الفقهاء إذ لم يعرف له قبل ذلك فتوى ولا شهرة بفقه، والحكم في ذلك يتبع ظهور ذلك فخلافه كخلاف ابن عباس في مسألة العول) (١).
[٣١٢ - ١٢٠] الرجعية إن طالت عدتها بأي سبب مباح فإنها ترث
• المراد بالمسألة: سبق بيان أن المطلقة الرجعية ترث زوجها وترثه إذا كانت في العدة، ولو قُدر أن العدة طالت لسبب ما، كحمل، أو رضاع، أو ارتفاع حيض لا تعلم سببه، فإنها ترث؛ لأنها في العدة (٢).
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [قال مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كانت عند جدي حبان امرأتان: هاشمية وأنصارية، فطلق الأنصارية وهي ترضع، فمرت بها سنة ثم هلك عنها ولم تحض فقالت: أنا أرثه؛ لم أحض؛ فاختصمتا إلى عثمان بن عفان؛ فقضى لها بالميراث؛ فلامت الهاشمية عثمان فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا، يعني: علي بن أبي طالب ﵁ ولا أعلم خلافًا في حكم هذه المرأة، ومن كان على مثل حالها ممن ارتفعت حيضتها في هذا المقام من أَجل الرضاع، لا من أَجل ريبة أرتابتها أن عدتها الأقراء، وإن تباعدت إن كانت من ذوات الأقراء، وهو قضاء علي وعثمان في جماعة من الصحابة من غير نكير، وعليه جماعة العلماء، وهو معنى كتاب
стр. 5707
اللَّه في المطلقات ذوات الأقراء، وأن عدة كل واحدة منهن ثلاثة قروء إذا كانت حرة، أو قرء إن كانت أمة] (١).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها في عدتها لم يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة سواء كان في المرض أو الصحة بغير خلاف نعلمه] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
قال العمراني (٥٥٨ هـ): فإن كان الطلاق رجعيًا، فمات وهي في العدة، أو ماتت قبله في العدة، ورث أحدهما صاحبه بلا خلاف. . . لأن الرجعية حكمها حكم الزوجة إلا في إباحة وطئها فهي كالحائض (٦).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قول اللَّه : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
• وجه الاستدلال: أن عدة المطلقة الرجعية ثلاثة قروء، فمتى تحققت انتهت العدة، ومتى لم تتحقق في ذوات القروء فلا تخرج من العدة وإن طالت.
الثاني: قوله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤].
• وجه الاستدلال: أن المطلقة الرجعية
стр. 5708
إن كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل، طال العمل أم قصر.
الثالث: عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كانت عند جدي حبانَ امرأتان: هاشمية وأنصارية، فطلق الأنصارية وهي ترضع، فمرت بها سنة ثم هلك عنها ولم تحض فقالت: أنا أرثه؛ لم أحض؛ فاختصمتا إلى عثمان بن عفان؛ فقضى لها بالميراث؛ فلامت الهاشمية عثمان فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا، يعني: علي بن أبي طالب ﵁ (١).
• وجه الاستدلال: أن سبب طول المدة هنا معروف وهو: الرضاع، فلما عرف ورثها عثمان ﵁ ووافقه على ذلك علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت ﵄ (٢).
الرابع: أن سبب الإرث قائم، وهو الزوجية، ولذلك الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها ولا ولي ولا شهود ولا صداق جديد، فما دام سب الزوجية موجودًا فإنها ترثه ما دامت في العدة وإن طالت.
• الخلاف في المسألة: خالف في أصل هذه المسألة: ابن الزبير ﵁ كما نقلت عنه في المسألة السابقة، وخلصت فيه إلى أنَّ خلافه غير معتبر، وجواب أهل العلم عنه (٣).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المطلقة طلاقًا رجعيًا ترث وإن طالت عدتها.
[٣١٣ - ١٢١] لا يتوارث الزوجان فى الطلاق البائن في حال صحة الزوج
الطلاق البائن هو: رفع قيد النكاح في الحال، وهو على قسمين، الأول: بائن بينونة صغرى، ويكون بالطلقة البائنة الواحدة، وبالطلقتين
стр. 5709
البائنتين، أو قبل الدخول، ولو بطلقة واحدة، فهو بينونة صغرى.
والثاني: بائن بينونة كبرى، ويكون الطلاق ثلاثًا، سواء كان أصل كل من الثلاث بائنًا أم رجعيًا بالاتفاق (١).
• والمراد بالمسألة: فإذا طلق الرجل زوجته طلاقًا بائنًا فمات أحدهما في العدة فلا توارث بينهما لانقطاع العلاقة الزوجية.
• من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ): [لا ترث مبتوتة في عدة كانت أو غير عدة وهو قول ابن الزبير وعبد الرحمن طلق امرأته إن شاء اللَّه على أنها لا ترث وأجمع المسلمون أنه إذا طلقها ثلاثًا ثم آلى منها لم يكن موليا وإن تظاهر لم يكن متظاهرا وإذا قذفها لم يكن له أن يلاعنها ويبرأ من الحد وإن ماتت لم يرثها فلما أجمعوا جميعًا أنها خارجة من معاني الأزواج لم ترثه] (٢).
ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا أن من طلق زوجته ثلاثًا وهو صحيح في كل قرء تطليقة، ثم مات أحدهما أن لا ميراث للحي منهما من الميت] (٣).
الكاساني (٥٨٧ هـ): [وإن كانت من طلاق بائن أو ثلاث فإن كان ذلك في حال الصحة فمات أحدهما لم يرثه صاحبه سواء كان الطلاق برضاها أو بغير رضاها وإن كان في حال المرض فإن كان برضاها لا ترث بالإجماع وإن كان بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عندنا وعند الشافعي لا ترث] (٤). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وإن طلقها في الصحة طلاقًا بائنًا أو رجعيًا فبانت بانقضاء عدتها لم يتوارثا إجماعًا] (٥).
стр. 5710
شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) قال: [إذا طلق امرأته في صحته طلاقا بائنا أو رجعيًا فبانت بانقضاء عدتها لم يتوارثا إجماعًا] (١). القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [واتفقوا أن المطلقة في المرض طلاقًا بائنًا أنها لا تورث، فإن مات زوجها فورثها مالك وأهل العراق مؤاخذة بنقيض قصده كالقاتل، وقال جماعة: لا ترثه، وورثها مالك بعد العدة وإن تزوجت] (٢).
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [وإن كان الطلاق بائنًا فإن ماتت قبل الزوج لم يرثها الزوج، وهو إجماع أَيضًا لا خلاف فيه] (٣). ويقول: [إذا علق المريض طلاق امرأته ثلاثًا بصفة ثم وجدت تلك الصفة. . ففعلت ذلك في مرض موته لم ترثه قولًا واحدًا] (٤). وقال: [وإن طلقها في المرض ثم صح ثم مرض ومات، أو طلقها في مرض ثم ارتدت ثم عادت إلى الإسلام ثم مات لم ترثه قولًا واحدًا, لأنه أتت عليها حالة أو مات سقط إرثها فلم يعد] (٥).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (٦).
قال البهوتي (١٠٥١ هـ): إذا أَبان الزوج زوجته في صحته لم يتوارثا (٧).
قال عبد الرحمن بن قاسم (١٣٩٢ هـ): من أَبان زوجته في صحته لم يتوارثا لزوال الزوجية التي هي سبب الميراث (٨)
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩].
• وجه الاستدلال: أنها أفادت انقطاع سبب الإرث
стр. 5711
وهو الزوجية، حيث نفى عنها العدة (١).
الثاني: قوله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].
• وجه الاستدلال: لما حرم عليه نكاحها حتى تنكح زوجًا غيره، دل على انقطاع سبب الإرث وهو الزوجية القائمة.
الثالث: عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال واللَّه مالك علينا من شيء فجاءت رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: (ليس لك عليه نفقة فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك. .) (٢).
• وجه الاستدلال: أن المبتوتة لا نفقة لها، فالأولى أن لا ترث لانقطاع سبب الإرث (٣).
النتيجة: صحة الإجماع في أن الطلاق البائن في الصحة لا توارث فيه بين الزوجين.
[٣١٤ - ١٢٢] المبتوتة في مرض زوجها المخوف ترثه
• المراد بالمسألة: أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقًا بائنًا في مرضه المخوف فمات عنها فإنها ترثه، وذلك لدفع الضرر عنها، وأن طلاقه لها فيه تهمة.
• من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [إذا طلق المسلم المريض زوجته الأمة والذمية طلاقًا بائنًا، ثم أسلمت الذمية، وعتقت الأمة، ثم مات
стр. 5712
في عدتهما، لم ترثاه؛ لأنه لم يكن عند الطلاق فارًا. وإن قال لهما في المرض: إذا عتقت أنت أو أسلمت أنت، فأنتما طالقتان، فعتقت الأمة، وأسلمت الذمية، ومات، ورثتاه؛ لأنه فارٌّ فإن قال لهما: أنتما طالقتان غدًا. فعتقت الأمة، وأسلمت الذمية، لم ترثاه؛ لأنه غير فارٌّ وإن قال سيد الأمة أنت حرة غدًا، وقال الزوج: أنت طالق غدًا، وهو يعلم بقول السيد ورثته؛ لأنه فارٌّ وإن لم يعلم لم ترثه؛ لعدم الفرار، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ﵃ ولم أعلم لهم مخالفًا] (١)، وقال: [وإن كان الطلاق في المرض المخوف ثم مات من مرضه ذلك في عدتها، ورثته ولم يرثها. . ثم قال: ولنا أن عثمان ﵁ ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرضه فبتها. . واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر؛ فكان إجماعًا] (٢).
ابن الهمام (٦٨١ هـ) قال: [أما الإجماع فلأن عثمان ﵁ ورث تماضر بنت الأصبغ بن زياد الكلبية وقيل بنت عمرو بن الشريد السلمية من عبد الرحمن بن عوف لما بت طلاقها في مرضه ومات وهي في العدة بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد فكان إجماعًا وقال ما اتهمته ولكن أردت السنة] (٣).
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال في معرض جوابه على سؤال: [عن رجل زوَّج ابنته وكتب الصداق عليه ثم إن الزوج مرض بعد كذلك فحين قوي عليه المرض فقبل موته بثلاثة أيام طلق الزوجة ليمنعها من الميراث، فهل يقع هذا الطلاق؛ وما الذي يجب لها في تركته؟ فأجاب: هذه المطلقة إن كانت المطلقة مطلقة طلاقًا رجعيًا ومات زوجها وهي في العدة ورثته باتفاق المسلمين، وإن كان الطلاق بائنًا كالمطلقة ثلاثًا ورثته أَيضًا عند جماهير
стр. 5713
أئمة الإسلام، وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. . ثم قال: لأن الطلاق واقع بحيث لو ماتت هي لم يرثها هو بالاتفاق] (١).
ابن القيم (٧٥١ هـ) قال: [أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت حيث يتهم بقصد حرمانها الميراث بلا تردد إن لم يقصد الحرمان لأن الطلاق ذريعة] (٢). الزيلعي (١٠٢١ هـ) قال: أما روي أن عثمان بن عفان ورث تماضر بنت الأصبغ امرأة عبد الرحمن بن عوف وكان قد أبانها في مرضه بمحضر من الصحابة من غير نكير فصار إجماعًا] (٣).
• الموافقون على الإجماع: المالكية (٤)، والشافعي في القديم (٥).
قال القرافي (٦٨٤ هـ): فإن مات زوجها فورثها مالك وأهل العراق مؤاخذة له بنقيض قصده كالقاتل (٦).
قال الشيرازي (٤٧٦ هـ): واختلف قول الشافعي فيمن بتّ طلاق امرأته في المرض المخوف واتصل به الموت فقال في أحد القولين: إنها ترثه لأنه متهم في قطع إرثها فورثت كالقاتل لما كان متهمًا في استعجال الميراث لم يرث (٧).
قال العمراني (٥٥٨ هـ): وإن كان الطلاق بائنًا. . . وإن مات الزوج قبلها، فهل ترثه؟ فيه قولان:
قال في القديم: ترثه، وبه قال عمر بن الخطاب وعثمان وعلي. . . .،
стр. 5714
وقال في الجديد: لا ترثه (١). قال عبد الرحمن بن قاسم (١٣٩٢ هـ): وإن أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها لم يرثها وترثه (٢).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن طلحة بن عبد اللَّه بن عوف، أن عثمان ﵁: (ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرضه فبتها) (٣).
• وجه الاستدلال: أن عثمان ﵁ ورث امرأة عبد الرحمن بن عوف ﵁ في محضر من الصحابة فلم ينكر أحدٌ فكان إجماعًا.
الثاني: أن تطليقها فيه تهمة الإضرار بها، وهو يدل على قصده حرمانها من الإرث، فيعاقب بنقيض قصده، كما يرد قصد القاتل إذا قتل مورثه بحرمانه من الإرث، فترث المرأة حينئذ بسبب الزوجية دفعًا للضرر عنها.
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في هذه المسألة عن: علي بن أبي طالب (٤)، وعبد الرحمن بن عوف (٥)، وعبد اللَّه بن الزبير (٦)، والحارث بن يزيد العكلي (٧) ﵁، والشافعي في الجديد، واختاره المزني (٨)، وداود وابن
стр. 5715
حزم الظاهريان (١)، فذهبوا إلى أن المبتوتة لا ترث كما أنه لا يرثها، وسواء طلقها وهو مريض أو صحيح).
• دليلهم: وحجة المخالفين: أنها بينونة قبل الموت، فقطعت الإرث كالطلاق في الصحة ولا فرق (٢).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن المبتوتة في مرض زوجها المخوف الذي مات فيه ترث، وذلك للخلاف القوي في المسألة.
[٣١٥ - ١٢٣] لا يرث الزوج زوجته المبتوتة في مرضه المخوف
• المراد بالمسألة: أن المرأة المبانة من زوجها بينونة كبرى لا يرثها زوجها, ولو ماتت في العدة, لأن التهمة من جهتها غير متصورة، والطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا على أن الزوج لا يرثها إن ماتت في العدة، ولا بعد انقضاء العدة إذا طلقها ثلاثًا، وهو صحيح أو مريض] (٣). وقال: [وأجمعوا على أن المطلقة ثلاثًا لو ماتت لم يرثها المطلق؛ وذلك لأنها غير زوجة] (٤).
العمراني (٥٥٨ هـ) قال: [وإن كان الطلاق بائنًا، فإن ماتت قبل الزوج، لم يرثها الزوج، وهو إجماع لا خلاف فيه] (٥).
القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [واتفقوا أن المطلقة في المرض طلاقًا بائنًا أنها لا تورث] (٦).
стр. 5716
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) وقد سئل: [عن رجل زوج ابنته وكتب الصداق عليه، ثم إن الزوج مرض بعد ذلك فحين قوي عليه المرض فقبل موته بثلاثة أيام طلق الزوجة ليمنعها من الميراث، فهل يقع هذا الطلاق؟ وما الذي يجب لها في تركته؟ فأجاب: هذه المطلقة إن كانت طلاقًا رجعيًا، ومات زوجها وهي في العدة؟ ورثته باتفاق المسلمين، وإن كان الطلاق بائنًا كالمطلقة ثلاثًا ورثته أَيضًا عند جماهير أئمة الإسلام، وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. . لأن الطلاق واقع بحيث لو ماتت هي لم يرثها هو بالاتفاق] (١).
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [إذا طلقها ثلاثًا في مرضه ثم صح ثم مرض ثم مات فإنها لا ترثه قولًا واحدًا] (٢).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٣).
قال ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): وكذا ترث طالبة رجعية أو طلاق فقط طلقت بائنًا أو ثلاثًا لأن الرجعي لا يزيل النكاح حتى حل وطؤها، ويتوارثان في العدة مطلقًا وتكفي أهليتها للإرث وقت الموت بخلاف البائن (٤).
قال عبد الرحمن بن قاسم (١٣٩٢ هـ): وإن أبانها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها لم يرثها (٥).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن: سبب الإرث بينهما غير قائم، وهو الزوجية الصحيحة, والطلاق البائن حلٌّ لعقد الزوجية، فلا ترث فيه (٦).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المرأة المبانة من زوجها بينونة كبرى،
стр. 5717
إذا ماتت في العدة فإن زوجها لا يرثها.
[٣١٦ - ١٢٤] الخلع طلاق بائن لا ميراث بينهما
• المراد بالمسألة: الخلع هو: بضم الخاء وفتحها لغة: الإزالة مطلقًا، وبضمها شرعًا الإزالة المخصوصة (١).
وشرعًا: افتداء المرأة نفسها من زوجها على عوض (٢).
والخلع طلقة بائنة، فإذا خالع الرجل زوجته بلفظ الخلع فقد بانت منه بينونة صغرى، لا تحل له إلا بعقد جديد، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن رشد وغيره (٣).
وعليه فلا ترث منه لو مات بعد الخلع وهي في العدة، وأما إذا خالعها بلفظ الطلاق فهذا محل خلاف بين أهل العلم، هل يسمى طلاقًا كما هو مذهب الجمهور، أو فسخًا كما هو مذهب الحنابلة ووافقهم جمع من أهل العلم (٤)، إلا أن الجميع متفقون على أن الخلع طلقة بائنة.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا في المزوجة زواجًا صحيحًا في صحتهما ودينهما واحد، وهما حران أنهما يتوارثان ما لم يقع
стр. 5718
طلاق غير رجعي أو فسخ أو خلع] (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [لم يختلفوا أن الخلع طلاق بائن لا ميراث بينهما فيه] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): قال إبراهيم النخعي: أخذ المال تطليقة بائنة، ونحو ذلك عن الحسن، وعن علي ﵁: من قبل مالًا على فراق فهي تطليقة بائنة لا رجعة له فيها (٦).
قال الزيلعي (٧٤٣ هـ): الواقع بالخلع وبالطلاق الصريح إذا كان بعوض يكون بائنًا (٧). قال المرداوي (٨٨٥ هـ): لو خالعته فهو كطلاق الصحيح، على الصحيح من المذهب (٨). قال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): الفرقة بلفظ الخلع طلاق (٩).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن: سبب الإرث بينهما غير قائم، وهو الزوجية الصحيحة، والخلع فرقة حلت عقد الزوجية، فلا تحل له إلا بعقد جديد.
النتيجة: صحة الإجماع في أن المختلعة لا ترث إذا مات زوجها في العدة؛ إلا إذا نوى الطلاق، وأما خلاف ابن حزم فهو مسبوق بالإجماع على أن الخلع بينونة صغرى.
стр. 5719
[٣١٧ - ١٢٥] إذا لاعن الرجل امرأته انقطع التوارث بينهما
• المراد بالمسألة: اللعان هو: شهادات تجري بين الزوجين مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن من جانب الزوج وبالغضب من جانب الزوجة (١).
فإذا تمت شهادات الزوجة لأنها متأخرة عن شهادات الرجل، ولا يكتمل اللعان إلا بها، وحكم بينهما الحاكم (٢)، فُرق بينهما فرقة أبدية، وينقطع التوارث بين الزوجين بمجرد إنتهاء اللعان.
• من نقل الإجماع: العمراني (٥٥٨ هـ) قال: [إذا قذف امرأته في صحته، ثم لاعنها في مرض موته، لم ترثه قولًا واحدًا] (٣).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وجملته: أن الرجل إذا لاعن امرأته ونفى ولدها وفرق الحاكم بينهما؛ انتفى ولدها عنه، وانقطع تعصيبه من جهة الملاعن؛ فلم يرثه هو ولا أحد من عصباته، وترث أمه، وذوو الفروض منه فروضهم، وينقطع التوارث بين الزوجين، لا نعلم بين أهل العلم في هذه الجملة خلافًا] (٤).
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [إذا طلق امرأته في الصحة ثم لاعنها في مرض موته لم ترثه قولًا واحدًا، قال ابن الصباغ: فإنها لا ترثه قولًا واحدًا] (٥).
стр. 5720
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وابن حزم من الظاهرية (٣).
قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): وولد الزنا يرث أمه وترثه أمه، ولها عليه حق الأمومية من البر والنفقة والتحريم وسائر حكم الأمهات، ولا يرثه الذي تخلق من نطفته ولا يرثه هو ولا له عليه حق الإبوة لا في بر ولا في نفقة ولا في تحريم ولا في غير ذلك، وهو منه أجنبي ولا نعلم في هذا خلافًا إلا في التحريم فقط (٤).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): كان علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت يقولان: ولد الملاعنة بمنزلة من لا قرابة له من قبل أَبيه، وله قرابة من قبل أمه، وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وبه أخذ علماؤنا والشافعي (٥).
قال النووي (٦٧٦ هـ): اللعان يقطع التوارث بين الملاعن والولد لانقطاع النسب، وكذا يقطع التوارث بين الولد وكل من يدلي بالملاعن كابيه وأمه وأولاده (٦).
قال الدردير (١٢٠١ هـ): لا توارث بين المتلاعنين إذا التعن والتعنت بعده وإلا فيرثها، والحاصل أنه إن حصل اللعان من كل على الترتيب الشرعي لم يرث أحدهما الآخر (٧).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن سهل بن سعد ﵁ قال: (مضت السنة في المتلاعنين أن
стр. 5721
يفرق بينهما لا يجتمعان أبدًا) (١).
• وجه الاستدلال: أن حكم الملاعنة فيه: قطع العلاقة بين الزوجين، وأنها تحرم عليه على التأبيد، وتكون كالأجنبية في الميراث.
الثاني: ويمكن أن يستدل للإجماع أَيضًا، بأن المبتوتة لا ترث زوجها، ولا يرثها، والملاعنة أولى، لكون الحرمة شديدة فهي على التأبيد.
النتيجة: صحة الإجماع في أن الرجل إذا لاعن امرأته انقطع التوارث بينهما.
[٣١٨ - ١٢٦] ولد الملاعنة لا توارث بينه وبين الذي نفاه
• المراد بالمسألة: أن الولد الذي نفاه الرجل باللعان لا صلة بينه وبين النافي، ولا يطالبان بحقوق الأبوة والبنوة، بمعنى أن قرابة الأبوة تنقطع بينهما, ولا يتوارثان؛ لأنهما أجنبيان بسبب اللعان.
• من نقل الإجماع: البغوي (٥١٦ هـ) قال: [أما الولد الذي نفاه الرجل باللعان؛ فلا خلاف أن أحدهما لا يرث الآخر؛ لأن التوارث بسبب النسب وقد انتفى النسب باللعان، أما نسبه من جهة الأم؛ فثابت ويتوارثان] (٢).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [أن الرجل إذا لاعن امرأته ونفى ولدها، وفرّق الحاكم بينهما، انتفى ولدها عنه، وانقطع تعصيبه من جهة الملاعن فلم يرثه هو ولا أحد من عصباته، وترث أمه وذوو الفروض منه فروضهم، وينقطع التوارث بين الزوجين، لا نعلم بين أهل العلم في هذه الجملة خلافًا] (٣).
ابن تيمية (٧٢٨ هـ) قال: [وبنت الملاعنة لا تباح للملاعن عند عامة
стр. 5722
العلماء، وليس فيه إلا نزاع شاذ، مع أن نسبها ينقطع من أبيها, ولكن لو استلحقها للحقته، وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة] (١). ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: [وقد اختلف السلف في معنى إلحاقه بأمه مع اتفاقهم على أنه لا ميراث بينه وبين الذي نفاه] (٢).
الشوكاني (١٢٥٥ هـ) قال: [لا يرث ابن الملاعنة من الملاعن له، ولا من قرابته شيئًا. . وهو مجمع على ذلك] (٣).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٤).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): كان علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت يقولان: ولد الملاعنة بمنزلة من لا قرابة له من قبل أَبيه، وله قرابة من قبل أمه، وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وبه أخذ علماؤنا والشافعي. . . وإذا مات ولد الملاعنة وترك ابنة وأخا لأم يكون النصف للابنة والباقي للأخ لأم بالعصوبة وتوريث الأخ لأم بدون أن يكون الميت كلالة خلاف النص، ولأن العصوبة أقوى أسباب الإرث والإدلاء بالإناث أقوى أسباب الإدلاء فلا يجوز أن يستحق به أقوى أسباب الإرث وهو العصوبة، وهذا بخلاف الولاء (٥).
قال النووي (٦٧٦ هـ): اللعان يقطع التوارث بين الملاعن والولد لانقطاع النسب، وكذا يقطع التوارث بين الولد وكل من يدلي بالملاعن كأبيه وأمه وأولاده (٦).
• يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: أدلة المسألة السابقة (٧).
стр. 5723
الثاني: عن سعيد بن جبير ﵁ قال سألت ابن عمر ﵄ عن حديث المتلاعنين فقال قال النبي ﷺ للمتلاعنين: (حسابكما على اللَّه أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها قال مالي قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك) (١).
الثالث: أن نفي الولد يدل على أنه أجنبي عنه، ومعلوم بأن التوارث لا يكون إلا بأحد ثلاثة أسباب، وهي: نكاح، وولاء، ونسب، ولا شيء منها في مسألة الملاعنة (٢).
النتيجة: صحة الإجماع في أن ولد الملاعنة لا توارث بينه وبين الذي نفاه.
[٣١٩ - ١٢٧] ولد الملاعنة وأمه يتوارثان
• المراد بالمسألة: أن ولد الملاعنة لما كانت نسبته إلى أمه متيقنه، فإنه يرثها وترثه، وأما الأب فلما نفاه انقطعت بينهما قرابة الأبوة، كما مر معنا.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا على أن ولد الملاعنة إذا توفي وخلف أمه وزوجته وولدًا ذكورًا وإناثًا؛ أن ماله مقسوم بينهم على قدر مواريثهم] (٣).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [وولد الزنا يرث أمه وترثه أمه، ولها عليه حق الأمومية من البر والنفقة والتحريم وسائر حكم الأمهات. . . ولا نعلم في هذا خلافًا إلا في التحريم فقط] (٤).
стр. 5724
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
قال السرخسي (٤٨٣ هـ): إذا مات ولد الملاعنة وترك ابنة وأخا لأم يكون النصف للابنة والباقي للأخ لأم بالعصوبة وتوريث الأخ لأم بدون أن يكون الميت كلالة خلاف النص، ولأن العصوبة أقوى أسباب الإرث والإدلاء بالإناث أقوى أسباب الإدلاء فلا يجوز أن يستحق به أقوى أسباب الإرث وهو العصوبة، وهذا بخلاف الولاء (٤).
قال النووي (٦٧٦ هـ) في ميراث ولد الملاعنة: وأما الولد مع الأم فيتوارثان توارث سائر الأولاد والأمهات (٥).
قال ابن حجر (٨٥٢ هـ): وجاء عن علي أن ابن الملاعنة ترثه أمه وإخوته منها فإن فضل شيء فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصار (٦).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): اختلف أهل العلم في ميراث الولد المنفي باللعان، فروي عن أحمد فيه روايتان، إحداهما: أن عصبته عصبة أمه، . . . والرواية الثانية: أن أمه عصبته فإن لم يكن فعصبتها عصبته (٧).
قال عبد الرحمن بن قاسم (١٣٩٢ هـ): والمنفي بلعان: عصبته -بعد ذكور ولده- عصبة أمه في إرث فقط (٨).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن ابن عمر ﵄: (أن رجلًا لاعن امرأته في زمن النبي ﷺ وانتفى من ولدهما؛ ففرق النبي ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة) (٩).
стр. 5725
• وجه الاستدلال: أنه لما ألحق بأمه جرت عليه جميع الأحكام، ومنها التوارث.
الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده قال: (جعل رسول اللَّه ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها) (١).
• وجه الاستدلال: أنه صريح في التوارث بين الملاعنة وابنها.
النتيجة: صحة الإجماع في أن ولد الملاعنة وأمه يتوارثان.
[٣٢٠ - ١٢٨] ولد الزنا يرث أمه وترثه
• المراد بالمسألة: أن ابن الزنا لا تنقطع علاقته بأمه، من حيث الانتساب إليها، وجميع الحقوق التي سببها الأمومة والبنوة.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [ولد الزنا يرث أمه وترثه أمه ولها عليه حق الأمومية من البر والنفقة والتحريم وسائر حكم الأمهات. . . ولا نعلم في هذا خلافًا] (٢).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ): فأما ولد الزنا فحكمه حكم ولد الملاعنة في نفيه عن الزاني ولحوقه بالأم (٧).
قال الجويني (٤٧٨ هـ): ولد الزنا لا يرث الزاني ولا يرثه الزاني, إذ لا
стр. 5726
نسب بينهما، وهو يرث أمه، لم يختلف العلماء فيه، وترثه أمه (١).
قال العمراني (٥٥٨ هـ): إذا قذف رجل امرأته بالزنا وانتفى عن نسب ولدها ونفاه باللعان. . . ولا ينقطع التوارث بين الولد والأم, لأنه لا ينتفي عنها، فإن ماتت الأم ورث ولدها جميع مالها إن كان ذكرًا (٢).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): والحكم في ميراث ولد الزنى في جميع ما ذكرنا كالحكم في ولد الملاعنة على ما ذكرنا من الأقوال والاختلاف (٣).
قال القرافي (٦٨٤ هـ): والتوأمان خمسة أقسام: من الملاعنة والمغتصبة والمتحملة بأمان والمسبية والزانية، وفي الكل قولان: أحدهما: يتوارثان بأنهما شقيقان، وثانيهما: أخوان لأم إلا الزانية فقول واحد أنهما لأم لتعذر الاستلحاق وانتفاء الشبهة (٤).
قال عبد الغني الميداني (١٢٩٨ هـ): وعصبة ولد الزنا وولد الملاعنة مولى أمهما لأنه لا نسب لهما من قبل الأب، فيكون ولاؤهما لمولى الأم، والمراد بالمولى ما يعم المعتق والعصبة (٥).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر) (٦).
• وجه الاستدلال: أنه ألحق الولد بالفراش، وهي: الأم، وبصاحبه، وهو: الزوج، أو السيد، ولم يجعل للعاهر إلا الحجر (٧).
الثاني: أن سبب التوارث موجود، وهو النسب، فما دام أنه انتسب
стр. 5727
إليها نسبة صحيحة فهي ترثه وهو يرثها.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحسن بن صالح، فذهب أن ولد الزنا عصبته سائر المسلمين, لأن أمه ليست فراشًا؛ بخلاف ولد الملاعنة (١).
النتيجة: صحة الإجماع في أن ولد الزنا يرث أمه وترثه، وأما قول الحسن بن صالح فشاذ، وجمهور الفقهاء على التسوية بين ولد الزنا وولد الملاعنة، وذلك لإنقطاع نسب كل واحد منهما من أَبيه؛ إلا أن ولد الملاعنة يلحق الملاعن إذا استلحقه وولد الزنا لا يلحق الزاني في قول الجمهور (٢).
[٣٢١ - ١٢٩] لا توارث بين ولد الزنا وبين الذي تخلق من نطفته
• ولد الزنا، هو: الولد الذي أتت به أمه من طريق غير شرعي، أو هو ثمرة العلاقة المحرمة (٣).
• والمراد بالمسألة: أن ولد الزنا ينقطع نسبه بينه وبين الزاني الذي تخلق من نطفته، فليس بينهما أحكام الأبوة والبنوة.
• من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [ولد الزنا يرث أمه وترثه أمه. . ولا يرثه الذي تخلق من نطفته ولا يرثه هو، ولا له عليه حق الأبوة لا في بر ولا في نفقة ولا في تحريم ولا في غير ذلك وهو منه أجنبي، ولا نعلم في هذا خلافًا إلا في التحريم فقط] (٤).
الشوكاني (١٢٥٥ هـ) قال: [لا يرث ابن الملاعنة من الملاعن له، ولا
стр. 5728
من قرابته شيئًا، وكذلك ولد الزنا، وهو مجمع على ذلك] (١).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ): فأما ولد الزنا فحكمه حكم ولد الملاعنة في نفيه عن الزاني ولحوقه بالأم (٦).
قال الجويني (٤٧٨ هـ): ولد الزنا لا يرث الزاني ولا يرثه الزاني, إذ لا نسب بينهما، وهو يرث أمه، لم يختلف العلماء فيه، وترثه أمه (٧).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): والحكم في ميراث ولد الزنى في جميع ما ذكرنا كالحكم في ولد الملاعنة على ما ذكرنا من الأقوال والاختلاف، إلا أن الحسن بن صالح قال: عصبة ولد الزنى سائر المسلمين, لأن أمه ليست فراشًا، بخلاف ولد الملاعنة، والجمهور على التسوية بينهما، لانقطاع نسب كل واحد منهما من أَبيه، إلا أن ولد الملاعنة يلحق الملاعن إذا استلحقه، وولد الزنى لا يلحق الزاني في قول الجمهور (٨).
قال الدردير (١٢٠١ هـ) بعد أن ذكر أنه لا توارث بين المتلاعنين. . . واعلم أن توأمي الملاعنة من العمل الذي لاعنت فيه شقيقان على المشهور كالمستأمنة والمسبية، وأما توأما الزانية والمغتصبة فأخوان لأم على المشهور أَيضًا (٩).
قال عبد الغني الميداني (١٢٩٨ هـ): وعصبة ولد الزنا وولد الملاعنة مولى أمهما لأنه لا نسب لهما من قبل الأب، فيكون ولاؤهما لمولى الأم،
стр. 5729
والمراد بالمولى ما يعم المعتق والعصبة (١).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أيما رجل عاهر (٢) بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث) (٣).
• وجه الاستدلال: ما قاله أبو عيسى الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم أن ولد الزنا لا يرث من أَبيه) (٤).
الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر) (٥).
• وجه الاستدلال: أنه ألحق الولد بالفراش، وهي: الأم، وبصاحبه، وهو: الزوج، أو السيد، ولم يجعل للعاهر إلا الحجر (٦).
الثالث: إلى أن التوارث لا يكون إلا بأحد ثلاثة أسباب، وهي: نكاح، وولاء، ونسب، ولا شيء منها في مسألة ولد الزنا، مع صاحب النطفة.
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في هذه المسألة عن: الحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعروة وسليمان بن يسار (٧) فذهبوا إلى أن الزاني إذا ألحق الولد به: لحقه، وجرت بينهما أحكام الأبوة والبنوة، ومنها: الميراث، قال ابن قدامة: (وولد الزنا لا يلحق الزاني في قول الجمهور،
стр. 5730
وقال الحسن وابن سيرين: يلحق الواطئ إذا أقيم عليه الحد ويرثه، وقال إبراهيم: يلحقه إذا جلد الحد أو ملك الموطوءة، وقال إسحاق: يلحقه وذكر عن عروة وسليمان بن يسار نحوه، وروى علي بن عاصم عن أبي حنيفة أنه قال: (لا أرى بأسًا إذا زنى الرجل بالمرأة فحملت منه أن يتزوجها مع حملها ويستر عليها والولد ولد أمه) (١).
النتيجة: صحة الإجماع في أن ولد الزنا لا توارث بينه وبين الذي تخلق من نطفته. والخلاف المذكور في المسألة هو فيما لو استلحقه وادعاه فيرثه، وأما إذا لم يستلحقه فلا توارث بينهما.
[٣٢٢ - ١٣٠] توءما الزنا يتوارثان
• المراد بالمسألة: أن الزنا إذا كان ثمرته توأمان، فإنهما أخوان جمعهما رحمٌ واحد، فيتوارثان، ويكون بينهما من الحقوق ما بين الأخوة لأم.
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [وأجمعوا في توءمي الزانية أنهما يتوارثان على أنهما أخوة لأم، واختلفوا في توءمي الملاعنة] (٢) السرخسي (٤٩٠ هـ) قال: [ثم لا خلاف في الولد من الزنى إذا كانا توأما (٣) أنهما بمنزلة الأخوين لأم في الميراث بمنزلة ما لو كانا غير توأم واختلفوا في ولد الملاعنة] (٤).
• الموافقون على الإجماع: الشافعية (٥)، والشوكاني (٦).
قال الماوردي (٤٥٠ هـ): توأم الزانية لا يرث إلا ميراث أخ لأم بإجماع أصحابنا ووفاق مالك (٧). قال الجويني (٤٧٨ هـ): ولا يتوارث ولدا زنا بأخوة الأب باتفاق الأصحاب واللَّه أعلم (٨).
стр. 5731
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [ولو كان المنفي باللعان توأمين، ولهما ابن آخر من الزوج لم ينفه، فمات أحد التوأمين، فميراث توأمه منه كميراث الآخر، في قول الجمهور. وقال مالك: يرثه توأمه ميراث أخ لأبوين؛ لأنه أخوه لأبويه، بدليل أن الزوج لو أقر بأحدهما لحقه الآخر. وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ﵁ ولنا، أنهما توأمان، لم يثبت لهما أب ينتسبان إليه، فأشبها توأمي الزانية، ولا خلاف في توأمي الزانية، وفارق هذا ما إذا استلحق أحدهما؛ لأنه يثبت باستلحاقه أنه أبوه] (١).
قال النووي (٦٧٦ هـ): التوأمان من الزنا لا يتوارثان إلا بأخوة الأم قطعًا (٢).
قال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): لا يرث ابن الملاعنة من الملاعن له ولا من قرابته شيئًا وكذلك لا يرثون منه وكذلك ولد الزنا وهو مجمع على ذلك ويكون ميراثه لأمه ولقرابتها (٣).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر) (٤).
• وجه الاستدلال: أنه لما نفى النسب عن الولد من جهة الأب، أثبته للفراش وهي الأم، فيكون توأما الزنا أخوين من جهة الأم فيتوارثان (٥).
الثاني: أن التوارث لا يكون إلا بأحد ثلاثة أسباب، وهي: نكاح، وولاء، ونسب، وهنا توأمان بينهما نسب، حيث جمعهما رحم واحد.
النتيجة: صحة الإجماع في أن التوأمان من الزنا يتوارثان.
стр. 5732
الفصل الثامن: مسائل الإجماع في القاتل والمبغض والولاء
[٣٢٣ - ١٣١] يصح إقرار الورثة بوارث يشاركهم في الميراث
• المراد بالمسألة: دعوى النسب هذه تصح بأربعة شروط:
الأول: أن يكون المقر به مجهول النسب.
الثاني: أن يصدقه الحس: بأن يكون المقر به محتمل الثبوت من نسب المقر، بأن يكون ممن يولد مثل المقر به لمثل المقر، وذلك في سن تسمح بأن يكون ابنًا للمقر.
الثالث: أن يصدقه المقر له في إقراره إن كان أهلًا للتصديق، بأن يكون بالغًا عاقلًا عند الجمهور، ومميزًا عند الحنفية.
الرابع: ألا يكون فيه حمل النسب على الغير: سواء كذبه المقر له أو صدقه؛ لأن إقرار الإنسان حجة قاصرة على نفسه، لا على غيره؛ لأنه على غيره شهادة أو دعوى، وشهادة الفرد فيما لا يطلع عليه الرجال غير مقبولة، والدعوى المفردة ليست بحجة، فإذا ثبت جرت عليه جميع أحكام البنوة النسبية، ومنها التوارث بينهما (١).
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا على أن الرجل إذا قال: هذا الطفل ابني وليس للطفل نسب معروف ينسب إليه؛ أن نسبه يثبت بإقراره] (٢). وقال: [وأجمعوا على أنه لو أن رجلًا بالغًا من الرجال قال لرجل بالغ آخر: هذا ابني وأقر له البالغ، ولا نسب للمقر به معروف أنه
стр. 5733
ابنه، إذا جاز أن يولد لمثله مثله] (١).
الكاساني (٥٨٧ هـ): [وأما الإقرار بوارث فالكلام فيه في موضعين أحدهما في حق ثبات النسب، والثاني في حق الميراث، أما الأول فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما أن كان الوارث واحدًا وإما أن كان أكثر من واحد، بأن مات رجل وترك إبنًا فأقر بأخ هل يثبت نسبه من الميت اختلف فيه، قال أبو حنيفة ومحمد لا يثبت النسب بإقرار وارث واحد، وقال أبو يوسف يثبت، وبه أخذ الكرخي ﵀ وإن كان أكثر من واحد بأن كانا رجلين أو رجلًا وامرأتين فصاعدًا يثبت النسب بإقرارهم بالإجماع. . . وأما في حق الميراث فإقرار الوارث الواحد بوارث يصح ويصدق في حق الميراث بأن أقر الابن المعروف بأخ وحكمه أنه يشاركه فيما في يده من الميراث لأن الإقرار بالأخوة إقرار بشيئين النسب واستحقاق المال والإقرار بالنسب إقرار على غيره، وذلك غير مقبول لأنه دعوى في الحقيقة أو شهادة، والإقرار باستحقاق المال إقرار على نفسه وأنه مقبول ومثل هذا جائز أن يكون الإقرار الواحد مقبولًا بجهة غير مقبول بجهة أخرى كمن اشترى عبدًا ثم أقر أن البائع كان أعتقه قبل البيع يقبل إقراره في حق العتق ولا يقبل في حق ولاية الرجوع بالثمن على البائع فعلى ذلك ها هنا جاز أن يقبل الإقرار بوارث في حق الميراث ولا يقبل في حق ثبات النسب] (٢).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وإن أقر جميع الورثة بوارث، أو أقر به الميت ليثبت نسبه منه، ثبت نسبه، سواء كان الورثة واحدًا، أو جماعة، وبهذا قال النخعي، والشافعي، وقال أبو حنيفة، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح: لا يثبت نسبه. والمشهور عن أبي يوسف، أنه لا يثبت النسب إلا بإقرار ابنين ذكرين كانا أو أنثيين، عدلين أو غير عدلين. ونحوه عن مالك، وروى ابن اللبان، قال أشعث بن سوار، عن رجل من أهل
стр. 5734
المدينة، قال: جاء رجل وأخته إلى عمر بن الخطاب ﵁ ومعهما صبي، فقالا: هذا أخبرنا. فقال عمر: لا ألحق بابيكما من لم يقر به. ولنا، أن عبد اللَّه بن زمعة ادعى نسب ولد وليدة أَبيه، وقال: هذا أخي، ولد على فراش أبي. فقبل النبي ﷺ قوله، وأثبت النسب به، ولأن الوارث يقوم مقام موروثه، بدليل أنه يثبت باعترافه ما يثبت باعتراف الموروث على نفسه من الدين، وغيره، كذا النسب، ولأن الوارث يخلف الموروث في حقوقه، وهذا منها. ولا خلاف بينهم في وجوب دفع ميراثه إليه، إلا أن يكون المقر به يسقط المقر، كأخ يقر بابن، أو ابن ابن، أو أخ من أب يقر بأخ من أبوين، فإن الشافعي في ظاهر مذهبه أثبت النسب، ولم يورثه؛ لئلا يكون إقرارا من غير وارث، فثبوت ميراثه يفضي إلى سقوط نسبه وميراثه] (١).
المطيعي (١٣٥٤ هـ) قال: [. . أحدهما: أن يدعيه واحد ينفرد بدعواه فينظر، فإن كان المدعى رجلًا مسلمًا حرًا لحق نسبه به بغير خلاف بين أهل العلم إذا أمكن ان يكون منه] (٢).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: المالكية (٣).
قال الدردير (١٢٠١ هـ): واللعان المذكور مانع من سبب الميراث الذي هو الزوجية، فعدم الإرث فيه لانتفاء السبب لا لوجود المانع، إذ المانع بجامع السبب ولا سبب هنا، وأما بين الزوج وولده فمانع للحكم لأنه لو استلحقه ورث (٤).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى: أن ثبوت النسب حق للأب، وليس فيه تهمة، ولذلك يلحقه، وأيضًا لأنَّ الإقرار محض نفع للطفل
стр. 5735
لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه (١).
النتيجة: صحة الإجماع في أنه إذا ادَّعى الرجل طفلًا وقال إنه ابنه وليس للولد نسب معروف فإنه يلحق به إذا كان ممن يولد لمثله (٢).
[٣٢٤ - ١٣٢] إذا ادَّعت المرأة طفلًا مجهولًا لا يقبل قولها إلا ببينة
• المراد بالمسألة: أن المرأة في مسائل الإقرار تختلف عن الرجل وذلك صيانة للفراش والأنساب، فلو ادعت المرأة طفلًا مجهولًا فإنه لا يقبل منها الإقرار، ولا تجري عليهما أحكام الأمومة والبنوة والميراث, لأن فيه حمل النسب على الغير؛ إلا ببينة، وهو: تصديق الزوج لها، أو تشهد قابلة على الولادة (٣).
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا على أن المرأة إذا قالت: هذا ابني لم يقبل إلا ببينة ليست بمنزلة الرجل، وانفرد إسحاق وقال: إقرار المرأة جائز] (٤). وقال: [وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة لو ادَّعت اللقيط وقالت: هو ابنها أن قولها غير مقبول] (٥).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)،
стр. 5736
والحنابلة (١).
قال الكاساني: فإن كانت امرأة فادعته أنه ابنها فإن صدقها زوجها أو شهدت لها القابلة أو قامت البينة صحت دعوتها وإلا فلا (٢).
قال الخطيب الشربيني: وإن استلحقته امرأة حرة لم يلحقها في الأصح إلا ببينة وإن كانت خلية لإمكانها إقامة البينة بالولادة من طريق المشاهدة بخلاف الرجل (٣).
قال المرداوي: وإن أقرت به امرأة ألحق بها، هذا المذهب وعليه الأصحاب. . . قال الأصحاب: لا يسري اللحاق إلى الزوج بدون تصديقه أو قيام بينة بولادته على فراشه (٤).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى: قوله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
• وجه الاستدلال: أن دعوى المرأة نسب الطفل دعوى إلى غير أَبيه، وفيه تهمة؛ إلا أن يصدقها.
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي (٥). فذهب إلى صحة إقرار المرأة بنسب الطفل المجهول.
• ودليله: وحجته في ذلك: أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في دعوى النسب (٦).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المرأة إذا ادَّعت طفلًا مجهولًا لا يقبل قولها إلا ببينة؛ وأما خلاف إسحاق فهو شاذ في مقابل الإجماع.
стр. 5737
[٣٢٥ - ١٣٣] الولد إذا ولد على فراش رجل فادَّعاه آخر فإنه لا يلحقه
• المراد بالمسألة: أن القاعدة الشرعية في دعوى الاستلحاق أن الولد ينسب إلى الفراش الذي ولد عليه، فلو ادعاه رجل آخر فلا يصدق، ولا يلحق به.
• من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [وأجمعت الجماعة من العلماء أن الحرة فراش بالعقد عليها مع إمكان الوطء وإمكان فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل فالولد لصاحب الفراش لا ينتفي عنه أبدًا بدعوى غيره ولا بوجه من الوجوه إلا باللعان] (١). وقال: [المسلمون مجمعون أن حكم رسول اللَّه ﷺ بين عبد بن زمعة، وسعد بن أبي وقاص حكم صحيح نافذ في تلك القصة بعينها وفي كل ما يكون مثلها] (٢).
ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل فادَّعاه آخر أنه لا يلحقه، وإنما الخلاف فيما إذا ولد على غير فراش] (٣).
شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): [وأجمعوا على أنه إذا ولد على فراش رجل فادعاه أنه لا يلحقه وإنما الخلاف فيما إذا ولد على غير فراش] (٤).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والشافعية (٦).
قال الكاساني في شرحه لحديث: الولد للفراش. . .: أنه جعل كل جنس الولد لصاحب الفراش فلو ثبت نسب ولد لمن ليس بصاحب الفراش لم يكن كل جنس الولد لصاحب الفراش وهذا خلاف النص، فعلى هذا إذا زنى رجل بامرأة فجاءت بولد فادعاه الزاني لم يثبت نسبه منه لانعدام
стр. 5738
الفراش، وأما المرأة فيثبت نسبه منها لأن الحكم في جانبها يتبع الولادة (١).
قال العمراني: إذا تزوج الرجل امرأة وهو ممن يولد لمثله، وأمكن اجتماعهما على الوطء فأتت بولد لمدة العمل لحقه الولد (٢).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص، عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص، أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد، وقال: ابن أخي، قد كان عهد إلى فيه، فقام إليه عبد بن زمعة فقال: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فتساوقا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال سعد: يا رسول اللَّه، ابن أخي، قد كان عهد إلى فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي، وابن وليدة أبي. ولد على فراشه، فقال رسول اللَّه ﷺ : هو لك يا عبد بن زمعة، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ثم قال لسودة بنت زمعة احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص، قالت: فما رآها حتى لقي اللَّه (٣).
• وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل الولد للفراش، ولم يقبل دعوى سعد بن أبي وقاص؛ في استلحاقه.
الثاني: ولأن أحدًا لا يؤخذ بإقرار غيره عليه، وإنما يؤخذ بإقراره على نفسه، ولا يقر أحد على أحد، ولو قبل استلحاق غير الأب لكان فيه إثبات حقوق على الأب بغير إقراره ولا بينة تشهد عليه وهذا مما تأباه نصوص الشريعة العامة (٤).
стр. 5739
النتيجة: صحة الإجماع في أن الولود إذا ولد على فراش رجل فادَّعاه آخر فإنه لا يلحقه.
[٣٢٦ - ١٣٤] الرجل إذا عقد على امرأة وأمكن وطؤها فجاءت بولد لستة أشهر فأكثر فإن الولد يلحق بالزوج
• المراد بالمسألة: أن الرجل إذا عقد على امرأة، فأتت المرأة بالولد لستة أشهر من وقت العقد وإمكان الوطء؛ أن الولد لاحق بالزوج.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الرجل إذا نكح المرأة نكاحًا صحيحًا ثم جاءت بعد عقد نكاحها بولد لستة أشهر أو أكثر؛ فالولد به لاحق إذا أمكن وصوله إليها، وكان الزوج ممن يطأ] (١).
ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن العمل يكون من ستة أشهر إلى تسعة أشهر وهو غير سِقْط؛ فإنه لاحق بالذي هو في عصمته الآن] (٢).
ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [أجمع علماء المسلمين بأن الولد لا يلحق إلا في تمام ستة أشهر من يوم النكاح] (٣). ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [واتفقوا على أن الولد لا يلحق بالفراش في أقل من ستة أشهر، إما من وقت العقد، وإما من وقت الدخول، وأنه يلحق من وقت الدخول إلى أقصر زمان العمل، أو إن كان قد فارقها واعتزلها] (٤).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
قال الكاساني: وإن ولدت لأكثر من ستة أشهر فهو ولد الزوج لأن الزوج له فراش والولد للفراش على لسان رسول اللَّه ﷺ (٨).
стр. 5740
قال الخطيب الشربيني: ولو نكحت زوجًا آخر بعد انقضاء العدة نكاحًا صحيحًا فولدت لدون ستة أشهر من النكاح الثاني فكأنها لم تنكح أصلًا. . . وإن كان وضعه لستة من أشهر فأكثر منها فالولد وإن أمكن كونه من الأول منسوب للثاني فيلحقه لأن فراشه موجود وهو أقوى لصحة نكاحه ظاهرًا (١).
قال المرداوي: فيما يلحق من النسب: من أتت امرأته بولد يمكن كونه منه، وهو أن تأتي به بعد ستة أشهر منذ أمكن اجتماعه بها (٢).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن عمرو بن شعيب عن أَبيه عن جده ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر) (٣).
• وجه الاستدلال: دلَّ على أن الولد يلحق بالفراش الذي هو الزوج، متى أمكن ذلك، وستة أشهر وقت إمكان لولادة المولود (٤).
الثاني: أن النسب مما يحتاط له، ولم يوجد ما يعارض هذه الولادة، فوجب إلحاقه به (٥).
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في هذه المسألة عن: الحنابلة في إحدى الروايتين (٦)، وابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨)، حيث ذهبوا إلى أن الولد لا يلحق بالزوج ما لم يتحقق الدخول.
واستدلوا بالحديث السابق: (الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر) (٩).
стр. 5741
• ووجه الاستدلال: أن أهل العرف واللغة لا يعدون المرأة فراشًا قبل الدخول بها، وإذا لم تكن فراشًا لم يصح إلحاقه به (١).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن الرجل إذا عقد على امرأة وأمكن وطؤها فجاءت بولد لستة أشهر فأكثر أن الولد يلحق بالزوج ولو لم يتحقق الدخول، وذلك لخلاف الحنابلة في إحدى الروايتين والتي اختارها ابن تيمية وابن القيم.
[٣٢٧ - ١٣٥] المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم تزويجها أو وطئها فالولد لا يلحق بالزوج، ولا يترتب عليه آثار النسب، ومنها الإرث
• المراد بالمسألة: أن من أتت بولد لأقل من ستة أشهر من إمكان وطء الزوج لها عند جمهور الفقهاء، أو من بداية العقد عند الحنفية؛ فإنه لا يلحق به، ولا يترتب عليه آثار النسب (٢).
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا أن المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم عقد نكاحها أن الولد لا يلحق به] (٣) ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [واتفقوا على أن الولد لا يلحق بالفراش في أقل من ستة أشهر، إما من وقت العقد وإما من وقت الدخول، وأنه يلحق من وقت الدخول إلى أقصر زمان العمل، أو إن كان قد فارقها واعتزلها] (٤).
• الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).
قال الكاساني: ولو زوجها فولدت لأقل من ستة أشهر فهو من المولى
стр. 5742
والنكاح فاسد لأنه تبين أنه زوجها وفي بطنها ولد ثابت النسب منه (١).
قال الخطيب الشربيني: ولو نكحت زوجًا آخر بعد انقضاء العدة نكاحًا صحيحًا فولدت لدون ستة أشهر من النكاح الثاني فكأنها لم تنكح أصلًا. . . وإن كان وضعه لستة من أشهر فأكثر منها فالولد وإن أمكن كونه من الأول منسوب للثاني فيلحقه لأن فراشه موجود وهو أقوى لصحة نكاحه ظاهرًا (٢).
قال المرداوي: (وإن لم يمكن كونه منه مثل أن تأتي به لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها. . . لم يلحقه نسبه بلا نزاع) (٣).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى: ما جاء عن أبي عُبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، قال: رفعت إلى عثمان امرأة ولدت لستة أشهر، فقال: إنها رفعت إليَّ امرأة -لا أراه إلا قال: وقد جاءت بشر -أو نحو هذا- ولدت لستة أشهر، فقال ابن عباس: أنزل اللَّه : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وأنزل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤]، فالفصال في عامين والحمل في ستة أشهر) (٤).
• وجه الاستدلال: أن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر، فإذا أتت به لأقل من ستة أشهر من إمكان وطئها فلا يلحق به (٥).
النتيجة: صحة الإجماع في أن المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم تزويجها أو وطئها فالولد لا يلحق بالزوج.
стр. 5743
[٣٢٨ - ١٣٦] إذا جاءت المرأة بولد من زوج غائب في بلد بعيد لا يمكن لقاؤه فالولد لا يلحقه
• المراد بالمسألة: أن الزوجة إذا ولدت لرجل غائب عنها في بلد بعيد، وفي مدة لا يمكن أن تحمل منه، فإن الولد لا يلحقه، وذلك لاستحالة أن يكون منه.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا أن الزوج إذا علم أنه لم يصل إلى الزوجة، وذلك أن يكونا ببلدين بينهما مسافة فيعلم أنهما لم يلتقيا بعد النكاح فجاءت بولد؛ لم يلحق به] (١).
• الموافقون على الإجماع: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
قال الشيرازي (٤٧٦ هـ): وإن لم يمكن اجتماعهما على الوطء بأن تزوجها وطلقها عقيب العقد، أو كانت بينهما مسافة لا يمكن معها الاجتماع انتفى الولد من غير لعان لأنه لا يمكن أن يكون منه (٥).
قال ابن رشد (٥٩٥ هـ): وشذ أبو حنيفة فقال من وقت العقد، وإن علم أن الدخول غير ممكن حتى أنه إن تزوج عنده رجل بالمغرب الأقصى امرأة بالمشرق الأقصى فجاءت بولد لرأس ستة أشهر من وقت العقد أنه يلحق به إلا أن ينفيه بلعان وهو في هذه المسئلة ظاهري محض لأنه إنما اعتمد في ذلك عموم قوله ﵊: "الولد للفراش" وهذه المرأة قد صارت فراشًا له بالعقد فكأنه رأى أن هذه عبادة غير معللة، وهذا شيء ضعيف (٦).
стр. 5744
ابن قدامة (٦٢٠ هـ): أو نزوج المشرقي بمغربية ثم أتت بولد لم يلحقه ولا تنقضي به العدة (١).
يستند الإجماع إلى الحديث السابق: (الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر) (٢).
• ووجه الاستدلال: أن أهل العرف واللغة لا يعدون المرأة فراشًا إذا حملت في فترة لم يلتق فيها الزوج بزوجته لغيابه، وإذا لم تكن فراشًا لم يصح إلحاقه به (٣).
• الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في المسألة عن: الحنفية (٤).
فهم يذهبون إلى أن مجرد العقد يوجب إلحاق الولد، ولو لم يلتقيما مطلقًا، بحيث كان أحدهما بالشرق والآخر بالغرب.
• دليلهم: واحتجوا لقولهم بالحديث السابق: (الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر) (٥).
• وجه الاستدلال: قالوا في الحديث إشارة إلى الاكتفاء بقيام الفراش بلا دخول، وأن مجرد العقد يجعل الزوجة فراشًا صحيحًا (٦).
النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن المرأة إذا جاءت بولد من زوج غائب في بلد بعيد لا يمكن لقاؤه فالولد لا يلحقه.
[٣٢٩ - ١٣٧] زوجة المجبوب ومن قطعت أنثياه إذا ولدت لا يلحق بالزوج
• المراد بالمسألة: أن زوجة المجبوب، وهو: مقطوع الذكر أو الأنثيين (٧)، إذا ولدت له، فإن الولد لا يلحق به، وذلك لما جرت العادة أن
стр. 5745
مثله لا يولد له.
• من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا أنها إن جاءت بولد ممن قطع ذكره أو أنثياه؛ لم يلحق به الولد] (١).
• الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع: الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وكذلك إذا طلق الخصي المجبوب امرأته أو مات عنها فأتت بولد لم يلحقه نسبه، ولم تنقض عدتها بوضعه، وتنقضي به عدة الوطء، ثم تستأنف عدة الطلاق أو عدة الوفاة (٤).
قال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): وكذا لو مات ممسوح وهو المقطوع جميع ذكره وأنثييه عن حامل فتعتد بالأشهر لا بالوضع، وعلل ذلك بقوله إذ لا يلحقه ولد على المذهب لأنه لا ينزل (٥).
• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن: المجبوب لا يُنزل المني أصلًا، وأيضًا لم تجر العادة بأن يخلق له ولد (٦).
• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنفية (٧)، والشافعي في أحد قوليه (٨)، والقاضي من الحنابلة (٩).
وذهبوا إلى: أن امرأة المجبوب إذا أتت بولد يلحق به ويثبت النسب.
• دليلهم: والحجة التي ذهبوا إليها هو توهم شغل رحمها بمائه بالسحق،