← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

كانوا فحمًا أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر (١)، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) (٢). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن اللَّه تعالى يخرج من النار قومًا قد استوجبوا النار بذنوبهم، لكنهم لا يُخلدون فيها، وهو يدل على أن الكبائر لا توجب تكفير صاحبها والحكم عليه بالخلود في النار. الدليل العاشر: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن السارق منفي عنه كمال الإيمان، فهو فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه. قال ابن عبد البر في تعليقه على الحديث: "يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني، والسارق، وشارب الخمر، إذا صلوا للقبلة" (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم (٥).

стр. 5952

لكن ينبَّه هنا إلى مسألة قد يُظن أنها مخالفة للإجماع في المسألة، وهي أن الحسن البصري وقتادة (١) ذكرا أن مرتكب الكبيرة يسمى منافقًا، وقد ظن بعض من نقل هذا عنهما كابن حزم وغيره أنهما خرجا عن قول أهل السنة والجماعة، وأن الحسن يرى أن مرتكب الكبيرة خارج عن الإسلام (٢)، وقد تعقَّب ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وبيَّن أن الحسن لم يخرج عن قول أهل السنة، وذلك حين تكلَّم على مسألة أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان ونفاق قال: "ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق. . . . ومن هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري ونحوه من السلف أنهم سموا الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا قولًا مخالفًا للجمهور، إذا حكوا تنازع الناس في الفاسق الملي، هل هو كافر؟ أو فاسق ليس معه إيمان؟ أو مؤمن كامل الإيمان؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق؟ والحسن ﵀ لم يقل ما خرج به عن الجماعة" (٣). وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحسن البصري أراد بالنفاق هنا: النفاق

стр. 5953

الأصغر، وذلك في مناظرته لابن المرحل (١)، حين قال ابن المرحل: "الحسن البصري يُسمي الفاسق منافقًا، وأصحابك لا يسمونه منافقًا"، فقال ابن تيمية: "بل يسمى منافقًا النفاق الأصغر، لا النفاق الأكبر" (٢). ومما سبق يتبيَّن أن الحسن البصري موافق لمذهب أهل السنة في أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، وأن ما حكاه عنه ابن حزم وغيره بأنه خالف أهل السنة، فيه نظر، وغير دقيق، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦/ ١] يصلى على كل من مات بسبب الحد، إلا المرتد . • المراد بالمسألة: إذا مات شخص بسبب حد من الحدود، كزان محصن مات بسبب رجمه، أو محارب قتل بسبب حرابته، أو سارق قُطعت يده فمات بسبب القطع، ونحو ذلك فإنه يصلى على كل من مات بموجب الحد، كغيره من المسلمين، ولا يستثنى من ذلك إلا من مات بموجب حد الردة. ومما سبق ينبه إلى أمرين: الأول: من مات بسبب حد الردة، فذلك لا يُصلى عليه لكفره، وغير داخل في المسألة. الثاني: أن الإمام أو أهل الفضل إن تركوا الصلاة على أحد ممن مات بسبب الحد من باب التغليظ، فإن ذلك غير داخل في مسألة الباب وإنما المراد ترك الصلاة عليه مطلقًا.

стр. 5954

• من نقل الإجماع: قال ابن سيرين (١١٠ هـ) (١): "ما أعلم أن أحدًا من أهل العلم من الصحابة ﵃ ولا التابعين ترك الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثمًا" (٢). وقال قتادة (١١٧ هـ): "لا أعلم أحدًا من أهل العلم اجتنب الصلاة على من قال لا إله إلا اللَّه" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم وإن كانوا أصحاب كبائر" (٤). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفسوق والمعاصي المقتولين في الحدود" (٥) ونقله عنه ابن حجر (٦). ويمكن أن يضاف إليها نقولات أهل العلم في أن مرتكب الحدود مسلم لا يَكفر بمجرد المعصية الموجبة للحد، كما سبق بيانه في مسألة: "مرتكب الحدود لا يكفر، إلا بالردة". • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنابلة (٧)، والظاهرية (٨).

стр. 5955

• مستند الإجماع: الدليل الأول: عن جابر ﵁: "أن رجلًا من أسلم جاء النبي ﷺ فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي ﷺ ، حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي ﷺ : (أبك جنون؟ )، قال: لا، قال: (آحصنت؟ ) قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك، فرُجم حتى مات، فقال له النبي ﷺ خيرًا، وصلى عليه" (١). الدليل الثاني: ما جاء في قصة الغامدية التي رُجمت وفيه: "فيقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع نبي اللَّه ﷺ سبه إياها، فقال: (مهلًا يا خالد؛ فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) ثم أمر بها، فصلى عليها، ودفنت" (٢). الدليل الثالث: عن عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت نبي اللَّه ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت يا نبي اللَّه أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي اللَّه ﷺ وليها فقال (أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها)، ففعل، فأمر بها نبي اللَّه ﷺ ، فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها، فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي اللَّه وقد زنت؟ فقال: (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى) (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ شرع الصلاة على الذين رُجموا بسبب حد الزنا، وفي روايات لا خلاف فيها، إلا في الصلاة على ماعز فقد اختلفت الروايات هل صُلَّي عليه أو لا، ولذا قال ابن حزم بعد ذكره لهذه الأحاديث: "في هذه الآثار صلاة رسول اللَّه على الجهينية بنفسه بلا خلاف، وأمره بالصلاة

стр. 5956

على الغامدية بلا خلاف، وصلاته على ماعز ﵁ باختلاف" (١). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر) (٢). الدليل الخامس: أن هؤلاء وإن كانوا أصحاب كبائر لكنهم من جملة المسلمين فهم داخلون في عموم الأحاديث الدالة على الصلاة على المسلم، وليس ثمة دليل يمنع من الصلاة عليهم، فنبقى على الأصل حتى يرد الدليل المانع من ذلك (٣). الدليل السادس: لأن من أقيم عليه الحد مسلم، لو مات قبل الحد صلي عليه فيصلى عليه بعده كذلك (٤).

стр. 5957

• المخالفون للإجماع: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يصلى على البغاة وقطاع الطريق إذا قُتِلوا حال المحاربة والبغي. وهو قول الحنفية (١). القول الثاني: ذهب الزهري (٢) إلى أنه لا يُصلى على المرجوم (٣). تنبيه: حكى ابن قدامة عن مالك القول بترك الصلاة على من قُتل في حد حيث قال: "قال مالك: لا يصلى على من قتل في حد" (٤)، وهذا النقل فيه توسع في العبارة، فإن مذهب المالكية الصلاة على من قتل في حد أو قصاص، أو مظهر لكبيرة، لكن لا يصلي عليه الإمام وأهل الفضل من باب الردع، أما عموم الناس فيصلون عليهم (٥). وجاء في المدونة: "فهل يُصلَّى على المرجوم ويغسل ويكفن ويدفن؟ قال: قال مالك: نعم، إلا إن الإمام لا يصلي عليه" (٦). ولذا كان الخطابي أدقَّ في العبارة حيث قال: "وقال مالك: من قتله الإمام في حد من الحدود فلا يصلي عليه الإمام، ويصلي عليه أهله إن شاؤوا أو غيرهم" (٧). • دليل المخالف: استدل الحنفية على ترك الصلاة على البغاة وقطاع الطريق

стр. 5958

بأن عليًا ﵁ لم يغسل أهل النهروان ولم يصل عليهم، وكان ذلك بمحضر الصحابة ﵃ ولم ينكر عليه أحد، فكان كالإجماع، وإذا ثبت هذا في البغاة الذين أفسدوا بتأويل فيلحق بهم قطاع الطريق من باب أولى، لأنهم أفسدوا بلا تأويل (١). النتيجة: يظهر -واللَّه أعلم- أن المسألة على ثلاثة أحوال: الحال الأولى: الصلاة على من مات في حد الحرابة والبغي، فهذه المسألة على قسمين: الأول: إن ماتوا في حال الحرابة أو البغي: فهذه ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم فيما إذا ماتوا حال الحرابة أو حال البغي؛ للخلاف فيه عن الحنفية. الثاني: إن ماتوا في غير حال الحرابة والبغي فالصلاة عليهم مشروعة بالإجماع؛ لعدم المخالف. الحال الثانية: الصلاة على من مات بسبب الرجم في حد الزنا، فهذه المسألة عليها عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلا الزهري، ولعلَّه خلاف شاذ، لمخالفته للأحاديث الصحيحة. الحال الثالثة: سائر الحدود، فهذا فيما يظهر هو محل إجماع بين أهل العلم على الصلاة على من مات في غيرها من الحدود؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٧/ ١] ليس للسلطان أن يتجسس على الحدود إذا استترت عنه . • المراد بالمسألة: أولًا: المراد بالتجسس: التجسس في اللغة: تتبع الأخبار، يقال: جس الأخبار وتجسسها: إذا تتبعها، ومنه الجاسوس؛ لأنه

стр. 5959

يتتبع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور، ثم استعير لنظر العين (١). والتجسس في الاصطلاح الشرعي لا يخرج عن المعنى اللغوي إذ هو بمعنى التفحص عن الأخبار وتتبعها (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، ولم يكن ثمة حقوق متعلقة لآدمي، وليس في ستر ذلك الذنب مفسدة، فإن الإمام حينئذٍ ليس له أن يتجسس الأخبار عن فعل الحد الفلاني حتى يقيمه، بل يحاول ستر صاحبه ما استطاع، وكذا لو شك الإمام أو المحتسب في شخص وليس في ستره مفسدة، فليس له أن يتتبع عوراته بحجة كشف جُرمه وإثمه. ويتبين مما سبق أن ثمة أمورًا ليست من مسألة الباب منها: الأول: إن كان في الحد أمور متعلقة بالآدمي، كقذف، أو سرقة أموال لم تُرد لأصحابها، أو زنى بامرأة وهي مكرهة وتريد حقَّها من الاغتصاب، أو نحو ذلك. الثاني: إن كان في ترك صاحب الحد مفسدة فهنا ترك التجسس غير مراد، كأن يكون في ترك التجسس انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله، أو امرأة ليزني بها، فيجوز له في هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك

стр. 5960

من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات، وهكذا لو عَرَف ذلك قوم من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار، أو كان في ترك صاحب الحد زيادة تماديه وارتكابه، كزانٍ لا يتوب من فعله، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب (١). • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "السلطان لا يحل له أن يعطل حدًا من الحدود التي للَّه إقامتها عليه إذا بلغته، كما ليس له أن يتجسس عليها إذا استترت عنه، وبأن الشفاعة في ذوي الحدود حسنة جائزة وإن كانت الحدود فيها واجبة إذا لم تبلغ السلطان، وهذا كله لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء" (٢) ونقله عنه أبو الطيب (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: الأدلة العامة التي تدل على تحريم التجسس، ومنها: أ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (٨). ب - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب

стр. 5961

الحديث، ولا تجسَّسوا، ولا تحسَّسوا. . .) متفق عليه (١). • وجه الدلالة: النصوص صريحة في تحريم التجسس على الغير، ومنه التجسس على أصحاب المعاصي، فهو داخل في العموم، فيما لا مفسدة فيه تخرجه من هذا العموم (٢). الدليل الثاني: عن معاوية ﵁ قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم)، فقال أبو الدرداء ﵁: كلمة سمعها معاوية من رسول اللَّه ﵁ نفعه اللَّه تعالى بها (٣). الدليل الثالث: عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم) (٤). • وجه الدلالة من الحديثين: في الحديث إرشاد لولي الأمر ألا يتتبع عورات المسلمين، ومحال الريبة لديهم، وأن ذلك سبيل لفسادهم. الدليل الرابع: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا)، فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه

стр. 5962

الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ ردَّ ماعز بن مالك والغامدية أول الأمر حتى رجعا إليه يريدان الحد، ولم يبعث النبي ﷺ في أثرهما يتتبع ما فعلاه، ولم يبحث عن المرأة التي وقع عليها ماعز، أو الرجل الذي وقع على الغامدية. الدليل الخامس: عموم الأحاديث الدالة على استحباب ستر الإنسان على نفسه، وستره على غيره (٢)، حيث أن عمومها يدخل فيه ستر الإمام على رعيته. الدليل السادس: أن ابن مسعود ﵁ أتي برجل، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد اللَّه ﵁: "إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به" (٣).

стр. 5963

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٨/ ١] لا يُحلَّف المدّعى عليه في الحدود . • المراد بالمسألة: إذا ادُّعي على رجل أنه ارتكب حدًا من حدود اللَّه تعالى الخالصة، التي لا يتعلق بها حق لآدمي، فأنكر ذلك، فإنه لا يُطلب منه اليمين على إنكاره. ويتبيَّن من ذلك أمور: الأول: أن الحد إن لم يكن بمجرَّد دعوى، بل كان بإقرار منه، ثم أراد الرجوع عن إقراره، فإن تحليفه حينئذٍ غير مراد (١). الثاني: أنه لو تعلق بالإقرار حقٌ لآدمي، فذلك غير مراد، وذلك في صور منها: الصورة الأولى: أن يتعلق به حق مالي، كمن ادُّعي عليه أنه سرق مالًا، فأنكر المدعَى عليه، فهنا في تحليف السارِق أنه ما سرق خلاف ليس مرادًا في المسألة (٢). الصورة الثانية: أن يتعلق به عتق، كان يعلَّق شخصٌ عتق عبده على فعل الزنا، بأن يقول لعبده: إن زنيتُ فأنت حر، فادُّعي عليه بالزنا، فهنا تحليف المدعى عليه أنه ما زنى مسألة خلافية غير مرادة (٣).

стр. 5964

الصورة الثالثة: أن يتعلق به تخلص من حد القذف، وصورتها: إذا قذف شخصٌ آخر بزنا وثبت ذلك، وأنكر المقذوف، فطلب القاذف من الإمام أن يُحلِّف المقذوف، فهنا تحليف المقذوف أنه ما زنى يتعلق به نجاة القاذف من حد القذف، ومسألة تحليفه خلافية غير مرادة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن مازة (٥٣٦) (٢): "الحدود لا يستحلف فيها بالإجماع"، نقله عنه الزيلعي (٣) (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في معرض كلامه على أنواع الحقوق: "حقوق اللَّه تعالى، وهي نوعان: أحدهما: الحدود، فلا تشرع فيها يمين، لا نعلم في هذا خلافًا" (٥)، وبمثله قال شمس الدين بن قدامة (٦٨٢ هـ) (٦).

стр. 5965

وقال أبو بكر العبادي (٨٠٠ هـ) (١): "وأما الحدود فأجمعوا أنه لا يستحلف فيها إلا في السرقة فإنه يستحلف فيها لأجل المال" (٢). وقال ابن فراموز (٨٨٥ هـ) (٣): "قال في النهاية: لا يستحلف في الحدود بالإجماع" (٤). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): "إذا ادعى على آخر أنك قذفتني بالزنا وعليك الحد، لا يستحلف بالإجماع" (٥). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "ويستحلف السارق فإن نكل ضمن ولم يقطع. . . . قيد بعد السرقة لأنه لا يستحلف في غيره من الحدود إجماعًا، ولو كان حد القذف" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية إلا في حد القذف (٧)، والشافعية (٨)، والظاهرية (٩).

стр. 5966

• مستند الإجماع: الدليل الأول: عموم النصوص الدالة على أن للإنسان أن يستر على نفسه ما ارتكبه من حدود اللَّه تعالى الخالصة (١). • وجه الدلالة: أن النصوص دلَّت على أن الأفضل للمرء أن يستر على نفسه الحد، وترك تحليفه طريق إلى ذلك الستر (٢). الدليل الثاني: عموم الأدلة الدالة على أن من أقرَّ بحد ثم رجع عنه فإنه يُقبل رجوعه (٣). • وجه الدلالة: حيث دلَّت النصوص على أن الزاني لو رجع عن إقراره لقُبل منه رجوعه، وخلي سبيله من غير يمين، فمن باب أولى ألَّا يُستحلف مع عدم الإقرار (٤). الدليل الثالث: عموم الأدلة الدالة على درأ الحدود بالشبهات، وهنا شبهة يدرأ بها الحدود، ووجه ذلك أن المقصود من اليمين هو النكول، وهذا النكول لا يعدو أن يكون إما بذلًا أو إقرارًا فيه شبهة، والحدود لا بذل فيها، فبقي أن تكون إقرارًا بشبهة، والحدود لا تقام مع وجود الشبهات (٥). الدليل الرابع: أن تحليف صاحب الحد، وإقامة الحد عليه بموجب يمينه يفضي إلى القضاء في الحد بيمين وشاهد، وقد أجمع أهل العلم على أنه

стр. 5967

لا يُقضى في الحدود بيمين وشاهد (١). • المخالفون للإجماع: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى التحليف في حد القذف دون غيره من الحدود، فمن ادَّعى على آخر أنه قذفه فحينئذٍ يحلف المدعى عليه أنه ما قذفه. وهو قول للحنفية (٢)، وبه قال المالكية بشرط أن تكون ثمة بيِّنة كوجود منازعة وتشاجر بينهما (٣). القول الثاني: ذهب الشافعية في قول إلى أن المدَّعى عليه في حد السرقة يستحلف على أنه لم يسرق، فإن نكل وحَلَف المدَّعي فإنه يثبت عليه الحد (٤). • دليل المخالف: أما ما يتعلق بعد القذف فعللوا ذلك بأن القذف فيه حق للمخلوق فيصح فيه الاستحلاف كسائر حقوق الآدميين. أما الشافعية فعللوا قولهم بأن اليمين المردودة هي بمنزلة البيِّنة أو الإقرار، وكل منهما يوجب القطع (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر على قسمين: القسم الأول: حد القذف، وحد السرقة، فهذه ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية في قول، والمالكية فيما يتعلق بعد القذف، ولخلاف الشافعية في قول فيما يتعلق بحد السرقة. القسم الثاني: سائر الحدود غير القذف والسرقة، فهذه محل إجماع بين

стр. 5968

أهل العلم أنه لا يُطلب اليمين على المنكِر؛ لعدم المخالف. ولعل من حكى الإجماع في المسألة أراد الإجماع في حيث العموم، واللَّه تعالى أعلم. [٢٩/ ١] تجوز الشهادة بالحد ولو لم يُدعى الشاهد للشهادة . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وكان لشخص آخر شهادة بتلك الجريمة، فإنه يجوز للشاهد أن يدلي بشهادته، ولو لم يُطلب ذلك منه، فيذهب للحاكم ويقول: أشهد على فلان أنه ارتكب الحد الفلاني، فأَحضرْه ليُقر بذلك. ويتبيَّن مما سبق أن المراد هنا تقرير أن للشاهد أن يشهد بالحد ولو لم يُدع لذلك، أما هل الأفضل الشهادة أو الستر، فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "تجوز الشهادة بالحد من غير مدع، لا نعلم فيه اختلافًا" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "وتجوز الشهادة بالحد من غير مدع، بلا خلاف" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية في غير حد القذف (٦).

стр. 5969

• مستند الإجماع: الدليل الأول: أن أبا بكرة ﵁ (١) وأصحابه شهدوا على المغيرة بن شعبة ﵁ بزنا، وذلك في عهد عمر ﵁، ومن غير تقدم دعوى، ولم ينكر عمر عليهم شهادتهم لكونها من غير تقدم دعوى (٢). الدليل الثاني: أن الجارود -سيد عبد القيس- (٣)، شهد على قدامة بن مظعون ﵁ (٤) بشرب الخمر، وذلك في عهد عمر ﵁، ولم ينكر عليه عمر شهادته لكونه لم يتقدمه دعوى (٥).

стр. 5970

الدليل الثالث: أن الحد حق للَّه تعالى فلم تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى (١). • المخالفون للإجماع: ذهب الشافعية إلى أن حد القذف لا يُقبل فيها شهادة الشاهد بدون دعوى، وتقبل في سائر الحدود (٢). • دليل المخالف: أن القذف فيه حق للمخلوق، فإذا لم يطالب المقذوف بحقه، فإنه لا يقام الحد على القاذف (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع فيما سوى حد القذف من الحدود، وليست محل إجماع بين أهل العلم فيما يتعلق بحد القذف؛ لثبوت الخلاف عن الشافعية. ومن حكى الإجماع فلعله أراد ذلك من حيث العموم، واللَّه تعالى أعلم. [٣٠/ ١] من ارتكب الموجب للحد مرارًا قبل إقامة الحد عليه فعليه حد واحد . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد من جنس واحد، كأن زنى أكثر من مرة، أو سرق أكثر من مرة، وفي كل مرة توفرت شروط الحد، وبعد عدة مرات ثبت زناه أو سرقته عند الحاكم، وأقر بالزنا أو السرقات في المرات السابقة، أو ثبت ذلك عليه ببيَّنة، فإنه لا يجب عليه إلا حدٌّ واحد. ويُنبه إلى أمرين: الأول: لو زنى أو سرق ثم أقيم عليه الحد، ثم زنى أو سرق مرة أخرى فمسألة أخرى غير مرادة.

стр. 5971

الثاني: لو كانت الحدود ليست من جنس واحد، كأن زنى وسرق وشرب خمرًا قبل إقامة الحد عليه، فهذه حدود مختلفة ليست من جنس واحد، وهي غير مرادة هنا. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم"، نقله عنه ابن قدامة (١)، وشمس الدين ابن قدامة (٢)، والبهوتي (٣)، وبهاء الدين المقدسي (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر، إذا تكرر قبل إقامة الحد، أجزأ حد واحد، بغير خلاف علمناه" (٥). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "إن زنى أو سرق أو شرب مرارًا قبل إقامة الحد عليه أجزأ حد واحد بغير خلاف علمناه" (٦). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "فإن كانت من جنس مثل إن زنى أو سرق أو شرب مرارًا أجزأ حد واحد، بغير خلاف علمناه" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، وابن حزم (١٠). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن الحد لا يثبت بمجرد فعل ما يوجبه من زنى أو سرقة أو نحو ذلك، بل لا بد من إضافة شرط آخر وهو ثبوت ذلك عند

стр. 5972

الحاكم، أما إذا لم يثبت عند الحاكم فلا يلزمه الحد، وحينئذ فإن جميع ما فعله من الزنا وغيره مما يوجب الحد إذا لم تثبت عند الحاكم إلا مرة واحدة كان كزنى واحد، فوجب فيها حد واحد (١). الدليل الثاني: القياس على الأيمان، فكما أن الأيمان تتداخل في كفاراتها، فكذا الحدود. الدليل الثالث: أن المقصود من الحد هو الزجر والارتداع، وهذا يكون بالحد مرة واحدة (٢). • المخالفون للإجماع: القول الأول: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الحدود لا تتداخل، وعليه لكل زنى ارتكبه حد مستقل. وهو قول الظاهرية (٣). القول الثاني: أن الحدود تتداخل باستثناء حد السرقة، فعليه لكل سرقة اجتمعت فيه شروط القطع إقامة حد مستقل. وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد حكاها عنه القاضي أبو يعلى الفراء، إلا أنه شرط أن يأتوا إلى الحاكم متفرقين (٤). • دليل المخالف: استدل من أوجب الحد لكل مرة ارتُكب فيها الموجب للحد بما يلي: الدليل الأول: عموم النصوص الموجبة لإقامة الحد على الزاني أو السارق ونحوهما، وليس فيها التفريق بين كون الزنا حدث قبل إقامة الحد أو بعده (٥). الدليل الثاني: قياسًا على حد القذف، فكما أنه من قذف أكثر من شخص خد لكل شخص حد مستقل، فكذا سائر الحدود (٦).

стр. 5973

الدليل الثالث: أن القول بتداخل الحد يفضي إلى فتح باب فساد بارتكاب الزنا، والتجرؤ عليه أكثر من مرة قبل إقامة الحد عليه (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لخلاف الظاهرية، في جميع الحدود، ورواية عند الحنابلة في حد السرقة. ويوجه كلام من حكى الإجماع أن ابن المنذر أراد الإجماع في عصره من حيث العموم، وخلاف ابن حزم جاء متأخرًا عنه، وأما كلام ابن قدامة ومن تبعه أنه لا يعلم فيه خلافًا فهو اتباع لابن المنذر في ذلك، ولعلهم لم يعتبروا خلاف ابن حزم، واللَّه تعالى أعلم. [٣١/ ١] من ارتكب ما يوجب الحد وأقيم عليه، ثم ارتكبه مرة أخرى فعليه الحد ثانية . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد كزنى أو سرقة، وأقيم عليه الحد، ثم ارتكب نفس الموجب لذلك الحد كزنى آخر، أو سرقة أخرى، فعليه حد آخر. • من نقل الإجماع: وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وإن أقيم عليه الحد، ثم حدثت منه جناية أخرى، ففيها حدها، لا نعلم فيه خلافًا" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والظاهرية (٧).

стр. 5974

• مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (١). الدليل الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: (جيء بسارق إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه) فقطع، ثم جيء به الثانية فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، فقطع فأتي به الثالثة فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، ثم أتي به الرابعة فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، فأتي به الخامسة قال: (اقتلوه) (٢). الدليل الثالث: عن عمر بن الخطاب أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد اللَّه، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول اللَّه ﷺ ، وكان النبي

стр. 5975

- ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنوه؛ فواللَّه ما علمت إلا أنه يحب اللَّه ورسوله) (١). وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: في الأحاديث السابقة دلالة على إقامة الحد ثانية على من أتى به، حيث أمر النبي ﷺ بجلد الأمة إن زنت ثانية أو ثالثة، وبقطع السارق إن تكررت سرقته، وجلَد حمارًا أكثر من مرة بسبب شربه للخمر. • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة إلى أن من سرق وأقيم عليه الحد، ثم سرق ثانيةً نفس العين، ولم تتغير العين بأن كانت خشبًا فصارت بابًا، أو خيطًا فصارت ثوبًا، فإنه لا يُحد مرة أخرى. أما إن كانت العين قد تغيَّرت، أو كانت عينًا أخرى فيجب الحد ثانية. وهو قول الحنفية (٢). وذكر ابن حزم خلافًا فيمن سرق ثانية هل يُقام عليه الحد أو لا فقال: "واختلفوا فيمن سرق ثانية أيجب عليه القطع أم لا" (٣).

стр. 5976

• دليل المخالف: علل الحنفية لعدم القطع من العين التي سُرقت ثانية أنه من باب الاستحسان (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف؛ إلا في بعض صور السرقة فيما لو سرق نفس العين؛ لخلاف الحنفية في ذلك. ويوجه كلام من حكى الإجماع أن ذلك من حيث العموم، واللَّه تعالى أعلم. [٣٢/ ١] الحدود يقاد بها الحر السليم، وإن كان المجني عليه صاحب عاهة جسدية . • المراد بالمسألة: أولًا: المراد بالعاهات الجسدية: تعريف العاهة: العاهة في لغة العرب بمعنى الآفة، وعلى هذا المعنى نص أهل اللغة والفقه، منهم أبو عبيد القاسم بن سلام (٢)، وابن الأثير (٣) (٤)، وغيرهم (٥)، قال ابن منظور (٦):

стр. 5977

"العاهة: البلايا والآفاتُ" (١). • تعريف الجسدية: الجسد في لغة العرب يدل على اجتماع، قال ابن فارس: "الجيم والسين والدال يدل على تجمُّع الشيء أيضًا واشتدادِه، من ذلك جَسَدُ الإنسان، والمِجْسَد: الذي يلي الجَسَد من الثَّياب، والجَسَدُ والجَسِد من الدم: ما يَبِسَ، فهو جَسَدٌ وجاسد" (٢). وقال الخليل (٣): "الجسد للإنسان، ولا يقال لغير الإنسان جسد من خلق الأرض، وكل خلق لا يأكل ولا يشرب من نحو الملائكة والجن مما يعقل فهو جسد" (٤). تعريف العاهات الجسدية: مما سبق يتحصَّل أن المراد بالعاهات الجسدية: "هي الآفات والعيوب التي تصيب جسد الشخص"، وهي في الجملة سبع عاهات: الأولى: عاهة الشلل: وهي تعطّل العضو عن الحركة (٥).

стр. 5978

الثانية: عاهة العمى: وهي فقدان بصر كلتا العينين (١). ومما يرادف الأعمى عند جماعة من أهل العلم: الأكمه، فثمة من يطلق على من فقد بصر عينيه بالأكمه، وإليه ذهب ابن فارس (٢). ومن أهل العلم من خص الأكمه بمن ولد أعمى خِلقة، أما من كان يبصر ثم فقد البصر بالكلية فهو أعمى، وبه قال ابن عباس ﵁ (٣)، واختاره الجوهري (٤) (٥). بينما رأى آخرون أن الأكمه هو الأعمش الذي يرى نهارًا ولا يرى ليلًا، وإلى هذا الرأي ذهب عكرمة (٦) (٧)، وقيل: الأكمه هو ممسوح العين، ذكره الزمخشري (٨)

стр. 5979

في تفسيره (١). الثالثة: عاهة العور: وهي فقدان بصر إحدى العينين (٢). الرابعة: عاهة الصمم: وهي فقد حاسة السمع (٣). وقد يطلق على من فقد السمع بالأطرش، وقيل: الأطرش: هو أهون الصمم (٤). الخامسة: عاهة البكم: هو من فقد حاسة المنطق (٥). ومما يرادف الأبكم عند جماعة من أهل العلم: الأخرس. وبه قال ابن فارس (٦)، والخليل (٧)، والفيومي (٨)، وابن منظور (٩). واختاره الزبيدي (١٠) (١١)، وهو المستعمل عند الفقهاء (١٢).

стр. 5980

وفرَّق آخرون بين الأبكم والأخرس، واختلفوا في وجه الفرق على أقوال: فقيل: الأخرس الذي خُلق ولا نطق له، كالبهيمة العجماء، والأبكم: الذي للسانه نطق وهو لا يعقل الجواب ولا يحسن وجه الكلام، قاله الأزهري (١) (٢). وقيل: الأبكم من ولد ولا نطق له، والأخرس من أصابته عاهة البكم بعد أن كان ينطق، فكل أبكم أخرس لا العكس (٣). قال أبو بكر الأنباري (٤): "يقال: قد بَكِمَ الرجل يَبْكَمُ بَكَمًا، ويقال: رجال بُكْمٌ، وامرأة بكماء، ونساء بَكْماوات، وبُكْمٌ" (٥). السادسة: عاهة العرج: هي آفة في الرِّجل تجعل الماشي يميل إلى أحد جانبيه في مشيته (٦).

стр. 5981

السابعة: عاهة البتر: وهي قطع العضو أو بعضه (١). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص حر سليم الأعضاء ما يوجب الحد، وكان المجني عليه به عاهة جسدية، كان يزنى شخص سليم بامرأة عمياء، أو عوراء، أو مشلولة، أو يقذف أحدهم ممن يمكنه حصول ذلك منه، فإن الحد حينئذٍ تجب إقامته، ولا يسقط الحد باختلاف الصحة بين الجاني والمجني عليه. ومما سبق يتبيَّن استثناء ثلاث مسائل: الأولى: إن كان المجني عليه به عاهة نفسية وليست جسدية كأن يكون مجنونًا، فالمسألة غير مرادة. الثانية: إن قذف شخصًا يستحيل منه الوقوع في الزنا، فالمسألة غير مرادة. الثالثة: إن كان الجاني مملوكًا فالمسألة غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن الحد يقاد به الحر، وإن كان المجني عليه مقعدًا أو أعمى أو أشل، والآخر سوي الخلق" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عموم النصوص التي أوجبت إقامة

стр. 5982

الحدود، ومنها: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٢). • وجه الدلالة: الآيات عامة في وجوب إقامة الحد، ولم تستثن من ذلك ما إذا كان المجني عليه معيب الخلقة أو سوي الخلقة. • المخالفون للإجماع: ذهب الحنفية إلى أن قذف الخرساء لا يوجب الحد (٣). • دليل المخالف: استدل من قال بعدم الحد على قاذف الخرساء بأن الخرساء قد تصدِّقه بما قذفها به لو كانت تنطق، لكنها لا تقدر على إظهار هذا التصديق بإشارتها، وهذه شبهة تدرأ بها الحدود (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم في الجملة؛ باستثناء ما إذا كان المقذوف أخرسًا لا يتكلم، فهذه الصورة ليست محل إجماع؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية. ويوجه كلام من حكى الإجماع أنه أراد ذلك من حيث العموم، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5983

الفصل الثاني: مسائل الإجماع العامة في مسقطات الحدود وما لا يجب به إقامة الحد [٣٣/ ١] درء الحدود بالشبهات . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الدرء: الدَّرء: بمعنى الدفع، يقال: دَرَأت فلانًا عنّي: أي دَفَعْته، ودفعت الحد: أي أسقطته (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (٢)، أي يدفع عنها الحدّ (٣). • ثانيًا: تعريف الشبهات: الشبهات في اللغة: جمع شبهة، وهي: الالتباس والاختلاط (٤). الشبهة في اصطلاح الفقهاء: تعددت عبارات الفقهاء في تعريف الشبهة فمنهم من عرفها بأنها: التعارض بين أدلة التحريم والتحليل (٥). ومنهم من قال إن الشبهة هي: ما يشبه الثابت، وليس بثابت (٦). ومنهم من قال بأنها: ما التبس أمره حتى لا يمكن القطع فيه أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل (٧).

стр. 5984

والحاصل أن المعنى الشرعي لا يخرج عن المعنى اللغوي، فالشبهة في الشرع شامل لكل أمر حصل فيه التباس وشك، وهي على أنواع منها: الأول: شبهة العقد: وهو ما وجد فيه العقد صورة لا حقيقة، كالزواج بغير شهود، ونكاح المحلل. الثاني: شبهة الفعل: ويطلق عليها شبهة الاشتباه، وهي أن يظن الحرام حلالًا فيأتيه، كمن وطئ المعتدة من طلاق الثلاث ظانًا أنها تحل له. الثالث: شبهة في المحل: وتسمى الشبهة الحكمية، وهي أن يظن المحل محلًا مباحًا، فإذا هو ليس كذلك، كما إذا وطئ امرأة في فراشه ظانًا أنها امرأته، فإذا هي أجنبية. الرابع: شبهة الملك: أن يملك من الشيء جزءًا يظن أن له الأخذ منه أو من أكثر منه، كسرقة الشريك من مال الشركة، أو من مال ابنه، أو كوطء الأمة المشتركة (١). • ثالثًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وثبت ذلك عند الإمام، وكان لصاحب الحد شبهة يمكن أن يُدفع عنه الحد بموجبها، فكان الحد يدرأُ بتلك الشبهة. وهنا ينبَّه إلى أن المراد هو تقرير الإجماع على عموم قاعدة "درء الحدود بالشبهات"، أما الصور التي تندرج تحت هذه القاعدة فهي محل خلاف، فثمة صور يراها بعض الفقهاء شبهة دارئة للحد، لا يراها آخرون من الشبه التي تدرأ الحدود مع اتفاق الطرفين على أن الحدود تدرأ بالشبهات، وإنما وقع اختلافهم في الصور المندرجة تحتها. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن درء الحد

стр. 5985

بالشبهات" (١) ونقله عنه ابن قدامة (٢). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ولا شك أن هذا الحكم، وهو درء الحد، مجمع عليه" (٣). وقال البابرتي (٧٨٦ هـ) (٤): "الحدود تندرئ بالشبهات بالاتفاق" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الاتفاق المالكية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (٧). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (٨). الدليل الثالث: أن الحد عقوبة كاملة فتستدعي جناية كاملة ووجود الشبهة ينفي تكامل الجناية (٩).

стр. 5986

• المخالفون للإجماع: خالف في مضمون هذه القاعدة الظاهرية حيث لا يرون درء الحدود بالشبهات (١). أدلة المخالفين: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). • وجه الدلالة: في الآية النهي عن تعدي أوامر اللَّه ونواهيه التي منع الشرع من مجاوزتها، ودرء الحد بلا دليل شرعي فيه تعدٍ، وقد نُهي عنه (٣). الدليل الثاني: أن في درء الحدود بالشبهات طريق إلى إبطال الحدود جملة، وذلك أن كل من أراد إسقاط الحد ادَّعى أن ثمة شبهة دارئة للحد (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الظاهرية. ومن نقل الإجماع لعله لم يعتبر خلاف الظاهرية، واللَّه تعالى أعلم. [٣٤/ ١] البلوغ شرط لوجوب الحدود . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف البلوغ: البلوغ في اللغة: هو الوصول إلى الشيء المراد، أو مقاربته ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ (٥)، أي ما هم بنائلين وواصلين إلى ما يطمعون إليه من دفع الآيات وغلبة محمد ﷺ (٦). ويُطلق أيضًا على مقاربة الوصول إلى الشيء كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٧)، أي إذا

стр. 5987

قاربن انقضاء العدة فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (١). البلوغ في الاصطلاح: هو انتهاء حد الصغر ليحكم عليه الشارع بالتكاليف الشرعية (٢)، وقيل: هو نضج الأعضاء التناسلية (٣). ويتوافق التعريف اللغوي والاصطلاحي بأن الاصطلاحي هو الوصول إلى حد السن الذي ينتهي به الصغر (٤).

стр. 5988

• ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وثبت ذلك عليه سواء ببينة أو إقرار، وكان ذلك الشخص ارتكب معصيته حال كونه غير بالغ، فإنه لا يُقام عليه الحد؛ لأن من شرط ثبوت الحد أن يكون حين ارتكابه

стр. 5989

لموجِب الحد بالغًا (١). • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): ". . . "أن عليًا ﵁ أُتي بصبي قد سرق بيضة (٢)، فشك في احتلامه، فأمر به، فقطعت بطون أنامله" (٣)، وليسوا (٤)، ولا أحدًا علمته يقول بهذا، يقولون: ليس على الصبي حد حتى

стр. 5990

يحتلم، أو يبلغ خمس عشرة" (١). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد" (٣)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٤). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل، ولا خلاف في اعتبارهما" (٥). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٩).
следующие страницы →