واحد إلى غير من هلك معه من ورثته (١).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): اتفق أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وزيد ابن ثابت ﵃ في الغرقى والحرقى إذا لم يعلم أيهم مات أولًا أنه لا يرث بعضهم من بعض، وإنما يجعل ميراث كل واحد منهم لورثته الأحياء به قضى زيد في قتلى اليمامة حين بعثه أبو بكر لقسمة ميراثهم، وبه قضى زيد في قتلى الحرة، وهكذا نقل عن علي ﵁ في قتلى الجمل وصفين، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه أخذ جمهور الفقهاء (٢).
قال العمراني (٥٥٨ هـ): وإن عُلم أنهما ماتا معًا، أو عُلم أن أحدهما مات أولًا ولم تعرف عينه، قال الشيخ أبو حامد: مثل أن غرقا في ماء فرئي أحدهما يصعد من الماء وينزل ولم يعرف بعينه، والآخر قد نزل ولا يصعد، فإنه يعلم لا محالة أن الذي يصعد وينزل لم يمت، وأن الذي نزل ولم يصعد قد مات، أو لم يعلم: هل ماتا في حالة واحدة، أو مات أحدهما قبل الآخر، فمذهبنا في هذه الثلاث المسائل: أنه لا يرث أحدهما من الآخر، ولكن يرث كل واحد منهما ورثته غير الميت معه (٣).
قال الدسوقي (١٢٣٠ هـ): ولا يرث من جهل تأخر موته عن مورثه بأن ماتا تحت هدم مثلًا أو بطاعون ونحوه بمكان ولم نعلم المتأخر منهما فيقدر أن كل واحد لم يخلف صاحبه وإنما خلف الأحياء من ورثته (٤).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن: من شروط صحة الإرث، ثبوت حياة الوارث بعد موت المورث، وهنا لم يتبين (٥).
النتيجة: صحة الإجماع في أنه إذا لم يعلم المتقدم من المتأخر من الغرقى والهدمى، ومن في حكمهم، أنهم لا يتوارثون.
стр. 5672
[٢٩٧ - ١٠٥] لا يرثُ المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله لا من مات قبل ذلك
• المراد بالمسألة: المفقود، هو: من انقطع خبره، فلم تعلم له حياة، ولا موت (١).
والمفقود في حكم الأحياء حتى يعلم موته يقينًا، أو تمضي عليه مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش مثلها، وفي هذه الحالة لا تتزوج امرأته، ولا يقسم ماله، ومن مات حال الانتظار الشرعي وقبل الحكم بوفاته من قبل القاضي فإنه لا يرث, لأنه يغلب جانب حياة المفقود، فكأنه موجود.
• من نقل الاتفاق: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [واتفق الفقهاء على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله لا من مات قبل ذلك ولو بيوم] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ): فإذا مضت عليه مدة لا يجوز أن يعيش إليها قسم ماله حينئذ بين من كان حيًا من ورثته، ولو مات للمفقود ميت يرثه المفقود وجب أن يوقف من تركته ميراث المفقود حتى يتبين أمره، فإن بان حيًا كان له وارثًا، وإن بان موته من قبل رُدّ على الباقين من الورثة، وكذلك لو أشكل حال موته (٦).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): فإذا مضت مدة يعلم أنه لا يعيش إلى تلك المدة فإنه يحكم بموته، ويقسم ميراثه بين ورثته، وإنما يعتبر من ورثته من يكون باقيًا في هذه الحالة، ولا يرثه أحد ممن مات قبل هذا شيئًا, لأنه إنما يحكم بموته في هذه الحالة، وشرط التوريث بقاء الوارث حيًا بعد موت
стр. 5673
المورث فلهذا لا يرثه إلا من كان باقيًا من ورثته حين حكم بموته (١).
قال الموصلي (٦٨٣ هـ): من مات في حال فقده ممن يرثه المفقود يوقف نصيب المفقود إلى أن يتبين حالة لاحتمال بقائه، فإذا مضت المدة. . . ولم يعلم حاله وحكمنا بموته قسمت أمواله بين الموجودين من ورثته (٢).
قال البهوتي (١٠٥١ هـ): ولا يرثه أي المفقود إلا الأحياء من ورثته وقت قسم ماله (٣).
قال الدردير (١٢٠١ هـ): فإذا ثبتت حياته أو موته فالأمر واضح، وإن لم يثبت ذلك -بأن مضت مدة التعمير السابقة- فيرثه أحياء ورثته غير المفقود (٤).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قضاء عمر وعثمان في ميراث المفقود أن يقسم من يوم تمضي الأربع سنوات على امرأته، وتستقبل عدتها أربعة أشهر وعشرًا (٥).
الثاني: عمل الصحابة فيمن قتل يوم الجمل، وصفين، والحرة، وقديد (٦)، فلم يورثوا أحدًا من صاحبه شيئًا إلا من علم أنه قتل قبل
стр. 5674
صاحبه (١).
الثالث: يمكن أن يستدل أَيضًا بالقاعدة المتفق عليها (اليقين لا يزول بالشك) (٢)، فالأصل بقاء حياة المفقود، والموت مشكوك فيه، فإذا حكم الحاكم بموت المفقود، ورثوه لكون التركة من حقهم، ومن مات قبل الحكم عليه فإنه مات في فترة حياته الشرعية.
النتيجة: صحة الإجماع في أن المفقود لا يقسم ماله، ومن مات حال الانتظار الشرعي وقبل الحكم بوفاته من قبل القاضي فإنه لا يرث.
* * *
стр. 5675
الفصل السادس: مسائل الإجماع في ميراث أهل الملل
[٢٩٨ - ١٠٦] لا يرث الكافرُ المسلمَ
• المراد بالمسألة: أن المسلم الذي مات وخلف قريبًا كافرًا ممن يستحق الإرث لو كان مسلمًا؛ كما لابن، والبنت، والأب؛ فإنه لا يرثه، وذلك لاختلاف الدينين (١).
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [لأنه إجماع من المسلمين كافة عن كافة أن الكافر لا يرث المسلم وهي الحجة القاطعة الرافعة للشبهة] (٢). وقال: [مع إجماعهم أن الكافر لا يرث المسلم] (٣).
السرخسي (٤٨٣ هـ) قال: [لا خلاف أن الكافر لا يرث المسلم بحال، وكذلك لا يرث المسلم الكافر في قول أكثر الصحابة، وهو مذهب الفقهاء] (٤).
البغوي (٥١٦ هـ) قال: [لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم. . والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم] (٥).
- ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [فمنها أنه أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾
стр. 5676
[النساء: ١٤١] ولما ثبت من قوله ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) (١) واختلفوا في ميراث المسلم الكافر وفي ميراث المسلم المرتد. .] (٢).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وأجمع أهل العلم على أن الكافر لا يرث المسلم، وقال جمهور الصحابة والفقهاء: لا يرث المسلم الكافر] (٣).
النووي (٦٧٦ هـ) قال: [أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم] (٤). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [وقد اتفق المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، ولا يتزوج الكافر المسلمة] (٥).
الشربيني (٩٧٧ هـ) قال: [وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يرث المسلم] (٦) وقال أَيضًا: [وهو حاصل بالإجماع في أن الكافر لا يرث المسلم] (٧). الشوكاني (١٢٥٥ هـ) قال: [لا يرث المسلم من الكافر ولا الكافر من المسلم قال في البحر: إجماعا] (٨) عبد الرحمن بن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [وعدم إرث الكافر المسلم بالإجماع] (٩). وقال: [(ولا) يرث (الكافر المسلم. .) باتفاق المسلمين] (١٠).
стр. 5677
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: ابن حزم من الظاهرية (١).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ): الكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر، وهو قول الجمهور (٢).
قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم المرتد وغير المرتد سواء إلا أن المرتد مد يرتد فكل ما ظفر به من ماله فلبيت مال المسلمين رجع إلى الإسلام أو مات مرتدًا أو قتل مرتدًا أو لحق بدار الحرب، وكل من لم يظفر به من ماله حتى قتل أو مات مرتدًا فلورثته من الكفار، فإن رجع إلى الإسلام فهو له أو لورثته من المسلمين إن مات مسلمًا (٣).
قال البهوتي (١٠٥١ هـ): ولا يرث الكافر المسلم إلا بالولاء، فيرث الكافر عتيقه المسلم بالولاء قياسًا على عكسه (٤).
قال الدردير (١٢٠١ هـ): ولا يرث. . . ولا مخالف في دين. . . كمسلم مع غيره فلا يرث المسلم غيره ولا يرثه الغير (٥).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر؛ ولا الكافر المسلم) (٦).
• وجه الاستدلال: أنه نص في منع التوارث بين المسلم والكافر.
الثاني: عن أسامة بن زيد ﵄ أنه قال: يا رسول اللَّه ﷺ أين تنزل في
стр. 5678
دارك بمكة؟ فقال: (وهل ترك عقيل من رباع أو دور) (١).
• وجه الاستدلال: أن عقيلًا وطالبًا، ورثا أباهما أبا طالب، ولم يرثه جعفر ولا علي ﵄ شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين (٢).
الثالث: عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا يتوارث أهل ملتين شتى) (٣).
• وجه الاستدلال: أن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر لقطع الولاية بينهما (٤).
الرابع: ما روي أن عمة الأشعث كانت مشركة وأمها ماتت، فأبى عمر ابن الخطاب أن يورثه، وقال: (يرثها أهل دينها) (٥).
النتيجة: صحة الإجماع في أن الكافر لا يرث قريبه المسلم.
[٢٩٩ - ١٠٧] المرتد لا يرث قريبه المسلم
• المراد بالمسألة: المرتد هو: المنتقل عن الإسلام إلى دين آخر، أو إلى لا دين، وقيل: الردة: كفر المسلم بقول صريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه (٦).
فإذا مات له قريب مسلم ممن يرثه، فإنه يمنع من توريثه، واختلف
стр. 5679
الفقهاء في المرتد إذا مات فهل يرثه قريبه المسلم (١).
• من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واختلفوا في مال المرتد أين يصرف؟ وهل يورث بعد اتفاقهم كما وصفنا من قبل أنه لا يرث] (٢).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن المرتد لا يرث أحدًا] (٣).
النووي (٦٧٦ هـ) قال: [وأما المرتد؛ فلا يرث المسلم بالإجماع] (٤) القرافي (٦٨٤ هـ) في كلامه على المرتد قال: [واتفقوا على أنه لا يرث ورثته المسلمين] (٥)
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، ابن حزم من الظاهرية (٧)، والشوكاني (٨).
قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم المرتد وغير المرتد سواء إلا أن المرتد مذ يرتد فكل ما ظفر به من ماله فلبيت مال المسلمين رجع إلى الإسلام أو مات مرتدًا أو قتل مرتدًا أو لحق بدار الحرب، وكل من لم يظفر به من ماله حتى قتل أو مات مرتدًا فلورثته من الكفار، فإن رجع إلى الإسلام فهو له أو لورثته من المسلمين إن مات مسلمًا (٩).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): المرتد ليس من أهل الولاية فلا يرث أحدًا، ولأنه جان بالردة وهذه صلة شرعية فالجاني على حق الشرع يحرم هذه الصلة
стр. 5680
عقوبة عليه كالقاتل بغير حق (١).
قال العمراني (٥٥٨ هـ): المرتد كافر، ولأنه لا يرث بحال، فلم يورث كالكافر (٢).
قال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): قال ﷺ : "نرثهم ولا يرثونا" قلنا لعله أراد المرتدين جمعًا بين الأخبار (٣).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر؛ ولا الكافر المسلم) (٤).
• وجه الاستدلال: أنه نص في منع التوارث بين المسلم والكافر، والمرتد عن الإسلام كافر.
الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا يتوارث أهل ملتين شتى) (٥).
• وجه الاستدلال: أن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر لقطع الولاية بينهما، والمرتد من الكافرين (٦).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المرتد لا يرث قريبه المسلم.
[٣٠٠ - ١٠٨] المرتد إذا رجع إلى الإسلام فماله مردود إليه ما لم يلحق بدار الحرب
• المراد بالمسألة: أن من ارتد عن الإسلام فماله محبوس، فإن عاد إلى الإسلام عاد إليه ماله، وإن لم يعد، أو عاد فلحق بدار الحرب، فماله محل خلاف بين الفقهاء، فالمالكية والشافعية والحنابلة أن ماله فيء لبيت مال المسلمين، وذهب الحنفية أن ما كسبه قبل الردة لورثته، وما كسبه بعدها
стр. 5681
لبيت المال (١).
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمع كل من نحفظ عنه على أن المرتد بارتداده لا يزول ملكه من ماله، وأجمعوا أن برجوعه إلى الإسلام ماله مردود إليه ما لم يلحق بدار حرب] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم من الظاهرية (٧).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ) في كلامه عن المرتد: فإن رجع مسلمًا رجع بما وجد من أعيان ماله على ورثته، ولم يرجع بما استملكوه ولا يرجع في عتق أمهات أولاده ومدبريه (٨).
قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم المرتد وغير المرتد سواء إلا أن المرتد مذ يرتد فكل ما ظفر به من ماله فلبيت مال المسلمين رجع إلى الإسلام أو مات مرتدًا أو قتل مرتدًا أو لحق بدار الحرب، وكل من لم يظفر به من ماله حتى قتل أو مات مرتدًا فلورثته من الكفار، فإن رجع إلى الإسلام فهو له أو لورثته من المسلمين إن مات مسلمًا (٩).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): في ميراث المرتد إذا قتل أو مات أو لحق
стр. 5682
بدار الحرب فما اكتسبه في حال إسلامه فهو ميراث لورثته المسلمين ترث زوجته من ذلك إذا كانت مسلمة ومات المرتد وهي في العدة (١).
قال ابن رشد (٥٩٥ هـ): وأما مال المرتد إذا قتل أو مات فقال جمهور فقهاء الحجاز: هو لجماعة المسلمين ولا يرثه قرابته، وبه قال مالك والشافعي وهو قول زيد من الصحابة، وقال أبو حنيفة والثوري وجمهور الكوفيين وكثير من البصريين: يرثه ورثته من المسلمين وهو قول ابن مسعود من الصحابة وعلي ﵄ (٢).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وإن رجع المرتد إلى الإسلام قبل قسم الميراث قُسم له (٣).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى: أن المرتد صار بردته حربًا على المسلمين، فيكون حكم ماله كحكم مال الحربي، هذا إن مات على ردته، وإلا فماله موقوف، فإن عاد إلى الإسلام فهو له، فتجري عليه أحكام المسلمين (٤).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المرتد إذا رجع إلى الإسلام فماله مردود إليه ما لم يلحق بدار الحرب.
[٣٠١ - ١٠٩] المرتدون لا يرث بعضهم بعضًا
• المراد بالمسألة: أنَّ المرتدين عن الإسلام إذا ارتدوا إلى لا دين فلا يتوارثون فيما بينهم، لو كانوا بعضهم يرث بعضًا، وذلك لأن الردة ليست بملة (٥)، وأما إذا ارتدوا إلى ملة؛ كاليهودية، والنصرانية فهل يتوارثون؟ فقياس المذاهب القائلين بتوارث أهل الملة الواحدة أنهم يتوارثون.
стр. 5683
• من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) قال: [فلما رأينا الردة ليست بملة، ورأيناهم مجمعين أن المرتدين لا يرث بعضهم بعضًا, لأن الردة ليست بملة] (١).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ): فأما إذا ارتد الزوج دونها بعد طلاقه وفي مرضه فمذهب الشافعي لا ترثه، وقال أبو حنيفة ومالك ترثه، وفوق أبو حنيفة بين ردتها وردته، بأن ردتها اختيار منها للفرقة وليس ردته اختيار فيها لذلك، وهذا الفرق فاسد، لاستواء الردتين في إفضائهما إلى حال لو مات فيها لم ترثه فاستوت ردتها في ذلك وردته، ولو ارتدت الزوجة في مرضها ثم ماتت لم يرثها الزوج. وقال أبو حنيفة: يرثها, لأنها متهمة بذلك في إزوائه عن الميراث كما يتهم الزوج في الطلاق في المرض، وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن المرتد لا يورث.
والثاني: أنه لا ينسب العاقل أنه قصد بالردة إزواء وارث وضرره عليه أعظم من ضرره على الوارث وليس كالطلاق الذي لا ضرر عليه فيه (٦).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ) في كلامه على زوجة المرتد: وإن كانت قد ارتدت معه لم يكن لها منه ميراث، كما لا يرثه أقاربه من المرتدين لما بينا أن المرتد ليس من أهل الولاية فلا يرث أحدًا (٧).
قال ابن رشد (٥٩٥ هـ): وأما مال المرتد إذا قتل أو مات فقال جمهور
стр. 5684
فقهاء الحجاز: هو لجماعة المسلمين ولا يرثه قرابته، وبه قال مالك والشافعي وهو قول زيد من الصحابة، وقال أبو حنيفة والثوري وجمهور الكوفيين وكثير من البصريين: يرثه ورثته من المسلمين وهو قول ابن مسعود من الصحابة وعلي ﵄ (١).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولو ارتد متوارثان، فمات أحدهما، لم يرثه الآخر، فإن المرتد لا يرث ولا يورث، وإن رجع المرتد قبل قسم الميراث قسم له (٢).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى: أن الردة ليست لها ملة (٣).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المرتدين لغير ملة لا يتوارثون بينهم.
[٣٠٢ - ١١٠] يرث الكفار بعضهم بعضا إذا كانوا أهل ملة واحدة
• المراد بالمسألة: أن للكفار حالتين في الميراث:
الأولى: أن يكونوا على دين واحد؛ كاليهودي مثلًا مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، ففي هذه الحالة لا خلاف في إرث بعضهم من بعض.
والثانية: أن تختلف أديانهم؛ كاليهود مع النصارى أو المجوس أو الوثنيين؛ ففي هذه الحالة اختلف العلماء في حكم توريث بعضهم من بعض، ومبنى الاختلاف هو هل الكفر ملة واحدة أو ملل متعددة؟
وعليه فإن وحدة الدين بالنسبة للكفار بين الوارث والموروث لا تمنع الإرث، فيرث النصراني من النصراني، واليهودي يرث اليهودي، والمجوسي يرث المجوسي.
وكذلك اتفقوا على وحدة الدار، فإذا اختلفت الدار فقد اختلف الفقهاء
стр. 5685
في حكم توريثهم، وليس فيها إجماع (١).
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن النصراني يرث النصراني، وأن المجوسي يرث المجوسي، وأن اليهودي يرث اليهودي] (٢).
البغوي (٥١٦ هـ) قال: [فأما الكفار فيرث بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم كاليهودي من النصراني، والنصراني من المجوسي والوثني, لأن الكفر كله ملة واحدة، واختلاف الملك فيه كاختلاف المذاهب في الإسلام هذا قول عامة أهل العلم] (٣).
ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وأجمعوا على توريث أهل الملة الواحدة بعضهم بعضًا، واختلفوا في توريث الملل المختلفة] (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [فأما الكفار؛ فيتوارثون إذا كان دينهم واحدًا لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافًا] (٥).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٦).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): الكفار يتوارثون فيما بينهم بالأسباب التي يتوارث بمثلها المسلمون فيما بينهم (٧).
قال العمراني (٥٥٨ هـ): ويرث الكافر من الكافر إذا اجتمعا في الذمة أو في الحرب (٨).
قال البهوتي (١٠٥١ هـ): ويرث الكفار بعضهم بعضًا إن اتحدت ملتهم، وهم ملل شتى مختلفة فلا يرثون مع اختلافها (٩).
стр. 5686
قال الدردير (١٢٠١ هـ): غير اليهود والنصارى ملة واحدة فيرث بعضهم بعضًا (١).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قال : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣].
• وجه الاستدلال: أن الكفار لما كان بعضهم وليًا لبعض، فإنهم يتوارثون فيما بينهم إذا كانوا من ملة واحدة.
الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا يتوارث أهل ملتين شتى) (٢).
• وجه الاستدلال: أن فيه منع توارث أهل ملتين مختلفتين، وأما أهل الملة الواحدة فيتوارثون (٣).
النتيجة: صحة الإجماع في أن أهل الملة الواحدة من الكفار يتوارثون فيما بينهم.
[٣٠٣ - ١١١] يأخذ الطفل حكم والديه في أحكام الدنيا
• المراد بالمسألة: أنَّ الطفل يتبع والديه في أحكام الدنيا، فإذا كان بين أبوين مسلمين فيرثهم، ويرثونه، وإن كان بين مشركين فحكمه أَيضًا حكمهما في الميراث.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا على أن حكم الطفل حكم أبويه إن كانا مسلمين؛ فحكمه حكم أهل الإسلام، وإن كانا مشركين؛ فحكمه حكم أهل الشرك؛ يرثهم ويرثونه، ويحكم في ديته إن قتل حكم دية أبويه] (٤).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن من أسلم أبوه وأمه جميعًا وهو غير
стр. 5687
بالغ؛ فإن الإسلام يلزمه] (١) ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [أجمع علماء المسلمين أن من ولد بين أبوين مسلمين ولم يبلغ حد الاختيار والتمييز؛ فحكمه حكم المسلم المؤمن في الوراثة والصلاة عليه ودفنه بين المسلمين، وأن ديَته إن قتل مثل دية أحدهم] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): فإن ارتد الزوجان معا ثم ولدت منه ثم مات المرتد فلا ميراث لها منه وإن بقي النكاح بينهما، وأما الولد فإنه إن ولدته لأقل من ستة أشهر منذ يوم ارتد فله الميراث, لأنا تيقنا أنه كان موجودًا في البطن حين كانا مسلمين، فكان محكومًا له بالإِسلام، ثم لا يصير مرتدًا بردة الأبوين ما بقي في دار الإسلام، فإن حكم الإسلام يثبت ابتداء بطريق تبعيته الدار فلأن يبقى أولى، وإذا بقي الولد مسلمًا كان من جملة الورثة، فأما إذا ولدته لأكثر من ستة أشهر منذ يوم ارتد فلا ميراث، ولأن النكاح قائم بينهما وإنما يستند العلوق إلى أقرب الأوقات، وأقرب الأوقات بعد ردتهما، وإذا علق الولد من ماء المرتد ابتداء يكون مرتدًا معهما لأنه إنما يعتبر تبعية الدار في بقاء حكم الإسلام فأما في الابتداء في الدار لا يعارض الأبوين (٦).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولو ارتدا جميعًا ولهما أولاد صغار لم يتبعوهم في ردتهم، ولم يرثوا منهم شيئًا، ولم يجز استرقاقهم سواء لحقوهم بدار الحرب أو لم يلحقوهم (٧).
يستند الإجماع إلى ما ورد: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتج الإبل
стр. 5688
بهيمة جدعاء جمعاء، هل تحس من جدعاء؟ قالوا: يا رسول اللَّه، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) (١).
• وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ بيَّنَ أن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فمن كان بين أبوين كافرين ألحق بحكمهما، ومن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين ألحق بحكمهما، وتجري أحكام الدين عليهما (٢).
النتيجة: صحة الإجماع في أن حكم الطفل حكم أبويه من جهة الميراث إسلامًا وكفرًا.
[٣٠٤ - ١١٢] إذا عقد المجوسي على ذات محرم وتحاكموا إلينا لم يتوارثا من طريق الزوجية
• المراد بالمسألة: أن المجوسي (٣) إذا عقد على ذات محرم ممن يرثها، ثم أسلما، ومات أحدهما، وتحاكموا إلينا فإنه لا يرثها بالزوجية لأنها باطلة في جميع الشرائع، وإنما يرثها بأصل القرابة كأن تكون أمه، أو أخته.
• من نقل الإجماع: قال الماوردي (٤٥٠ هـ): فإن اجتمع فيه عقد نكاح وقرابة سقط التوريث بالنكاح لفساده، وتوارثوا بالقرابة المفردة بالاتفاق (٤).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ): [فصل في ميراث المجوس ومن جرى مجراهم ممن ينكح ذوات المحارم إذا أسلموا وتحاكموا إلينا لا نعلم بين علماء
стр. 5689
المسلمين خلافًا في أنهم لا يرثون بنكاح ذوات المحارم، فأما غيره من الأنكحة؛ فكل نكاح اعتقدوا صحته وأقروا عليه بعد إسلامهم توارثوا به، سواء وجد بشروطه المعتبرة في نكاح المسلمين أم لم يوجد، وما لا يقرون عليه بعد إسلامهم لا يتوارثون به، والمجوس وغيرهم في هذا سواء] (١).
النووي (٦٧٦ هـ) قال في معرض في كلامه على ميراث المجوسي: [ينكح بعض محارمه. . قال: ولا يرثون بالزوجية بلا خلاف لبطلانها] (٢).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): مجوسي مات عن أم وابنة هي أخته لأم، وصورته فيما إذا تزوج المجوسي أمه فولدت له بنتًا ثم مات المجوسي، فقد مات عن أم هي زوجته وعن بنت هي أخته لأمه، فلا ترث الأم بالزوجية شيئًا، ولا الابنة بالأختية لأم, لأن الأخت للأم لا ترث مع الابنة، ولكن للأم السدس باعتبار الأمومة، وللإبنة النصف، والباقي للعصبة، فإن لم يكن له عصبة فالباقي رد عليهما ارباعًا (٥).
قال الدردير (١٢٠١ هـ): وحكم بينهم أي بين الكفار بحكم الإسلام إن ترافعوا إلينا فيجب الحكم بينهم، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، فمنسوخ الحكم (٦).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
стр. 5690
الأول: قال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣].
• وجه الاستدلال: أن العبرة بما في عقيدتنا إذا تحاكموا إلينا، وفي شريعتنا حرمة نكاح ذوات المحارم، وبطلان جميع ما يترتب عليه.
الثاني: أن الأمة أجمعت على الإرث بإحدى الجهتين، فإذا عدمت أحداهما تعينت الأخرى، وجهة الزوجية هنا باطلة، فيرث بالأخرى (١).
النتيجة: صحة الإجماع على عدم توريث المجوسي، إذا عقد على ذات محرم من طريق الزوجية، ويورث من غيرها.
[٣٠٥ - ١١٣] المجوس يرثون بأقرب القرابتين
• المراد بالمسألة: أن المجوس إذا نتج عن نكاح المحارم أكثر من قرابه فإنهم يتوارثون بأقرب القرابتين، إن لم تكن إحدى الجهتين حاجبةً للأخرى؛ كأم هي جدة؛ كأن يطأ مجوسي أمه فتلد ولدًا فهي أمه وأم أَبيه؛ فترث بالأمومة لا بالجدودة.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن المجوس يرثون بأقرب القرابتين، واختلفوا في الأخرى أيرثون بها أم لا] (٢) المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [إذا أدلى شخص بنسبين أو سببين إلى مورثه، فإنه يورث بكل واحد منهما فرضًا مقدرًا مثل أن يتزوج المجوسي ابنته فأولدها بنتًا فلا
стр. 5691
خلاف أنهما لا يورثان بالزوجية] (١).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ): إن اجتمع في الشخص الواحد منهم قرابتان بنسب توجب كل واحدة منهما الميراث، فإن كانت إحداهما تسقط الأخرى كأم هي جدة، أو بنت هي أخت لأم، ورثت بابنتها وألغيت المحجوبة منهما إجماعًا، وإن كانت إحداهما لا تسقط الأخرى كأم هي أخت أو أخت هي بنت فقد اختلف الناس هل تورث بالقرابتين معًا أم لا؟ . . . . قال الشافعي: أورثها بأثبت القرابتين وأسقط الأخرى، ولا أجمع لها بين الميراثين (٥).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): قال عمر وعلي ﵄ في المجوسي إذا كان له قرابتان فإنه يستحق الميراث بهما، ويكون اجتماع القرابتين في شخص واحد كافتراقهما في شخصين، وهو قول علمائنا ﵏، وكان ابن مسعود رضي عنه يقول: لا يرث الواحد بالقرابتين وإنما يرث بالأقرب منهما. . . فإذا تزوج المجوسي ابنته فولد له ولد، وللمجوسي ابنة أخرى، ثم مات المجوسي، ثم مات هذا الولد، فقد مات عن أم هي أخته لأبيه، وعن أخت أخرى لأب، فلو اعتبرنا السببين في حق شخص واحد لكان للأم السدس بالفريضة فتكون حاجبة لنفسها من الثلث إلى السدس وذلك لا يجوز، إذا عرفنا هذا فنقول لما تعذر توريثه بالسببين رجحنا الأقرب منهما لأن الإرث
стр. 5692
ينبني على القرب فيقدم الأقرب من الأسباب على أبعدها (١).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): والمسائل التي تجتمع فيها قرابتان: . . . مجوسي تزوج ابنته فأولدها بنتًا ثم مات عنهما فلهما الثلثان لأنهما ابنتان، ولا ترث الكبرى بالزوجية شيئًا في قولهم جميعًا (٢).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: أن الأمة أجمعت على الإرث بإحدى الجهتين، فإذا عدمت أحداهما تعينت الأخرى (٣).
الثاني: بأنهما قرابتان، لا يورث بهما في الإسلام، فلا يورث بهما في غيره، كما لو أسقطت إحداهما الأخرى (٤).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: أحمد (٥)، وإسحاق (٦)، فقد ذهبا إلى أن المجوسي يورث من مكانين.
وحجتهم ما روي عن: علي وابن مسعود ﵄، أنهما قالا في المجوسي: (يورث من مكانيين) (٧).
النتيجة: عدم صحة الإجماع على أن المجوسي إذا نكح بعض محارمه ممن يرثهم فإنه يرث بأقرب القرابتين لوجود الخلاف في المسألة.
[٣٠٦ - ١١٤] الكافر إذا أسلم بعد قسمة التركة لا يرث
• المراد بالمسألة: أن من لم يرث بسبب كفره، وقسمت التركة ثم أسلم
стр. 5693
بعد ذلك فلا شيء له، لأنه غير مخاطب حال تقسيم التركة.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن من كان كافرًا ولم يسلم إلا بعد قسمة الميراث؟ فإنه لا يرث قريبه المسلم] (١) المطيعي (١٢٥٤ هـ) قال: [فإن أسلم الكفار أو أعتق العبد بعد قسمة الميراث لم يشاركوا في الإرث بلا خلاف] (٢).
الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥).
قال ابن رشد (٥٩٥ هـ): واختلفوا في الوارث الذي ليس بمسلم يسلم بعد موت مورثه المسلم وقبل قسم الميراث، وكذلك إن كان مورثه على غير دين الإسلام، فقال الجمهور: إنما يعتبر في ذلك وقت الموت، فإن كان اليوم الذي مات فيه المسلم وارثه ليس بمسلم لم يرثه أصلًا سواء أسلم قبل قسم الميراث أو بعده، وكذلك إن كان مورثه على غير دين الإسلام، وكان الوارث يوم مات غير مسلم ورثه ضرورة سواء كان إسلامه قبل القسم أو بعده، وقالت طائفة منهم الحسن وقتادة وجماعة: المعتبر في ذلك يوم القسم (٦).
قال القرافي (٦٨٤ هـ): قال ابن يونس: إن أسلم قبل القسم أو عتق العبد لا ميراث عند مالك والأئمة لقيام المانع عند الموت، وعن عمر وعثمان ﵄ يرثان نظرًا لعدم القسمة، واتفقوا بعد القسم على عدم التوريث (٧).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): . . . فأما إذا قسمت التركة، وتعين حق كل
стр. 5694
وارث، ثم أسلم، فلا شيء له، وإن كان الوارث واحدًا فإذا تصرف في التركة واحتازها كان بمنزلة قسمتها (١).
قال ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة ورث (٢)
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر؛ ولا الكافر المسلم) (٣).
• وجه الاستدلال: أنه نص فى منع التوارث بين المسلم والكافر، والذي أسلم بعد قسم الميراث كان كافرًا قبل استحقاقه.
الثاني: ولأن الملك قد إنتقل بالموت إلى المسلمين، فلم يشاركهم من أسلم بعد ما اقتسموا (٤).
النتيجة: صحة الإجماع هي أن الكافر إذا أسلم بعد قسمة الميراث فإنه لا يرث شيئًا.
[٣٠٧ - ١١٥] إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة فإنه يرث
• المراد بالمسألة: أن من لم يرث بسبب كفره، ولم تقسم التركة، ثم أسلم بعد ذلك فإنه يرث.
• من نقل الإجماع: قال الماوردي (٤٥٠ هـ): فلو مات مسلم وترك ابنًا مسلمًا وابنًا نصرانيًا أسلم، فإن كان إسلام النصراني قبل موت أَبيه ولو بطرفة عين كان الميراث بينهما وهذا إجماع. . . ومن الفقهاء أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء. . . أنهم ورثوا من أسلم أو أعتق على ميراث قبل أن يقسم (٥).
стр. 5695
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وروى ابن عبد البر، بإسناده في: التمهيد، عن زيد بن قتادة العنبري، أن إنسانًا من أهله مات على غير دين الإسلام، فورثته أختي دوني، وكانت على دينه، ثم إن جدي أسلم، وشهد مع النبي ﷺ حنينًا، فتوفي، فلبثت، سنة، وكان ترك ميراثا، ثم إن أختي أسلمت، فخاصمتني في الميراث إلى عثمان ﵁ فحدثه عبد اللَّه بن أرقم، أن عمر قضى أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم، فله نصيبه، فقضى به عثمان، فذهبت بذاك الأول، وشاركتني في هذا، وهذه قضية انتشرت فلم تنكر فكانت إجماعًا] (١).
• الموافقون على الإجماع: أحمد في إحدى الروايتين عنه، وإسحاق (٢).
قال القرافي (٦٨٤ هـ): قال ابن يونس: إن أسلم قبل القسم أو عتق العبد لا ميراث عند مالك والأئمة لقيام المانع عند الموت، وعن عمر وعثمان ﵄ يرثان نظرًا لعدم القسمة (٣).
قال ابن مفلح (٨٨٤ هـ): لا يرث. . . ولا الكافر المسلم إلا أن يسلم قبل قسم ميراثه فيرثه (٤). قال ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): قال أحمد: إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة ورث (٥).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (كل قسم في الجاهلية؛ فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام؛ فإنه على قسم الإسلام) (٦).
стр. 5696
• وجه الاستدلال: أن ما قسم من الأموال حال إسلام الوارث فهو له.
الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (من أسلم على شيء فهو له) (١).
• وجه الاستدلال: أن المانع من الإرث قد زال، وهو الكفر، قبل قسمة التركة، فاستحق أن يرث.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥)، فذهبوا إلى أنه لا يرث، لأن العبرة بوفاة المورث، لا بتقسيم التركة.
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر؛ ولا الكافر المسلم) (٦).
• وجه الاستدلال: أنه نص في منع التوارث بين المسلم والكافر، والذي أسلم بعد المورث كان كافرًا قبل استحقاقه، لأن العبرة بموت المورث لا بتقسيم التركة.
الثاني: ولأن الملك قد انتقل بالموت إلى المسلمين، فلم يشاركهم من أسلم ولو قبل قسمة التركة (٧).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن الكافر إذا أسلم قبل قسمة الميراث إنه يرث شيئًا.
стр. 5697
[٣٠٨ - ١١٦] الأسير يرث إذا مات له قريب ويُورث إذا مات هو
• المراد بالمسألة: الأسير هو: المسلم الذي يقع في قبضة العدو الكافر (١).
فالأسير المسلم الذي لدى العدو، يرث إذا علمت حياته، وأما إذا لم تعلم حياته، فتجري عليه أحكام المفقود.
• من نقل الإجماع: البغوي (٥١٦ هـ) قال: [والأسير في أيدي الكفار إذا مات يورث منه ويرث إذا مات له قريب عند عامة أهل العلم؛ إلا ما حكي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يورث الأسير] (٢).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [ويرث الأسير الذي مع الكفار إذا علمت حياته في قول عامة الفقهاء، إلا سعيد بن المسيب فإنه قال: لا يرث؛ لأنه عبد وليس بصحيح؛ لأن الكفار لا يملكون الأحرار بالقهر فهو باق على حريته؛ فيرث كالمطلق] (٣).
القرطبي (٦٧١ هـ) قال: [ولما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ دخل فيهم الأسير في أيدي الكفار؛ فإنه يرث ما دام تعلم حياته على الإسلام، وبه قال كافة أهل العلم] (٤).
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [إذا مات رجل وخلف ولدًا أسيرًا في أيدي الكفار فإنه يرث ما دام يعلم حياته، وبه قال أهل العلم كافة] (٥).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٦).
стр. 5698
قال القرافي (٦٨٤ هـ): المفقود أو الأسير. . . وإن مات له قريب حاضر توقفنا في نصيبه حتى نعلم حياة المفقود فيكون المال له، أو يمضي تعميره فيكون مال الميت لورثته دون المفقود وورثته (١).
قال ابن مفلح (٨٨٤ هـ): والحاصل أنه متى بان المفقود حيًا يوم موت موروثه فله حقه، والباقي لمستحقه (٢).
قال ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): . . . حتى أن المسلم التاجر أو الأسير لو مات في دار الحرب ورث منه ورثته الذين في دار الإسلام (٣).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى قوله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
• وجه الاستدلال: أنه لم يفرق بين الأسير وغيره، فأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم المفقود.
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في هذه المسألة عن: سعيد بن المسيب (٤)، وإبراهيم النخعي (٥) فقد جاء عن سعيد بن المسيب أنه: (كان لا يورث الأسير) (٦)، ويذهب إلى أن الأسير المسلم يُسترق.
النتيجة: صحة الإجماع في أن الأسير يِرِث إذا مات له قريب ويُورث إذا مات هو.
[٣٠٩ - ١١٧] فعل الكبائر لا يمنع التوارث بين المسلمين
• المراد بالمسألة: أن المعاصي والكبائر؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر،
стр. 5699
ليست من موانع الإرث ما دام أن أصحابها من أهل الإسلام، فإنهم يتوارثون فيما بينهم.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن الولد من الأمة كالولد من الحرة في الميراث ولا فرق في كل ما ذكرنا، وأن البكر كغير البكر، وأن الصغير كالكبير، والفاسق كالعدل، والأحمق كالعاقل، وأنه من كان في بطن أمه بعد ولو بطرفة عين قبل مورثه أنه إن ولد حيًّا ورث] (١).
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذي أمِنوا بتلك الأحوال] (٢).
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [ولم يرد نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا بتلك الأحوال] (٣).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٤)، والشافعية (٥).
قال القرافي (٦٨٤ هـ) في معاملة مكتسب الحرام كمتعاطي الربا والغلول وأثمان الغصوب والخمور ونحو ذلك. . . القول الرابع يجوز مبايعته وقبول هبته وأكل طعامه في ذلك المال وفيما اشتراه أو وهب له أو ورثه، وإن كان ما عليه من التبعات استغرقه، قال أبو الوليد: فعلى هذا القول
стр. 5700
يجوز أن تورث عنه (١).
• يستند الإجماع إلى: أن أصحاب الكبائر من جملة المسلمين، وتجري عليهم أحكام المسلمين بإجماع العلماء (٢).
النتيجة: صحة الإجماع في أن فعل الكبائر لا يمنع التوارث بين المسلمين.
[٣١٠ - ١١٨] ما اقتسمه الكفار الحربيون قبل أن يسلموا فهو على قسمتهم
• المراد بالمسألة: أن الكفار المحاربين إذا اقتسموا الميراث على عقيدتهم قبل أن يسلموا، ثم أسلموا بعد ذلك، فإن القسمة تمضى على ما كانت، ولا يطالبون بنقضها.
• من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن ما اقتسمه الحربيون قبل أن يسلموا فإنه لا يرد] (٣).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ): وإذا تحاكم أهل الحرب إلينا في ميراث ميت منهم وله ورثة من أهل الحرب وورثة من أهل العهد وورثة من أهل الذمة لم يورث أهل الذمة منهم كما لا نورثهم من أهل الذمة وقسمنا ميراثه بين أهل
стр. 5701
الحرب وأهل العهد مع اتفاق دارهم واختلافها وتباين أناسهم واتفاقها كالروم والترك والهند والزنج (١).
قال ابن رشد (٥٩٥ هـ): المعتبر في ذلك يوم القسم وروي ذلك عن عمر بن الخطاب (٢)
قال البهوتي (١٠٥١ هـ): أهل الملة الواحدة يتوارثون، وضبط التوريث بالملة والكفر والإسلام دليل على أن الاعتبار به دون غيره (٣).
قال ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): الكفار يتوارثون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم عندنا؛ لأن الكفر كله ملة واحدة (٤).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما ورد: عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (كل قسم في الجاهلية؛ فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام؛ فإنه على قسم الإسلام) (٥).
• وجه الاستدلال: أن ما قسم من الأموال قبل الإسلام فهو على قسمه، ويدخل في ذلك المواريث.
النتيجة: صحة الإجماع في أن ما اقتسمه أهل الجاهلية قبل أن يسلموا فهو على قسمتهم.
* * *
стр. 5702
الفصل السابع: مسائل الإجماع في ميراث المطلقات
[٣١١ - ١١٩] المطلقة الرجعية ترث زوجها ويرثها
• الطلاق في اللغة: الحل والتخلية ورفع القيد (١).
• وفي الاصطلاح هو: رفع قيد النكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص، أو ما يقوم مقامه (٢).
• والطلاق أقسام، ومنه الطلاق الرجعي، وهو: ما يجوز معه للزوج رد زوجته في عدتها من غير استئناف عقد.
• والمراد بالمسألة: أنه إذا مات أحد الزوجين في عدة المطلقة طلاقًا رجعيًا والزواج صحيح؛ فإنهما يتوارثان.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا على أن مطلق زوجته طلاقًا يملك فيه رجعتها ثم تُوفِّي قبل انقضاء العدة أن عليها عدة الوفاة وترثه] (٣). وقال: [وأجمعوا أن من طلق زوجته مدخولًا بها طلاقًا يملك رجعتها وهو صحيح أو مريض فمات أو ماتت قبل أن تنقضي عدتها؛ فإنهما يتوارثان] (٤).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن المطلقة طلاقًا رجعيًا ترث زوجها
стр. 5703
ويرثها ما دامت في العدة] (١). وقال: [واتفقوا أن المطلقة طلاقًا رجعيًا في صحة أو مرض، وقد كان وطِئها في ذلك النكاح، ثم مات أحدهما قبل انقضاء العدة؛ أنهما يتوارثان] (٢).
البغوي (٥١٦ هـ) قال: [اتفق أهل العلم على أنه لو طلق امرأته طلاقًا رجعيًا، ثم مات أحدهما قبل انقضاء العدة؛ يرثه الآخر] (٣).
العمراني (٥٥٨ هـ) قال: [فإن كان الطلاق رجعيًا، فمات وهي في العدة، أو ماتت قبله في العدة، ورث أحدهما صاحبه بلا خلاف] (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها في عدتها؛ لم يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة، سواء كان في المرض أو في الصحة، بغير خلاف نعلمه] (٥).
شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) قال: [(وإن كان الطلاق رجعيًا لم يقطعه -أي التوارث- ما دامت في العدة) سواء كان في المرض أو الصحة بغير خلاف نعلمه] (٦).
القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [اتفق الناس أن المطلقة الرجعية ترث وتُوَرث في العدة، وقع الطلاق في المرض أو الصحة] (٧) ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [هذه المطلقة إن كانت مطلقة طلاقًا رجعيًا ومات زوجها وهي في العدة ورثته باتفاق المسلمين] (٨).
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [إذا طلق الرجل امرأته في مرض موته، وقع الطلاق رجعيًا فمات وهي في العدة أو ماتت قبله، ورث أحدهما صاحبه بلا
стр. 5704
خلاف] (١).
عبد الرحمن ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) قال: [. . ويتوارث به الزوجان من الجانبين، وفي عدة الطلاق الرجعي إجماعًا] (٢).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): من طلق امرأته ثلاثًا في مرضه ثم مات وهي في العدة فإنها ترث بحكم الفرار (٤).
قال البهوتي (١٠٥١ هـ): يتوارثان في طلاق رجعي ما دامت في العدة سواء كان في المرض أو الصحة (٥).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:
١ - ٢].
• وجه الاستدلال: فيه أمر المطلقة الرجعية بالبقاء في بيت زوجها, لأنها ما زالت زوجة حتى تنتهي عدتها وهي في هذه الحالة ترث لقيام سبب الإرث وهو الزوجية (٦).
الثاني: أن هذا الحكم مروي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي،
стр. 5705
وابن مسعود ﵁ وليس لهم مخالف (١).
الثالث: أن سبب الإرث قائم، وهو الزوجية، ولذلك الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها ولا ولي ولا شهود ولا صداق جديد، فما دام سبب الزوجية موجودًا فإنهما يتوارثان.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: عبد اللَّه بن الزبير ﵁، فقد ورد عنه أنه قال: (لو كنت أنا لم أورثها) (٢).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المطلقة طلاقًا رجعيًا يرثها زوجها وترثه.
وأما خلاف ابن الزبير ﵁ قد رده أهل العلم من أهل التحقيق:
قال ابن قدامة: (وما روي عن ابن الزبير إن صح، فهو مسبوق بالإجماع) (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير. . وابن الزبير قد انعقد الإجماع قبل أن يصير من أهل الاجتهاد) (٤).
وقال ابن الهمام: (قول ابن الزبير في خلافته: لو كنت أنا لم أورثها، أراد به لعدم علمي إذ ذاك بأن الحكم الشرعي في حقها ذلك، وهو بعد انعقاد الإجماع فيه فلا يقدح فيه، لا يقال: بل على هذا التقرير لم يكن إجماعًا لأنه كان سكوتيًا، وحين قال ابن الزبير ذلك ظهر أن سكوته لم يكن وفاقًا. لأنا نقول: نعم لو كان إذ ذاك فقيهًا لكنه لم يكن في ذلك الزمان من
стр. 5706
الفقهاء إذ لم يعرف له قبل ذلك فتوى ولا شهرة بفقه، والحكم في ذلك يتبع ظهور ذلك فخلافه كخلاف ابن عباس في مسألة العول) (١).
[٣١٢ - ١٢٠] الرجعية إن طالت عدتها بأي سبب مباح فإنها ترث
• المراد بالمسألة: سبق بيان أن المطلقة الرجعية ترث زوجها وترثه إذا كانت في العدة، ولو قُدر أن العدة طالت لسبب ما، كحمل، أو رضاع، أو ارتفاع حيض لا تعلم سببه، فإنها ترث؛ لأنها في العدة (٢).
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [قال مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كانت عند جدي حبان امرأتان: هاشمية وأنصارية، فطلق الأنصارية وهي ترضع، فمرت بها سنة ثم هلك عنها ولم تحض فقالت: أنا أرثه؛ لم أحض؛ فاختصمتا إلى عثمان بن عفان؛ فقضى لها بالميراث؛ فلامت الهاشمية عثمان فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا، يعني: علي بن أبي طالب ﵁ ولا أعلم خلافًا في حكم هذه المرأة، ومن كان على مثل حالها ممن ارتفعت حيضتها في هذا المقام من أَجل الرضاع، لا من أَجل ريبة أرتابتها أن عدتها الأقراء، وإن تباعدت إن كانت من ذوات الأقراء، وهو قضاء علي وعثمان في جماعة من الصحابة من غير نكير، وعليه جماعة العلماء، وهو معنى كتاب
стр. 5707
اللَّه في المطلقات ذوات الأقراء، وأن عدة كل واحدة منهن ثلاثة قروء إذا كانت حرة، أو قرء إن كانت أمة] (١).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها في عدتها لم يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة سواء كان في المرض أو الصحة بغير خلاف نعلمه] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
قال العمراني (٥٥٨ هـ): فإن كان الطلاق رجعيًا، فمات وهي في العدة، أو ماتت قبله في العدة، ورث أحدهما صاحبه بلا خلاف. . . لأن الرجعية حكمها حكم الزوجة إلا في إباحة وطئها فهي كالحائض (٦).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قول اللَّه : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
• وجه الاستدلال: أن عدة المطلقة الرجعية ثلاثة قروء، فمتى تحققت انتهت العدة، ومتى لم تتحقق في ذوات القروء فلا تخرج من العدة وإن طالت.
الثاني: قوله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤].
• وجه الاستدلال: أن المطلقة الرجعية
стр. 5708
إن كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل، طال العمل أم قصر.
الثالث: عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كانت عند جدي حبانَ امرأتان: هاشمية وأنصارية، فطلق الأنصارية وهي ترضع، فمرت بها سنة ثم هلك عنها ولم تحض فقالت: أنا أرثه؛ لم أحض؛ فاختصمتا إلى عثمان بن عفان؛ فقضى لها بالميراث؛ فلامت الهاشمية عثمان فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا، يعني: علي بن أبي طالب ﵁ (١).
• وجه الاستدلال: أن سبب طول المدة هنا معروف وهو: الرضاع، فلما عرف ورثها عثمان ﵁ ووافقه على ذلك علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت ﵄ (٢).
الرابع: أن سبب الإرث قائم، وهو الزوجية، ولذلك الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها ولا ولي ولا شهود ولا صداق جديد، فما دام سب الزوجية موجودًا فإنها ترثه ما دامت في العدة وإن طالت.
• الخلاف في المسألة: خالف في أصل هذه المسألة: ابن الزبير ﵁ كما نقلت عنه في المسألة السابقة، وخلصت فيه إلى أنَّ خلافه غير معتبر، وجواب أهل العلم عنه (٣).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المطلقة طلاقًا رجعيًا ترث وإن طالت عدتها.
[٣١٣ - ١٢١] لا يتوارث الزوجان فى الطلاق البائن في حال صحة الزوج
الطلاق البائن هو: رفع قيد النكاح في الحال، وهو على قسمين، الأول: بائن بينونة صغرى، ويكون بالطلقة البائنة الواحدة، وبالطلقتين
стр. 5709
البائنتين، أو قبل الدخول، ولو بطلقة واحدة، فهو بينونة صغرى.
والثاني: بائن بينونة كبرى، ويكون الطلاق ثلاثًا، سواء كان أصل كل من الثلاث بائنًا أم رجعيًا بالاتفاق (١).
• والمراد بالمسألة: فإذا طلق الرجل زوجته طلاقًا بائنًا فمات أحدهما في العدة فلا توارث بينهما لانقطاع العلاقة الزوجية.
• من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ): [لا ترث مبتوتة في عدة كانت أو غير عدة وهو قول ابن الزبير وعبد الرحمن طلق امرأته إن شاء اللَّه على أنها لا ترث وأجمع المسلمون أنه إذا طلقها ثلاثًا ثم آلى منها لم يكن موليا وإن تظاهر لم يكن متظاهرا وإذا قذفها لم يكن له أن يلاعنها ويبرأ من الحد وإن ماتت لم يرثها فلما أجمعوا جميعًا أنها خارجة من معاني الأزواج لم ترثه] (٢).
ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا أن من طلق زوجته ثلاثًا وهو صحيح في كل قرء تطليقة، ثم مات أحدهما أن لا ميراث للحي منهما من الميت] (٣).
الكاساني (٥٨٧ هـ): [وإن كانت من طلاق بائن أو ثلاث فإن كان ذلك في حال الصحة فمات أحدهما لم يرثه صاحبه سواء كان الطلاق برضاها أو بغير رضاها وإن كان في حال المرض فإن كان برضاها لا ترث بالإجماع وإن كان بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عندنا وعند الشافعي لا ترث] (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وإن طلقها في الصحة طلاقًا بائنًا أو رجعيًا فبانت بانقضاء عدتها لم يتوارثا إجماعًا] (٥).
стр. 5710
شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) قال: [إذا طلق امرأته في صحته طلاقا بائنا أو رجعيًا فبانت بانقضاء عدتها لم يتوارثا إجماعًا] (١). القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [واتفقوا أن المطلقة في المرض طلاقًا بائنًا أنها لا تورث، فإن مات زوجها فورثها مالك وأهل العراق مؤاخذة بنقيض قصده كالقاتل، وقال جماعة: لا ترثه، وورثها مالك بعد العدة وإن تزوجت] (٢).
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [وإن كان الطلاق بائنًا فإن ماتت قبل الزوج لم يرثها الزوج، وهو إجماع أَيضًا لا خلاف فيه] (٣). ويقول: [إذا علق المريض طلاق امرأته ثلاثًا بصفة ثم وجدت تلك الصفة. . ففعلت ذلك في مرض موته لم ترثه قولًا واحدًا] (٤). وقال: [وإن طلقها في المرض ثم صح ثم مرض ومات، أو طلقها في مرض ثم ارتدت ثم عادت إلى الإسلام ثم مات لم ترثه قولًا واحدًا, لأنه أتت عليها حالة أو مات سقط إرثها فلم يعد] (٥).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (٦).
قال البهوتي (١٠٥١ هـ): إذا أَبان الزوج زوجته في صحته لم يتوارثا (٧).
قال عبد الرحمن بن قاسم (١٣٩٢ هـ): من أَبان زوجته في صحته لم يتوارثا لزوال الزوجية التي هي سبب الميراث (٨)
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].
• وجه الاستدلال: أنها أفادت انقطاع سبب الإرث