← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣)، اختارها ابن قدامة (٤)، وبه قال الظاهرية (٥)، وابن المنذر (٦) واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يؤاخذ من كفر مُكرهًا، وهو أعظم الذنوب، فغيره من المعاصي من باب أولى (٨). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٩).

стр. 5847

• وجه الدلالة: الحديث صريح في رفع الحرج عن المُكره، وهو يدل على

стр. 5848

عدم مؤاخذته بما فعله بموجب الإكراه (١). الدليل الثالث: أن الحدود تدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة فتدرأ بها الحدود (٢). القول الثاني: أن الاختيار ليس شرطًا في جميع الحدود. وأصحاب هذا الرأي قد يرون الإكراه شرطًا في بعض الحدود، لكنهم لا يرونه عامًا في جميع الحدود، من جهة أن بعض الحدود لا يُتصور فيها الإكراه، ومن ذلك حد الزنا في حق الرجل، حيث ذهب الحنابلة إلى أن الرجل إن أكره على الزنا فعليه الحد (٣)، وهو قول لبعض المالكية (٤)، وقول للشافعية (٥)، وبه قال أبو ثور (٦). واستدلوا لذلك بـ: أن الزنا من الرجل لا يُمكن تحصيله إلا عن انتشار، والانتشار لا يكون إلا عن اختيار (٧) ونوقش بأمرين. الأول: عدم التسليم بأن الانتشار لا يكون إلا عن قصد واختيار، بدليل أن النائم قد تنتشر آلته من غير قصد منه، وإنما انتشار الآلة دليل على فحولة الرجل (٨). الثاني: أن الانتشار فطرة فطرها اللَّه تعالى في الرجل عند إثارة شهوته سواء قصد الزنا ذلك الوقت أم لا، وتكليفه عدم انتصاب الذكر قد يكون من تكليف ما لا يُطاق (٩).

стр. 5849

وكذا في حد السرقة ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن شرط الاختيار غير معتبر في حد السرقة، فمن سرَق مكرَهًا وجب إقامة الحد عليه. وهو قول عند الشافعية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢). الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- رجحان القول الأول بأن الاختيار شرط لإقامة الحدود؛ لقوة أدلته، ومناقشة القول الثاني. الشرط الثالث: انتفاء الشبهة: يشترط لإقامة الحد على الشخص ألا يكون له شبهة في ارتكابه لما يوجب الحد، ومن الأدلة على هذا الشرط: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (٣).

стр. 5850

الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (١). وهذا الشرط متفق عليه بين المذاهب الفقهية الأربعة على اختلاف بينهم في الصور المندرجة تحتها، وحكاه جمع من أهل العلم إجماعًا منهم ابن المنذر (٢)، وابن الهمام (٣)، وغيرهم (٤)، ولم يخالف فيه إلا الظاهرية حيث ذهبوا إلى أن الحد لا يدرأ بالشبهات (٥). الشرط الرابع: العلم بالتحريم: فلا يقام الحد على شخص حتى يكون عالمًا بتحريم ما ارتكبه من زنى، أو قذف، أو شرب خمر، أو غير ذلك (٦)، قال الموفق ابن قدامة: "وبهذا قال

стр. 5851

عامة أهل العلم" (١). ومن الأدلة على هذا الشرط ما رُوي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ أنهما قالا: "ما الحد إلا على من علمه" (٢). ويعضده عموم الأدلة الدالة على درء الحدود بالشبهات، والجهل بالتحريم شبهة فيدرأ بها الحد (٣).

стр. 5852

الفصل الأول: مسائل الإجماع العامة في الحدود [١/ ١] تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام • المراد بالمسألة: من أتى حدًا من حدود اللَّه الخالصة له تعالى، ثم بلغ أمره إلى الحاكم فإن على الإمام إقامة الحد، ولا يجوز لأحد أن يشفع في إسقاط الحد عنه. ويتبيَّن مما سبق أن الحد إن كان فيه حق للمخلوق وهو حد القذف فهذا غير مراد في المسألة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن بطال (٤٤٩ هـ) "أجمع العلماء أنه من أصاب ذنبًا فيه حد أنه لا ترفعه التوبة، ولا يجوز للإمام العفو عنه إذا بلغه" (٢)، وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لا عفو عن الحدود، ولا عن شيء منها بعد أن تبلغ الإمام، فإن إقامتها من السنة"، فهذا قول صاحب لا يعرف له مخالف" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "السلطان لا يحل له أن يعطل حدًا من الحدود التي للَّه ، إقامتها عليه إذا بلغته، كما ليس له أن يتجسس عليها إذا استترت عنه، وبأن الشفاعة في ذوي الحدود حسنة جائزة وإن كانت الحدود

стр. 5853

فيها واجبة إذا لم تبلغ السلطان، وهذا كله لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء" (١) ونقله عنه أبو الطيب (٢) (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وأجمعوا على أنه -يعني الحد- إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه" (٤). وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٥) وابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٦). وقال أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) (٧) "تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فيَحْرُم على الشافع وعلى المُشَفَّع، وهذا لا يخُتلَف فيه" (٨) نقله عنه العراقي (٩) (١٠). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على تحريم الشفاعة

стр. 5854

في الحد بعد بلوغه إلى الإمام" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق والشارب، والمحارب، وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد، مال سحت خبيث" (٢). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "العفو بعد الرفع إلى الإمام لا يسقط به الحد، وهو مجمع عليه" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥) الآية بأن المراد عدم الرأفة بإسقاط الحد (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نهى عن الرأفة عند إقامة الحد، ومن الرأفة تعطيل ذلك الحد، كما فسر مجاهد (٧)، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء بن أبي رباح (٨).

стр. 5855

الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ (١): "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد (٢) حب رسول اللَّه ﷺ ، فأتي بها رسول ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه)؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي، قام رسول اللَّه ﷺ ، فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، فإذا سرق فيهم الضعبف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: الحديث دليل على تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، وذلك أن النبي ﷺ تلون وجهه حين طُلبت منه الشفاعة، وبيَّن حرمة ذلك على الشريف والوضيع.

стр. 5856

الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه فقد ضاد اللَّه في أمره) (١). الدليل الرابع: عن عمرو بن شعيب (٢) عن أبيه (٣) عن جده ﵁ (٤) عن النبي ﷺ قال: (تعافوا الحدود قبل أن تأتوني به، فما أتاني من حد فقد وجب) (٥).

стр. 5857

الدليل الخامس: عن صفوان بن أمية ﵁ (١) أنه: سُرقت خميصته (٢) من تحت رأسه وهو نائم في مسجد النبي ﷺ ، فأخذ اللص، فجاء به إلى النبي ﷺ ،

стр. 5858

فأمر بقطعه، فقال صفوان: أتقطعه؟ قال: (فهلا قبل أن تأتيني به تركته) (١). وفي رواية لأبي داود والنسائي بلفظ: قال صفوان: فأتبته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، قال: (فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به) (٢). • وجه الدلالة: أن صفوان أراد أن يرجع عن طلبه بالحد، فبيَّن له النبي ﷺ أن الأمر إذا بلغ الإمام فلا يمكن إبطاله، ولو بتنازل صاحب الحق. الدليل السادس: أن الحدود حق للَّه تعالى، والإمام إنما هو نائب عن اللَّه تعالى في الاستيفاء، ومكلَّف بأخذ حقه تعالى بالحد (٣). الدليل السابع: أن قبول الشفاعة في الحدود يفضي إلى إبطال الحدود جملة، أو إبطالها عن الشريف وأصحاب الوجاهة، وتخصيصها بالوضعاء الفقراء، وهو ما حذر منه ﷺ في حديث عائشة ﵂ السابق (٤).

стр. 5859

• المخالفون للإجماع: حكى العراقي في المسألة خلافًا عن الأوزاعي (١) فقال: "وحُكي عن الأوزاعي جواز الشفاعة، والحديث حجة عليه، كذا قال والدي ﵀ في شرح الترمذي، والذي حكاه غيره عن الأوزاعي جواز الشفاعة قبل بلوغ الإمام، كذا حكاه عنه الخطابي (٢) " (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف فيها. وأما ما حكي عن الأوزاعي من الخلاف فليس محل جزْم، بل حُكي عنه موافقة الجمهور، وهو الأقرب؛ لأن من حكى عنه موافقة الجمهور أكثر كما هو ظاهر كلام العراقي. وعلى فرض صحة النقل عن الأوزاعي في المسألة فإنه يكون من قبيل الشاذ الذي لم يتابع عليه، ولا يعضده نص، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5860

[٢/ ١] إذا أقيم الحد على من وجب عليه على الوجه المشروع، فتلف، أو تلف عضو منه، فلا ضمان • المراد بالمسألة: إذا ثبت الحد على شخص بما لا يوجب القتل، وأمر الحاكمُ بإقامة الحد عليه، فأقام المأمور الحد كما أمر به الشرع بلا زيادة، ولا نقص، ثم مات المحدود بسبب الحد، فحينئذٍ لا ضمان على الحاكم الذي أمر بالحد، ولا على المباشر. ويتبين مما سبق أن من أقام الحد لو زاد في الحد ولو بطريق الخطأ، فذلك غير مراد في مسألة الباب. وكذا لو كان الموت بسبب غير الحد، كأن يموت بسبب سراية القود، أو التعزير، أو نحو ذلك فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا على أن السارق لو مات من قطع يده أنه لا شيء فيه" (١)، وقال الطحاوي (٣٢١ هـ) (٢): "اتفاقهم في المقطوع في السرقة مات أنه لا شيء فيه؛ لأنه قطع بحق" (٣). وقال البغوي (٥١٦ هـ): "اتفق أهل العلم على أن الإمام إذا أقام حدًا على إنسان، فمات فيه، أنه لا ضمان عليه" (٤).

стр. 5861

وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ) (١): "لم يختلف العلماء فيمن مات من ضرب حد وجب عليه أنه لا دية فيه على الإمام ولا على بيت المال" (٢). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الإمام إذا قطع السارق فسرى ذلك إلى نفسه أنه لا ضمان عليه" (٣)، وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو قطع الإمام يد السارق فمات منه لا ضمان على الإمام ولا على بيت المال، وكذلك الفصَّاد، والبزَّاغ (٤)، والحجَّام، إذا سرت جراحاتهم لا ضمان عليهم بالإجماع" (٥). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) (٦) "إجماعهم على أن السارق إذا مات من قطع يده أنه لا شيء على الذي قطع يده" (٧). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في سائر الحدود، أنه إذا أُتي بها على الوجه المشروع، من غير زيادة، أنه لا يضمن مَن تَلِف

стр. 5862

بها" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمعوا أن السارق لو مات من قطع يده أنه لا شيء فيه" (٤). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة لا على الإمام ولا على جلاده ولا في بيت المال" (٥) ونقله عنه الصنعاني (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق العلماء على أن الواجب المقدر كالحد لا تضمن سرايته" (٧). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "سراية الجناية مضمونة بالاتفاق، وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق" (٨). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "اتفقوا على أن من مات من الضرب في الحد لا ضمان على قاتله إلا في حد الخمر" (٩). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٤ هـ) (١٠): "ولو حُد فمات، فلا ضمان

стр. 5863

إجماعًا" (١). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) "ولو حد الإمام حيث كان الاستيفاء مقدرًا بنص فيه كحد قذف فمات المحدود، فلا ضمان بالإجماع" (٢). وقال أبو الطيب (١٣٢٩ هـ): "لم يختلف العلماء فيمن مات من ضرب حد وجب عليه أنه لا دية فيه على الإمام ولا على بيت المال" (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يسنَّه" متفق عليه (٤). وفي رواية للبيهقي بلفظ: "ما أحد يموت في حد فأجد في نفسي منه شيئًا؛ الحقُّ قتَلَه" (٥). الدليل الثاني: أن إقامة الحد مما أمر الشارع به، فيفعلها الإمام بأمر من اللَّه ورسوله ﷺ ، فلم يؤاخذ به، وقد تقرر عند الفقهاء قاعدة أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون (٦)، ولذا كان حدوث التلف عن الحدود الواجبة هدر لا يضمن (٧). الدليل الثالث: أن إيجاب الضمان يفضي إلى امتناع بعض الأئمة من إقامة

стр. 5864

الحدود خوفًا من سريان الحد، ولزوم الضمان، وهو طريق لإبطال الحدود. • المخالفون للإجماع: ذكر الكاساني عن أبي حنيفة رواية في وجوب الضمان على الإمام إن مات السارق بسبب قطع يده (١). وبه قال ابن أبي ليلى (٢) (٣). • دليل المخالف: يدل تضمين الإمام ما أتلفه بموجب الحد أن الإمام قد استوفى أكثر من حقه الذي شرعه اللَّه؛ فالسارق مثلًا الواجب فيه قطع اليد، والإمام تعدى إلى القتل، فوجب عليه الضمان، وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية (٤). النتيجة: لمسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لوجود

стр. 5865

خلاف ابن أبي ليلى، ورواية عن أبي حنيفة، وقد أشار إلى الخلاف الشوكاني بعد نقله لكلام النووي في الإجماع ثم تعقَّبه بقوله: "فيه نظر؛ فإنه قد قال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: إنها تجب الدية على العاقلة" (١)، ولعل من حكى الإجماع اعتبر الخلاف من قبيل الشاذ، واللَّه تعالى أعلم. [٣/ ١] إذا أقيم الحد وزاد عليه فتلف المحدود أو عضو منه وجب الضمان • المراد بالمسألة: إذا وجب الحد على شخص، فأمر به الإمام، وأقيم الحد على غير الوجه الشرعي (٢)، بأن حصل فيه زيادة، ولو بطريق الخطأ، ونتج عنه تلف للمحدود أو بعضه، فيجب الضمان حينئذٍ. والمراد بالمسألة تقرير وجوب الضمان بموجب الزيادة في الحد، أما من الذي يجب عليه الضمان، وهل هو من ماله أو من بيت المال، فكل ذلك محل خلاف غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إن زاد على الحد فتلف وجب الضمان بغير خلاف نعلمه" (٣) وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٤). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "وقاعدة الباب إجماعًا ونزاعًا: أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق" (٥).

стр. 5866

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (١)، والشافعية (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يسنَّه" متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: أن عليًا ﵁ أوجب الدية في شارب الخمر بسبب أنه ليس ثمة سُنّة متَّبعة في حده بمقدار معيَّن، وذلك يدل على أن كل زيادة على الحد المقدَّر تجب فيه الدية. الدليل الثاني: أن الذي تعدى في إقامة الحد لم يأذن له الشارع بذلك، والمحدود تلف بسبب ذلك التعدي، فيلزم الضمان على المتعدي، كما لو في غير الحد، بجامع أن كلًا منهما تعدٍ غير مأذون به شرعًا (٤). النتيجة: سألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٤/ ١] عدم إقامة الحدود في دار الحرب • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف دار الحرب: المراد بدار الحرب بلاد العدو من الكفار الحربيين، الذين ليس بيننا وبينهم صلح (٥). قال المرداوي: "دار الحرب: ما يغلب فيها حكم الكفر" (٦).

стр. 5867

وسئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (١): "هل يحكم على أهل البلد بأنها بلاد كفر بظهور الشرك فيهم، أو بإطباقهم عليه، أو بولايتهم؟ " فأجاب بقوله: "إذا ظهر الشرك ولم يُنكر ويزال حُكِم عليها بالكفر، ودعوى الإسلام لا تنفع، فمتى وجد الشرك ظاهرًا ولم يزال حُكم عليها بالكفر" (٢). ثانيًا: صورة المسألة: ذا ثبت الحد على شخص بما يوجب الحد، وكان قد قام بموجب الحد من زنا أو سرقة أو غيرهما في دار الحرب، فإنه لا يُقام عليه الحد ما دام في دار الحرب. وينبَّه إلى أن من نقل الإجماع هنا مراده إذا قام بموجب الحد في غير المعسكر، فإن كان المسلمون في معسكر بدار الحرب، وقام أحد من في المعسكر بسرقة أو زنى، فإقامة الحد عليه هنا غير مرادة (٣). ويتبيَّن كذلك أنه لو أتى بالحد في دار الإسلام ثم خرج لدار الحرب، فذلك غير مراد. وكذا مسألة هل يُقام عليه الحد إن رجع لدار الإسلام أو أن الحد يسقط عنه

стр. 5868

مطلقًا؟ ، فهذا غير مراد، وإنما المراد تحقيق الإجماع في أن الحد لا يُقام عليه ما دام في أرض العدو. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "من أتى حدًا من الغزاة، أو ما يوجب قصاصًا، في أرض الحرب، لم يقم عليه حتى يقفل، فيقام عليه حده. . .؛ لأنه إجماع الصحابة ﵃" ثم ذكر ما روي عن الصحابة ﵃ في ذلك ثم قال: "وهذا اتفاق لم يظهر خلافه" (١). ونقله عنه ابن القيم (٢). وابن قاسم (٣). وبمثله قال ابن قدامة نقل الإجماع شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٤). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ) (٥): "وإن أتى حدًا في الغزو لم يستوف منه حتى يخرج من دار الحرب. . .؛ لأنه إجماع الصحابة ﵃" (٦). وبمثله قال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) (٧) (٨). . .

стр. 5869

ونقله عن ابن مفلح البهوتي (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٢)، وذكر النووي أنه المشهور عند الشافعية (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن زيد بن ثابت ﵁ (٤) أن النبي ﷺ قال: (لا تقام الحدود في دار الحرب) (٥). • وجه الدلالة: الحديث صريح في النهي عن إقامة الحدود في دار الحرب. الدليل الثاني: عن بسر بن أبي أرطاة ﵁ (٦) قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ

стр. 5870

يقول: (لا تقطع الأيدي في الغزو) (١). • وجه الدلالة: أن هذا قطع اليد للسارق حد من حدود اللَّه تعالى، وقد نهى ﷺ عن إقامته في الغزو، أي غزو دار الحرب، فكذا سائر الحدود (٢). الدليل الثالث: أنه مروي عن جماعة من الصحابة ﵃ كعمر بن الخطاب، وحذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء (٣) ﵃ (٤)، ولا مخالف لهم (٥). الدليل الرابع: أنه إذا جاء تأخير الحدود لأمر عارض من مرض، أو برد، أو حر، أو حمل ونحو ذلك مما فيه مصلحة للمحدود، فإن تأخير الحد عن المجاهد إلى الرجوع إلى دار الإسلام لمصلحة الإسلام، كحاجة المسلمين إلى

стр. 5871

المحدود في القتال، أو الخوف من ارتداده ولحوقه بالكفار جائز من باب أولى (١). الدليل الخامس: أن الذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، وفي دار الحرب فإن الإمام لا ولاية له لأجل أن يقيم الحد على من وجب عليه، بخلاف من أتى بالحد في المعسكر فإنه تحت ولاية الإمام فيقيم الحد عليه حينئذٍ (٢). الدليل السادس: أن في إقامة الحد على من هو في دار الحرب مفسدة تزيد على مصلحة إقامة الحد؛ إذ قد يترتب عليه لحوق صاحبه بالمشركين خوفًا، أو حمية وغضبًا (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب على الإمام إقامة الحد ولو في دار الحرب، إلا إن خيف على من وجب عليه الحد الفتنة، فهنا يؤخر عنه الحد حتى يرجع. هو قول المالكية (٤)، والشافعية (٥). ونسب الخطابي هذا القول لأكثر الفقهاء حيث قال: "أما أكثر الفقهاء فإنهم لا يفرقون بين أرض الحرب وغيرها" (٦).

стр. 5872

وللمالكية قول هو خلاف الظاهر حاصله إقامة الحدود بدار الحرب، حتى لو خيف عليه من الردة أو لحاقه بدار الحرب (١). • أدلة المخالفين: استدل القائلون [بإقامة الحد] (*) في دار الحرب بعموم النصوص الشرعية الموجبة لإقامة الحد كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، وهذه نصوص جاءت مطلقة، لم تحدد الزمان ولا المكان الذي تقام فيه الحدود، فبقي الحكم علي الأصل، وليس ثمة دليل صريح يستثني دار الحرب (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر أن الإجماع حاصل في عدم إقامة الحد في دار الحرب إن خيف الفتنة من ذلك. أما مع عدم الفتنة فالمسألة ليست محل إجماع، بل هي محل خلاف مشهور بين أئمة المذاهب الأربعة، لثبوت خلاف المالكية والشافعية. وما حكاه ابن قدامة وغيره من إجماع الصحابة ﵃ على المسألة فإنما هو من باب الإجماع السكوتي الظني، واللَّه تعالى أعلم. [٥/ ١] تقام الحدود في الثغور • المراد بالمسألة: أولًا: معنى الثغور لغة واصطلاحًا: الثغور في اللغة: جمع ثغر -بفتح الثاء وإسكان الغين-، قال ابن فارس: "الثاء والغين والراء أصل واحد يدل على تفتح وانفراج" (٥). ويطلق الثغر على فم الإنسان، وما تقدم من الأسنان، والثلمة في الشيء،

стр. 5873

وموضع المخافة من فروج البلدان، وما يلي دار الحرب من ديار المسلمين (١). وجميع هذه المعاني تدل على التفتّح، كما ذكره ابن فارس. • الثغور في اصطلاح الفقهاء: الثغور عند الفقهاء هي الموضع الذي يكون حَدًّا فاصلا بين بلاد المسلمين والكفار، ويُخاف دخول العدو منه (٢). ثانيًا: صورة المسألة: لو وُجد شخص مقيم بالثغور لحماية المسلمين أو لغير ذلك، وثبت عند الإمام أنه ارتكب ما يوجب الحد، فإن على الإمام إقامة الحد عليه. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "تقام الحدود في الثغور بغير خلاف نعلمه" (٣). وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٤)، وإبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) (٥). ونقله البهوتي عن ابن مفلح (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي

стр. 5874

عبيدة ﵁ أن يجلد من شرب الخمر ثمانين، وهو بالشام، وهو من الثغور (١). الدليل الثاني: أن الثغور من بلاد الإسلام، فيقام فيها الحد كغيرها من بلاد الإسلام (٢). الدليل الثالث: أن من مقصود شرعية الحدود الزجر والردع، والحاجة داعية إلى زجر من بالثغور بالحدود، كالحاجة إلى زجر غيرهم (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٦/ ١] عدم إقامة الحدود في المساجد • المراد بالمسألة: لو ثبت الحد على شخص، فإن الحد لا يقام عليه في المسجد الذي تقام في الفروض. والمراد نقل الإجماع على المنع من إقامة الحد في المسجد، بغض النظر عن النهي في ذلك هل هو للتحريم فيأثم فاعله، أو هو للكراهة فلا يأثم فاعله. ويتبين مما سبق أن الحد لو كان في مصلى معد لغير الفروض، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمع الفقهاء أنه لا ينبغي للحاكم أن يضرب حدًا أحدًا في المسجد، إلا ابن أبي ليلى، فإنه أباحه وفعله" (٤). القرطبي (٦٧١ هـ): "لا تقام الحدود فيه -أي المسجد- إجماعًا" (٥). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ولا يقام حد في مسجد بإجماع الفقهاء" (٦)

стр. 5875

ونقله عنه ابن يونس الشلبي (١) (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية في غير الجلد (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقام الحدود في المساجد) (٦). الدليل الثاني: عن حكيم بن حزام (٧) ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقام الحدود في المساجد، ولا يستقاد (٨). . .

стр. 5876

فيها) (١). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديثان صريحان في النهي عن إقامة الحدود في المساجد. الدليل الثالث: أنه مروى عن جماعة من الصحابة ﵃، فعن عمر ﵁ أنه أُتي برجل في حد فقال: "أخرِجاه من المسجد، ثم اضرباه" (٢). وكذا جاء نحوه عن علي ﵁ (٣)، لكن في سنده مقال، كما قاله ابن حجر (٤). • وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبى طالب ﵄ كل منهما أمر بإخراج الرجل من المسجد لإقامة الحد عليه، وهو دليل على أنه متقرر عندهم النهي عن إقامتها فيه، وإلا لو كان جائزًا لما أمر عمر ﵁

стр. 5877

بإخراجه من المسجد. الدليل الرابع: أن إقامة الحد لا يؤمن منه تلويث المسجد، من دمٍ ونحوه، والشارع أمر بتطييب المساجد وتطهيرها، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١) (٢). الدليل الخامس: أنه لا يؤمن من إقامة الحد في المسجد أن يرفع المحدود صوته في المسجد، وقد نهي عن ذلك (٣). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: يجوز إقامة جميع الحدود في المساجد. وبه قال ابن أبي ليلى (٤)، وهو مروي عن الحسن البصري (٥)، وشريح،

стр. 5878

والشعبي (١) (٢). القول الثاني: يجوز إقامة حد الجلد في المسجد فقط، أما غيره من الحدود فلا يجوز. وبه قال ابن حزم الظاهري (٣). • دليل المخالف: استدل القائلون بجواز إقامة الحد في المسجد بما يلي: الدليل الأول: أن الأصل هو الإباحة، حتى يرد الدليل على المنع، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٤). فلو كان إقامة الحدود بالجلد في المساجد حرام لفصَّل اللَّه لنا ذلك مبينًا في القرآن أو على لسان رسوله ﷺ (٥). الدليل الثاني: أن إقامة الحد قربة وطاعة، والمساجد أُعدت للقرب والطاعات (٦). الدليل الثالث: أن إقامة الحد هو من جملة ما يجب على القاضي فعله في القضاء، وإذا كان له أن يجلس في المسجد للقضاء كان له أن يتم القضاء بإقامة الحدود فيها (٧).

стр. 5879

النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف في ذلك عن بعض التابعين في جميع الحدود، وعن ابن حزم في حد الجلد، ولعل من نقل الإجماع لم يعتبر قول المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٧/ ١] الحدود كفارات لمن أقيمت عليه • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وأقيم عليه الحد الذي فرضه اللَّه تعالى، فإنه يكون له كفارة، يسقط به عنه إثم ذلك الذنب. • من نقل الإجماع: ابن رشد الجد (٤٥٠ هـ): "الرجم كفارة للزنا بإجماع" (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "الحد يكفر ذنب المعصية التي حُد لها. . . . ولا نعلم في هذا خلافًا" (٢). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "قام إجماع أهل السنة على أن من أقيم عليه الحد من أهل المعاصي كان ذلك كفارة لإثم معصيته" (٣) وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "ورد أن هذه الحدود كفارات لمن أقيمت عليه، وهذا إجماع" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنابلة (٥)، وابن حزم باستثناء حد الحرابة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا،

стр. 5880

ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره اللَّه عليه فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) متفق عليه (١). • وجه الدلالة: الحديث نص صريح في أن إقامة الحدود كفارات لأهلها. الدليل الثاني: عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أصاب حدًا فعُجِّل عقوبته في الدنيا، فاللَّه أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حدًا فستره اللَّه عليه وعفا عنه فاللَّه أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه) (٢). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن العقوبة لا تثنى على العبد في الآخرة ما دام قد عوقب في الدنيا، وهذا من عدل اللَّه تعالى؛ ومن ثم فالحدود كفارات.

стр. 5881

الدليل الثالث: عن بريدة بن الحصيب ﵁ (١) أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا)، فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . . الحديث (٢). • وجه الدلالة: أن ماعز بن مالك صرح بأن الحد تطهير للذنب بقوله: "إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني"، وكذا الغامدية في قولها:

стр. 5882

"قد زنيت فطهرني"، وقد أقرهما النبي ﷺ على ذلك (١). • المخالفون للإجماع: خالف في المسألة جماعة من الفقهاء وهم على ثلاثة أقوال: القول الأول: قالوا بأن الحد لا يُسقط إثم تلك المعصية، بل لابد من التوبة، فإن حد ولم يتب بقي عليه إثم تلك المعصية حتى يتوب. وهو قول الحنفية (٢)، وبه قال سعيد بن المسيب (٣)، وصفوان بن سليم (٤)، واختاره البغوي (٥). القول الثاني: أن الحدود كفارات لمن أقيمت عليه باستثناء الحرابة فإنه لا يُكفرها مجرد الحد، بل لا بد أن تقترن بالتوبة. وبه قال ابن حزم (٦).

стр. 5883

القول الثالث: ذهب طائفة إلى التوقف في المسألة (١). • أدلة المخالفين: أما الحنفية فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن المحاربين بعد إقامة الحد عليهم فإن لهم عذاب عظيم في الآخرة، وهو يدل على أن الحد لم يُسقط عنهم الإثم والعقوبة في الآخرة، وإنما استثنى من ذلك من تاب فقط (٣). وأما ابن حزم فاستثنى المحاربين بدليل آية الحرابة السابقة. • وجه الدلالة: في الآية دلالة على أن المحاربين معذبون في الآخرة حتى بعد إقامة الحد عليهم، هو يدل على إخراج المحاربين من النصوص الدالة على أن الحدود كفارات، ويبقى ما عداها من المعاصي على التكفير بالحد بموجب الأحاديث الدالة على ذلك (٤). • أما من توقف في المسألة فاستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 5884

رسول اللَّه ﷺ : (ما أدري أتبع كان لعينًا (١) أم لا؟ ، وما أدري أذو القرنين كان نبيًا أم لا؟ ، وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا؟ ) (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها عن الحنفية وبعض التابعين، ولهذا لما ذكر ابن حجر المسألة قال: "إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود وهو قول الجمهور، وقيل: لا بد من التوبة وبذلك جزم بعض التابعين" (٣)، فنسب القول بأن الحد كفارة للجمهور، ثم حكى الخلاف، ولعل من نقل الإجماع في المسألة أراد مع وجود التوبة، أو أن قول المخالف لم يبلغه، واللَّه تعالى أعلم. [٨/ ١] الحدود لا يجوز فيها قضاء القاضي بعلمه • المراد بالمسألة: إذا رُفعت للقاضي قضية تتعلق بالحدود، ولم يثبت ما يوجب إقامة الحد من بيِّنة أو إقرار، لكن كان القاضي ذا علمٍ بيِّن في القضية، بان رأى السارق وهو يسرق، أو رأى الزنا عيانًا، فإن القاضي في هذه الحال لا يجوز له أن يحكم بعلمه المجرد عن البينة أو الشهود.

стр. 5885

ويتبيّن مما سبق أن قضاء القاضي بعلمه في غير الأمور المتعلقة بإقامة الحد كالحقوق المالية، أو المتعلقة بالقصاص فكل ذلك غير مراد في الباب. ومن ذلك لو أقر عند القاضي بالسرقة فقضاء القاضي بعلمه في إثبات المال الذي أقر به السارق غير مراد، وإنما المراد إثبات إقامة حد السرقة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه" (٢) ونقله عنه ابن حجر (٣). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه" (٤) ونقله عنه ابن كثير (٥)، والسندي (٦) (٧). وقال ابن عابدين (١٢٥٣ هـ): "وأما في حد الشرب والزنا، فلا ينفذ قضاؤه بعلمه اتفاقًا" (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٩)، والحنابلة (١٠). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا
следующие страницы →