، فإنه لا يجوز، وقد حكى القرطبي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "ومكان الإجماع على المنع أن يتيمم الرجل على الذهب الصرف، والفضة، والياقوت، والزمرد، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، أو على النجاسات" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالتيمم بالصعيد، وليس الطعام منه، فلا يجوز التيمم به إلا بدليل يجوز ذلك، ولا يوجد، فدل على عدم جواز التيمم بالطعام، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - حديث النبي ﷺ ، وفيه: "جعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعل تربتها لنا طهورًا" (٩).

стр. 534

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ وصف التراب بأنه طهور، يُتطهر به بدلًا عن الماء، ولا دليل على أن الطعام يقوم مقامه كذلك، فدل على عدم جواز التيمم بالطعام، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٥٠ - ٣٣٧] التيمم على الرماد لا يجوز: إذا أراد المسلم أن يتيمم على الرماد، فإنه لا يجوز له ذلك بالإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "ولا يجوز التيمم بالرماد بالإجماع؛ لأنه من أجزاء الخشب" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. ٢ - حديث النبي ﷺ ، وفيه: "جعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعل تربتها لنا طهورًا" (٥). • وجه الدلالة: أن النصين الكريمين السابقين جعلا التيمم على الصعيد أو التراب، وأما الرماد ففيه تدخل البشر بالحرق، وليس ترابًا، فلم يجز التيمم به (٦)، واللَّه أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. * * *

стр. 535

الباب العاشر: مسائل الإجماع في باب إزالة النجاسة [١ - ٣٣٨] غسل النجاسة مأمور بها: إذا أراد المسلم أن يصلي فإنه يجب عليه أن يزيل النجاسة عنه، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "غسل النجاسة واجتناب المحرمات فرض بلا خلاف" (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها، من الثياب والبدن، وألا يصلي بشيء منها في الأرض، ولا في الثياب" (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وأما المحال التي تزال عنها النجاسات فثلاثة، ولا خلاف في ذلك: أحدها: الأبدان، ثم الثياب، ثم المساجد ومواضع الصلاة، وإنما اتفق العلماء على هذه الثلاثة؛ لأنها منطوق بها في الكتاب والسنة" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]. • وجه الدلالة: حيث أمر اللَّه تعالى النبي ﷺ بتطهير ثيابه، والثياب غير القلوب عند العرب، وهي لغة القرآن، فدل ذلك على أن غسل النجاسة مأمور بها (٧). ٢ - أحاديث أمر النبي ﷺ لغسل دم الحيض (٨)، إذ فيها الأمر بغسل النجاسة، مما يدل على أن غسل النجاسة مأمور به. ٣ - حديث أبي السمح ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يغسل من بول الجارية،

стр. 536

ويرش من بول الغلام" (١). • وجه الدلالة: حيث أمر بغسل النجاسة وتطهيرها. ٤ - فيما يخص المساجد فيستند لحديث أنس بن مالك ﵁، قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بغسل مكان النجاسة في المسجد، وهو موضع الصلاة. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢ - ٣٣٩] إزالة النجاسة من الثياب مأمور بها: إذا وقعت نجاسة في الثوب فإن المصلي مأمور بإزالتها، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وأجمع العلماء على غسل النجاسات كلها، من الثياب والبدن، وألا يصلي بشيء منها في الأرض، ولا في الثياب" (٣). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وأما المحال التي تزال عنها النجاسات فثلاثة، ولا خلاف في ذلك: أحدها: الأبدان، ثم الثياب، ثم المساجد ومواضع الصلاة، وإنما اتفق العلماء على هذه الثلاثة؛ لأنها منطوق بها في الكتاب والسنة" (٤).

стр. 537

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: حديث أبي السمح ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام" (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإزالة البول في الحديث، سواء بالرش أو الغسل، وهذا الأمر عام في البدن والثياب، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في المسألة المالكية على المشهور عندهم (٥) أن غسلها سنة مؤكدة. وقد رأى الحطاب أن الخلاف في مذهبهم هنا لفظي، حيث إنهم متفقون على أن من صلى عامدًا ذاكرًا للنجاسة أن صلاته باطلة في الوقت (٦). وقد استدلوا بأنه لا دليل على وجوب غسل الثياب (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، أما الخلاف المنسوب للمالكية، فقد سبق الجواب عنه، وأنه خلاف لفظي، ولذا من حكى الإجماع في مسألتنا هما اثنان من كبار علماء المالكية، وهم أعرف بمذهبهم، واللَّه تعالى أعلم. [٣ - ٣٤٠] النجاسة تزول بالماء: النجاسة إذا عوملت بالماء فإنها تزول، ويطهر المحل به إذا ذهب أثرها، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل موضع النجاسات متبعًا بالماء حتى لا يبقى لها أثر ولا ريح فقد أنقى وطهر" (٨). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات،

стр. 538

وأنه ليس في ذلك كسائر المائعات الطاهرات" (١). وقال أيضًا: "وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسات لا يضره، وأنه مطهر لها" (٢). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول عن أنواع ما يحصل به التطهير: "منها الماء المطلق، ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعًا" (٣). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وأما الشيء الذي يزال به، فإن المسلمين اتفقوا على أن الماء الطاهر المطهر يزيلها من هذه الثلاثة المحال -يقصد: البدن والثوب والمسجد" (٤). ويقول أيضًا: "واتفقوا على أن الغسل عام لجميع أنواع النجاسات، ولجميع محال النجاسات" (٥). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول في سياق نقاشٍ له: "أن للماء قوة في دفع النجس بالإجماع" (٦). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول في سياق كلام له: "لأن النجاسة تزول بالماء بالنص والإجماع" (٧). ابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: "إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس، فهذا القياس أصح من ذلك القياس؛ لأن النجاسة تزول بالماء حِسًّا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع" (٨). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "قوله: (يطهر البدن والثوب بالماء) وهذا بالإجماع" (٩). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول عن النجاسة: "فتزول بالماء حِسًّا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع" (١٠).

стр. 539

• مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. • وجه الدلالة: وَصَف اللَّه تعالى الماء بأنه طهور، وهو فعول متعدي، فهو طاهر في نفسه، ومتعدٍّ مطهرٍ لغيره (١). ٢ - حديث أنس ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة وعَنَزَة (٢)، فيستنجي بالماء" (٣). • وجه الدلالة: ذكر أنس من فعل النبي ﷺ أنه كان يستنجي من النجاسة بالماء، وهذا نوع من إزالة النجاسة، وهي سنة فعلية. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٤ - ٣٤١] الحدث لا يرفعه إلا الماء: إذا أحدث المتوضئ، وأراد رفع الحدث، فلا يرفعه إلا الماء، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فبالإجماع، . .، " (٤). نقله عنه النووي (٥). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الحدث لا يرفعه على الإطلاق إلا الماء" (٦). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدلَّ دليلٍ على أن الطهور هو المطهر" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الماء هو الأصل في الطهارة، ولم يبح الانتقال

стр. 540

لغيره إلا لعدمه، مما يدل على أن الحدث لا يرفعه إلا الماء. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى الماء طهورًا، ولم يسمِّ غيره بالطهور، إلا ما ورد في التراب، ولاستعماله شروط من أهمها: عدم الماء أو الضرورة، وهذا يدل على أن الحدث لا يرفعه إلا الماء (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٥ - ٣٤٢] إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية: • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "الإجماع على إزالة النجاسات من الأبدان والثياب بغير نية" (٢). البغوي (٥١٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية" (٣). ونقله عنه النووي (٤)، وابن قاسم (٥). الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: "فأما طهارة النجس فلا تفتقر إلى نية إجماعًا" (٦). نقله عنه النووي (٧). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية" (٨). وكان ذكر قبلها مباشرة أن غسل النجاسة من العبادات المعقولة المعنى. القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول مستدلًّا للحنفية في قولهم في نية الوضوء: "قياسًا على إزالة النجاسة بالإجماع من الأبدان والثياب بغير نية" (٩). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "ومن قال -من أصحاب الشافعي وأحمد- إنه

стр. 541

يعتبر فيها النية، فهو قول شاذ مخالف للإجماع السابق، مع مخالفته الأئمة الأربعة" (١). ونقله الحطَّاب عن أربعة من أهل العلم: عن ابنِ القصار (٣٩٧ هـ)، وابنِ الصلاح (٦٤٣ هـ) بلفظ الإجماع، وابنِ بشير (القرن السادس)، وابنِ عبد السلام (٧٤٩ هـ) بلفظ الاتفاق (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣). • مستند الإجماع: أن إزالة النجاسة من باب التروك، فهي كترك المحرمات؛ كالزنا واللواط والربا وسائر ما أمر باجتنابه، كذا في إزالة النجاسة؛ إذ أنها شيءٌ طارئٌ على الأصل (٤). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول عندهم نقله القرافي، بأنها شرط للإزالة (٥). وقال به بعض الشافعية في وجهٍ عندهم، فقالوا: إنها تفتقر إلى النية (٦). وحُكي عن ابن سريج -ونفاه البعض عنه- وعن أبي سهل الصعلوكي (٧). وهو قولٌ عند الحنابلة (٨). واستدلوا بالقياس على طهارة الحدث، فكما تشترط النية في طهارة الحدث، فكذا في طهارة النجس (٩). واستدل له القرافي بأنه مبني على أن الإزالة من باب المأمورات لا التروك (١٠). وخالف الحنابلة في قول ثالث أنه إن كانت النجاسة على البدن فالنية شرط، وإلا فلا (١١). وليس على هذا دليل.

стр. 542

النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، فمما سبق تبينت شهرةُ القول المخالف في المسألة، وأنه ليس مقتصرًا على أتباع مذهب واحد فقط، بل له قائلون متفرقون بين المذاهب، واللَّه تعالى أعلم. [٦ - ٣٤٣] النجاسة لا تعامل بالمائعات غير المزيلة لها: إذا وقعت نجاسة على المحل، وأُريد إزالتها، فإنها لا تعامل بالمائعات التي لا تزيلها، وقد نفي ابن قدامة الخلاف في أنها لا تزال لها (١). • من نقل نفي الخلاف: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "فأما ما لا يزيل كالمرق واللبن؛ فلا خلاف في أن النجاسة لا تزال به" (٢). ونقل ابن قاسم نحو عبارته دون إشارة (٣). • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفى الخلاف الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند نفي الخلاف: لم أجد نصًّا في ذلك، ولكن يمكن الاستدلال بالمعقول: فإزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة، فما دام أنه لا بد من إزالتها، فإنها تزال بما يمكنه إزالتها به من المياه أو غيرها من المائعات التي تزيل النجاسة -على قول الحنفية (٧). وأما محاولة إزالتها بما لا يمكنه إزالتها فهو نوع من العبث.

стр. 543

فوجب إذًا الالتزام في الإزالة بأحد أمرين: إما بالماء، أو بالمائعات المزيلة للنجاسة - على قول الحنفية. • الخلاف في المسألة: لم أجد خلافًا على أصل المسألة، وهي أن ما لا يزيل النجاسة لا يزال به، ولكن وجدت خلافًا في أحد مثالي ابن قدامة، وهو اللبن؛ إذ فيه قول مخالف عند الحنفية، ذكره أبو بكر العبادي بأنه يزال به (١). ويمكن أن يستدل له بأنه يمكن الإزالة به. النتيجة: أن نفي الخلاف في المسألة متحقق -سوى ما ذكرت من الخلاف عند الحنفية في أحد أفراد المسألة وهو اللبن- وذلك لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٧ - ٣٤٤] نجاسة رجيع الآدمي: ما يخرج من الآدمي من غائط فإنه نجس، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن بول ابن آدم إذا كان كثيرًا ولم يكن كرؤوس الإبر، وغائطه نجس" (٢). ويقول أيضًا -في معرض حديث له: "إننا إن لم نجد نصًّا على تحريم الأبوال جملة، والأنجاء جملة، وإلا فلا يحرم من ذلك شيء، إلا ما أُجمع عليه من بول ابن آدم ونجوه" (٣). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم، ورجيعِه، إلا بول الصبي الرضيع" (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول شارحًا للمتن: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره، فهو نجس، يعني: ما خرج من السبيلين، كالبول، والغائط، والمذي، والودي، والدم، وغيره، فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا" (٥).

стр. 544

النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "ويغني عنه (١) الإجماع على نجاسة الغائط" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣). • مستند الإجماع: أن الشرع المطهر قد أمر بأن يُتطهر بالماء من الغائط، أو أن يُمسح بالحجر، وأن لا يكون أقل من ثلاثة أحجار، وأن يُزال بالماء إذا وقع على البدن أو الثوب أو المصلى، وكل ما ورد من نصوص في باب الاستنجاء تدل على نجاسة الغائط، وإلا لما أمرنا بذلك، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٨ - ٣٤٥] نجاسة غائط الكبير والصغير لا فرق بينها: لا فرق بين غائط الآدمي الصغير والكبير في النجاسة، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "ولا فرق بين غائط الصغير والكبير بالإجماع" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: أن النصوص الواردة في الطهارة من الغائط، والدالة على نجاسته لم تفرق بين الكبير والصغير، مما يدل على شمولهما بالحكم دون فرق، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٩ - ٣٤٦] نجاسة بول الآدمي الكبير الذي يأكل الطعام: ما يخرج من الإنسان من البول نجس، وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء.

стр. 545

ويجب تحديد الإنسان هنا بمن يأكل الطعام، فالصغير والصغيرة اللذان لا يأكلان الطعام لا يدخلان في الحديث هنا، ففي نجاسة بولهما خلاف ليس هذا محله (١). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على نجاسة البول" (٢). ونقله عنه النووي (٣)، والعيني (٤). الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: "فنظرنا في ذلك، فإذا لحوم بني آدم كلٌ قد أجمع أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة، فكانت أبوالهم -باتفاقهم- محكومًا لها بحكم دمائهم، لا بحكم لحومهم" (٥). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن بول ابن آدم، إذا كان كثيرًا ولم يكن كرؤوس الإبر، وغائطه نجس" (٦). ويقول أيضًا - في معرض حديث له: "إننا إن لم نجد نصًّا على تحريم الأبوال جملة، والأنجاء جملة، وإلا فلا يحرم من ذلك شيء، إلا ما أُجمع عليه من بول ابن آدم ونجوه" (٧). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس" (٨). السرخسي (٤٨٣ هـ) حيث يقول: "والتقدير بالدرهم فيما اتفقوا على نجاسته، كالخمر، والبول، وخرء الدجاج" (٩). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "اتفقت الأمة على نجاسة البول في الجملة" (١٠). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم ورجيعِه، إلا بول الصبي الرضيع" (١١). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول شارحًا للمتن: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره، فهو نجس، يعني: ما خرج من السبيلين،

стр. 546

كالبول، والغائط، والمذي، والودي، والدم، وغيره، فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا" (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين" (٢). الحافظ العراقي (٨٠٦ هـ) حيث يقول: "فيه (٣) نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع من العلماء، إلا ما حكي عن داود في بول الصبي الذي لم يطعم أنه ليس بنجس" (٤). وهذا الاستثناء منه لا يخرم الإجماع؛ لأننا سبق وأن أخرجنا هذه الصورة من مسألتنا. العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد" (٥). الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "والحديث فيه (٦) دلالة على نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع" (٧). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "والحديث (٨) يدل على نجاسة البول من الإنسان، ووجوب اجتنابه، وهو إجماع" (٩). وقال أيضًا: "واستدل بحديث الباب (١٠) أيضًا على نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه" (١١). • مستند الإجماع: حديث أنس بن مالك ﵁، قال: "جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه" (١٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإهراق الماء عليه فدل على نجاسته، ولو لم يكن

стр. 547

كذلك لما أمر بصب الماء عليه (١). • الخلاف في المسألة: يقول الخرشي في "شرحه على خليل": "فأما بول الآدمي غير الأنبياء فقد اختلف المذهب فيه، والمشهور نجاسته" (٢)، قال ذلك بعد أن ذكر خليل نجاسة بول وعذرة الآدمي (٣). وهذا في البول، أما الغائط فنقل العدوي في "حاشيته على الخرشي" عدم الخلاف فيه (٤). ثم استبعد العدوي وجود الخلاف في الكبير، ونقل وجوده في البول الذي زالت رائحته، والمريض الذي لا يستقر الماء في بطنه، وينزل بصفته (٥). ولم يحك المِوَّاق خلافًا عن مالك في ذلك، أثناء شرحه لنفس الموضع من كلام خليل في أن البول نجس (٦)، وكذا الحطاب في "شرحه" (٧)، وعليش في "شرحه" (٨). ويقول الباجي -بعد أن قرر نجاسة بول الصبي: "هذا مذهب مالك في بول الصبي والجارية، سواء أكلا الطعام أو لم يأكلاه" (٩). ولذا يظهر -واللَّه تعالى أعلم- أن الخلاف متحقق فعلًا، ولكن في الصغير والصغيرة اللذان لم يأكلا الطعام. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١٠ - ٣٤٧] نجاسة بول الصغير الذي يأكل الطعام كالكبير: بول الطفل الصغير الذي فطم عن ثدي أمه وأصبح يأكل الطعام، فإن بوله نجس بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون على أن كل صبي يأكل الطعام، ولا يرضع نجس، كبول أبيه" (١٠). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم ورجيعِه، إلا

стр. 548

بول الصبي الرضيع" (١)، فقد استثنى الرضيع فقط. العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "وبول الكبير والصغير سواء عند سائر العلماء، إلا ما يروى عن داود أن بول الصغير طاهر" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: أن الصبي الذي يأكل الطعام كالكبير لا فرق بينهما إلا في الحجم، وإذا قيل بطهارة بول الصغير الذي لا يأكل، فإن ذلك عائد إلى أنه يشرب الحليب فقط، وأما من يأكل الطعام فهو كالكبير في هذا، فوجب أن يكون حكمهما واحد، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١١ - ٣٤٨] نجاسة بول الرجل والمرأة بلا فرق: المسألة الماضية كانت تتحدث عن حكم بول الآدمي في ذاته، وهنا النص على أنه لا فرق في نجاسة البول بين الرجل والمرأة، وقد أجمع العلماء على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع المسلمون أنه لا فرق بين بول الرجل والمرأة" (٥). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأيضًا فقد جاء القرآن والسنة والإجماع المتيقن بإفساد علتكم هذه، وإبطال قياسكم هذا؛ لصحة كل ذلك بأن لا تقاس أبوال النساء ونجوهن على ألبانهن في الطهارة والاستحلال" (٦). أي أن أبوالهن عكس ألبانهن في الطهارة، وهذا في بول النساء ونجوهن خاصة. • مستند الإجماع: أن كل النصوص الدالة على نجاسة البول ليس فيها ما يدل على التفريق بين الرجل والمرأة، وهما مقصودان في التشريع معًا، إلا أن يأتي استثناء، ولا استثناء في ذلك، فدل على أنه لا فرق بينهما في مسألتنا. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 549

[١٢ - ٣٤٩] نجاسة المذي: المذي: هو ماء لزج رقيق، يخرج عقيب الشهوة، على طرف الذكر (١)، وقد نقل عدد من العلماء الإجماع على نجاسته. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر أنه نجس، وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه" (٢). ويقول أيضًا: "وإنما النجاسة في الميتة، وفيما ثبتت معرفته عند الناس من النجاسات المجتمع عليها، والتي قامت الدلائل على نجاستها، كالبول، والغائط، والمذي، والخمر" (٣). البغوي (٥١٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على نجاسة المذي والودي كالدم" (٤). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي" (٥). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "أجمع العلماء على أن المذي نجس" (٦). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "واتفق العلماء على أن المذي نجس" (٧). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "والمذي نجس إجماعًا" (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٩)، والحنابلة على المشهور (١٠). • مستند الإجماع: ١ - حديث علي ﵁، قال: "كنت رجلًا مذاء، فأمرت المقداد

стр. 550

أن يسأل النبي ﷺ عن ذلك، فسأله فقال: "توضأ، واغسل ذكرك" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر عليًّا بالوضوء وغسل الفرج من خروج المذي، مما يعني نجاسته ووجوب تطهير موضعه. ٢ - أن المذي خارج من سبيل الحدث كالبول، ولا يُخلق منه طاهر كالمني، فهو كالبول فيأخذ حكمه (٢). • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية عندهم، فقالوا بطهارة المذي (٣). ونسب ابن قدامة هذا القول -طهارة المذي- لابن عباس (٤). وعللوا لهذا القول بأنه ليس من مخرج البول، إنما هو من الصلب والترائب، وأن المذي جزء من المني؛ لأن سببهما جميعًا الشهوة، ولأنه خارج تخلله الشهوة، أشبه المني (٥). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٣ - ٣٥٠] نجاسة الودي: الودي هو: ماء أبيض، يخرج عقيب البول خاثر (٦)، وقد حُكي الإجماع على نجاسته. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر أنه نجس، وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه" (٧). البغوي (٥١٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على نجاسة المذي والودي كالدم" (٨). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "يعني ما خرج من السبيلين، كالبول، والغائط، والمذي، والودي، والدم، وغيره، فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا، إلا أشياء يسيرة، نذكرها إن شاء اللَّه تعالى" (٩)، ثم ذكر خلافًا في المذي، مما يعني عدم حكايته لنفي

стр. 551

الخلاف فيه، وذكر الودي، ولم يذكر خلافًا فيه (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي" (٢). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول في سياق ذكره لأنواع الأنجاس: " (وودي). . قياسًا على ما قبله، وإجماعًا" (٣). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وأما الودي فنجس إجماعًا" (٤). • مستند الإجماع: ١ - أن الودي يقاس على البول، فحكمه وحكم البول سواء؛ لأنه خارج من مخرج البول، وجارٍ مجراه دون شهوة (٥). ٢ - أن الودي يخرج عقب البول، لا عقب الشهوة، مما يدل على أنه تبع له، فيأخذ حكمه. • الخلاف في المسألة: خالف الحنابلة في رواية عندهم، فقالوا بأنه طاهر (٦). وعللوا ذلك بالقياس على المني (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٤ - ٣٥١] طهارة ما يرشح من الحيوان المأكول: ما يرشح من الحيوان مأكول اللحم، من ريق ودمع وعرق ولبن طاهر، وقد حُكي الاتفاق في المسألة. • من نقل الاتفاق: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "القسم الثاني: ما أكل لحمه، فالخارج منه ثلاثة أنواع: . . . الثاني: طاهر، وهو الريق، والدمع، والعرق، واللبن، فهذا لا نعلم فيه خلافًا" (٨). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأما قوله -الماتن-: (كرطوبات البدن)، فمعناه:

стр. 552

أنها طاهرة بالاتفاق، وهو كما قال" (١)، ثم نفى الخلاف بعدها أيضًا، ونص على الدمع اللعاب والعرق والمخاط (٢). وعبارته تدل على المذهب، وذكرتها للاعتضاد. • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤). • مستند الاتفاق: أن ما يرشح من الحيوان المأكول ليس له اجتماع واستحالة في باطن الجسد، وإنما يرشح رشحًا، فيكون حكمه حكم الحيوان المنفصل عنه، فما دام أنه مأكولًا فما رشح عنه فهو طاهر (٥). النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٥ - ٣٥٢] طهارة بول مأكول اللحم: بول مأكول اللحم ليس كبقية الأبوال، فهو طاهر، وقد حكى ابن تيمية الإجماع على طهارته. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث نقل عنه ابن تيمية، أنه نقل القول بطهارة أبوال ما يؤكل لحمه عن عامة السلف (٦). والذي وجدته من كلامه: "وأجمعوا أن الصلاة في مرابض الغنم جائزة، وانفرد الشافعي، فقال: إذا كان سليمًا من أبوالها" (٧). ونقله ابن قدامة عنه هكذا (٨)، وقال أيضًا: "وهو إجماع، كما ذكر ابن المنذر" (٩)، أي: في الصلاة في مرابض الغنم.

стр. 553

ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وقد ذكرنا عن ابن المنذر وغيره، أنه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها -أبوال مأكول اللحم- ومن المعلوم الذي لا شك فيه أن هذا إجماع على عدم النجاسة" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع عطاء، والثوري، والنخعي (٢)، وداود، والظاهرية بإطلاق سوى الآدمي (٣)، وقد نسبه الترمذي إلى أكثر أهل العلم (٤)، وهو وجه للشافعية (٥)، والمالكية (٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁ (حديث العرنيين) الذي فيه: "أمر لهم رسول اللَّه ﷺ بذَوْدٍ (٨) وراعٍ، ورخص لهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها" (٩). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمرهم بأن يشربوا من أبوال الابل، مما يدل على طهارتها. ٢ - حديث أنسٍ أيضًا: "أن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي في المدينة حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم" (١٠). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم، وهي الأماكن التي تربض فيها وتستريح، وينتج غالبا عن ذلك أنها تبول وتتبرز فيها، ومع ذلك كان ﵊ يصلي فيها، مما يدل على أنها طاهرة (١١).

стр. 554

• الخلاف في المسألة: حكى ابن تيمية نفسه عن الشافعي، أنه قال بأن أبوال الأنعام وأبعارها نجسة (١). ولكنه أجاب عنه بأنه لم يعرف هذا القول عن أحد قبله، مما يجعله مخالفًا للإجماع (٢). وهذا القول -أي: بالنجاسة- هو مذهب أبي حنيفة (٣)، والشافعي (٤)، وهو رواية عن أحمد (٥)، وقول الحسن البصري (٦)، وابن حزم (٧). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والعرب تستخبث هذا (٨). وبأنه داخل في عموم قوله ﷺ كما في حديث ابن عباس: "تنزهوا من البول" (٩). ولأنه رجيع، فكان نجسًا كرجيع الآدمي (١٠). وهناك قول ثالث بطهارة البول دون الروث، وهو قول الليث، ومحمد بن الحسن (١١). واحتجوا بحديث العرنيين، وأخذوا به فيما ورد به وهو البول، دون الروث (١٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، وعدد منهم من المتقدمين، ونسبه الترمذي للجمهور، وهذا يدل على وجود الخلاف، مما يبطل

стр. 555

دعوى الإمام ابن تيمية، وقد يكون لا يقصد الإجماع الاصطلاحي كما سبق، واللَّه تعالى أعلم. [١٦ - ٣٥٣] نجاسة روث ما لا يؤكل لحمه: روث ما لا يؤكل لحمه أنواع؛ فالكلب والخنزير ناقشتهما في مسألة مستقلة، والهرة وما دونها في الخلقة كذلك، وما لا نفس له سائلة فلا يدخل أيضًا؛ لوجود الخلاف فيه، أما ما عداهما من سباع البهائم وجوارح الطير والبغل والحمار ونحوها؛ فهذه كلها تدخل في مسألتنا، وحكى عدد من العلماء الإجماع على نجاسة روثها. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وأما العذرات وخرء الدجاج والبط، فنجاستها غليظة بالإجماع" (١). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن روث ما لا يؤكل لحمه نجس إلا أبا حنيفة، فإنه يرى أن ذرق سباع الطير، كالباز والصقر والباشق ونحوه طاهر" (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره فهو نجس. . . فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا، إلا أشياء يسيرة" (٣). الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "وأما بول محرم الأكل وروثة غير الآدمي؛ فإنه نجس اتفاقًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية، في غير خرء سباع الطير، ما لم يكن فاحشًا (٥)، والحنابلة على المذهب (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: ١ - حديث ابن مسعود ﵁، قال: "أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "هذا رِكْس" (٨). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علل نجاسة الروث بأنه ركس، ولم يستجمر به؛ فكان

стр. 556

نجسًا، مع أنه يمكن أن يكون روث حيوان مأكول، وحينئذ يحكم في مسألتنا من باب أولى (١). ٢ - القياس على نجاسة روث الإنسان، مع أن الإنسان أطهر منها، فهي نجسة من باب أولى. • الخلاف في المسألة: خالف أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية عنه، في خرء سباع الطير، فقالا بأنه لا يضر ما لم يكن كثيرًا فاحشًا (٢). وقال محمد بن الحسن وأبو يوسف في رواية بأن نجاسته مغلظة ما لم يكن قدر درهم (٣). قالوا: لما في التحرز منه من المشقة. وخالف النخعي، وداود (٤)، وأحمد في رواية مشهورة عنه في هذه المسألة أيضًا بأن أرواث ما لا يؤكل لحمه وأبوالها طاهرة (٥). وأشار ابن تيمية إلى الخلاف، وصحح القول بطهارتها (٦). واستدل بأن الأصل في الأعيان الطهارة، وأما دعوى أن الأصل في الأرواث النجاسة فلم يدل عليه نص ولا إجماع، كما قال (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [١٧ - ٣٥٤] نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه: بول ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات نجس، وحكى الإجماع على ذلك عدد من العلماء. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وبول ما لا يؤكل لحمه نجس نجاسة غليظة بالإجماع" (٨). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وما خرج من الإنسان، أو البهيمة التي لا يؤكل

стр. 557

لحمها، من بول أو غيره، فهو نجس. . . فهذا لا نعلم في نجاسته خلافًا، إلا أشياء يسيرة" (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وأما بول باقي الحيوانات، التي لا يؤكل لحمها، فنجس عندنا، وعند مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافة" (٢). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "وأما بول باقي الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فينجس عند العلماء قاطبة، كالأئمة الأربعة وغيرهم، إلا ما نقل عن النخعي أنه طاهر، وحكى ابن حزم عن داود أن الأبوال والأرواث طاهرة من كل حيوان، إلا الآدمي، وهذا في نهاية الفساد" (٣). الخرشي (١١٠١ هـ) حيث يقول: "وأما بول محرم الأكل وروثة غير الآدمي فإنه نجس اتفاقًا" (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم الخبائث، والأبوال من الخبائث، ومنها ما يخرج من الحيوانات التي لا تؤكل، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - أن الأصل في الأبوال النجاسة، ومنها أبوال ما لا يؤكل، ولا دليل على إخراجها من هذا الأصل. • الخلاف في المسألة: خالف النخعي، وداود (٥)، وأحمد في رواية مشهورة عنه بأن أبوال ما لا يؤكل لحمه طاهرة (٦). وأشار ابن تيمية إلى الخلاف، وصحح القول بطهارتها (٧). واستدل بأن الأصل في الأعيان الطهارة، وأما دعوى أن الأصل فيها النجاسة، فلم يدل عليه نص ولا إجماع، كما قال (٨). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم.

стр. 558

[١٨ - ٣٥٥] جواز التداوي بأبوال الإبل: سبقت مناقشة طهارة أبوال مأكول اللحم، ومنها الإبل، ونناقش الآن حكم التداوي ببول الإبل إذْ نُفي الخلاف في المسألة. وهنا قيد لا بد منه، وهو أن التداوي هنا للضرورة، وإلا أصبحت المسألة خلافية. • من نقل نفي الخلاف: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "ولست أعلم مخالفًا في جواز التداوي بأبوال الإبل" (١). الحطّاب (٩٥٤ هـ) حيث يقول: "يجور التداوي بشرب بول الأنعام بلا خلاف" (٢). وكلامه يشمل الإبل وغيره، وهو يقصد -واللَّه تعالى أعلم- الخلاف في المذهب عندهم. • الموافقون على نفي الخلاف: وافق على نفي الخلاف محمد بن الحسن للتداوي وغيره (٣)، وأبو يوسف للتداوي فقط (٤)، كما وافق المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، وابن حزم (٨). • مستند نفي الخلاف: حديث أنس بن مالك ﵁ (حديث العرنيين)، حيث "أمر لهم رسول اللَّه ﷺ بذَوْدٍ وراعٍ، ورخص لهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها" (٩). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمرهم بأن يتداووا من أبوالها، وقد كانوا مَرِضوا من جوِّ المدينة، فأوصاهم ﵊ بأن يتداووا بها، مما يدل على جواز التداوي بها. • الخلاف في المسألة: خالف أبو حنيفة، فقال بعدم جواز التداوي وغيره (١٠)،

стр. 559

الشافعية -في وجه عندهم- (١)، وقال عنه النووي بأنه شاذ (٢)، أنه لا يجوز التداوي بشيء من النجاسات مطلقًا، وقد علمنا أنهم يرون نجاسة أبوال مأكول اللحم (٣). وظاهر كلامٍ لأحمد أنه لا يجوز (٤). قالوا: لأنه نجس -عند الحنفية ووجه الشافعية-، أو مستخبث عند غيرهم، وقد سبق بحث حكم أبوال مأكولة اللحم، من حيث الطهارة وعدمها، وقولهم هنا مبني على رأيهم هناك فتراجع هناك. النتيجة: أن نفي الخلاف في المسألة غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٩ - ٣٥٦] نجاسة بول الكلب: بول الكلب نجس، حُكي الإجماع على ذلك، وسنناقش هذا في مسألتنا هذه. • من نقل الإجماع: البيهقي (٤٥٨ هـ) حيث يقول: "أجمع المسلمون على نجاسة بولها -الكلاب-" (٥). ونقله عنه النووي ﵀ (٦). ابن المنيِّر (٦٨٣ هـ) حيث نقل عنه ابن حجر أنه نقل الاتفاق على نجاسة بول الكلب" (٧). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "ورُدّ (٨) بأن البول مجمع على نجاسته، فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد (٩) حجة يعارض بها الإجماع" (١٠). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١١)، . . . . . . . .

стр. 560

والمالكية (١)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٢)، وابن حزم (٣). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات" (٤). • وجه الدلالة: أن الطهارة إنما تكون عن حدث، أو نجس، ولا حدث على الإناء، فتعين أن يكون ذلك لنجاسته (٥)، وإذا كان هو نجس العين فبوله من باب أولى. • الخلاف في المسألة: من قال بطهارة الكلب، ويقول بطهارة بول غير المأكول فلا بد أن يصرح برأيه في الكلب، وإلا فهو داخل في عموم قوله، ولم أجد منهم تصريحًا، وهو قول عند المالكية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧)، واللَّه تعالى أعلم. وقد يستدل لهذا القول بحديث ابن عمر ﵄: "كانت الكلاب تقبل وتدبر زمان رسول اللَّه ﷺ في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك" (٨). وتعقب ابن حجر قول ابن المنير السابق بأن من يقول: أن الكلب يؤكل، وأن بول ما يؤكل لحمه طاهر، يقدح في نقل الاتفاق، لا سيما وقد قال جمع بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة إلا الآدمي، ونقله عن ابن وهب (٩)، وقد سبق ذكر لهذا القول ومن قال به. أما أكل الكلب (١٠)، فالمشهور من المذهب عند المالكية أن الذكاة لا تعمل فيه

стр. 561

فيكون ميتة، وهو محرم الأكل (١). وهناك قول عندهم بكراهة أكله (٢)، وعليه فمن أكله فهو غير آثم، وهو ممن يؤكل لحمه، فيدخل في بول مأكول اللحم، الطاهر عند المالكية. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٠ - ٣٥٧] نجاسة الدم المسفوح: الدم المسفوح: هو الدم السائل (٣)، ويقال: سفح الماء إذا انصب فهو مسفوح (٤). فإذا كان الدم مسفوحًا، فإنه يكون نجسًا، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. وهناك مستثنيات في هذه المسألة، لا تدخل فيما نحن بصدده، وبما أنه قد يشتبه على القارئ دخولها؛ فسأذكرها وهي: ١ - الدم اليسير. ٢ - دم عروق المأكول. ٣ - دم السمك. ٤ - دم البق والذباب ونحوه، مما لا نفس له سائلة. ٥ - دم الشهيد. ٦ - الكبد والطحال. ٧ - المسك. ٨ - العلقة التي يخلق منها الإنسان، والحيوان الطاهر. فهذه الدماء المستثناة، منها ما هو متفق على طهارته، ومنها ما اشتهر الخلاف فيها، ولذا فهي خارجة عما نحن بصدده (٥). • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الكثير من الدم، أيَّ دم كان، حاشا دم السمك وما لا يسيل دمه نجس" (٦). ويقول أيضًا: "فإن الدم الذي في أعلى القدر، إن كان أحمر ظاهرًا فهو بلا شك مسفوح، ولا خلاف في تحريمه" (٧)، ونفيه للخلاف هنا منصب على الدم المسفوح،

стр. 562

وليس الكلام السابق. ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس" (١). ويقول أيضًا: "ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس" (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: . . . وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي، انفصل من الحي، أو الميت، إذا كان مسفوحًا، أعني كثيرًا" (٣). ويقول أيضًا: "اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس" (٤). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس" (٥). ويقول أيضًا: "ذكر اللَّه تعالى الدم ها هنا مطلقًا، وقيده في الأنعام بقوله: "مسفوحا" وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعًا" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين، إلا ما حكاه صاحب "الحاوي" عن بعض المتكلمين، أنه قال: هو طاهر" (٧). وحكى الشوكاني عنه الإجماع في دم الحيض (٨). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والدم المسفوح نجس إجماعًا" (٩). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "والدم نجس اتفاقًا" (١٠). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "ونجاسته مجمع عليها بلا خلاف، وهو حجة قطعية، والمراد من الدم الدم المسفوح" (١١). ويقول: "وفيه (١٢) دلالة على نجاسة الدم، وهو إجماع المسلمين" (١٣).

стр. 563

ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "إذا استاك للصلاة ربما يخرج منه دم، وهو نجس بالإجماع" (١). ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) في سياق ذكره للنجاسات: "ودم إجماعًا" (٢)، أي أن الدم نجس إجماعًا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم هذه الأشياء، ووصفها بأنها رجس، والرجس هو النجس (٤)، فدل على أن الدم المسفوح نجس. ٢ - حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال للمستحاضة: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٥). ٣ - حديث أسماء ﵂، قالت: "جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع به؟ قال: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالغسل في الحديث الأول، ولا يغسل إلا النجس، وفي الثاني أمر بالحت، ثم القرص، ثم النضح، مما يدل على نجاسة الدم (٧). • الخلاف في المسألة: سبقت الإشارة إلى نقل النووي لخلاف بعض المتكلمين، ثم علق هو بعد ذلك بقوله: "ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف، على المذهب الصحيح، الذي عليه جمهور أهل الأصول، من أصحابنا وغيرهم، لا سيما في المسائل الفقهيات" (٨).

стр. 564

ولكن خالف في هذه المسألة محمد صديق حسن خان، وقال بنجاسة دم الحيض فقط، وأما ما عدا ذلك فهو على البراءة الأصلية عنده (١). واستدل بأن الأدلة فيها مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة، حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة، أو المساوية (٢). وهو الأظهر من كلام الشوكاني، فلم يذكر في النجاسات سوى دم الحيض (٣)، ولكن لم أجد له نصًّا صريحًا بموافقته لهذا القول. وقد قوى هذا القول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، مقيدًا بألا يكون الدم خارجًا من أحد السبيلين (٤). النتيجة: الحقيقة أن المسألة مشكلة عندي (٥)، وذلك لأنني لم أجد مخالفًا من المتقدمين، إلا ما ذكره النووي من مخالفة بعض المتكلمين دون تسمية، وهو من أهل القرن السابع، ثم لما وجدت مخالفة من ذكرت قبلُ من المتأخرين، ولسمو منزلتهم العلمية لم أستطع أن أجزم بعدم اعتبار مخالفتهم، ولذا أقول بأن المسألة محل إشكال عندي، خاصة وأني لم أجد مخالفًا متقدمًا، واللَّه تعالى أعلم. [٢١ - ٣٥٨] دم الحيض نجس: دم الحيض الذي يخرج من المرأة نجس، وهو نوع خاص من الدماء، وحُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث نقل عنه الشوكاني حكايته الإجماع في دم الحيض (٦). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول عن دم الحيض: "وهو نجس إجماعًا" (٧).

стр. 565

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وابن حزم (٣). • مستند الإجماع: يستند هنا بما استند به في نجاسة الدم، وقد ذكرت هناك حديثين في دم الحيض، فهي دالة على مسألتنا من باب أولى. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والخلاف الذي سبق ذكره في الدم لا يظهر أنه جارٍ في مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢ - ٣٥٩] الدم القليلُ غيرُ المسفوحِ متجاوزٌ عنه: سبقت مناقشة نجاسة الدم، ولكن إذا كان الدم قليلًا غير مسفوح، فإنه متجاوز عنه. • من نقل الاتفاق: ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث يقول: "فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير منسفح، فإن ذلك غير حرام؛ لإجماع الجميع على ذلك" (٤). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس، وأن القليل من الدم الذي لا يكون جاريًا مسفوحًا متجاوز عنه" (٥). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "يسير الدم يعفى عنه اتفاقًا من علمائنا من غير تجديد" (٦)، أي: تجديد للوضوء، وعبارته هذه في الاتفاق في المذهبي، وأوردتها للاعتضاد. ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وقد ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم بالقدر، فيبقى الدم خطوطًا (٧)، وهذا لا أعلم بين العلماء خلافًا في العفو عنه، وأنه لا ينجس باتفاقهم" (٨). ونقله عنه ابن قاسم (٩).
следующие страницы →