← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فيكون ميتة، وهو محرم الأكل (١). وهناك قول عندهم بكراهة أكله (٢)، وعليه فمن أكله فهو غير آثم، وهو ممن يؤكل لحمه، فيدخل في بول مأكول اللحم، الطاهر عند المالكية. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٠ - ٣٥٧] نجاسة الدم المسفوح: الدم المسفوح: هو الدم السائل (٣)، ويقال: سفح الماء إذا انصب فهو مسفوح (٤). فإذا كان الدم مسفوحًا، فإنه يكون نجسًا، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على ذلك. وهناك مستثنيات في هذه المسألة، لا تدخل فيما نحن بصدده، وبما أنه قد يشتبه على القارئ دخولها؛ فسأذكرها وهي: ١ - الدم اليسير. ٢ - دم عروق المأكول. ٣ - دم السمك. ٤ - دم البق والذباب ونحوه، مما لا نفس له سائلة. ٥ - دم الشهيد. ٦ - الكبد والطحال. ٧ - المسك. ٨ - العلقة التي يخلق منها الإنسان، والحيوان الطاهر. فهذه الدماء المستثناة، منها ما هو متفق على طهارته، ومنها ما اشتهر الخلاف فيها، ولذا فهي خارجة عما نحن بصدده (٥). • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الكثير من الدم، أيَّ دم كان، حاشا دم السمك وما لا يسيل دمه نجس" (٦). ويقول أيضًا: "فإن الدم الذي في أعلى القدر، إن كان أحمر ظاهرًا فهو بلا شك مسفوح، ولا خلاف في تحريمه" (٧)، ونفيه للخلاف هنا منصب على الدم المسفوح،

стр. 562

وليس الكلام السابق. ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس" (١). ويقول أيضًا: "ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس" (٢). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: . . . وعلى الدم نفسه من الحيوان الذي ليس بمائي، انفصل من الحي، أو الميت، إذا كان مسفوحًا، أعني كثيرًا" (٣). ويقول أيضًا: "اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس" (٤). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس" (٥). ويقول أيضًا: "ذكر اللَّه تعالى الدم ها هنا مطلقًا، وقيده في الأنعام بقوله: "مسفوحا" وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعًا" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحد من المسلمين، إلا ما حكاه صاحب "الحاوي" عن بعض المتكلمين، أنه قال: هو طاهر" (٧). وحكى الشوكاني عنه الإجماع في دم الحيض (٨). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: "والدم المسفوح نجس إجماعًا" (٩). ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: "والدم نجس اتفاقًا" (١٠). العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "ونجاسته مجمع عليها بلا خلاف، وهو حجة قطعية، والمراد من الدم الدم المسفوح" (١١). ويقول: "وفيه (١٢) دلالة على نجاسة الدم، وهو إجماع المسلمين" (١٣).

стр. 563

ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "إذا استاك للصلاة ربما يخرج منه دم، وهو نجس بالإجماع" (١). ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) في سياق ذكره للنجاسات: "ودم إجماعًا" (٢)، أي أن الدم نجس إجماعًا. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم هذه الأشياء، ووصفها بأنها رجس، والرجس هو النجس (٤)، فدل على أن الدم المسفوح نجس. ٢ - حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال للمستحاضة: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٥). ٣ - حديث أسماء ﵂، قالت: "جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض، كيف تصنع به؟ قال: "تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالغسل في الحديث الأول، ولا يغسل إلا النجس، وفي الثاني أمر بالحت، ثم القرص، ثم النضح، مما يدل على نجاسة الدم (٧). • الخلاف في المسألة: سبقت الإشارة إلى نقل النووي لخلاف بعض المتكلمين، ثم علق هو بعد ذلك بقوله: "ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف، على المذهب الصحيح، الذي عليه جمهور أهل الأصول، من أصحابنا وغيرهم، لا سيما في المسائل الفقهيات" (٨).

стр. 564

ولكن خالف في هذه المسألة محمد صديق حسن خان، وقال بنجاسة دم الحيض فقط، وأما ما عدا ذلك فهو على البراءة الأصلية عنده (١). واستدل بأن الأدلة فيها مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة، حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة، أو المساوية (٢). وهو الأظهر من كلام الشوكاني، فلم يذكر في النجاسات سوى دم الحيض (٣)، ولكن لم أجد له نصًّا صريحًا بموافقته لهذا القول. وقد قوى هذا القول الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، مقيدًا بألا يكون الدم خارجًا من أحد السبيلين (٤). النتيجة: الحقيقة أن المسألة مشكلة عندي (٥)، وذلك لأنني لم أجد مخالفًا من المتقدمين، إلا ما ذكره النووي من مخالفة بعض المتكلمين دون تسمية، وهو من أهل القرن السابع، ثم لما وجدت مخالفة من ذكرت قبلُ من المتأخرين، ولسمو منزلتهم العلمية لم أستطع أن أجزم بعدم اعتبار مخالفتهم، ولذا أقول بأن المسألة محل إشكال عندي، خاصة وأني لم أجد مخالفًا متقدمًا، واللَّه تعالى أعلم. [٢١ - ٣٥٨] دم الحيض نجس: دم الحيض الذي يخرج من المرأة نجس، وهو نوع خاص من الدماء، وحُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث نقل عنه الشوكاني حكايته الإجماع في دم الحيض (٦). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول عن دم الحيض: "وهو نجس إجماعًا" (٧).

стр. 565

• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وابن حزم (٣). • مستند الإجماع: يستند هنا بما استند به في نجاسة الدم، وقد ذكرت هناك حديثين في دم الحيض، فهي دالة على مسألتنا من باب أولى. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، والخلاف الذي سبق ذكره في الدم لا يظهر أنه جارٍ في مسألتنا، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢ - ٣٥٩] الدم القليلُ غيرُ المسفوحِ متجاوزٌ عنه: سبقت مناقشة نجاسة الدم، ولكن إذا كان الدم قليلًا غير مسفوح، فإنه متجاوز عنه. • من نقل الاتفاق: ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث يقول: "فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير منسفح، فإن ذلك غير حرام؛ لإجماع الجميع على ذلك" (٤). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس، وأن القليل من الدم الذي لا يكون جاريًا مسفوحًا متجاوز عنه" (٥). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول: "يسير الدم يعفى عنه اتفاقًا من علمائنا من غير تجديد" (٦)، أي: تجديد للوضوء، وعبارته هذه في الاتفاق في المذهبي، وأوردتها للاعتضاد. ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وقد ثبت أنهم كانوا يضعون اللحم بالقدر، فيبقى الدم خطوطًا (٧)، وهذا لا أعلم بين العلماء خلافًا في العفو عنه، وأنه لا ينجس باتفاقهم" (٨). ونقله عنه ابن قاسم (٩).

стр. 566

• الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الإجماع ابن عباس، وأبو هريرة، وجابر ﵃، وابن المسيب، وابن جبير، وطاوس (١)، والحنفية (٢)، ورواية عند المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: ١ - أن أبا هريرة ﵁ لم يكن يرى بالقطرتين من الدم في الصلاة بأسًا (٦). ٢ - أن ابن عمر ﵄، عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء من دمٍ، فحكه بين إصبعيه، ثم صلى، ولم يتوضأ" (٧). • وجه الدلالة: حيث إنه فعل صحابي، وهو من الأدلة في قولٍ للعلماء، ولم يريا في اليسير شيئًا. ٣ - أن التحرز من يسير الدم فيه مشقة، والمشقة تجلب التيسير، كما هو معلوم من القواعد الكلية. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة زفر (٨)، ورواية عن مالك (٩)، وأحمد في رواية عنه (١٠)، أنه لا يعفى عن يسير شيءٍ من النجاسات. وهو ظاهر كلام ابن حزم، فهو لا يفرق بين المسفوح وغيره، ويرى تحريم حتى الدم الذي يظهر على اللحم من العروق، وهو قليل (١١). واستدلوا بعموم الأدلة الدالة على نجاسة الدم، حيث لم يفرق بين القليل

стр. 567

والكثير (١). النتيجة: أن الاتفاق في المسألة غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣ - ٣٦٠] العفو عن دم البراغيث في البدن والثياب: إذا وقع على بدن الإنسان أو ثوبه دم برغوث، فإنه يتجاوز عنه، وعلى ذلك حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: "وأما المعفو عن يسيره من النجاسات، فدم البراغيث للإجماع السلف عليه" (٢). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث، ما لم يتفاحش" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، ورواية عند المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: أن التحرز عن يسير النجاسات ومنها دم البراغيث أمر شاق، ويصعب التحرز منه، وربما أن الغالب في الإنسان أنه لا يدري عنه، والمشقة تجلب التيسير، فكان التجاوز عن دم البراغيث من التيسير الذي يأمر به الشرع، واللَّه أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة من قال بعدم العفو عن يسير شيءٍ من النجاسات، وهم زفر (٨)، ورواية عن مالك (٩)، وأحمد في رواية عنه (١٠)، وهو ظاهر

стр. 568

كلام ابن حزم (١)، كما سبق في مسألة التجاوز في قليل الدم. حيث إن دم البراغيث من يسير النجاسات. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤ - ٣٦١] جميع النجاسات بمثابة الدم: • من نقل الإجماع: الخطابي (٣٨٨ هـ) حيث يقول: "في هذا الحديث (٢) دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأن جميع النجاسات بمثابة الدم، لا فرق بينه وبينها إجماعًا" (٣). نقله عنه ابن حجر (٤)، والشوكاني (٥). كلام الإمام الخطابي غير دقيق، فالنجاسات أنواع، منها ما هو معفو عن يسيرها، كالدم ونحوه، ومنها ما لا يعفى عنه، كالعذرة على الثوب - مثلًا" (٦). ولذا يقول الخرقي: "ولا يعفى عن يسير من النجاسات، إلا الدم، وما تولد منه من القيح والصديد" (٧). وكذلك فمن المعلوم أن النجاسات أنواع، منها مغلظة ومخففة، ومنها عينية وحكمية، فالحكم العام كهذا غير دقيق. وحكاية الإجماع بالتعميم هكذا من دون تخصيص مسألة محددة قلّما يتحقق؛ إذ يدخل تحت هذا التعميم العديد من الصور والمسائل، فإذا كان الإجماع يصعب تحققه في مسألة بعينها، فكيف بعدة مسائل مشتركة. فكلامه يحتمل عدة مسائل لا ندري أيتها يريد، ولذا لا نستطيع بحث مسألة كهذه، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 569

[٢٥ - ٣٦٢] نجاسة الخنزير: لا شك في تحريم أكل الخنزير، فقد نص القرآن على تحريمه، ولكن هل هو طاهر أو نجس؟ حكى عدد من العلماء الإجماع على نجاسته، وهي مسألتنا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث نقل النووي (١)، والشربيني (٢) أنه حكى الإجماع على نجاسة الخنزير في كتاب "الإجماع"، إلا أنني لم أجده فيه. ووجدت في "الأوسط" (٣) ما نصه: "وأجمع أهل العلم على تحريم الخنزير، والخنزير محرم بالكتاب، والسنة، واتفاق الأمة"، وليس فيه تصريح بأنه على النجاسة. ونقله عنه ابن قاسم (٤). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "واتفقوا أن لحم الميتة. . . وأن لحم الخنزير، وشحمه، وودكه، وغضروفه، ومخه، وعصبه حرام كله، وكل ذلك نجس" (٥). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "وأما أنواع النجاسات: فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: . . . وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته. . . " (٦). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "وحكم الخنزير حكم الكلب -أي: في النجاسة- لأن النص وقع في الكلب، والخنزير شر منه وأغلظ؛ لأن اللَّه تعالى نص على تحريمه، وأجمع المسلمون على ذلك، وحرم اقتناؤه" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨)، والشافعية (٩). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية [المائدة: ٣]. ٢ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥].

стр. 570

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نص في أكثر من موضع في القرآن الكريم على تحريم الخنزير، بينما لم يحصل ذلك في الكلب، ومع ذلك كان نجسًا، فالخنزير من باب أولى. وفي الآية الثانية وصف اللَّه تعالى الميتة، والدم المسفوح، والخنزير بأنها رجس، والرجس هو النجس (١). ٣ - ومن المعقول: فإن الكلب قد يجوز اقتناؤه في بعض الحالات، بينما لا يجوز ذلك في الخنزير بحال، فدل على أنه أشد من الكلب في التحريم والنجاسة (٢). • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في نجاسة الخنزير، فهم يقولون بحرمة شرب لبنه (٣)، وأن لبنه نجس (٤)، وأن الذكاة لا تعمل فيه، ويحرم أكله إجماعًا (٥). إلا أن المذهب عندهم هو طهارة الخنزير في حالة الحياة (٦). ولم أجد لهم دليلًا غير أن لديهم قاعدة: أن كل حي طاهر، سواء كان بحريًّا، أو بريًّا، أو متولدًا من عذرة، أو كلبًا، أو خنزيرًا (٧). ويمكن أن يقال: أنهم تمسكوا بدليل أن الأصل في الحيوانات الطهارة، ولا ناقل عندهم عنها. ولذا يقول النووي: "وليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته" (٨)، مع أنه لم يقل بطهارته. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦ - ٣٦٣] نجاسة لبن الكلب وما تولد منه: لبن الكلب وما تولد منه نجس، حكى النووي الاتفاق على ذلك.

стр. 571

• من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول معددًا لأنواع الألبان: "والثاني: لبن الكلب، والخنزير، والمتولد من أحدهما، وهو نجس بالاتفاق" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنابلة (٣). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال ﵊: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (٤). • وجه الدلالة: أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات، وإذا كان هذا في ولوغه، فما يخرج منه أشد، وكل شيء نجس ما خرج منه من لبن أو غيره، فهو تبع لذاته. • الخلاف في المسألة: خالف الحنفية (٥)، والشافعية في قول (٦)، في الصغير من الغنم، إذا رُبيَ بلبن الكلبة، فقالوا بأنه لا يتأثر بذلك. وعللوا قولهم بأن لحمه لا يتغير بذلك (٧). وأما المالكية، فهم يخالفون في أصل المسألة، إذ أنهم يقولون: بطهارة الكلب (٨)، ولكن المشهور من المذهب عندهم؛ أن الذكاة لا تعمل فيه فيكون ميتة، وهو محرم الأكل (٩). وهناك قول عندهم بكراهة أكله فقط (١٠)، واللبن من باب أولى. وهذا مبني على طهارته، ولم أجد لهم استدلالًا على هذا القول، ولكن يستدل له بما يستدلون عليه في طهارة الكلب، وهو قول اللَّه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا

стр. 572

اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. ووجه ذلك حيث أجاز الأكل من صيد الكلب، مع أنه قد يكون أكل شيئًا من الصيد، وسال لعابه عليه، والقرآن مقدم على آحاد السنة (١). النتيجة: أن الاتفاق متحقق في لبن الكلب؛ لوجود المخالف في المسألة، وكذا في مسألة المتغذي من لبنه؛ لوجود المخالف فى المسألة أيضًا، واللَّه تعالى أعلم. [٢٧ - ٣٦٤] نجاسة لبن الخنزير وما تولد منه: لا شك في تحريم لبن الخنزير؛ إذ أنه جزء منه، وهو محرم بنص القرآن الكريم، وقد حكى النووي الاتفاق على نجاسة اللبن وما تولد منه. • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول معددًا لأنواع الألبان: "والثاني: لبن الكلب، والخنزير، والمتولد من أحدهما، وهو نجس بالاتفاق" (٢). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الاتفاق: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال ﵊: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بغسل ولوغ الكلب، مما يدل على نجاسته، وإذا كان ذلك في الكلب ففي الخنزير من باب أولى؛ إذ أن الخنزير لا يجوز اقتناؤه، وهو محرم بنص القرآن، فدل ذلك على نجاسته، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الاتفاق متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 573

[٢٨ - ٣٦٥] وجوب غسل الإناء بولوغ الكلب: إذا ولغ الكلب في الإناء، فإنه يجب غسله بعد ذلك، وقد حكى العيني الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: العيني (٨٥٥ هـ) حيث يقول: "وقد انعقد الإجماع على وجوب غسل الإناء بولوغه" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في قول (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر من ولغ الكلب في إنائه أن يغسله، والأمر المطلق يدل على الوجوب، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول بأن هذا الغسل مندوب (٦). قال الباجي: "ووجه الندب: أنه حيوان؛ فلم يجب غسل الإناء من ولوغه" (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٩ - ٣٦٦] إجزاء غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا والثامنة بالتراب: إذا ولغ الكلب في إناءٍ، ثم غسل أثره بالماء سبعًا، ثم بالتراب ثامنة، فقد طهر الإناء. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل أثر الكلب، والخنزير، والهر، سبع مرات بالماء، والثامنة بالتراب؛ فقد طهر" (٨). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "طهور

стр. 574

إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (١). ٢ - حديث عبد اللَّه بن مغفل المزني ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا ولغ الكلب في الإناء؛ فاغسلوه سبع مرار، وعفروه الثامنة في التراب" (٢). • وجه الدلالة: حيث فيهما الأمر بغسل ولوغ الكلب سبع مرات، وفي الثاني ذكر غسله بالتراب في الثامنة، وهو أقصى ما ورد في المسألة، فمن غسل سبع مرات والثامنة بالتراب فقد طهر الإناء، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف، وهو من باب الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٠ - ٣٦٧] وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا: إذا ولغ الكلب في الإناء، فإن الواجب أن يغسل الإناء سبعًا، كل واحدة منهن واجبة، وعلى ذلك حكى ابن عبد البر الإجماع. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "وقد أجمعوا أن جميع الغسلات واجب" (٣). ذكر ﵀ هذا الكلام في معرض استدلاله للشافعية بوجوب سبع غسلات. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات" (٦). • وجه الدلالة: الأمر بغسل الإناء، والأمر يدل على الوجوب، إلا بقرينة صارفة على الصحيح، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية في قول بأن هذا الغسل مندوب (٧).

стр. 575

قال الباجي: "ووجه الندب: أنه حيوان؛ فلم يجب غسل الإناء من ولوغه" (١). وخالف الحنفية (٢)، فقالوا: إن الواجب الغسل حتى يغلب على الظن طهارته، ولو بمرة واحدة. وهذا القول ينقض كلام ابن عبد البر السابق، والعجيب أنه ذكر قول أبي حنيفة بعده بقليل (٣). واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ في أحد ألفاظه- عن النبي ﷺ ، في الكلب يلغ في الإناء، قال: "يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا" (٤)، وبالقياس على سائر النجاسات (٥). وخالف الحنابلة في رواية (٦)، وداود (٧) أن الواجب الغسل ثمان مرات، إحداهن بالتراب. واستدلوا بلفظ: "وعفروه الثامنة بالتراب" (٨). وهذا القول لا ينقض في الحقيقة؛ لأنه يريد أن الغسلات كلها واجبة على القولين؛ من قال بوجوب الثمان والسبع، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٣١ - ٣٦٨] غسل الإناء من ولوغ الكلب لا يكون بنفس الماء: إذا ولغ الكلب في إناء فيه ماء، فإنه لا يغسل بنفس الماء المولوغ فيه. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول في سياق استدلاله للشافعية:

стр. 576

"واحتجوا بالإجماع على أنه لا يجوز أن يغسل الإناء بذلك الماء -أي: الماء الذي ولغ فيه الكلب-" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والشافعية إذا انفصلت متغيرة (٣)، والحنابلة على الصحيح (٤). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات" (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالاراقة، وذلك يدل على عدم جواز الانتفاع به، مع الحاجة لذلك، فدل على نجاسة هذا الماء، والماء النجس لا يغسل به الإناء؛ لأنه سينجسه، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف هنا مالك في رواية عنه، فقال بجواز غسل هذا الإناء بهذا الماء (٦). وقالوا بهذا القول، بناء على القول بأن الغسل للتعبد لا للنجاسة، وهو المشهور من مذهب المالكية (٧)، فالماء طاهر عندهم، والغسل للتعبد فقط. وقياس قول رواية عند الحنابلة هو هذا القول، فلديهم رواية بطهارة سؤر الكلب، إلا أنه يغسل تعبدًا (٨). وخالف الشافعية فيما إذا انفصلت الغسالة غير متغيرة، فلديهم قول بأنها طاهرة (٩). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٣٢ - ٣٦٩] غسل الإناء من ولوغ الكلب واجب عند الاستعمال: إذا ولغ الكلب في الإناء، فإنه يجب غسله عند الاستعمال، أما إذا لم يرد استعماله

стр. 577

فلا يجب. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) في سياق استدلاله للشافعية: "وقد أجمعوا أنه لا يلزم غسله، إلا عند الاستعمال" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة على الصحيح (٤). • مستند الإجماع: أن الغسل للإناء واجب لنجاسة سؤر الكلب، فلم يجب الغسل، إلا عند إرادة الاستعمال لذلك الإناء، وإلا لوجب قتل كل الكلاب؛ نظرًا لما تحمله من نجاسة، وهذا لا يقول به أحد، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف المالكية هنا أيضًا، في قولٍ لهم، فقالوا: بل يجب عند الولوغ (٥). واستدلوا: بأن الغسل تعبد، كما هو المشهور عندهم، وسبق ذكره، فيجب عند الولوغ؛ لأن العبادة لا تؤخر (٦). وهو قياس قول رواية عند الحنابلة أيضًا، فلديهم رواية بطهارة سؤر الكلب -سبقت الإشارة لها- إلا أنه يغسل تعبدًا (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٣٣ - ٣٧٠] طهارة أثر الكلب بالغسل سبعًا والثامنة بالتراب: إذا غُسل أثر الكلب بالماء سبعًا، وعُفر بالثامنة فإنه يطهر، وقد حكى ابن حزم الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل أثر

стр. 578

الكلب، والخنزير، والهر، سبع مرات بالماء، والثامنة بالتراب؛ فقد طهر" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)؛ الحنابلة (٥). • مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن مغفل، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء سبع مرات وتعفيره بالتراب، فمن فعل ذلك سبعًا، وعفر بالتراب ثامنة، فقد استكمل التطهير. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٣٤ - ٣٧١] غسل الإناء من أثر الكلب ثمانيًا غير واجب: إذا ولغ الكلب في الإناء، فإنه يجب غسله سبعًا، وأما الثامنة فغير واجبة بالإجماع. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وفي بعضها -الروايات-: "وعفروا الثامنة بالتراب" (٧)، وذلك غير واجب بالإجماع" (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو هريرة، وابن عباس، وعروة ابن الزبير، وطاوس، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (١٢)، وابن حزم (١٣). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال ﵊: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات، أولاهن بالتراب" (١٤).

стр. 579

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالغسل سبعًا، وأن تكون أولاهن بالتراب، فدل على وجوب السبع فقط (١)، وأما رواية التعفير بالثامنة؛ فمنسوخة عند الحنفية (٢)، أو أن المقصود: أن يكون التعفير مصاحبًا للسابعة (٣). • الخلاف في المسألة: خالف الحسن، والحنابلة في رواية (٤)، ورواية عن داود (٥)؛ فقالوا: يجب غسله ثمانيًا، إحداهن بالتراب. واستدلوا بحديث عبد اللَّه بن مغفل، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب" (٦). وأجاب عنه ابن قدامة، بأنه: "يحمل هذا الحديث على أنه عدَّ التراب ثامنة؛ لأنه وإن وجد مع إحدى الغسلات، فهو جنس آخر، فيجمع بين الخبرين" (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٣٥ - ٣٧٢] طهارة أثر الخنزير بالغسل سبعًا: إذا غُسل أثر الخنزير بالماء سبعًا، وعُفر بالثامنة بالتراب، فإنه يطهر، وقد حكى ابن حزم الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل أثر الكلب، والخنزير، والهر، سبع مرات بالماء، والثامنة بالتراب؛ فقد طهر" (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٩)، والمالكية (١٠)، والشافعية (١١)، والحنابلة (١٢).

стр. 580

• مستند الإجماع: حديث عبد اللَّه بن مغفل، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب" (١). • وجه الدلالة: هذا نص في ولوغ الكلب، وبما أن الخنزير أشد في النجاسة؛ فيقاس عليه. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٣٦ - ٣٧٣] عدم وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة: إذا ولغ الهر في الإناء، فإن غسله لا يجب. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "فإن ظاهره (٢) يقتضي وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة، ولا يجب ذلك بالإجماع" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع أبو يوسف (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: حديث أبي قتادة ﵁، أن النبي ﷺ قال في الهرة: "إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم" (٨). • وجه الدلالة: الحديث فيه التصريح بعدم نجاستها، ثم وصفها بأنها من الطوافين، ومن لوازم الطوافة وجود السؤر منها، فهذا يدل على عدم وجوب غسل ولوغها؛ لأنها طاهرة، ولأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك (٩).

стр. 581

• الخلاف في المسألة: رُوي الخلاف هنا عن أبي هريرة، وابن عمر ﵄ في إحدى الروايتين عنه، وسعيد بن المسيب، والحسن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن (١)، فقالوا بوجوب غسله. وكلام ابن حزم السابق، فيه إشارة إلى الخلاف في المسألة، ويدل على أن هناك من خالف في غسل أثر الهر أقل من ذلك، إلا أنه يعني أنه لم يقل أحد بأزيد من ذلك، فهو من باب الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، وهذان النقلان عن النووي وابن حزم فيهما شيء من التعارض، ولذا ذكرتهما سويًّا، وإن كانا على مسألتين. ولكن ما نقل عن أبي حنيفة ومحمد، فيه قولان؛ بين كراهة سؤر الهر وتحريمه، والأصح أنهما يقولان بالكراهة التنزيهية فقط، وإن كان هناك من قوى كون قولهما التحريمية، إلا أن الأقوى كونه للتنزيه (٢)، والناقض لمسألتنا القول بالتحريم، حيث معه يجب الغسل. وهو قول طاوس وعطاء، إلا أنهما قالا بأن غسل ولوغه كالكلب (٣). واستدلوا: بحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر غسل مرة" (٤). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٣٧ - ٣٧٤] غسل أثر الهر: إذا ولغ الهر في الإناء، وغُسل سبعًا، والثامنة بالتراب، فقد طهر الإناء. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا أن من غسل أثر الكلب، والخنزير، والهر، سبع مرات بالماء، والثامنة بالتراب؛ فقد طهر" (٥).

стр. 582

وقال أيضًا: "واتفقوا أن من غسل أثر السنور؛ فقد طهر" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم (٦). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات" (٧). وفي رواية: "وعفروه الثامنة بالتراب" (٨). • وجه الدلالة: أن الكلب إذا غسل أثره سبعًا والثامنة بالتراب، فقد طهر، والهر نوع من السباع، فمن غسل أثر ولوغه، فقد طهر الإناء من باب أولى، واللَّه أعلم. ٢ - حديث أبي قتادة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٩). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ وصف الهرة بما يوصف به الأطفال، وأنها ليست بنجس، فإذا ولغت في الإناء، وغسلناه سبعًا، فإنه يطهر بلا شك (١٠). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٣٨ - ٣٧٥] نجاسة القيح: القيح الذي يخرج من الإنسان نجس، وقد نفى النووي الخلاف في ذلك. • من نقل نفي الخلاف: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "القيح نجس بلا خلاف" (١١).

стр. 583

ونقله عنه ابن قاسم (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة على المشهور (٤). • مستند نفي الخلاف: أن أصل القيح الدم، لكنه استحال فصار نتنًا، فإذا كان الدم نجسًا، فهذا دم فاسد منتن؛ فهو من باب أولى أن يكون نجسًا (٥). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة ابن حزم (٦)، وأحمد في رواية عنه (٧)، وحكي عن الحسن (٨)، فقالوا بطهارة القيح، وحكاه المرداوي عن ابن تيمية (٩). واستدل ابن حزم بحديث أبي هريرة: "إن المؤمن لا ينجس" (١٠). وما كان طاهرًا كله -أي المسلم- فبعضه من باب أولى (١١). أما الحنابلة؛ فلم يذكروا دليلًا، ولكن نقل المرداوي عن ابن تيمية، أنه قال بأنه لم يثبت دليل على نجاسته (١٢)، مما يعني أنه يستدل بأن الأصل طهارته، ولا ناقل عنها. النتيجة: أن نفي الخلاف في المسألة غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٩ - ٣٧٦] نجاسة ماء القروح المتغير: ماء القروح إذا تغير فإنه نجس، وقد حكى النووي الاتفاق على ذلك. ومن عنوان المسألة يتبين أنها مقيدة بالتغير، وضابط ذلك: هو الرائحة، فإن كان له

стр. 584

رائحة؛ فهو متغير، وإلا فلا (١)، أو أن يتغير بنجاسة (٢)، وقد يطلق عليه صديد (٣). • من نقل الاتفاق: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "ماء القروح المتغير نجس بالاتفاق" (٤). ونقله عنه ابن قاسم (٥). • الموافقون على الاتفاق: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والحنابلة على المشهور (٨). • مستند الاتفاق: ١ - ماء القروح لا يخرج ويتحلل إلا بعلة، فهو كالقيح (٩). ٢ - ولأنه يستحيل ويتجمع في داخل الجسم، ثم يخرج، فهو كغيره مما يخرج من الجسم من النجاسات، كالدم والبول ونحوهما (١٠). • الخلاف في المسألة: خالف أحمد في رواية، وابن حزم في القيح، فقالوا: بطهارته كما سبق (١١)، وهو أشد نتنًا من ماء القروح، فمن باب أولى مخالفتهم هنا. أما الحنابلة؛ فلجماعة منهم قول بأن ماء القروح، إن تغير بنجس؛ فهو نجس، وإلا فلا (١٢)، مما يعني طهارة المتغير عندهم، إلا إن تغير بنجاسة. وتخريجًا على رواية طهارة القيح؛ فلا ينجسه إلا نجاسة خارجة، كدم ظاهر، أو بول ونحوه. النتيجة: أن الاتفاق غير متحقق، لوجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 585

[٤٠ - ٣٧٧] طهارة سؤرِ الآدميِّ: سؤر الآدمي طاهر، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، طاهرًا أو جنبًا، وقد حكى الإجماع عدد من العلماء في هذه المسألة. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "أما السؤر الطاهر المتفق على طهارته؛ فسؤر الآدمي بكل حال، مسلمًا كان أو مشركًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، طاهرًا أو نجسًا، حائضًا أو جنبًا، إلا في حال شرب الخمر" (١). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على طهارة آسار المسلمين، وبهيمة الأنعام" (٢). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "القسم الثاني: طاهر في نفسه، وسؤره، وعرقه، وهو ثلاثة أضرب: الأول: الآدمي، فهو طاهر، وسؤره طاهر، سواء كان مسلمًا أم كافرًا، عند عامة أهل العلم، إلا أنه حكي عن النخعي، أنه كره سؤر الحائض، وعن جابر بن زيد، لا يتوضأ منه" (٣). أبو بكر الحدادي العبادي (٨٠٠ هـ) حيث يقول: "السؤر على خمسة أنواع؛ سؤر طاهر بالاتفاق. . .، أما الطاهر؛ فسؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه، ويدخل فيه الجنب والحائض والنفساء والكافر، إلا سؤر شارب الخمر، ومن دمي فوهُ، إذا شرب على فورهما فإنه نجس" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الشافعية (٥). • مستند الإجماع: ١ - حديث عائشة ﵂: "كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي ﵊، فيضع فاه على موضع فيّ" (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ يضع فمه في موضع فيّ عائشة ﵂؛ فهذا يدل على طهارة سؤرها؛ إذ لو لم يكن كذلك لما فعله ﵊، وهو يدل على

стр. 586

طهارة سؤر الحائض وغيرها من باب أولى. ٢ - أن الآدمي طاهر في ذاته، وسؤره تابع له، وليس مما يخرج من مخرج النجاسة، فهو طاهر. • الخلاف في المسألة: ذكر ابن نجيم قولًا بكراهة سؤر المرأة للرجل والعكس، ولكنه برره؛ بأن ذلك إنما هو في الشرب، لا الطهارة (١). كما ذكر ذلك أيضًا ابن عابدين (٢). وبهذا لا يكون لهذا القول تأثير في مسألتنا. وهناك كلام في الحائض وسيأتي في مسألة مستقلة. وخالف المالكية في لعاب النائم، فقالوا: إن كان من الفم؛ فطاهر، وإن كان من المعدة؛ فينظر: إن كان متغيرًا وفيه نتن؛ فنجس، وإلا طاهر (٣). وقيل: إن كان الرأس على مخدة؛ فاللعاب من الفم، وإلا فمن المعدة؛ فيكون نجسًا (٤). ولم يذكروا دليلًا، ولا تعليلًا، إلا أنه يفهم من تقييدهم بالتغير، أنهم يعللون به، فاللعاب أو السؤر بعد التغير أصبح نجسًا، كالماء المتغير، واللَّه تعالى أعلم. وخالف الحنابلة في رواية (٥) في سؤر الكافر، فقالوا: سؤره نجس مطلقًا، وهو ظاهر كلام ابن حزم (٦). ولم أجد استدلالًا لهم، ويمكن أن يستدل لهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، وهو ما استدل به ابن حزم (٧). ولديهم رواية أخرى، بأنه إن لَابَسَ النجاسة غالبًا، أو تدين بها، أو كان وثنيًّا، أو مجوسيًّا، أو يأكل الميتة النجسة؛ فسؤره نجس (٨). ولم أجد استدلالًا لهم على هذه الرواية أيضًا، غير أنه من قيود الرواية يمكن القول بأن العلة هي خشية أن يكون عليه نجاسة فينقلها (٩)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 587

النتيجة: أن الإجماع متحقق في سؤر الآدمي المسلم غير النائم، لعدم وجود المخالف في المسألة، وإلى هذا أشار ابن رشد في حكايته، حيث قيده بالمسلمين، ومن عادة الناس في هذا الأمر؛ أنهم يتبادلون الآنية للشرب والاستعمال، من دون نظر وتدقيق في السؤر من حيث وجوده وعدمه، واللَّه تعالى أعلم. أما سؤر الكافر؛ فقد ثبت فيه الخلاف، كما سبق، فلا إجماع، وكذلك النائم وقد سبق تفصيله، والنوم خلاف الأصل والمعتاد، فلا يقدح هذا في الإجماع، واللَّه أعلم. [٤١ - ٣٧٨] طهارة سؤر الحائض: سؤر الحائض طاهر، وهو من سؤر الآدمي الذي سبق بحثه بلا شك، ولكن لما أُفردت من بعض العلماء بحكاية الإجماع، التزمت بإفرادها بمسألة مستقلة. • من نقل الإجماع: ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث نقل عنه النووي ذلك، فقال بعد قوله: "وسؤرها وعرقها -أي الحائض - طاهران": "وقد نقل ابن جرير إجماع المسلمين على هذا" (١). ونقله ابن مفلح (٢). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "أما السؤر الطاهر المتفق على طهارته؛ فسؤر الآدمي بكل حال، مسلمًا كان أو مشركًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، طاهرًا أو نجسًا، حائضًا أو جنبًا، إلا في حال شرب الخمر" (٣). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول عن الحائض: "وسؤرها وعرقها طاهران، وهذا كله متفق عليه، وقد نقل ابن جرير إجماع المسلمين على هذا، ودلائله في الأحاديث الصحيحة ظاهرة مشهورة" (٤). أبو بكر الحدادي العبادي (٨٠٠ هـ) حيث يقول: "السؤر على خمسة أنواع؛ سؤر طاهر بالاتفاق. . .، أما الطاهر؛ فسؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه، ويدخل فيه الجنب والحائض والنفساء والكافر، إلا سؤر شارب الخمر، ومن دمي فوه، إذا شرب على فورهما فإنه نجس" (٥).

стр. 588

الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "والحديث (١) يدل على أن ريق الحائض طاهر، ولا خلاف فيه فيما أعلم، وعلى طهارة سؤرها من طعام أو شراب، ولا أعلم فيه خلافًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الإجماع: حديث عائشة ﵂، قالت: "كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب، وأتعرق العَرْق (٦) وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يضع فاه على موضع فيّ عائشة ﵂ وهي حائض، مما يدل على طهارة سؤرها، وإلا لم يفعله ﵊، أو بيّن وجوب الطهارة بعده (٨). • الخلاف في المسألة: خالف النخعي في سؤر الحائض، وقال بكراهته (٩). وزاد جابر بن زيد بأنه لا يتوضأ منه، ولعله يقصد التحريم (١٠). ولم أجد دليلًا لهذا القول. والقول الأول ليس مناقضًا لمسألتنا، إلا أن يقصد الكراهة التحريمية، وهي تحتاج إلى قرينة، ولا توجد، فيبقى القول على التنزيه. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وأما خلاف جابر بن زيد فشذوذ لم يتابعه أحد، مع أنه لم يصرح بالنجاسة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٢ - ٣٧٩] طهارة سؤر مأكول اللحم: سؤر مأكول اللحم من الحيوانات طاهر، وقد حكى عدد من العلماء الإجماع على

стр. 589

طهارته. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن سؤر ما أكل لحمه طاهر، ويجوز شربه، والوضوء به" (١). ونقله عنه ابن قدامة في "المغني" (٢)، وابن قاسم (٣). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وكل ما يؤكل لحمه فلا خلاف في أنه طاهر" (٤)، قال ذلك بعد حديثه عن لعاب المؤمنين. ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن سؤر ما يؤكل لحمه من البهائم طاهر مطهر" (٥). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "أما السؤر الطاهر المتفق على طهارته؛ فسؤر الآدمي بكل حال. . .، وكذا سؤر ما يؤكل لحمه من الأنعام والطيور، إلا الإبل الجلالة، والبقرة الجلالة، والدجاجة المخلاة؛ لأن سؤره متولد من لحمه، ولحمه طاهر" (٦). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "اتفق العلماء على طهارة آسار المسلمين وبهيمة الأنعام" (٧). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "وإن كان طاهرًا -الحيوان- وهو سائر الحيوانات؛ فهو -السؤر- طاهر بلا خلاف" (٨). أبو بكر الحدادي العبادي (٨٠٠ هـ) حيث يقول: "السؤر على خمسة أنواع؛ سؤر طاهر بالاتفاق. . .، أما الطاهر؛ فسؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه. . .، وكذا سؤر مأكول اللحم طاهر كلبنه، إلا الإبل الجلالة، وهي تأكل العذرة" (٩).

стр. 590

الصنعاني (١١٨٢ هـ) حيث يقول: "والحديث (١) دليل على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر، قيل: وهو إجماع" (٢)، وكلامه هنا عن اللعاب، وهو أصل السؤر، فما يقال في السؤر يقال في اللعاب من باب أولى. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع ابن حزم (٣). • مستند الإجماع: ١ - عمرو بن خارجة ﵁، قال: "خطبنا النبي ﷺ بمنى، وهو على راحلته، ولعابها يسيل على كتفي" (٤). • وجه الدلالة: أن لعاب الراحلة كان يسيل على كتف عمرو، والنبي ﵊ يخطب فوقه، ولو كان لعابها نجسًا لأخبره ﵊، وما دام أنه لم يخبره بذلك دل على الطهارة (٥)، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - البهائم المأكولة اللحم لحمها يؤكل وهو طاهر، وإذا كان كذلك؛ فسؤرها طاهر من باب أولى؛ لأن سؤره متولد من لحمه، ولحمه طاهر (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، وهذا باستثناء الجلالة، وهي غير داخلة في مسألتنا، نظرًا لأكلها النجاسة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٣ - ٣٨٠] طهارة لبن الآدمي: لبن الأدمية طاهر، وهو جزء من الآدمية، وقد حُكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الغزالي (٥٠٥ هـ) (٧) حيث نقل عنه النووي (٨)، وابن قاسم (٩) حكايته الإجماع على طهارة لبن الآدمي. المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: "لبن الآدمي والحيوان المأكول طاهر، بلا

стр. 591

نزاع" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحسن، وإبراهيم (٢)، والحنفية (٣)، والمالكية (٤). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى كرم بني آدم، ومن التكريم أنه طاهر في ذاته، ولا شك أن غذاءه طاهر، وإلا لأصبح الآدمي غير طاهر به، لأنه هو الذي ينبته، وكل آدمي نبت من اللبن الآدمي ولا بد، فدل ذلك على طهارة لبن الآدمي، واللَّه تعالى أعلم. • الخلاف في المسألة: خالف الأنماطي من الشافعية في المسألة (٥)، وقال بنجاسة لبن الآدمية. وقال عنه النووي: "وهذا ليس بشيء، بل هو خطأ ظاهر" (٦). ولم أجد من تابع على هذا القول، وهو كما قال النووي بأنه خطأ. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، وأما مخالفة الأنماطي فهي خطأ أو شذوذ، ولا عبرة بمخالفته، واللَّه تعالى أعلم. [٤٤ - ٣٨١] طهارة لبن مأكول اللحم: لبن ما أكل لحمه من البهائم طاهر، وقد حكي الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: "القسم الثاني: ما أكل لحمه، فالخارج منه ثلاثة أنواع: . . . الثاني: طاهر، وهو الريق، والدمع، والعرق، واللبن، فهذا لا نعلم فيه خلافا" (٧). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "الألبان أربعة أقسام: أحدها: لبن مأكول اللحم، كالإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والظباء، وغيرها من الصيود وغيرها، وهذا طاهر بنص القرآن، والأحاديث الصحيحة، والإجماع" (٨).

стр. 592

ويقول: "وأما اللبن، فطاهر من مأكول اللحم بالإجماع" (١). ونقله عنه ابن قاسم (٢). المرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: "لبن الآدمي والحيوان المأكول طاهر، بلا نزاع" (٣). زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) حيث يقول: "لا (درّ) حيوانٍ مباحٍ أكلُه بالدال المهملة أي: لبنه لِمَنِّ اللَّه تعالى علينا به، بقوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] الآية، وللإجماع" (٤). قوله: (لا درّ حيوان) أي لا يشمل الكلام السابق، الذي ذكره في فصل بيان النجاسات وإزالتها، بل هو طاهر، كما هو ظاهر من السياق. • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٥)؛ المالكية (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾ [المؤمنون: ٢١]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نص على كون اللبن سائغًا للشاربين، وذكره تعالى على صيغة المدح، وذلك لا يكون إلا في طاهر، هذا فيما يخص الآية الأولى. أما الآية الثانية -وهذا الاستدلال ينطبق أيضًا على الأولى- فقد قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، ولا يسقينا اللَّه تعالى إلا طاهرًا حلالًا، وله الحمد والمنة (٨). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 593

[٤٥ - ٣٨٢] طهارة بيض مأكول اللحم: البيض الذي يخرج من الحيوانات مأكولة اللحم، حكمه أنه طاهر. وهنا شرط وهو: أن يخرج من الأم، في حال الحياة، وإلا فلا بد أن يكون متصلبًا حتى يُحكم بطهارته (١). • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "البيض من مأكول اللحم طاهر بالإجماع" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم (٦). • مستند الإجماع: أن البيض جزء من الحيوان المأكول اللحم، وهو طاهر بلا شك، والبيض ناتج عنه، فتكون طاهرة مباحة الأكل (٧)، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في هذه المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٦ - ٣٨٣] طهارة صوف مأكول اللحم ووبره: صوف الحيوان مأكول اللحم حلال اتخاذه، وهو طاهر بالإجماع. ولكن المسألة التي نقل فيها الإجماع فيها شرطان؛ هما: ١ - أن يكون من حيوان مأكول اللحم، كما هو ظاهر من العنوان. ٢ - أن يكون الجزُّ أثناء حياة هذا الحيوان (٨). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الانتفاع بأشعارها، وأوبارها، وأصوافها؛ جائز إذا أخذ ذلك وهي حية" (٩). ونقله عنه ابن

стр. 594

حجر (١). إمام الحرمين الجويني (٤٥٨ هـ) حيث يقول: "وكان القياس نجاسته، كسائر أجزاء الحيوان المنفصلة في الحياة، ولكن أجمعت الأمة على طهارتها؛ لمسيس الحاجة إليها في ملابس الخلق، ومفارشهم". نقله عنه النووي (٢). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: "ولإجماعهم على الصوف من الحي؛ أنه طاهر" (٣). ويقول أيضًا: "وأجمع العلماء على أن جز الصوف عن الشاة، وهي حية حلال" (٤). ابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: "واتفقوا على أن الشعر، إذا قطع من الحي؛ أنه طاهر" (٥). القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: "وأيضًا؛ فإن الأصل كونها -شعر الميتة- طاهرة قبل الموت بإجماع" (٦). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "إذا جُز شعر، أو صوف، أو وبر من مأكول اللحم؛ فهو طاهر بنص القرآن، وإجماع الأمة" (٧). ويقول أيضًا: "الأصل أن ما انفصل من حي؛ فهو نجس، ويستثنى الشعر المجزوز من مأكول اللحم في الحياة، والصوف، والوبر، والريش؛ فكلها طاهرة بالإجماع" (٨). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "فلما اتفق العلماء على أن الشعر والصوف، إذا جز من الحيوان، كان حلالًا طاهرًا؛ علم أنه ليس مثل اللحم" (٩). ابن مفلح (٧٦٣ هـ) حيث يقول عن شعر الحيوان المأكول: "كجزه. .؛ إجماعًا" (١٠). قال المرداوي معلقًا على ذلك: "أن ظاهر قوله بعد ذلك: (كجزه إجماعًا)؛ أن

стр. 595

الإجماع عائد إلى شعر الحيوان الطاهر، الذي لا يؤكل، وليس الأمر كذلك، وإنما الإجماع عائد إلى شعر الحيوان المأكول" (١). ابن نجيم (٩٧٠ هـ) حيث يقول: "فإن الأصل كونها -شعر الميتة- طاهرة قبل الموت بإجماع" (٢). ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) حيث يقول: "إلا شعر المأكول؛ فطاهر إجماعًا، وكذا الصوف والوبر والريش، سواء أنتف، أم جزّ، أم تناثر" (٣). الشربيني (٩٧٧ هـ) حيث يقول: "إلا شعر أو صوف أو ريش أو وبر المأكول؛ فطاهر بالإجماع، ولو نتف منها، أو انتتف" (٤). ونقل عنه هذه العبارة البجيرمي بنصها في "حاشيته على شرح الخطيب" (٥). الرملي (١٠٠٤ هـ) حيث يقول: "إلا شعر المأكول؛ فطاهر بالإجماع في المجزوز، . .، وصوفه ووبره وريشه مثله، سواء انتُتف منه أم انتَتف" (٦). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكرها في سياق النعم، التي يسديها للبشر، ووصفها تعالى بأنها ﴿أَثَاثًا وَمَتَاعًا﴾، ولم يكن يقل ذلك، لولا أنها غير مباحة الاستعمال، وطاهرة. يقول الإمام القرطبي: "أذن اللَّه تعالى بالانتفاع بصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، كما أذن في الأعظم، وهو ذبحها وأكل لحومها" (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق، لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٤٧ - ٣٨٤] العضو المنفصل من الحيوان الحي نجس: إذا انفصل عضو من حيوان حي، فإنه يكون نجسًا كالميتة، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك.

стр. 596

• من نقل الإجماع: الترمذي (٢٧٩ هـ) حيث يقول بعد روايته لحديث أبي واقد الآتي في المستند: "والعمل على هذا عند أهل العلم" (١). ونقله عنه النووي (٢). الكاساني (٥٨٧ هـ) حيث يقول: "وإن كان المبان جزءًا فيه دم، كاليد والأذن والأنف ونحوها، فهو نجس بالإجماع" (٣). ونقله ابن نجيم عنه (٤)، وابن عابدين (٥). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "العضو المنفصل من حيوان حي؛ كألية الشاة وسنام البعير وذنب البقرة والأذن واليد وغير ذلك نجسٌ بالإجماع" (٦). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وأيضًا؛ فلو كان الشعر جزءًا من الحيوان، لما أبيح أخذه في حال الحياة، فإن النبي ﷺ سئل عن قوم يجبون أسنمة الإبل وألياف الغنم؟ فقال: "ما أبين من البهيمة وهي حية فهو ميت" رواه أبو داود وغيره (٧)، وهذا متفق عليه بين العلماء" (٨). ونقله عنه ابن قاسم (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (١٠). • مستند الإجماع: حديث أبي واقد الليثي ﵁، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يجبّون (١١) أسنمة الابل، ويقطعون أليات الغنم، فقال: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" (١٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ وصف ما قطع من البهيمة وهي حية بأنه ميتة، وهذا

стр. 597

يدل على مسألتنا بالمطابقة (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٤٨ - ٣٨٥] طهارة المسلم حيًّا: المسلم إذا كان حيًّا، فإنه طاهر بإجماع العلماء. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "هذا الحديث (٢) أصل عظيم في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، فأما الحي؛ فطاهر بإجماع المسلمين" (٣). الشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: "وحديث الباب (٤) أصل في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، أما الحي؛ فإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والحنابلة (٨)، وابن حزم (٩). • مستند الإجماع: حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فاغتسلت، ثم جئت؛ فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: يا رسول اللَّه كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: "سبحان اللَّه، إن المؤمن لا ينجس" (١٠). • وجه الدلالة: قول النبي ﷺ : "إن المؤمن لا ينجس"، فإذًا هو طاهر بدليل الخطاب، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق؛ لعدم وجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٤٩ - ٣٨٦] طهارة بدن الجنب: إذا أجنب المسلم، فإن بدنه طاهر بالإجماع، حكاه عدد من أهل العلم. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) إذْ نقل عنه النووي حكايته للإجماع في

стр. 598

المسألة (١). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "قال أصحابنا وغيرهم: أعضاء الجنب، والحائض، والنفساء، وعرقهم طاهر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء" (٢). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وهذا متفق عليه بين الأئمة: أن بدنَ الجنب طاهرٌ، وعرقَه طاهرٌ، والثوبَ الذي يكون فيه عرقُه طاهرٌ، ولو سقط الجنب في دهن، أو مائع؛ لم ينجسه، بلا نزاع بين الأئمة، وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر" (٣). ويقول: "وأيضًا فبدن الجنب طاهر بالنص والإجماع" (٤). ويقول: "ولا نزاع بين المسلمين أن الجنب لو مس مغتسلًا؛ لم يقدح في صحة غسله" (٥). ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) حيث يقول: "وبدن الجنب طاهر بالإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، وابن حزم (٩). • مستند الإجماع: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فاغتسلت، ثم جئت؛ فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ " قال: يا رسول اللَّه كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: "سبحان اللَّه، إن المؤمن لا ينجس" (١٠). ٢ - حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قدم إليه بعض نسائه قصعة؛ ليتوضأ منها، فقالت: إني غمست يدي فيها وأنا جنب، فقال: "الماء لا يجنب" (١١).

стр. 599

• وجه الدلالة: في كلا النصين "إن المؤمن لا ينجس"، و"الماء لا يجنب"، دلالة على أن الجنابة شيء معنوي لا حسي، وأن المؤمن طاهر في ذاته، ولو كان على جنابة، أو كانت المرأة حائضًا (١). • الخلاف في المسألة: قال النووي: "حكى أصحابنا عن أبي يوسف، أن بدن الحائض نجس، فلو أصابت ماء قليلًا نجسته، وهذا النقل لا أظنه يصح عنه، فإن صح فهو محجوج بالإجماع" (٢)، وذكره عنه في "المغني" (٣)، و"الشرح الكبير" (٤) في بدن الجنب أيضًا. وقد ذكره البابرتي كذلك في الجنب، قياسًا على قوله في الحائض، وضعّف القول لمقابلته النص (٥)، غير أني لم أجد لهذا القول مزيد ذكر في الكتب الأخرى، مما يقوي كلام النووي السابق. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، لوجود خلاف أبي يوسف، وهو يُعد علمًا عند الحنفية، أشبه الرواية أو القول عند المذاهب الأخرى، ولا يخلو من أتباع له في هذه المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٥٠ - ٣٨٧] طهارة بدن الحائض: إذا حاضت المرأة، فإن حكم بدنها لا يتغير، فهو طاهر بالإجماع. • من نقل الإجماع: ابن جرير (٣١٠ هـ) حيث نقل عنه ابن مفلح (٦)، والبهوتي (٧) حكايته للإجماع في المسألة. ابن المنذر (٣١٨ هـ) نقل عنه النووي حكايته للإجماع في المسألة (٨). النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "قال أصحابنا وغيرهم: أعضاء الجنب، والحائض، والنفساء، وعرقهم طاهر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء" (٩).

стр. 600

ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "وهذا متفق عليه بين الأئمة: أن بدنَ الجنب طاهرٌ، وعرقَه طاهرٌ، والثوبَ الذي يكون فيه عرقُه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن، أو مائع؛ لم ينجسه، بلا نزاع بين الأئمة، وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وابن حزم (٤). • مستند الإجماع: حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂، تقول: سألت رسول اللَّه ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: "تَحُتُّهُ، ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" (٥) • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر الحائض بغسل دم الحيض من ثوبها، ولم يأمرها بغسل الثوب كله (٦)، مع أنه لا بد من إصابته بشيء من السؤر والعرق، ومع ذلك لم يأمرها، فدل على أنه طاهر، ومن باب أولى أن يكون البدن طاهرًا. • الخلاف في المسألة: يجري في مسألتنا هذه ما قيل في بدن الجنب، من حكاية خلاف أبي يوسف، وهو في مسألتنا هذه آكد. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق؛ لوجود المخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٥١ - ٣٨٨] الجنب والحائض إذا مس ماءً قليلًا فهو باقٍ على طهارته: إذا غمس الجنب أو الحائض اليد في ماء قليل، فإن الماء باقٍ على طهارته، وحُكي الإجماع على ذلك (٧). • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "وأجمعوا على أن الجنب، والحائض، والمشرك، إذا غمس كل واحد منهم يده في إناء، فيه ماء قليل؛ فإن الماء باق على طهارته" (٨).
следующие страницы →