← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

لا يجب عليه إلا حد واحد، لاتحاد موجبه، فكذا هنا (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم إذا كانت الحدود مختلفة الموجب، كحد سرقة وحد زنا لغير المحصن، فيستوفى منه جميعها، أما إن اتحد موجب الحد فالمسألة محل خلاف كما سبق، واللَّه تعالى أعلم. [١٧/ ١] من اجتمعت عليه حدود من أجناس مختلفة، وفيها قتل، فإنه يقتل • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب أكثر من حد فيها القتل، كأن يزني وهو محصن، ويسرق، فإن القتل عليه واجب، بغض النظر، هل تقطع يده بموجب حد السرقة أو لا. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أجمعوا أن من اجتمع عليه حد الزنا والخمر والقذف والقتل أن القتل عليه واجب" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن القتل حد ثبت على الشخص، فوجب إقامته عليه (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5917

[١٨/ ١] إذا اجتمعت في شخص حدود، فيها ما يوجب القتل، ولا حق لآدمي فيها فإنه يكتفى بالقتل • المراد بالمسألة: إذا ثبت عند الإمام أن شخصًا ارتكب ما يوجب أكثر من حد، وكانت الحدود كلها خالصة للَّه، وفيها ما يوجب القتل، كمن سرق، وشرب خمرًا، وزنى وهو محصن، فإنه في هذه الحال تتداخل جميع الحدود تحت حد القتل، ويُكتفى بقتله، دون قطع يده، أو جلده. ويتبيَّن مما سبق أن الحدود لو كان فيها حد غير خالص للَّه، بل فيه حق لآدمي وهو حد القذف فذلك غير مراد، فإنه لو ثبت على شخص حد الزنا وهو محصن، وحد القذف، فذلك غير داخل في المسألة. وكذا لو كانت الحدود لا يوجد فيها ما يوجب القتل، فذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) بعد أن حكى هذا القول عن ابن مسعود ﵁ وبعض التابعين: "هذه أقوال انتشرت في عصر الصحابة ﵃ والتابعين، ولم يظهر لها مخالف، فكانت إجماعًا" (١). وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال المرداوي (٨٨٥ هـ): "إذا اجتمعت حدود للَّه فيها قتل استوفي وسقط سائرها بلا خلاف أعلمه" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والمالكية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول ابن مسعود ﵁: (ما كانت حدود فيها قتل إلا أحاط القتل بذلك كله) (٦).

стр. 5918

• وجه الدلالة: أنه لم يثبت قول مخالف لابن مسعود ﵁، فيكون إجماعًا سكوتيًا من الصحابة ﵃ على قوله (١). الدليل الثاني: أن المقصود من تطبيق الحدود الزجر، وهو يحصل بالقتل، ولا فائدة تشرع بعد ذلك من تطبيق غيره معه، فيكتفى به (٢). الدليل الثالث: أنها حدود للَّه تعالى تضمنت قتلًا، فسقط ما دونها، قياسًا على المحارب إذا قتل وأخذ المال، فإنه يكتفى بقتله ولا يقطع بجامع حصول الزجر في الكل (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا تتداخل الحدود الخالصة للَّه إذا اجتمعت، وكانت مختلفة الجنس، وتضمنت قتلًا، بل يبدأ بالأخف حتى تُستوفى جميع الحدود. وهو مذهب الشافعية (٤). • أدلة المخالف: استدل للشافعية بالقياس على قطع اليد في القصاص مع القتل؛ لأن ما وجب مع غير القتل وجب مع القتل حيث إنه لكل جريمة عقوبة خاصة لها (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت خلاف الشافعية فيه، وما حكاه ابن قدامة من الإجماع في المسألة إنما هو من قبيل الإجماع السكوتي، ونفي المخالف من الصحابة ﵃، وإلا فهو يُثبت خلاف الشافعية، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5919

[١٩/ ١] يباح للإنسان أن يستر على نفسه الحد • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وكانت من الحدود الخالصة للَّه، فإن له أن يستر على نفسه، ولا يجب عليه أن يرفع أمره للحاكم حتى يُقام عليه الحد. والمراد بالمسألة تقرير الإجماع على إباحة الستر في الحدود لمن تاب من ذلك، أما مسألة التفضيل بين أن يستر الإنسان على نفسه أو أن يُبلغ عن نفسه، وكذا مسالة من عَلم أن شخصًا قد وجب عليه الحد فهل له أن يكتم عنه، أم يجب عليه أن يشهد، وكذا إن كان الحد ليس حدًا خالصًا للَّه وهو حد القذف فكل ذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "جميع الأمة متفقون على أن الستر مباح، وأن الاعتراف مباح، وإنما اختلفوا في الأفضل، ولم يقل أحد من أهل الإسلام: إن المعترف بما عمل مما يوجب الحد عاص للَّه تعالى في اعترافه، ولا قال أحد من أهل الإسلام قط: إن الساتر على نفسه ما أصاب من حد: عاص للَّه تعالى" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "السلطان لا يحل له أن يعطل حدًا من الحدود التي للَّه ، إقامتها عليه إذا بلغته، كما ليس له أن يتجسس عليها إذا استترت عنه، وبأن الشفاعة في ذوي الحدود حسنة جائزة، وإن كانت الحدود فيها واجبة إذا لم تبلغ السلطان، وهذا كله لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، وحسبك بذلك علمًا" (٣). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "هذه الأخبار الواردة في طلب الستر بلغت مبلغًا لا تنحطُّ به عن درجة الشهرة، لتعدد متونها، مع قبول الأمة لها، فصح

стр. 5920

التخصيص بها، أو هي مستند الإجماع على تخيير الشاهد في الحدود، فثبوت الإجماع دليل ثبوت المخصص" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره اللَّه عليه فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) متفق عليه (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يأمر من ستره اللَّه بالاعتراف أن يعترف بجرمه. الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قام بعد أن رُجم الأسلمي فقال: (اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى اللَّه عنها، فمن ألمَّ فليستتر بستر اللَّه، وليتب إلى اللَّه؛ فإنه من يُبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللَّه (٥).

стр. 5921

• وجه الدلالة: الحديث صريح في الأمر بالاستتار لمن أصاب حدًا (١). الدليل الثالث: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (تعافوا الحدود قبل أن تأتوني به، فما أتاني من حد فقد وجب) (٢). • وجه الدلالة: في الحديث إرشاد إلى العفو عن الحدود وعدم رفعها للحاكم، وهو يدل على إباحة التستر وعدم وجوب رفع الحد للحاكم (٣).

стр. 5922

الدليل الرابع: عن عبد اللَّه بن بريدة (١) عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال: (ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (ويحك، ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : (فيم أطهرك)؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول اللَّه ﷺ : (أبه جنون)؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشرب خمرًا)؟ فقام رجل فاستنكهه (٢) فلم يجد منه ريح خمر، قال فقال رسول اللَّه ﷺ : (أزنيت)؟ فقال: نعم، فأمر به فرجم (٣). وفي بعض الروايات أن ماعزًا استشار هزال بن يزيد (٤)، فأاشار عليه هزال بأن يذهب للنبي ﷺ فيُخبره، فقال له النبي ﷺ : (ويلك يا هزال لو كنت سترته

стр. 5923

بثوبك كان خيرًا لك) (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ رد ماعزًا حين أقر بالزنا، وأمره أن يرجع إلى اللَّه فيستغفره ويتوب إليه، وهو يدل على أن ذلك خير له من أن يرفع نفسه للحاكم ليُقام عليه الحد (٢). الدليل الخامس: عموم الأحاديث الدالة على الستر ومنها: أ- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يستر اللَّه على عبد في الدنيا إلا ستره اللَّه يوم القيامة) (٣). ب- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره اللَّه يوم القيامة) (٤). ج- عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة) متفق عليه (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أرشد أمته إلى الستر في المعاصي، وأنها سبيل للستر في الآخرة، وهذا عام يدخل في الحدود، قال ابن عبد البر: "وإذا كان ستر المسلم على المسلم مندوبًا إليه مرغوبًا فيه فستر المرء على نفسه أولى به، وعليه التوبة مما وقع فيه" (٦).

стр. 5924

الدليل السادس: أنه مروي عن أبي بكر وعمر ﵄، قال الشافعي: "روي أن أبا بكر أمر رجلًا في زمان النبي ﷺ أصاب حدًا بالاستتار، وأن عمر أمره به، وهذا حديث صحيح عنهما" (١). الدليل السابع: أنه قد ثبت جواز تلقين المُقر بالحد ليرجع عن إقراره، وهو مروي عن جمع من الصحابة ﵃ كأبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي هريرة، وأبي مسعود، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، وأبي واقد الليثي (٢) ﵃ (٣)، وهو ثابت عن بعضهم كما قال ابن حجر: "ثبت عن جماعة من الصحابة ﵃ تلقين المقر بالحد" (٤). بل نقل النووي الاتفاق على مشروعية تلقين المقر ليرجع عن إقراره فقال: "قد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه" (٥)، وإذا جاز تلقينه ليرجع عن إقراره، فسكوته عن الاعتراف بنفسه جائز من باب أولى.

стр. 5925

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم، لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠/ ١] يباح للإنسان أن يرفع أمر نفسه للحاكم • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، فله أن يرفع أمر نفسه للحاكم؛ ليقيم عليه الحد. والمراد بالمسألة تقرير الإجماع على إباحة أن يُبلغ الإنسان عن نفسه، أما مسألة هل الأفضل الستر أو الإبلاغ، وكذا مسألة من عَلم أن شخصًا قد وجب عليه الحد فهل له أن يكتم عنه، أم يجب عليه أن يشهد، فكل ذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "جميع الأمة متفقون على أن الستر مباح، وأن الاعتراف مباح، وإنما اختلفوا في الأفضل، ولم يقل أحد من أهل الإسلام: إن المعترف بما عمل مما يوجب الحد عاص للَّه تعالى في اعترافه، ولا قال أحد من أهل الإسلام قط: إن الساتر على نفسه ما أصاب من حد: عاص للَّه تعالى" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى قصة ماعز والغامدية (٧) حيث أقروا

стр. 5926

عند النبي ﷺ ولم يُنكر عليهم النبي ﷺ ذلك. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢١/ ١] التوبة لا ترفع الحد، عدا الحرابة قبل بلوغها للإمام • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف التوبة لغة واصطلاحًا: التوبة لغة: قال ابن فارس: التاء والواو والباء كلمةٌ واحدةٌ تدل على الرُّجوع، يقال: تابَ مِنْ ذنبه، أي رَجَعَ عنه" (١) التوبة اصطلاحًا: التوبة في اصطلاح الفقهاء هي الرجوع إلى اللَّه تعالى بترك المعاصي والذنوب (٢). ولها شروط خمسة هي: ١ - الإقلاع عن الذنب. ٢ - الندم على ما فعل. ٣ - العزم على عدم العودة للذنب (٣). ٤ - أن تكون التوبة قبل فوات وقتها، وذلك بطلوع الشمس من مغربها، أو بلوغ الغرغرة. ٥ - رد المظالم إلى أهلها، إن كان الذنب يتعلق بحقوق الآخرين (٤). ثانيًا: صورة المسألة: من ارتكب ما يوجب عليه إقامة الحد، ثم تاب من ذنبه، فإن توبته لا تُسقط عنه حدَّه، بل لو قُبض عليه بعد توبته فإنه يقام عليه

стр. 5927

الحد، سواء كانت توبته قبل بلوغ أمره للإمام، أو بعده، وإنما يستثنى من ذلك حد الحرابة لمن تاب قبل بلوغ أمره للإمام، فتوبته تُسقط الحد حينئذٍ. ولبيان المسألة فهي على قسمين: القسم الأول: إن كان الحد غير الحرابة، فالتوبة لا تُسقط الحد حينئذ سواء كانت التوبة قبل بلوغها الإمام أو بعده. القسم الثاني: إن كان الحد حرابة، فالتوبة تُسقط الحد إن كانت قبل بلوغها للإمام، ولا تسقطه بعد بلوغها للإمام. • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "قد اتفقنا أن التوبة لا تُسقط الحد" (١). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء أنه من أصاب ذنبًا فيه حد أنه لا ترفعه التوبة، ولا يجوز للإمام العفو عنه إذا بلغه" (٢). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "وقد أجمع العلماء أن التوبة لا تسقط حدًا من حدود اللَّه إلا الحرابة" (٣). وقال ابن رشد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أن التوبة لا ترفع الحد" (٤) ونقله عنه ابن قاسم (٥). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تُسقط حدًا" (٦). وقال القرافي (٦٨٤ هـ): "الحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح، إلا الحرابة والكفر فإنهما يسقط حدهما بالتوبة إجماعًا" (٧). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولي الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم

стр. 5928

يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته وإن تابوا" (١). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "الحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا" (٢). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ) (٣): "ولا يسقط -أي الحد- بالتوبة بعد الرفع إجماعًا" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "للإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا" (٥). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "الإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا" (٦). • مستند الإجماع: سبق أن المسألة على قسمين: أما القسم الأول وهو كون التوبة في غير الحرابة لا تُسقط الحد، فأدلته ما يلي: الدليل الأول: النصوص العامة في وجوب إقامة الحد، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٧)، وقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (٨). • وجه الدلالة: أن الآيات عامة، ولم تفرِّق بين التائب وغيره، فتبقى على عمومها.

стр. 5929

الدليل الثاني: عن ثعلبة بن سعد الأنصاري ﵁ (١): "أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس (٢) جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني سرقت جملًا لبني فلان فطهرني، فأرسل إليهم النبي ﷺ ، فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا، فأمر به النبي ﷺ فقطعت يده، قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد للَّه الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار" (٣). • وجه الدلالة: أن عمرو بن سمرة جاء تائبًا يطلب الحد، ومع ذلك أقام عليه النبي ﷺ الحد، ولم يسقطه بالتوبة. الدليل الثالث: أن النبي ﷺ أقام الحد على ماعز بن مالك بعدما جاء تائبًا يطلب تطهيره من الزنا، فأمر النبي ﷺ برجمه ثم قال: (لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم) (٤)، وأقامه كذلك على الغامدية مع أنه قال فيها: (فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) (٥)، وأقام الحد على الجهينية بعدما جاءت تائبة وقال: (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى) (٦).

стр. 5930

الدليل الرابع: أن الحد له كفارة تُسقط عنه إثم ما ارتكبه، فلا يسقط بالتوبة المجردة عن الكفارة، ككفارة اليمين والقتل. وأما القسم الثاني: وهو أن حد الحرابة يَسقط بالتوبة قبل بلوغه للإمام، فدليله قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (١) (٢). • المخالفون للإجماع: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى أن التوبة مسقطة للحد مطلقًا، سواء تاب قبل أن يُرفع أمره للإمام، أو بعده، وسواء كان في حد الحرابة أو غيره من الحدود. وهو قول بعض الشافعية كالماوردي، والروياني (٣)، . . .

стр. 5931

والمحاملي (١) (٢)، واختاره ابن القيم من الحنابلة (٣). القول الثاني: أن الحدود تسقط بالتوبة قبل القدرة أما بعدها فلا، وبه قال ابن حزم (٤)، وهو رواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). القول الثالث: أن التوبة تسقط الحد سواء قبل بلوغ أمره للإمام أو بعده، باستثناء حد الحرابة بعد القدرة عليه، وهو رواية عند الحنابلة اختارها أبو الخطاب (٦) (٧).

стр. 5932

• أدلة المخالفين: أما من قال بأن التوبة مسقطة للحد مطلقًا فاستدل بما يلي: الدليل الأول: جاء في القرآن الكريم التصريح بإسقاط حد الزنا بالتوبة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ (١)، وكذا جاء إسقاط حد السرقة أيضًا في قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ (٢). وهذا يفيد أن الحد يسقط بالتوبة. الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل، فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت حدًا فأقمه عليّ، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه رجل، فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت حدًا فأقم فيّ كتاب اللَّه قال: (أليس

стр. 5933

قد صليت معنا؟ ) قال: نعم، قال: (فإن اللَّه قد كفر لك ذنبك -أو قال حدك (١) -) متفق عليه (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يقم الحد على الرجل الذي أصاب الحد، بل أخبره بأن اللَّه قد غفر له حدَّه بتوبته وصلاته. الدليل الثالث: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٣). • وجه الدلالة: فيه دلالة على أن التائب من الذنب مساوٍ لمن لا ذنب له، ويدخل في ذلك من تاب من الذنب الذي بموجبه وجب عليه الحد.

стр. 5934

الدليل الرابع: قوله ﷺ لماعز حين أقيم عليه الحد وجد مس الحجارة، فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل، فضربه به، وضربه الناس، حتى مات، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ : أنه فر حين وجد مس الحجارة، ومس الموت، فقال رسول اللَّه ﷺ : (هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب اللَّه عليه) (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أرشد الصحابة ﵃ إلى أن الأفضل حين هرب ماعز أن يتركوه لتوبته، ولا يقيموا عليه الحد، وهو ظاهر في أن التوبة تسقط عنه الحد (٢). الدليل الخامس: أن النبي ﷺ أُتي برجل أكره امرأة على الزنا، ثم جاء تائبًا، فلم يرجمه النبي ﷺ وقال له: (اذهب فقد غفر اللَّه لك) (٣). وأما القائلون بأن الحدود تسقط بالتوبة قبل القدرة أما بعدها فلا فاستدلوا

стр. 5935

بما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن المحارب إن تاب قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنه الحد، وهو يدل على أنه بعد القدرة عليه يقام عليه الحد بمفهوم المخالفة، ويقاس على ذلك سائر الحدود (٢). الدليل الثاني: أن من إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص، أما بعد القدرة عليه فقد تكون تقية من إقامة الحد عليه (٣). الدليل الثالث: أن من تاب قبل القدرة عليه ففي قبول التوبة وإسقاط الحد عنه ترغيبًا له في التوبة، فناسب ذلك الإسقاط عنه، وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه؛ لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة (٤). الدليل الرابع: أن قبول توبة المحارب بعد القدرة عليه يفضي إلى انتهاك المحارم، وسد باب العقوبة؛ من جهة كونه ذريعة لكل مجرم قُبض عليه أن يتظاهر بالتوبة، مما ينتج عنه تعطيل حد اللَّه تعالى في الحرابة (٥). أما القائلون بأن التوبة تسقط الحد سواء قبل بلوغ أمره للإمام أو بعده، باستثناء حد الحرابة بعد القدرة عليه، فاستدلوا على سقوط الحد بأدلة القول الأول، واستدلوا على استثناء الحرابة قبل القدرة عليه بآية الحرابة التي استدل بها أصحاب القول الثاني. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الفقهاء بسقوط الحد بالتوبة سواء قبل الرفع أو بعده وهو قول بعض الشافعية كالماوردي، والروياني، والمحاملي، واختاره ابن القيم،

стр. 5936

واستثنى بعضهم الحرابة منهم أبو الخطاب من الحنابلة. وخصَّ بعض الفقهاء سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قول ابن حزم، ورواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. [٢٢/ ١] العلم بالعقوبة ليس شرطًا لإقامة الحد . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وكان عالمًا بتحريم ما ارتكبه، من زنى، أو سرقة، أو شرب خمر، أو غير ذلك، لكنه يجهل العقوبة، فإنه يقام الحد عليه، وجهْله بالعقوبة لا يُلغي عنه الحد. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "من زنى أو شرب أو سرق عالمًا تحريم ذلك، جاهلًا وجوب الحد، فيجب الحد بالاتفاق" (١). وقال القرافي (٦٨٤ هـ): "إن علم التحريم وجهل الحد حُد اتفاقًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: ما جاء في قصة ماعز حين رُجم قال: "ردوني إلى رسول اللَّه ﷺ ؛ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول اللَّه ﷺ غير قاتلي" (٥). • وجه الدلالة: ظاهر القصة أن ماعزًا لم يكن يعلم أن النبي ﷺ سيقيم عليه حد الرجم، ولم يكن ذلك مُسقطًا عنه العقوبة (٦).

стр. 5937

الدليل الثاني: لأنه إذا علم التحريم كان الواجب عليه الامتناع عن فعل المعصية (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣/ ١] أحكام المسلمين في الحدود على وتيرة واحدة . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وثبت ذلك عند الإمام، فإنه يقام عليه الحد، ويُعامل معاملة غيره من المسلمين، فلا يسقط الحد، أو يخفف عن أحد من المسلمين لأجل نسبه، أو جاهه، أو منصبه، أو غير ذلك، كما أنه لا يزاد على أحد في حده لأجل تلك الأمور. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "فقد ثبت أن القرشي كغير القرشي في أن يقتل إذا وجب عليه القتل صبرًا، كما يقتل غيره، وأن الحدود تقام عليه، كما تقام على غير قرشي، ولا فرق، مع أن هذا أمر مجمع عليه بيقين لا شك فيه" (٢). وقال القرطبي (٦٥٦ هـ) عند كلامه على حديث: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) (٣): "تهديد، ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود، وعلى ترك التسوية فيما بين الدنيء والشريف، والقوي والضعيف، ولا خلاف في وجوب ذلك" (٤). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فلا يفضل عربي على عجمي ولا قرشي، أو هاشمي على غيره من المسلمين ولا حر أصلي على مولى عتيق ولا عالم، أو

стр. 5938

أمير على أمي، أو مأمور، وهذا متفق عليه بين المسلمين بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود" (١). وقال أبو العباس الهنتاتي (٨٣٣ هـ) (٢): "بلا فرق أن يكون الجاني بدويًا، أو أعرابيًا، أو حضريًا، ببلاد قريبة من الحواضر، أو بعيدة عنها، لأن الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن أحكام المسلمين في هذه الجنايات على وتيرة واحدة" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق الحنفية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ ، فأتي بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه)؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي، قام رسول اللَّه ﷺ ، فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت

стр. 5939

يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" متفق عليه (١). • وجه الدلالة: الحديث صريح في وجوب إقامة الحد دون محاباة، أو تفريق بين شريف، أو وضيع. الدليل الثاني: عموم الأحاديث التي تدل على النهي عن الشفاعة في الحدود بعد بلوغها للإمام، وقد سبق بيانها (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤/ ١] من أتى حدًا من الحدود فأقيم عليه، ثم تاب وأصلح، فإن شهادته مقبولة، إلا القاذف . • المراد بالمسألة: من ارتكب ما يوجب الحد، ثم أقيم عليه الحد، كزانٍ غير محصن جُلد، أو سارق قُطعت يده، ثم تاب وحسنت توبته، فإنه يكون عدلًا، تقبل شهادته إذا أراد الشهادة في أمر ديني أو دنيوي، ويستثنى من ذلك القذف فقبول شهادته محل خلاف وليست من الإجماع. وبهذا يظهر أن استثناء القذف ليس المراد منه أن القاذف إن أقيم عليه الحد فالإجماع على أن شهادته غير مقبولة، وإنما المراد أن من أقيم عليه الحد ثم تاب فشهادته مقبول بالإجماع، باستثناء القاذف فقبول شهادته بعد إقامة الحد عليه وتوبته محل خلاف (٣). وينبَّه إلى أن المسألة هي فيمن توفر فيه ثلاثة أمور:

стр. 5940

الأول: إقامة الحد عليه، الثاني: التوبة، الثالث: الإصلاح. أما من وجب عليه الحد ثم تاب وأصلح ولم يُقَم عليه الحد فذلك غير مراد، وكذا لو أقيم عليه الحد ولم يتُب، أو تاب ولم يَصلح حاله، فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه من أتى حدًا من الحدود فأقيم عليه ثم تاب وأصلح أن شهادته مقبولة إلا القاذف" (١). وقال الطحاوي (٣٢١ هـ): "ووجدنا أهل العلم لا يختلفون في قبول شهادة المقطوعين في السرقات إذا تابوا، ولا في قبول شهادة الزناة الأبكار المحدودين إذا تابوا" (٢) ونقله عنه ابن حجر (٣). وقال البيهقي (٤٥٨ هـ): "وروينا عن الحسن. "أن رجلًا من قريش سرق ناقة، فقطع رسول اللَّه ﷺ يده، وكان جائز الشهادة" (٤)، وهذا مرسل، وهو قول الكافة إذا تاب وأصلح" (٥). وقال ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) (٦): "فإن تاب

стр. 5941

وظهرت توبته قبلت شهادته باتفاق إلا أن يكون حدًا في قذف" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "وأما المحدود في الزنا والسرقة والشرب فتقبل شهادته بالإجماع إذا تاب" (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن من أتى حدًا من الحدود فأقيم عليه ثم تاب وأصلح أن شهادته مقبولة إلا القاذف" (٣). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "ليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر عن الذين يرمون المحصنات بعدم قبول شهادتهم، ثم استثنى من ذلك من تاب وأصلح، فدل على قبول شهادته بذلك (٧). الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ (٨). • وجه الدلالة: دلت الآية على أن التوبة توجب القبول والعفو، ومن قبلت توبته وعفي عن سيئته، فهو مقبول الشهادة (٩). الدليل الثالث: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من

стр. 5942

الذنب كمن لا ذنب له) (١). • وجه الدلالة: عموم الحديث دل على أن من تاب من ذنب، فإنه يرجع حكمه كأنه لا ذنب له، وهو يدل على أن شهادته ترجع مقبولة كما كانت قبل الذنب (٢). الدليل الرابع: ما رواه الحسن البصري: "أن رجلًا من قريش سرق ناقةً، فقطع رسول اللَّه ﷺ يده، وكان جائز الشهادة" (٣). الدليل الخامس: ما روي عن شريح "أنه أجاز شهادة أقطع" (٤)، والمراد أنه أقطع بسبب سرقة (٥). • وجه الدلالة: أن شريحًا تابعي أجاز شهادة المحدود في السرقة، ولم يُنقل عن أحد خلافه (٦). الدليل السادس: أن المحدود صار بتوبته عدلًا، والعدل مقبول الشهادة، فتقبل شهادته لذلك (٧). الدليل السابع: أن ردَّ شهادة من وجب عليه الحد كان موجبه الفسق، وليس الحد، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، فرجع قبول شهادته (٨). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى عدم قبول شهادة من أقيم عليه حد.

стр. 5943

وهو قول الأوزاعي، والحسن بن حي (١) (٢). القول الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى عدم قبول شهادة المحدود فيما حد فيه، ولو تاب، وتقبل في غير ذلك، فلو جُلد في حد الزنا وتاب فتقبل شهادته في كل شيء إلا الزنا، وكذا لو حُد في السرقة فتقبل شهادته في كل شيء إلا السرقة، وهكذا. وهو مذهب المالكية في الرواية المشهورة (٣). • دليل المخالف: استدل من رد شهادة المحدود بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام ولا محدودة ولا ذى غمر (٤) على أخيه) (٥).

стр. 5944

واستدل المالكية على عدم قبول شهادة المحدود فيما حد فيه، ولو تاب بما يلي: الدليل الأول: أنها استرابة يقتضي الدفع عن الشهادة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١) (٢). الدليل الثاني: ما روي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: "ود السارق أن يكون الناس سراقًا، وود الزاني أن يكون الناس زناة"، وإنما كان كذلك لينفي المعرة عن نفسه بمشاركة غيره (٣).

стр. 5945

النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم، لوجود الخلاف في المسألة عن المالكية، والأوزاعي، والحسن بن حي، وقد أشار إلى الخلاف في ذلك ابن عبد البر فقال: "قال مالك: فالأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الذي يجلد الحد، ثم تاب وأصلح، تجوز شهادته، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك. قال أبو عمر: هذا يدل على أنه قد سمع الاختلاف في هذه المسألة" (١). ويوجه كلام من نقل الإجماع على أنهم لم يعتبروا خلاف الأوزاعي والحسن بن حي في القول بعدم القبول مطلقًا، أما خلاف المالكية فإنه خلاف في صورة واحدة، والإجماع لعل من حكاه أراد العموم في الجملة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥/ ١] مرتكب الحدود لا يكفر، إلا بالردة . • المراد بالمسألة: المسلم إذا ارتكب حد من زنى، أو قذف، أو شرب خمر، أو سرقة، أو بغي، أو حرابة، غير مستحل لذلك، فإنه لا يكفر بمجرد ارتكابه المعصية، سواء تاب منها أو لم يتب، وإنما يستثنى منه حد الردة. ويتحصل مما سبق أن مرتكب الحد إن كان مستحلًا لما فعله، فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال الترمذي (٢٧٩ هـ): "لا نعلم أحدًا كفَّر أحدًا بالزنا، أو السرقة، وشرب الخمر" (٢) ونقله عنه ابن حجر (٣). وقال أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ) (٤): "أجمعوا على أن المؤمن باللَّه تعالى وسائر ما دعاه النبي ﷺ إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من

стр. 5946

المعاصي، ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورين بسائر الشرائع، غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم، وإن كانوا أصحاب كبائر" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم المؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء اللَّه تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة" (٣) ونقله عنه العراقي (٤)، المباركفوري (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم مع جميع الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان متفقون على أن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب" (٦).

стр. 5947

وقال ابن أبي العز (٧٩٢ هـ) (١): "أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية" (٢). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "إجماع أهل السنة على أن مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك" (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن ما دون الشرك من المعاصي فإنه تحت مشيئته سبحانه، إن شاء غفر، وإن شاء عاقب، فلو كانت الكبائر كفرًا وصاحبها كافرًا ما كان أهلًا للمغفرة؛ لأنه قد تقرر أن الكفر لا يغفره اللَّه تعالى، ولا يصح حمل الآية على التائب؛ لأن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وما دونه من المعاصي (٥). الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه بين أن الطائفة الباغية على الأخرى مؤمنة مع

стр. 5948

بغيها واعتدائها (١). الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه جعل المعاصي ضروبًا، منها الكفر، ومنها الفسوق، ومنها العصيان، فعلم تغايرها وإلا لم يكن للعطف فائدة (٣)، وفي ذلك يقول محمد بن نصر المروزي: "لما كانت المعاصي بعضها كفرًا وبعضها ليس بكفر، فرق بينهما، فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع فسق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان وليس شيء منها خارجًا منه لم يفرق بينهما فيقول: حبب الإيمان والفرائض وسائر الطاعات، بل أجمل ذلك فقال: حبب إليكم الإيمان" (٤). الدليل الرابع: قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أمر من يرمي زوجته بالزنا باللعان، مما يدل على أن الرمي والزنا ليس كفرًا، إذ لو كان كفرًا لبانت منه عند رميه؛ لأنه إما أن تكون زانية أو بريئة، فإن كانت زانية كفرت، وتبين منه، وإن كانت بريئة كفر هو

стр. 5949

برميها وبانت منه لكفره (١). الدليل الخامس: قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى خاطب المؤمنين في الآية وبين سبحانه أن القاتل عمدًا، وولي المقتول أخوان، والأخوة ليست إلا لمن معه إيمان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) (٤). الدليل السادس: إيجاب حد القطع على السارق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٥). وكذا حد الجلد في الزاني غير المحصن، كما في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٦). وحد القذف على القاذف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن كل واحد من السارق، والزاني، والقاذف قد أتى بكبيرة، ولو كانت السرقة، أو الزنا، أو القذف كفرًا، لأمَر تعالى بقتل أصحابها ردة، ولم يكتف فيه بالجلد أو القطع (٨).

стр. 5950

الدليل السابع: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره اللَّه عليه فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) متفق عليه (١). • وجه الدلالة: بين النبي ﷺ أن من أصاب معصية وستره اللَّه فأمره إليه، وهو تحت المشيئة، فقد يعفو اللَّه عنه، وقد يعاقبه عليه، وقد تقرر أنه سبحانه لا يعفو عن الكفر (٢). الدليل الثامن: عن عمر بن الخطاب أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد اللَّه (٣)، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول اللَّه ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنوه؛ فواللَّه ما علمت إلا أنه يحب اللَّه ورسوله) (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن لعن شارب الخمر، مع أنه قد أُتي به في ذلك أكثر من مرة، وهو يدل على أن شربه للخمر لا يُخرجه عن دائرة الإسلام. الدليل التاسع: أحاديث الشفاعة وهي من الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ ، فمن ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم - فأماتهم إماتة، حتى إذا

стр. 5951

كانوا فحمًا أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر (١)، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) (٢). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن اللَّه تعالى يخرج من النار قومًا قد استوجبوا النار بذنوبهم، لكنهم لا يُخلدون فيها، وهو يدل على أن الكبائر لا توجب تكفير صاحبها والحكم عليه بالخلود في النار. الدليل العاشر: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن السارق منفي عنه كمال الإيمان، فهو فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه. قال ابن عبد البر في تعليقه على الحديث: "يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني، والسارق، وشارب الخمر، إذا صلوا للقبلة" (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم (٥).

стр. 5952

لكن ينبَّه هنا إلى مسألة قد يُظن أنها مخالفة للإجماع في المسألة، وهي أن الحسن البصري وقتادة (١) ذكرا أن مرتكب الكبيرة يسمى منافقًا، وقد ظن بعض من نقل هذا عنهما كابن حزم وغيره أنهما خرجا عن قول أهل السنة والجماعة، وأن الحسن يرى أن مرتكب الكبيرة خارج عن الإسلام (٢)، وقد تعقَّب ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وبيَّن أن الحسن لم يخرج عن قول أهل السنة، وذلك حين تكلَّم على مسألة أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان ونفاق قال: "ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق. . . . ومن هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري ونحوه من السلف أنهم سموا الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا قولًا مخالفًا للجمهور، إذا حكوا تنازع الناس في الفاسق الملي، هل هو كافر؟ أو فاسق ليس معه إيمان؟ أو مؤمن كامل الإيمان؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق؟ والحسن ﵀ لم يقل ما خرج به عن الجماعة" (٣). وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحسن البصري أراد بالنفاق هنا: النفاق

стр. 5953

الأصغر، وذلك في مناظرته لابن المرحل (١)، حين قال ابن المرحل: "الحسن البصري يُسمي الفاسق منافقًا، وأصحابك لا يسمونه منافقًا"، فقال ابن تيمية: "بل يسمى منافقًا النفاق الأصغر، لا النفاق الأكبر" (٢). ومما سبق يتبيَّن أن الحسن البصري موافق لمذهب أهل السنة في أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، وأن ما حكاه عنه ابن حزم وغيره بأنه خالف أهل السنة، فيه نظر، وغير دقيق، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦/ ١] يصلى على كل من مات بسبب الحد، إلا المرتد . • المراد بالمسألة: إذا مات شخص بسبب حد من الحدود، كزان محصن مات بسبب رجمه، أو محارب قتل بسبب حرابته، أو سارق قُطعت يده فمات بسبب القطع، ونحو ذلك فإنه يصلى على كل من مات بموجب الحد، كغيره من المسلمين، ولا يستثنى من ذلك إلا من مات بموجب حد الردة. ومما سبق ينبه إلى أمرين: الأول: من مات بسبب حد الردة، فذلك لا يُصلى عليه لكفره، وغير داخل في المسألة. الثاني: أن الإمام أو أهل الفضل إن تركوا الصلاة على أحد ممن مات بسبب الحد من باب التغليظ، فإن ذلك غير داخل في مسألة الباب وإنما المراد ترك الصلاة عليه مطلقًا.

стр. 5954

• من نقل الإجماع: قال ابن سيرين (١١٠ هـ) (١): "ما أعلم أن أحدًا من أهل العلم من الصحابة ﵃ ولا التابعين ترك الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثمًا" (٢). وقال قتادة (١١٧ هـ): "لا أعلم أحدًا من أهل العلم اجتنب الصلاة على من قال لا إله إلا اللَّه" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم وإن كانوا أصحاب كبائر" (٤). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفسوق والمعاصي المقتولين في الحدود" (٥) ونقله عنه ابن حجر (٦). ويمكن أن يضاف إليها نقولات أهل العلم في أن مرتكب الحدود مسلم لا يَكفر بمجرد المعصية الموجبة للحد، كما سبق بيانه في مسألة: "مرتكب الحدود لا يكفر، إلا بالردة". • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنابلة (٧)، والظاهرية (٨).

стр. 5955

• مستند الإجماع: الدليل الأول: عن جابر ﵁: "أن رجلًا من أسلم جاء النبي ﷺ فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي ﷺ ، حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي ﷺ : (أبك جنون؟ )، قال: لا، قال: (آحصنت؟ ) قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك، فرُجم حتى مات، فقال له النبي ﷺ خيرًا، وصلى عليه" (١). الدليل الثاني: ما جاء في قصة الغامدية التي رُجمت وفيه: "فيقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع نبي اللَّه ﷺ سبه إياها، فقال: (مهلًا يا خالد؛ فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) ثم أمر بها، فصلى عليها، ودفنت" (٢). الدليل الثالث: عن عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت نبي اللَّه ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت يا نبي اللَّه أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي اللَّه ﷺ وليها فقال (أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها)، ففعل، فأمر بها نبي اللَّه ﷺ ، فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها، فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي اللَّه وقد زنت؟ فقال: (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى) (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ شرع الصلاة على الذين رُجموا بسبب حد الزنا، وفي روايات لا خلاف فيها، إلا في الصلاة على ماعز فقد اختلفت الروايات هل صُلَّي عليه أو لا، ولذا قال ابن حزم بعد ذكره لهذه الأحاديث: "في هذه الآثار صلاة رسول اللَّه على الجهينية بنفسه بلا خلاف، وأمره بالصلاة
следующие страницы →