← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

الدليل الثالث: عن بريدة بن الحصيب ﵁ (١) أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا)، فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . . الحديث (٢). • وجه الدلالة: أن ماعز بن مالك صرح بأن الحد تطهير للذنب بقوله: "إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني"، وكذا الغامدية في قولها:

стр. 5882

"قد زنيت فطهرني"، وقد أقرهما النبي ﷺ على ذلك (١). • المخالفون للإجماع: خالف في المسألة جماعة من الفقهاء وهم على ثلاثة أقوال: القول الأول: قالوا بأن الحد لا يُسقط إثم تلك المعصية، بل لابد من التوبة، فإن حد ولم يتب بقي عليه إثم تلك المعصية حتى يتوب. وهو قول الحنفية (٢)، وبه قال سعيد بن المسيب (٣)، وصفوان بن سليم (٤)، واختاره البغوي (٥). القول الثاني: أن الحدود كفارات لمن أقيمت عليه باستثناء الحرابة فإنه لا يُكفرها مجرد الحد، بل لا بد أن تقترن بالتوبة. وبه قال ابن حزم (٦).

стр. 5883

القول الثالث: ذهب طائفة إلى التوقف في المسألة (١). • أدلة المخالفين: أما الحنفية فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن المحاربين بعد إقامة الحد عليهم فإن لهم عذاب عظيم في الآخرة، وهو يدل على أن الحد لم يُسقط عنهم الإثم والعقوبة في الآخرة، وإنما استثنى من ذلك من تاب فقط (٣). وأما ابن حزم فاستثنى المحاربين بدليل آية الحرابة السابقة. • وجه الدلالة: في الآية دلالة على أن المحاربين معذبون في الآخرة حتى بعد إقامة الحد عليهم، هو يدل على إخراج المحاربين من النصوص الدالة على أن الحدود كفارات، ويبقى ما عداها من المعاصي على التكفير بالحد بموجب الأحاديث الدالة على ذلك (٤). • أما من توقف في المسألة فاستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 5884

رسول اللَّه ﷺ : (ما أدري أتبع كان لعينًا (١) أم لا؟ ، وما أدري أذو القرنين كان نبيًا أم لا؟ ، وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا؟ ) (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها عن الحنفية وبعض التابعين، ولهذا لما ذكر ابن حجر المسألة قال: "إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود وهو قول الجمهور، وقيل: لا بد من التوبة وبذلك جزم بعض التابعين" (٣)، فنسب القول بأن الحد كفارة للجمهور، ثم حكى الخلاف، ولعل من نقل الإجماع في المسألة أراد مع وجود التوبة، أو أن قول المخالف لم يبلغه، واللَّه تعالى أعلم. [٨/ ١] الحدود لا يجوز فيها قضاء القاضي بعلمه • المراد بالمسألة: إذا رُفعت للقاضي قضية تتعلق بالحدود، ولم يثبت ما يوجب إقامة الحد من بيِّنة أو إقرار، لكن كان القاضي ذا علمٍ بيِّن في القضية، بان رأى السارق وهو يسرق، أو رأى الزنا عيانًا، فإن القاضي في هذه الحال لا يجوز له أن يحكم بعلمه المجرد عن البينة أو الشهود.

стр. 5885

ويتبيّن مما سبق أن قضاء القاضي بعلمه في غير الأمور المتعلقة بإقامة الحد كالحقوق المالية، أو المتعلقة بالقصاص فكل ذلك غير مراد في الباب. ومن ذلك لو أقر عند القاضي بالسرقة فقضاء القاضي بعلمه في إثبات المال الذي أقر به السارق غير مراد، وإنما المراد إثبات إقامة حد السرقة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه" (٢) ونقله عنه ابن حجر (٣). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه" (٤) ونقله عنه ابن كثير (٥)، والسندي (٦) (٧). وقال ابن عابدين (١٢٥٣ هـ): "وأما في حد الشرب والزنا، فلا ينفذ قضاؤه بعلمه اتفاقًا" (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٩)، والحنابلة (١٠). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا

стр. 5886

بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (١). • وجه الدلالة: الآية تدل على أن القاضي لا يحكم بعلمه؛ لأنه لو جاز له الحكم بعلمه لكان شاهدًا واحدًا، وهو في حكم القذف؛ إذ الآية نصت على منع القضاة بإقامة حد الزنا إلا أن يتوافر لديهم أربعة شهود (٢). الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂ (٣) أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إنما أنا بشر، وانكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فاقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) متفق عليه (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن قضاءه يكون بموجب ما سمعه، ولم يذكر أنه بموجب ما يعلمه (٥). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا واللَّه الذي لا اله إلا هو، فقال

стр. 5887

عيسى: آمنت باللَّه وكذبت عيني) متفق عليه (١). • وجه الدلالة: أن عيسى بن مريم ﵇ لم يحكُم على السارق بما رآه، مع أنه شاهده وهو يسرق (٢). الدليل الرابع: أنه مروي عن جماعة من الصحابة كأبي بكر، وعمر، وابن عباس، ومعاوية (٣) ﵃ (٤). الدليل الخامس: أن في إباحة قضاء القاضي بعلمه طريق لمن أراد ظلمًا

стр. 5888

بأن يقضي بالظلم، بحجة أنه يقضي بعلمه، فالمنع من القضاء بالعلم سد للذريعة، ودفع للتهمة عن القاضي (١). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: للقاضي أن يحكم بعلمه في حد القذف دون غيره من الحدود. وهو قول الحنفية (٢)، وأبو ثور (٣) (٤). القول الثاني: للقاضي أن يقضي بعلمه في جميع الحدود. وهو قول بعض الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦)، وبه قال ابن حزم الظاهري (٧).

стр. 5889

• دليل المخالف: الدليل الأول: عموم الآيات الدالة على وجوب الحكم بالعدل، كقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (١). • وجه الدلالة: يفيد عموم هذه الآية وما في معناها أن القاضي يحكم بين الناس بالعدل والقسط، فلو كان في علمه ما يؤدي إلى العدل والقسط وجب عليه تأديته، وإلا لأدى ذلك إلى عدم العدل والقسط (٢). الدليل الثاني: عموم النصوص الدالة على وجوب تغيير المنكر، كحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٣) قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (٤). • وجه الدلالة: الحديث يدل على أن القاضي إذا علم بالمنكر ولم يغيره بالحكم، فقد ترك الواجب مع علمه به (٥). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: دخلت هند بنت عتبة (٦)

стр. 5890

امرأة أبي سفيان (١) على رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) متفق عليه (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قضى للمرأة بعلمه بحال أبي سفيان، ولم يطلب من المرأة من يشهد لها بذلك (٣). الدليل الرابع: أنه إذا جاز للقاضي أن يحكم بما شهد به الشهود، وهو من قولهم على ظن، فمن باب أولى جواز أن يحكم بما سمعه، أو رآه لأنه في حقه يقين وقطعي (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها، ولذا حين حكى ابن عبد البر المسألة قال: "والسلف من الصحابة ﵃ والتابعين مختلفون في قضاء القاضي بعلمه" (٥).

стр. 5891

وقد تعقَّب ابن حجر حكاية ابن العربي للإجماع في المسألة، فقال بعد نقله لكلام ابن العربي: "فجرى على عادته في التهويل والإقدام على نقل الإجماع مع شهرة الاختلاف" (١). فلعل ابن العربي لم يبلغه الخلاف، وأما القرطبي فقد نقل الإجماع اتباعًا لابن العربي، وأما ابن عابدين فإنما أراد الاتفاق المذهبي عند الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [٩/ ١] الحدود لا تسقط بالأعمال الصالحة • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخصٌ ما يوجب الحد، فإن مجرَّد الأعمال الصالحة من حج وصلاة وصيام ونحوها لا تُسقط الحد، بدون توبة عن المعصية الموجبة للحد، أو إقامة الحد. ويتبيَّن مما سبق أن الأعمال الصالحة إن كان معها توبة، أو إقامة للحد فكل ذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن بطال (٤٤٩ هـ) (٢): "وقد أجمعت الأمة أن كل من ركب من أهل بدر ذنبًا بينه وبين اللَّه فيه حد، أو بينه وبين الخلق من القذف أو الجرح أو القتل فإنه عليه فيه الحد والقصاص" (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يختلفون ولا أحد نعلمه في أن الحج

стр. 5892

لا يسقط حدًا أصابه المرء قبل حجه ولم يتب منه" (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "قد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة" (٢) ونقله عنه الشوكاني (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر) (٦). • وجه الدلالة: في الحديث دلالة على أن الكبائر لا تُكفر بالأعمال الصالحة، فإن أهل العلم في تفسير الحديث على قولين، قال ابن رجب: "في معنى هذا الحديث قولين: أحدهما: عن جمهور أهل السنة أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم يجتنب لم تكفر هذه الفرائض شيئًا بالكلية. والثاني: أنها تكفر الصغائر مطلقًا، ولا تكفر الكبائر إن وجدت، لكن يشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها" (٧). وعلى كلا التفسيرين فهو دليل على أن الكبائر لا تُكفر بهذه الأعمال الصالحة.

стр. 5893

الدليل الثاني: قصة الغامدية التي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . . الحديث (١). • ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ ردَّ المرأة حتى تضع، ثم ردَّها حتى تفطمه، وهي في هذه الفترة لا شك أنها تؤدي أعمالًا صالحة منها الصلوات الخمس ومع ذلك لم يسقط النبي ﷺ عنها الحد، بل أقامه عليها. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه أعلم (٢). [١٠/ ١] عدم جواز الكفالة في الحدود • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الكفالة: الكفالة لغة: أصل الكفالة في اللغة بمعنى الضم، كما قال ابن فارس: "الكاف والفاء واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تضمُّنِ الشَّيء للشيء" (٣). يُقال: كَفَله يَكْفُله وكَفَّله إِيّاه، أي ضمنه، والكافل: هو القائم بأمر من

стр. 5894

يكفُله، العائل له، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (١)، وقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) "وأشار بالسبابة والوسطى" (٢). ويقال أيضًا: كفل المال وكفل بالمال، أي ضمنه، وتكفل بالشيء ألزم نفسه به وتحمَّله (٣). والحمالة في اللغة والكفالة والضمان والزعامة كل ذلك بمعنى واحد (٤). الكفالة شرعًا: اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفهم للكفالة، ولكن لعل أقرب التعاريف لما نحن بصدد الكلام عنه أن يقال: "ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق" (٥). ثانيًا: صورة المسألة: إذا ثبت الحد على شخصِ، فإنه لا يجوز لأحد أن يضمن من وجب عليه الحد، بحيث أنه لو تعذَّر إقامة الحد عليه فإن الحد يُقام على الكفيل. ويتبيَّن مما سبق أن المراد: الكفالة في العقوبة أي الموجبة لإقامة الحد على الكفيل في حال تعذُّر حضور المكفول، أما الكفالة بالبدن التي تتضمن الالتزام بإحضار المكفول فقط، فهذه غير مرادة في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه لا يجوز

стр. 5895

الكفالة في الحدود" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "كل من يحفظ عنه من أهل العلم يقول أنه لا تجوز الكفالة في الحدود" (٢). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "إذ الحمالة في الحدود ونحوها -بمعنى إحضار المضمون فقط- جائزة مع التراضي، غير لازمة إذا أبى الطالب، وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة، فلا يجوز إجماعًا" (٣). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ) "الكفالة بالنفس قال بها الجمهور (٤) ولم يختلف من قال بها أن المكفول بحد، أو قصاص إذا غاب، أو مات أن لا حد على الكفيل" (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، الحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ (٩). • وجه الدلالة: في الآية دلالة على أن الإنسان لا يعاقب على ذنب فعله غيره، فلا يُقام على الشخص حدٌ على معصية لم يرتكبها.

стр. 5896

الدليل الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا كفالة في حد) (١). الدليل الثالث: أن الكفالة استيثاق والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات، فلا يدخل فيها الاستيثاق (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١١/ ١] تحريم الرشوة في الحدود [١٢/ ١] تحريم الفداء والصلح في الحدود، بعد بلوغها الإمام المراد بالمسألتين: أولًا: تعريف الرشوة لغة واصطلاحًا: الرشوة لغة: الرشوة: بكسر الراء وضمها وفتحها ثلاث لغات، يُقال: رَشاه يرشوه رَشوًا، فهي رَشوة ورِشوة، ومفردها رُشًا ورِشًا، والجمع أَرْشِيَة، وهي في أصل اللغة بمعنى التوصل إلى الشيء بالمصانعة (٣)، كما قال ابن فارس: "الراء والشين والحرف المعتل أصل يدل على سبب أو تسبب لشيء برفق وملاينة" (٤).

стр. 5897

ومنه الرِّشاء، وهو حبل الدلو؛ لأنه يوصل به إلى الماء. ويقال: رشاه يرشوه رشوًا: أي أعطاه الرشوة، وارتشى: أي أخذ الرشوة، واسترشى: طلب الرشوة، والرائش: هوالذي يتوسط بين الراشي والمرتشي (١). الرشوة اصطلاحًا: تنوعت عبارات الفقهاء في حد الرشوة لاختلاف صورها، فقيل: هي ما يُعطى لقضاء مصلحة أو لإبطال حق، أو لإحقاق باطل (٢). وقيل: ما يعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد (٣). وقيل: هي كل هديَّة قُصد بها التوصل إلى باطل (٤). وقيل: هي ما يتوصل به إلى ممنوع (٥). ومن خلال التعاريف السابقة يظهر أن ما يُعطى توصلًا إلى أخذ حق، أو دفع ظلم، ولا يمكن تحصيله إلا بذلك، فغير داخل في الرشوة التي حرَّمها اللَّه تعالى (٦). ثانيًا: تعريف الفداء: قال الجرجاني (٧): "الفداء: البدل الذي يتخلص به

стр. 5898

المكلف عن مكروه توجه إليه" (١). ثالثًا: صورة المسألة: إذا ثبت الحد على شخصٍ، فإنه لا يجوز للإمام أو غيره أخذ المال مقابل إسقاط الحد الذي ثبت، وكذا لو أراد من وجب عليه الحد أن يفتدي بمبلغ من المال لأجل إسقاط الحد عنه، أو الافتداء بشخص آخر، بأن يقيم غيره مكانه في الحد، فهنا لا يقبل منه الفداء. وكذا لا يجوز إسقاط الحد بموجب الصلح، كأن يسرق شخص من آخر، ثم بعد رفعه للإمام وثبوت الحد، يتصالح من وجب عليه الحد والمسروق منه ويطلبان إسقاط الحد، وكذا لو تصالح الزاني مع المزني بها، فكل ذلك غير جائز. • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "اتفق جميع المتأولين لهذه الآية (٢) على أن قبول الرشا محرم، واتفقوا على أنه من السحت الذي حرمه اللَّه تعالى. . . . ولا خلاف في تحريم الرُّشا على الأحكام، وأنها من السحت الذي حرمه اللَّه في كتابه، . . . . فلما حرم اللَّه أخذ الرُّشا على الأحكام، واتفقت الأمة عليه، دل ذلك على فساد قول القائلين بجواز أخذ الأبدال على الفروض والقرب" (٣). وقال بن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا على تحريم الرشوة على قضاء بحق، أو باطل، أو تعجيلًا لقضاء بحق، أو باطل" (٤). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في حد الزنا، والشرب، والسكر،

стр. 5899

والسرقة، أنه لا يحتمل العفو، والصلح، والإبراء، بعد ما ثبت بالحجة" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "فأما الرشوة في الحكم ورشوة العالم فحرام بلا خلاف" (٢). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "الرشوة في الحكم حرام بلا خلاف" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق والشارب، والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد، مال سحت خبيث" (٤) ونقله عنه السفاريني (٥) (٦). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر" (٧). وقال الصنعاني (١٠٩٩ هـ): "والرشوة حرام بالإجماع، سواء كانت للقاضي، أو للعامل على الصدقة، أو لغيرها" (٨). وقال الزرقاني (١١٢٢ هـ) (٩): (الحد لا يقبل الفداء وهو مجمع عليه

стр. 5900

في الزنا" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "وتحرم رشوة الحاكم إجماعًا" (٢). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "دل الحديث (٣) على تحريم الرشوة، وهو إجماع" (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: الأدلة الدالة على تحريم الرشوة عمومًا ومنها: أ- قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ (٥). ب- قوله تعالى في وصف أهل الكتاب: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٦). قال ابن كثير: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: الحرام، وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد" (٧)، فالرشوة داخلة في السحت باتفاق المفسرين كما حكاه أبو بكر الجصاص (٨). ج- عن عبد اللَّه بن عمرو ﵁ قال: (لعن رسول اللَّه ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم) (٩).

стр. 5901

والنصوص في ذلك كثيرة. الدليل الثاني: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني (١) رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا (٢) على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة

стр. 5902

ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (١). • وجه الدلالة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ففي هذا الحديث أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه، أمر النبي ﷺ بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد" (٢). الدليل الثالث: عن صفوان بن أمية ﵁ أنه: "سرقت خميصته من تحت رأسه وهو نائم في مسجد النبي ﷺ ، فأخذ اللص، فجاء به إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال صفوان: أتقطعه؟ قال: (فهلا قبل أن تأتيني به تركته) (٣). وفي رواية لأبي داود والنسائي بلفظ: "قال صفوان: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، (قال: فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به) (٤). وفي رواية لابن ماجه (٥) بلفظ: "فقال صفوان: يا رسول اللَّه لم أرد، هذا ردائي عليه صدقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : (فهلا قبل أن تأتيني به) (٦).

стр. 5903

• وجه الدلالة: أن صفوان ﵁ أراد إسقاط الحد عن طريق الصلح منه للسارق، بإهداء المسروق للسارق، أو ببيعه له، فبيَّن له النبي ﷺ أن ذلك غير جائز، وأن الحدود إذا بلغت السلطان وجب إقامتها (١). الدليل الرابع: الأحاديث الدالة على تحريم الشفاعة في الحدود بعد ثبوتها عند الحاكم (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ منع من الشفاعة في إسقاط الحد بعد ثبوته، فكيف بمن منع الحدود واعتاض عن المجرمين بسحت من المال يأخذه، فإنه يكون جمع بين إسقاط الحد، وأكل السحت (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض أهل العلم إلى أن جلد شارب الخمر ليس من باب الحد، وإنما هو من باب التعازير (٤). وعلى هذا يكون للإمام أن يعفو عن شارب الخمر، ولو بعد بلوغه للإمام. دليل المخالف: الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يسنَّه" متفق عليه (٥). وفي رواية للبيهقي بلفظ: "ما أحد يموت في حد فأجد في نفسي منه شيئًا؛

стр. 5904

الحقُّ قَتَله" (١). • وجه الدلالة: الحديث صريح في أن من جلد صاحب الخمر ثم مات من الجلد أن الجلاد يضمن التلف، وهو يدل على أن هذا الجلد غير مأذون به شرعًا. الدليل الثاني: عن عقبة بن الحارث (٢) قال: "جيء بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربًا فأمر رسول اللَّه ﷺ من كان بالبيت أن يضربوه، قال فكنت أنا فيمن ضربه، فضربناه بالنعال والجريد" (٣). الدليل الثالث: عن السائب بن يزيد ﵁ (٤) قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإمرأة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين" (٥). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: (اضربوه)، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه، قال: (لا تقولوا هكذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان) (٦).

стр. 5905

• وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: ظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يحد لشارب الخمر عددًا معينًا في الجلد، والحدود لا بد أن تكون مقدَّرة، وهو يدل على أن جلد شارب الخمر إنما كان من باب التعزير (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم في الجملة؛ لعدم وجود المخالف، وإنما وقع الخلاف في شارب الخمر، واللَّه تعالى أعلم. [١٣/ ١] من أتى ما يوجب الحد داخل الحرم، فيقام عليه الحد فيه • المراد بالمسألة: من ارتكب ما يوجب الحد داخل حدود الحرم (٢)، فإن على الإمام إقامة الحد عليه ولو في الحرم، ولا يعتبر ذلك انتهاكًا لحرمة الحرم. ويتبيَّن من هذا أن من أتى ما يوجب الحد خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإقامة الحد عليه في الحرم غير مرادة في الباب، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية (٣). • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "اتفاق أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم قتل" (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أن من قتل في الحرم وكذلك من أتى حدًا أقيم عليه في الحرم" (٥). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو

стр. 5906

أتى حدًا أقيد منه فيه" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدًا أو قصاصًا فإنه يقام عليه حدها، لا نعلم فيه خلافًا" (٢) وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). وقال العبدري (٨٩٧ هـ) (٤): "تُقام الحدود في الحرم ويقتل بقتل النفس في الحرم. . . ولا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار. . . إن قتل في الحرم قتل فيه إجماعًا" (٥). وقال الخازن (٧٤١ هـ) (٦): "أجمعوا على أنه لو قتل في الحرم، أو سرق، أو زنى، فإنه يستوفى منه الحد في الحرم عقوبة له" (٧). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "وإن فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه بغير خلاف نعلمه" (٨) ونقله عنه البهوتي (٩) والرحيباني (١٠). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ

стр. 5907

الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح قتل عند قاتل في الحرم، لأنهم لا حرمة لهم بعد انتهاكهم لحرمة الحرم، وكذلك مرتكب ما يوجب الحد في الحرم حيث أنه هتك حرمة الحرم (٢). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ (٣) أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه مِغْفَر (٤)، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؟ فقال ﷺ : (اقتلوه) متفق عليه (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل وهو في الحرم متعلق بأستار الكعبة، وهو يدل على أن حرمة القتل في الحرم، وكونه آمنًا، ليست على عمومه (٦). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحُديَّا (٧)، والغراب،

стр. 5908

والكلب العقور) (١) متفق عليه (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علل إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم بفسقهن وعدوانهن، ومرتكب ما يوجب الحد فيه فسق وعدوان، فيعم الحكم بعموم العلة (٣). الدليل الرابع: أن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم؛ حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود اللَّه تعالى في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها ولا يجوز الإخلال بها (٤). • المخالفون للإجماع: خالف ابن حزم فذهب إلى أنه لا يُقام حدٌ في الحرم، ولو كان من وجب عليه الحد قد أتى ما يوجب الحد في الحرم (٥)، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن عمر، وابن عباس، وأبي شريح (٦)،

стр. 5909

وعبد اللَّه بن الزبير (١)، والشعبي، وسعيد بن جبير (٢)، وعطاء (٣). • دليل المخالف: استدل ابن حزم بما يلي: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٤). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٥). • وجه الدلالة من الآيتين: في الآيتين دليل على أن الحرم أمان لكل أحد، وهو عام يدخل فيه الأمن من إقامة الحد على من وجب عليه (٦). الدليل الثالث: عن أبي شريح (٧) أنه قال لعمرو بن سعيد (٨) -وهو يبعث

стр. 5910

البعوث إلى مكة-: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به النبي ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به، حمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: (إن مكة حرمها اللَّه، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا. . .) الحديث متفق عليه (١). • وجه الدلالة: في الحديث تصريح بحرمة مكة، وحرمة سفك الدم فيها، وهذا عام يدخل فيه الحدود التي فيها سفك للدم كالرجم، وقطع اليد، والقتل. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع متحقق عند أهل العلم؛ لخلاف بعض الصحابة والتابعين، وابن حزم، واللَّه تعالى أعلم، ومن نقل الإجماع فجعل خلاف بعض الصحابة وبعض التابعين في مسألة من أتى حدًا خارج الحرم ثم لجأ إليه وبيانها في المسألة التالية. [١٤/ ١] من أتى ما يوجب الحد داخل الحرم، فلا يقام عليه الحد حتى يخرج من الحرم • المراد بالمسألة: من ارتكب ما يوجب الحد داخل حدود الحرم، فإن على الإمام إقامة الحد عليه، إلا أنه لا يقام عليه الحد حتى يَخرج من الحرم. وبهذا يتبيَّن أن هذه المسألة هي حكاية للإجماع على خلاف المسألة السابقة. كما يتبيَّن أن من أتى ما يوجب الحد خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإقامة الحد عليه في الحرم غير مرادة في الباب، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية (٢).

стр. 5911

• من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) بعد أن ذكر عدم إقامة الحد في الحرم عن خمسة من الصحابة ﵃: "فهؤلاء من الصحابة: عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو شريح، ولا مخالف لهم من الصحابة ﵃ (١). • مستند الإجماع: سبق بيان مستند الإجماع والمخالفين، مع أدلتهم، في المسألة السابقة. فأدلة المخالفين في المسألة السابقة هي أدلة مستند الإجماع في هذه المسألة. وأدلة مستند الإجماع في المسألة السابقة هي أدلة المخالفين في هذه المسألة. النتيجة: أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. [١٥/ ١] من أتى ما يوجب الحد خارج الحرم، ثم لجأ للحرم، فلا يقام عليه الحد • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد خارج الحرم، ثم لجأ للحرم، فإنه لا يُقام عليه الحد حتى يخرج من الحرم. ويتبيَّن من هذا أن من أتى الحد داخل الحرم فذلك غير مراد، وقد سبق بيانه (٢). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) بعد أن ذكر عدم إقامة الحد في الحرم عن خمسة من الصحابة ﵃: "فهؤلاء من الصحابة: عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو شريح، ولا مخالف لهم من

стр. 5912

الصحابة ﵃" (١). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "من أتى حدًا أو قصاصًا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز إقامته عليه فيه. . . وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه" (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٣). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٤). • وجه الدلالة من الآيتين: في الآيتين دلالة على أن الحرم أمان لكل أحد، وهو عام يدخل فيه الأمن من إقامة الحد على من وجب عليه (٥). الدليل الثالث: عن أبي شريح أنه قال لعمرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة-: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به النبي ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به، حمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: (إن مكة حرمها اللَّه، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا. . . . الحديث) متفق عليه (٦). • وجه الدلالة: في الحديث تصريح بحرمة مكة، وحرمة سفك الدم فيها، وهذا عام يدخل فيه الحدود التي فيها سفك للدم كالرجم، وقطع اليد، والقتل. • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن من أتى حدًا خارج الحرم ثم لجأ للحرم فيقام عليه الحد في الحرم.

стр. 5913

وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣). • دليل المخالف: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحُديَّا، والغراب، والكلب العقور) متفق عليه (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علل إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم بفسقهن وعدوانهن، ومرتكب ما يوجب الحد فيه فسق وعدوان، فيُعم الحكم بعموم العلة (٥). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه مغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؟ فقال ﷺ : (اقتلوه) متفق عليه (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل وهو في الحرم متعلق بأستار الكعبة، وهو يدل على أن حرمة القتل في الحرم، وكونه آمنًا، ليست على عمومه (٧). الدليل الثالث: أن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم؛ حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم لتعطلت حدود اللَّه تعالى في حقهم، وفاتت هذه

стр. 5914

المصالح التي لا بد منها ولا يجوز الإخلال بها (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم، بل الخلاف فيها مشهور بين فقهاء المذاهب الأربعة، ولذا لما ذكر القرطبي المسألة قال: "والجمهور من العلماء على أن الحدود تقام في الحرم" (٢). وتوجيه ما حكاه ابن حزم وابن القيم أنهما إنما نفوا المخالف في المسألة من الصحابة ﵃، والتابعين، وإلا فهم مثبتون لخلاف من بعدهم، واللَّه تعالى أعلم. [١٦/ ١] إذا اجتمع في شخص حدود خالصة للَّه تعالى من أجناس مختلفة ليس فيها قتل، فإن جميعها يستوفى • المراد بالمسألة: إذا ثبت عند الإمام أن ثمة شخص عليه أكثر من حد، وليس فيها ما يوجب القتل، كان يثبت عليه حد شرب المسكر، والزنا وهو غير محصن، والسرقة، فإنه يستوفى لكل معصية حدها، فيجلد حد الزاني غير المحصن، ويُجلد حد شارب الخمر، وتقطع يده للسرقة. ويظهر مما سبق أنه لو كان عليه ضمن تلك الحدود ما يوجب القتل، كالردة أو الحرابة، أو زنى المحصن، فذلك غير مراد في المسألة. وكذا لو كان الحد قد تعدَّد لكنه من جنس واحد، كان يسرق مرارًا، أو يشرب الخمر مرارًا، فكل ذلك غير مراد (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في معرض كلامه على أنواع الحدود: "النوع الثاني: أن لا يكون فيها قتل، فإن جميعها يستوفى من غير خلاف نعلمه" (٤). وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٥)، وإبراهيم ابن

стр. 5915

مفلح (٨٨٤ هـ) (١) ونقله عن ابن مفلح ابن قاسم (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أنه لو حُد في واحد من الحدود، ربما اعتقد أنه لا حد للباقي، فلا ينزجر عنها، لذلك تقام عليه كلها (٥). الدليل الثاني: لأن مقصود حد كل جنس يختلف عن الجنس الآخر، فإن المقصود من حد الخمر صيانة العقول، والمقصود من حد الزنا صيانة الأنساب، ومن حد القذف صيانة الأعراض، وقد ثبت كل واحد بنص خاص به، فلو جعلنا لكل هذه الحدود حدًا واحدًا عطلنا نصًا من النصوص عن موجبه (٦). الدليل الثالث: أن في إقامة حد واحد عليها كلها تعطيل لبعض النصوص عما يوجبها (٧). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الحد إن اتحد موجَبه فإن الحد يتداخل، فمثلًا لو ثبت على شخص غير محصن حد الزنا، وحد شرب الخمر، فإنه يكفيه حد واحد، لأن موجب الحد واحد، وهو الجلد. وهو مذهب المالكية (٨). • دليل المخالف: استدل المالكية لقولهم بأن الحدود التي اتحد موجبها تتداخل قياسًا على من زنى مرارًا قبل أن يُحد، أو سرق مرارًا قبل أن يحد، فإنه

стр. 5916

لا يجب عليه إلا حد واحد، لاتحاد موجبه، فكذا هنا (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم إذا كانت الحدود مختلفة الموجب، كحد سرقة وحد زنا لغير المحصن، فيستوفى منه جميعها، أما إن اتحد موجب الحد فالمسألة محل خلاف كما سبق، واللَّه تعالى أعلم. [١٧/ ١] من اجتمعت عليه حدود من أجناس مختلفة، وفيها قتل، فإنه يقتل • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب أكثر من حد فيها القتل، كأن يزني وهو محصن، ويسرق، فإن القتل عليه واجب، بغض النظر، هل تقطع يده بموجب حد السرقة أو لا. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أجمعوا أن من اجتمع عليه حد الزنا والخمر والقذف والقتل أن القتل عليه واجب" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن القتل حد ثبت على الشخص، فوجب إقامته عليه (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5917

[١٨/ ١] إذا اجتمعت في شخص حدود، فيها ما يوجب القتل، ولا حق لآدمي فيها فإنه يكتفى بالقتل • المراد بالمسألة: إذا ثبت عند الإمام أن شخصًا ارتكب ما يوجب أكثر من حد، وكانت الحدود كلها خالصة للَّه، وفيها ما يوجب القتل، كمن سرق، وشرب خمرًا، وزنى وهو محصن، فإنه في هذه الحال تتداخل جميع الحدود تحت حد القتل، ويُكتفى بقتله، دون قطع يده، أو جلده. ويتبيَّن مما سبق أن الحدود لو كان فيها حد غير خالص للَّه، بل فيه حق لآدمي وهو حد القذف فذلك غير مراد، فإنه لو ثبت على شخص حد الزنا وهو محصن، وحد القذف، فذلك غير داخل في المسألة. وكذا لو كانت الحدود لا يوجد فيها ما يوجب القتل، فذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) بعد أن حكى هذا القول عن ابن مسعود ﵁ وبعض التابعين: "هذه أقوال انتشرت في عصر الصحابة ﵃ والتابعين، ولم يظهر لها مخالف، فكانت إجماعًا" (١). وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال المرداوي (٨٨٥ هـ): "إذا اجتمعت حدود للَّه فيها قتل استوفي وسقط سائرها بلا خلاف أعلمه" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والمالكية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول ابن مسعود ﵁: (ما كانت حدود فيها قتل إلا أحاط القتل بذلك كله) (٦).

стр. 5918

• وجه الدلالة: أنه لم يثبت قول مخالف لابن مسعود ﵁، فيكون إجماعًا سكوتيًا من الصحابة ﵃ على قوله (١). الدليل الثاني: أن المقصود من تطبيق الحدود الزجر، وهو يحصل بالقتل، ولا فائدة تشرع بعد ذلك من تطبيق غيره معه، فيكتفى به (٢). الدليل الثالث: أنها حدود للَّه تعالى تضمنت قتلًا، فسقط ما دونها، قياسًا على المحارب إذا قتل وأخذ المال، فإنه يكتفى بقتله ولا يقطع بجامع حصول الزجر في الكل (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا تتداخل الحدود الخالصة للَّه إذا اجتمعت، وكانت مختلفة الجنس، وتضمنت قتلًا، بل يبدأ بالأخف حتى تُستوفى جميع الحدود. وهو مذهب الشافعية (٤). • أدلة المخالف: استدل للشافعية بالقياس على قطع اليد في القصاص مع القتل؛ لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل حيث إنه لكل جريمة عقوبة خاصة لها (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت خلاف الشافعية فيه، وما حكاه ابن قدامة من الإجماع في المسألة إنما هو من قبيل الإجماع السكوتي، ونفي المخالف من الصحابة ﵃، وإلا فهو يُثبت خلاف الشافعية، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5919

[١٩/ ١] يباح للإنسان أن يستر على نفسه الحد • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وكانت من الحدود الخالصة للَّه، فإن له أن يستر على نفسه، ولا يجب عليه أن يرفع أمره للحاكم حتى يُقام عليه الحد. والمراد بالمسألة تقرير الإجماع على إباحة الستر في الحدود لمن تاب من ذلك، أما مسألة التفضيل بين أن يستر الإنسان على نفسه أو أن يُبلغ عن نفسه، وكذا مسالة من عَلم أن شخصًا قد وجب عليه الحد فهل له أن يكتم عنه، أم يجب عليه أن يشهد، وكذا إن كان الحد ليس حدًا خالصًا للَّه وهو حد القذف فكل ذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "جميع الأمة متفقون على أن الستر مباح، وأن الاعتراف مباح، وإنما اختلفوا في الأفضل، ولم يقل أحد من أهل الإسلام: إن المعترف بما عمل مما يوجب الحد عاص للَّه تعالى في اعترافه، ولا قال أحد من أهل الإسلام قط: إن الساتر على نفسه ما أصاب من حد: عاص للَّه تعالى" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "السلطان لا يحل له أن يعطل حدًا من الحدود التي للَّه ، إقامتها عليه إذا بلغته، كما ليس له أن يتجسس عليها إذا استترت عنه، وبأن الشفاعة في ذوي الحدود حسنة جائزة، وإن كانت الحدود فيها واجبة إذا لم تبلغ السلطان، وهذا كله لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، وحسبك بذلك علمًا" (٣). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "هذه الأخبار الواردة في طلب الستر بلغت مبلغًا لا تنحطُّ به عن درجة الشهرة، لتعدد متونها، مع قبول الأمة لها، فصح

стр. 5920

التخصيص بها، أو هي مستند الإجماع على تخيير الشاهد في الحدود، فثبوت الإجماع دليل ثبوت المخصص" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره اللَّه عليه فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) متفق عليه (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يأمر من ستره اللَّه بالاعتراف أن يعترف بجرمه. الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قام بعد أن رُجم الأسلمي فقال: (اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى اللَّه عنها، فمن ألمَّ فليستتر بستر اللَّه، وليتب إلى اللَّه؛ فإنه من يُبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللَّه (٥).
следующие страницы →