← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

• المخالفون للإجماع: خالف في مضمون هذه القاعدة الظاهرية حيث لا يرون درء الحدود بالشبهات (١). أدلة المخالفين: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). • وجه الدلالة: في الآية النهي عن تعدي أوامر اللَّه ونواهيه التي منع الشرع من مجاوزتها، ودرء الحد بلا دليل شرعي فيه تعدٍ، وقد نُهي عنه (٣). الدليل الثاني: أن في درء الحدود بالشبهات طريق إلى إبطال الحدود جملة، وذلك أن كل من أراد إسقاط الحد ادَّعى أن ثمة شبهة دارئة للحد (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الظاهرية. ومن نقل الإجماع لعله لم يعتبر خلاف الظاهرية، واللَّه تعالى أعلم. [٣٤/ ١] البلوغ شرط لوجوب الحدود . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف البلوغ: البلوغ في اللغة: هو الوصول إلى الشيء المراد، أو مقاربته ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ (٥)، أي ما هم بنائلين وواصلين إلى ما يطمعون إليه من دفع الآيات وغلبة محمد ﷺ (٦). ويُطلق أيضًا على مقاربة الوصول إلى الشيء كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٧)، أي إذا

стр. 5987

قاربن انقضاء العدة فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (١). البلوغ في الاصطلاح: هو انتهاء حد الصغر ليحكم عليه الشارع بالتكاليف الشرعية (٢)، وقيل: هو نضج الأعضاء التناسلية (٣). ويتوافق التعريف اللغوي والاصطلاحي بأن الاصطلاحي هو الوصول إلى حد السن الذي ينتهي به الصغر (٤).

стр. 5988

• ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وثبت ذلك عليه سواء ببينة أو إقرار، وكان ذلك الشخص ارتكب معصيته حال كونه غير بالغ، فإنه لا يُقام عليه الحد؛ لأن من شرط ثبوت الحد أن يكون حين ارتكابه

стр. 5989

لموجِب الحد بالغًا (١). • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): ". . . "أن عليًا ﵁ أُتي بصبي قد سرق بيضة (٢)، فشك في احتلامه، فأمر به، فقطعت بطون أنامله" (٣)، وليسوا (٤)، ولا أحدًا علمته يقول بهذا، يقولون: ليس على الصبي حد حتى

стр. 5990

يحتلم، أو يبلغ خمس عشرة" (١). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد" (٣)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٤). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل، ولا خلاف في اعتبارهما" (٥). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٩).

стр. 5991

وفي رواية عند أحمد بلفظ: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ. . .) الحديث (١)، وعند أبي داود بلفظ: (وعن الصبي حتى يبلغ) (٢). • وجه الدلالة: دلالة الحديث ظاهرة على أن البلوغ شرط للتكليف، وأن الصبي مرفوع عنه القلم فلا يؤاخذ بالعقوبات الشرعية المتعلقة بحق اللَّه تعالى. الدليل الثاني: أنه إذا سقط عنه التكليف في العبادات والمآثم في المعاصي فلأن يسقط الحد ومبناه على الدرء والإسقاط أولى (٣). الدليل الثالث: لأن الحد عقوبة محضة فتستدعي جناية محضة، وفعل الصبي لا يوصف بالجناية فلا حد عليه لعدم الجناية منه (٤).

стр. 5992

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٣٥/ ١] العقل شرط لوجوب الحدود . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العقل: العقل لغةً: العقل مفرد جمعه عقول، وهو الحِجْر والنُهى (١)، قال ابن فارس: "العين والقاف واللام: أصلٌ واحد منقاس مطرد، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسة في الشَّيء أو ما يقارب الحُبْسة، من ذلك العَقْل، وهو الحابس عن ذَميم القَول والفِعل" (٢). وقال الخليل: "العَقْل: نقيض الجَهْل" (٣). العقل اصطلاحًا: اختلف أهل العلم من المتكلمة والأصوليين والفقهاء وغيرهم في حد العقل وموضعه على أقوال: فقيل: العقل هو علوم ضرورية (٤). والمراد بذلك أن كل من أدرك العلم الضروري الذي لا يحتاج لنظر وتفكر، ككون النار حامية مُحرقة، فإنه يسمى عاقلًا. وقد تُعقِّب هذا التعريف من جهة أن الأعمى قد لا يدرك بعض الأمور الضرورية مع أنه يسمى عاقلًا، ولهذا قيّد بعضهم هذا التعريف بقوله: "هو صفة غريزية يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات" (٥). وقيل: العقل هو خالص الروح ولبُّها؛ لأن لب كل شيء خلاصته، وقد سمى اللَّه العقل لُبًّا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٦)، يعني أولي العقول.

стр. 5993

وقيل: هو غريزة للتمييز والإدراك بين حسن الأشياء وقبيحها (١). وقيل: هو نور في الصدر به يُبصر القلب عند النظر في الحجج (٢). وموجب الاختلاف في هذه التعريفات هو اختلافهم في هل العقل غريزة، أو جوهر، وهل هو ضروري، أو مكتسب. وقد بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "العقل لا يمكن إحاطته برسم واحد، ولكن العقل يقع على أربعة معانٍ: ١ - ضروري، وهو الذي عنَاه من قال: إنه بعض العلوم الضرورية، قلت: وهذا العقل ما يتعلق به التكليف. ٢ - غريزة تقذف في القلب، وهذا النوع ينمو بنمو الإنسان، وبه يقع الاختلاف بين الناس، فهذا بليد وذاك ذكي. ٣ - ما به ينظر صاحبه في عواقب الأمور، فلا يغتر بلذة عاجلة تعقبها ندامة. ٤ - ما يستفاد من التجارب في حياة الإنسان، وهذا ما عناه من قال: "إن العقل مكتسب" (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وكان حال ارتكابه لذلك فاقدًا لعقله بغير اختياره، كمجنون، أو معتوه، أو نائم، أو مغمى عليه، فإنه لا يُحد. ويظهر مما سبق أنه لو كان ممن يُجن أحيانًا ويفيق أخرى، وكان قد ارتكب موجب الحد حال إفاقته، فذلك غير مراد. وكذا لو كان فقده لعقله باختياره كأن كان بسكرٍ، فذلك غير مراد أيضًا. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يقام عليه -أي المجنون-

стр. 5994

في حال عقله كل حد كان منه في حال جنونه، بلا خلاف من الأمة" (١). وقال ابن عبد البر (٦٤٣ هـ): "وهذا إجماع أن المجنون المعتوه لا حد عليه والقلم عنه مرفوع" (٢). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أن إقرار المجنون في حال جنونه لا يلزم، وأن الحدود عنه حينئذٍ ساقطة، وهو مما أجمع عليه العلماء" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد" (٤)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٥). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجب عليه، وهذا كله مجمع عليه" (٦). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل ولا خلاف في اعتبارهما" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٩). الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك

стр. 5995

إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال: (ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (ويحك، ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : (فيم أطهرك)؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول اللَّه ﷺ : (أبه جنون)؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشرب خمرًا)؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : (أزنيت)؟ فقال: نعم، فأمر به فرجم (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٣٦/ ٣٦] لا تقبل شهادة النساء في الحدود . • أولًا: تعريف الشهادة: الشهادة لغةً: الشهادة مصدر شهد يشهد شهادة، فهو شاهد، وذكر ابن فارس أن أصل هذه المادة ترجع إلى ثلاثة أصول فقال: "الشين والهاء والدال أصلٌ يدلُّ على حضور، وعلم، وإعلام، لا يخرُج شيءٌ من فروعه" (٢). وتطلق الشهادة في اللغة على عدة أمور، منها: الأول: بمعنى الحضور: قال الفيومي (٣): "شهدتُ المجلس: حضرتُه" (٤)،

стр. 5996

ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ (١)، أي حضور (٢). الثاني: بمعنى العلم والبيان: قال الأزهري: "الشاهد: هو العالم الذي يبين ما علمه" (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٤)، فقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الشهادة هنا بمعنى بيَّن وأعلم، منهم القرطبي (٥)، والبغوي (٦). الثالث: بمعنى المشاهدة والمعاينة: قال الفيومي: "شهدت الشيء: اطلعت عليه وعاينته، فأنا شاهد" (٧)، ومنه قوله تعالى: (٨)، عند جماعة من أهل التفسير منهم ابن كثير حيث قال: "أي: مشاهدون لما يُفعل بأولئك المؤمنين" (٩). الرابع: بمعنى وصى، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (١٠) (١١). الخامس: بمعنى الإخبار خبر قاطع، تقول: شهد فلان على كذا: أي أخبر، قال الفيروز آبادي: "الشهادة: خبر قاطع" (١٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ

стр. 5997

جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). السادس: بمعنى الحلف، قال ابن منظور: "قولهم: اشهدْ بكذا: أي احلفْ" (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ (٣)، أي أن تحلف (٤)، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ (٥). قال ابن الجوزي (٦): "وهذه الآية تدل على أن قول القائل: "أشهد" يمين؛ لأنهم قالوا: ﴿نَشْهَدُ﴾ فجعله يمينًا بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٧) " (٨). السابع: بمعنى أقر، ومنه قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ (٩)، أي يقرون، كما قاله القرطبي (١٠).

стр. 5998

الشهادة اصطلاحًا: تنوعت عبارات الفقهاء في تعريف الشهادة فقيل: هي إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر (١). وقيل: هي الإخبار عن كون ما في يد غيره لغيره (٢). وقيل: هي خبر خاص قصد به ترتيب فصل القضاء عليه (٣). والشهادة إما أن تكون مأخوذة من المشاهدة التي هي المعاينة، وعلى هذا المعنى فتسمية الإخبار في حضور القاضي عن صفة وكيفية المدعى به شهادة يكون من قبيل المجاز حيث أطلق اسم السبب على المسبب. وإما أن تكون مأخوذة من الشهود، ومعنى الشهود الحضور؛ لأن الشاهد يحضر بعد مجلس المحاكمة مجلس القاضي للشهادة فيطلق بطريق المجاز عليها شهادة (٤). وللشهادة حالان: الحال الأولى: حال تحمل، وهو أن يدعى الشخص ليشهد ويحفظ الشهادة. الحال الثانية: حال أداء، وهو أن يدعى الشخص ليشهد بما علمه (٥). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وثبت ذلك عند الحاكم بموجب الشهود، فإنه يشترط أن يكون الشهود كلهم رجال،

стр. 5999

ولا تصح شهادة النساء. وثمة تنبيهان في صورة المسألة: الأول: لو ثبت الحد بالإقرار، كأن أقرت المرأة على نفسها بالحد، فذلك غير مراد. الثاني: المراد بالمسألة تقرير عدم إقامة الحد بموجب شهادة النساء، أما مسألة الضمان فغير مرادة، فلو شهد رجل وامرأتان على سرقة شخص مثلًا فالمراد أنه لا يُقام عليه الحد بموجب الشهادة، أما مسألة هل يضمن ما شُهد عليه به، فتلك مسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: نقل ابن حجر عن أبي عبيد القاسم بن سلّام (٢١٤ هـ) اتفاق الفقهاء على عدم قبول شهادة النساء في الحدود (١). وقال المروزي (٢٩٤ هـ): "وأجمعوا أنّه لا تجوز شهادتهن في الحدود" (٢). وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن شهادتهن لا تقبل في الحدود" (٣). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز في الحدود والقصاص" (٤). والماوردي (٤٥٠ هـ): "واتفقوا على أن شهادة النساء في الحدود غير مقبولة" (٥). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "ولا مدخل عندهم لشهادة النساء في النكاح

стр. 6000

والطلاق، كما لا مدخل لها عند الجميع في الحدود" (١). وقال في بينة الزنا: "لا يجوز عند الجميع في ذلك شهادة النساء" (٢). وقال علاء الدين السمرقندي (٥٣١ هـ) (٣): "ولا تقبل فيها شهادة النساء مع الرجال بلا خلاف" (٤). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن النساء لا تقبل شهادتهن في الحدود والقصاص" (٥) ونقله عنه ابن قاسم (٦). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أن يكونوا رجالًا كلهم، ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال، ولا نعلم فيه خلافًا" (٧)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٨). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "اتفق الجميع أن شهادة النساء لا تجوز إلا حيث أجازها اللَّه، وذلك في الديون، ولا تجوز في الحدود باتفاق لا مع رجل ولا مفردات" (٩). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال ولا نعلم في ذلك خلافًا" (١٠). وقال ابن أمير الحاج (٨٧٩ هـ) (١١): "في

стр. 6001

الحدود والقصاص اشتراط الرجلين إجماع" (١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣). • وجه الدلالة: في الآية إشارة إلى أن الشهادة للرجال العدول، لأنه جاء بها بلفظ التذكير (٤). الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبم يا رسول اللَّه؟ قال: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ ) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينها) متفق عليه (٥). • وجه الدلالة: في هذه النصوص تصريح بأن شهادة النساء عُرضة للخطأ، وهي ناقصة عن شهادة الرجال، وهذا نوع شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (٦). الدليل الرابع: قال الزهري: "مضت السنة من رسول اللَّه ﷺ والخليفتين

стр. 6002

من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود" (١). • المخالفون للإجماع: خالف في المسألة بعض الفقهاء وهم على قولين: القول الأول: جواز شهادة النساء في جميع الحدود عدا الزنا، وهو محكي عن طاووس (٢) أنه قال: "تجوز شهادة النساء في كل شيء مع الرجال إلا الزنا؛ من أجل أنه لا ينبغى أن ينظرن إلى ذلك" (٣). القول الثاني: جواز شهادة النساء في جميع الحدود بلا استثناء، والمرأتان تقومان مقام الرجل، وهو مروي عن عطاء، وحماد بن أبي سليمان (٤). فروي عن عطاء أنه قال: "تجوز شهادة النساء مع الرجال في كل شيء، وتجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رجال" (٥).

стр. 6003

وإليه ذهب ابن حزم فقال: "ولا يقبل في سائر الحقوق كلها من الحدود، والدماء، وما فيه القصاص، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والأموال، إلا رجلان مسلمان عدلان، أو رجلان وامرأتان كذلك، أو أربع نسوة كذلك" (١). • دليل المخالف: استدل القائلون بقبول شهادة النساء في الحدود بما يلي: الدليل الأول: القياس على الأموال، فكما تُقبل شهادة النساء في الأموال، فكذا الحدود (٢). الدليل الثاني: أن الأصل استواء الرجال والنساء في الأحكام، ولا يوجد نص صريح صحيح يخرج النساء عن قبول شهادتهن في الحدود. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لخلاف عطاء وطاووس وابن حزم، ولذا حين ذكر ابن رشد المسألة قال: "فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود لا مع رجل ولا مفردات" (٣)، فنسبه للجمهور، ولم يذكره إجماعًا. ويوجه كلام من حكى الإجماع أنه لم يعتبر الخلاف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٣٧/ ١] عدم جواز قضاء النساء في الحدود . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف القضاء: القضاء في اللغة بمعنى القطع والفصل، قال ابن الأثير: "أصلُه: القَطْع والفَصْل، يقال: قَضَى يَقْضِي قَضاءً فهو قاضٍ: إذا حكَم وفَصَل" (٤). وقال ابن فارس: "القاف والضاد والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على

стр. 6004

إحكام أمرٍ وإتقانهِ وإنفاذه لجهته" (١). ويطلق في اللغة على عدة معان منها: الحكم والإلزام، والخلق والصنع، والإبلاغ، والعهد والوصية، والمضي في الشيء، والفراغ منه، والقضاء المقارن للقدر (٢). أما في الاصطلاح: فهو تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الحكومات (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، ورفع أمره للإمام، فإن الذي يأمر بإقامة الحد عليه هو الإمام أو نائبه كالقاضي ونحوه، ويشترط أن يكون رجلًا، ولا ينفذ قضاء المرأة في ذلك. ويتبين مما سبق أن قضاء المرأة إن كان في غير الحدود، فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال الماوردي (٤٥٠ هـ) في ردِّه لمن قال بتولي المرأة للقضاء: "ولا اعتبار بقول يرُدُّه الإجماع" (٤). وقال البغوي (٥١٦ هـ): "اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إمامًا، ولا قاضيًا" (٥). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "اتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عند الحنفية، واستثنوا الحدود" (٦) ونقله عنه الشوكاني (٧).

стр. 6005

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (١)، المالكية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٤). • وجه الدلالة: دلت الآية على حصر القوامة في الرِّجال دون النساء، واستُفيد الحصر من تعريف الرِّجال بلام الجنس؛ إذ إن لام الجنس إذا دخلتْ

стр. 6006

على المبتدأ قصرته على الخبر، كما تقول: الخطيب فلان، وهذا الحصر يسمى حصرًا إضافيًا؛ أي: بالنسبة للنساء، ويستفاد من هذا الحصر أنَّ اللَّه -سبحانه- جعل الرِّجال قوامين على النساء ولا عكس، فعلى هذا لا تصح ولاية المرأة القضاء؛ لأن هذا يستلزم أن تكون المرأة هي القوَّامة، وهو مخالف للآية (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢). • وجه الدلالة: في الآية دلالة على أن شهادة المرأة الواحد غير مقبولة، وسبب ذلك كثرة غفلتها وعرضتها للنسيان، وهذه الصفة مؤثرة في تولي القضاء، فإنها -أي عدم الغفلة- أحد شروط تولي القضاء عند جماعة من أهل العلم (٣). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بيَّن أن الرجل يزيد على المرأة بدرجة، قال ابن كثير: " ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: في الفضيلة في الخُلُق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة" (٥) وكون

стр. 6007

المرأة قاضية على الرجل يخالف مقتضى الآية، لأنها تجعل المرأة أعلى من الرجل في المنزلة والفضيلة ونحو ذلك (١). الدليل الرابع: عن أبي بكرة ﵁ قال: لما بلغ رسول اللَّه ﷺ أن أهل فارس قد ملَّكوا عليهم بنت كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (٢). • وجه الدلالة: الحديث صريح بعدم جواز تولية المرأة شيء من الولايات العامة، لأنه جاء بصيغة النكرة في سياق النفي، وهو يفيد العموم، ويدخل فيه ولاية القضاء، كما أنه خبر جاء بمعنى الأمر (٣). الدليل الخامس: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار)، فقلن: وبم يا رسول اللَّه؟ قال: (تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل)، قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)، قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينها) متفق عليه (٤). • وجه الدلالة: في الحديث نص، على أن المرأة ناقصة في عقلها ودينها، وأن هذا أمر فطري ملازم لها، ولا يناسب من هذه حالها أن تتولى إمارة عامة كالقضاء، تحتاج إلى كمال في الرأي، ونباهة، وذكاء، وفطنة (٥).

стр. 6008

الدليل السادس: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) (١). • وجه الدلالة: فيه التنصيص على أن القاضي رجلًا، وهو يدل بمفهومه على خروج النساء من ذلك (٢). الدليل السابع: إذا كانت المرأة لا تصلح لإمامة الصلاة مع جواز إمامة الفاسق، فالمنع من توليها القضاء الذي لا يصلح له الفاسق من باب أولى (٣). الدليل الثامن: القياس على الإمامة العظمى بجامع أن كلًا منهما ولاية، فكما لا يصلح للمرأة تولي الإمامة العظمى، فكذلك لا يصح أن تتولى القضاء، لأن كليهما ولاية (٤). الدليل التاسع: أن المرأة تغلب عليها العاطفة، وسرعة التأثر، ولا تستطيع غالبًا تحمل المواقف الصعبة والقوية التي يتطلبها مجلس القضاء، وهذه العاطفة تمنعها من القضاء لا سيما في باب الحدود الذي يُدرأ بالشبهات (٥).

стр. 6009

الدليل العاشر: أن قضاء المرأة قد يفضي إلى الفتنة، وهو ضرر، والضرر يجب منعه، قال ابن فرحون: "ولأن كلامها ربما كان فتنة وبعض النساء تكون صورتها فتنة" (١). الدليل الحادي عشر: أن حضور المرأة لمجلس القضاء مع الرجال ليس من آداب الإسلام التي تحث على الحشمة والبعد عن الرجال (٢). الدليل الثاني عشر: عمل المسلمين؛ فإنه منذ عصر النبوة والولاية العامة مقصورة على الرجال، ولم يثبت في عصر النبي ﷺ والصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم أن أحدًا من النساء قد أُسند إليها الولاية العامة من القضاء وغيره، رغم أنه قد كان ثمة نساء ذات فضل ودين وعبادة وعلم تفضل كثيرًا من الرجال، كعائشة ﵂. قال أبو الوليد الباجي (٣): "ويكفي في ذلك عندي عمل المسلمين من عهد النبي ﷺ ، لا نعلم أنه قُدِّم لذلك في عصر من الأعصار، ولا بلد من البلاد امرأة، كما لم يقدم للإمامة امرأة" (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز تولية المرأة للقضاء في

стр. 6010

جميع الأمور من الحدود وغيرها، ولو قضت نفذ حكمها. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (١) (٢)، وابن القاسم من المالكية (٣) (٤)، وابن حزم (٥). وهو محكي عن ابن جرير الطبرى (٦)، لكن من أهل العلم من تعقب هذه النسبة، منهم ابن العربي حيث قال: "نقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه" (٧). • أدلة المخالفين: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ

стр. 6011

كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (١). • وجه الاستدلال: أن اللَّه أمر بأداء الأمانات، ومن أعظم الأمانات أمانة القضاء ثم إن اللفظ عام فيشمل المرأة والرجل على حد سواء (٢). الدليل الثاني: عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أثبت للمرأة ولاية على بيت زوجها وأمواله وأولاده، وهذا نوع ولاية، وهو يدل على أنها في الأصل أهل للولاية، ويدخل في ذلك ولاية القضاء (٤). الدليل الثالث: أن عمر ﵁ ولى امرأة الحسبة على السوق، تُدعى "الشِّفاء" (٥) (٦). • وجه الدلالة: قياس الحسبة علي القضاء لأن كلًا منهما ولاية فدل ذلك على صحة تولية المرأة القضاء، لأن كلًا من ولاية الحسبة وولاية القضاء

стр. 6012

ولاية عامة (١). الدليل الرابع: أن الأصل الجواز حتى يرد الدليل على المنع، وليس ثمة دليل صريح يمنع من تولية المرأة للقضاء (٢). الدليل الخامس: قياس القضاء على الفتيا بجامع أن كلًا منهما مُخبر عن اللَّه تعالى، فكما يجوز أن تكون المرأة مفتية، فكذا يجوز أن تكون قاضية (٣). الدليل السادس: قياس القضاء على الوكالة والوصية بجامع أن كلًا منهم ولاية، فكما يجوز أن تكون المرأة وكيلة ووصية، فكذا يجوز أن تكون قاضية، لأن كل ذلك وكالة (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقَّق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن ابن حزم، وابن القاسم، وهو محكي عن محمد بن الحسن. ومن حكى الإجماع فلم يعتبر قول المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٣٨/ ١] لا تقبل شهادة المجنون في الحدود . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وثبت ذلك عند الحاكم بموجب شهادة رجل مجنون فاقد العقل، فإن الحد لا يثبت على المشهود عليه، لأن شهادة المجنون غير مقبولة. • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): "الإجماع يدل على أنه لا تجوز إلا شهادة عدل حر بالغ عاقل لما يشهد عليه" (٥). وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن لا شهادة للمجنون في حال جنونه" (٦) ونقله عنه ابن قدامة (٧)،

стр. 6013

وشمس الدين ابن قدامة (١)، والزركشي (٢) (٣)، وإبراهيم ابن مفلح (٤). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "لا تقبل شهادة مجنون بالإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تجوز شهادة ذي الخلة، ولا ذي الجنة) (٨). • وجه الدلالة: الحديث صريح بعدم قبول شهادة صاحب الجنة، وهو من به جنون. الدليل الثاني: أن المجنون لا يعقل ما يقوله، ولا ما يشهد به، فقوله غير معتبر (٩). الدليل الثالث: لأن المجنون لا يؤتمن على حفظ نفسه وماله، فمن باب أولى ألَّا يؤتمن على حفظ حقوق غيره (١٠).

стр. 6014

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٣٩/ ١] لا تقبل شهادة العبد في الحدود . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العبد: العبد لغة: قال ابن فارس: "العين والباء والدال أصلانِ صحيحان، كانَّهما متضادَّان، والأول من ذينك الأصلينِ يدلُّ على لين وذُلّ، والآخر على شِدّة وغِلَظ. فالأوّل العَبد، وهو المملوك، والجماعةُ العبيدُ" (١). وقال ابن منظور: "العبد الإِنسان حرًّا كان أَو رقيقًا، يُذْهَبُ بذلك إلى أَنه مربوب لباريه جل وعز. . . والعَبْدُ المملوك خلاف الحرّ" (٢). العبد اصطلاحًا: العبد: هو الرقيق المملوك لغيره. والرِّق: هو عجز حكمي شُرِع في الأصل جزاء عن الكفر (٣). وبيان ذلك: قوله: "عجز" لأنه لا يملك ما يملكه الحر من الشهادة، والقضاء، وغيرهما. قوله: "حكمي" لأن العبد قد يكون أقوى في الأعمال الحسيَّة من الحر. قوله: "جزاء عن الكفر" فلأن أساس موجبه أن يُسبى الشخص -ذكرًا أو أنثى- وهو كافر (٤). ويسمى بالرقيق، والقِن، والمملوك. • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وثبت ذلك عند الحاكم بموجب الشهادة، فإنه يشترط لقبول شهادة الشاهد أن يكون حرًا، فلا تقبل شهادة العبد.

стр. 6015

• من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): "الإجماع يدل على أنه لا تجوز إلا شهادة عدل حر بالغ عاقل لما يشهد عليه" (١). وقال يحيى بن أكثم (٢٤٠ هـ) (٢): "اتفق العلماء على أن العبد لا شهادة له"، نقله عنه السرخسي (٣). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن شهادة العبيد لا تصح على الإطلاق، إلا أحمد فإنه أجازها فيما عدا الحدود والقصاص على المشهور من مذهبه" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٦). • وجه الدلالة: الآية دلت على أنه يجب على كل من دُعي إلى الشهادة أن يجيب، وقد دل الإجماع على أن العبد لا تلزمه الإجابة؛ لأنه لا يتصرف في نفسه إلا بإذن سيده، فيتحصل من ذلك أن العبد خارج عن الخطاب في الآية وأنه ليس من أهل الشهادة (٧).

стр. 6016

الدليل الثاني: قال اللَّه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل للعبد المملوك نهاية المثل في عدم القدرة على شيء، والشهادة من جملة الأشياء، فلا يقدر على أدائها، فمن كانت هذه صفته -عدم القدرة على شيء- فإنه لا يصح أن يكون قوله نافذًا على الغير في الدماء والفروج وغيرها (٢). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣). • وجه الدلالة: قوله ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ حيث أضاف الشهداء إليهم، والخطاب للأحرار، لأنها تتكلم عن البيع والشراء، والذي يملك ذلك هو الحر (٤). الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل أداء الشهادة قيام على الغير، والعبد ليس من أهل القيام على غيره، لأنه لا ولاية له على نفسه، فلا ولاية له على غيره (٦). الدليل الخامس: أن العبد مختلف في شهادته في سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول شهادته في الحد؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات (٧). الدليل السادس: قياس العبد على الكافر، بجامع أن كلًا من الرق والكفر

стр. 6017

مانع من الميراث، فكما لا تُقبل شهادة الكافر، فكذا لا تقبل شهادة العبد (١). الدليل السابع: أن الرق أثر من آثار الكفر فمنع قبول الشهادة كالفسق (٢). الدليل الثامن: أنه يستغرق الزمان بخدمة سيده فليس له وقت يملك فيه أداء الشهادة ولا يملك عليه (٣). الدليل التاسع: أن الشهادة نوع ولاية والعبد ليس من أهل الولاية على غيره فلا تقبل شهادته (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى قبول شهادة العبيد في الحدود. وبه قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك ﵄، وشريح، وإسحاق بن راهويه (٥)، وأبو ثور، وزرارة بن أوفى (٦)، وعثمان

стр. 6018

البتي (١)، وابن سيرين. وهو مذهب الحنابلة (٢)، والظاهرية (٣). • دليل المخالف: استدل القائلون بقبول شهادة العبيد بما يلي: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٤). • وجه الدلالة: عموم الآية تدل على قبول شهادة من نرضى شهادته لعدالته، إن كان من رجالنا بإسلامه، ولم تستثن العبد، فإذا كان العبد مسلِمًا عدلًا فهو مقبول الشهادة (٥). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل وصف الوسطية -أي الخيار العدول- هو المعيار في قبول الشهادة، والعبد داخل في هذا الخطاب، فيدل على قبول شهادة العبد إن كان عدلًا حتى يرد دليل صريح صحيح يُخرجه من ذلك، وليس ثمة دليل (٧).

стр. 6019

الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى خاطب المؤمنين عمومًا بالقيام بالشهادة، والعبد من جملة المؤمنين، فيكون مقبول الشهادة (٣). الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أخبر تعالى أن المؤمن الذي يعمل الصالحات هو من خير البريَّة، وهذا عام يشمل العبد، فإن كان العبد قد حقق هذا الوصف من الإيمان والعمل الصالح، فكيف ترد شهادته وهو من خير البريَّة عند اللَّه تعالى (٥). الدليل الخامس: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٦). • وجه الدلالة: عموم الآية في تحريم كتمان الشهادة، والعبد داخل في الخطاب حتى يرد دليل صريح صحيح على استثنائه من ذلك (٧). الدليل السادس: إجماع الصحابة ﵃ على قبول شهادتهم، كما قال ابن القيم في معرض تصويب القول بقبول شهادة العبد: "وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة ﵃، على شهادته، فقال: "ما علمت أحدًا رد شهادة العبد"" (٨) الدليل السابع: إجماع أهل العلم على أن العبد مقبول الشهادة على رسول

стр. 6020

اللَّه ﷺ في حكم يلزم الأمة إذا روى عنه الحديث، فمن باب أولى أن تقبل شهادته على واحد من الأمة في حكم جزئي (١). الدليل الثامن: أن العبد تقبل شهادته على حكم اللَّه ورسوله ﷺ في الفروج والدماء والأموال في باب الفتوى، فمن باب أولى أن تقبل شهادته على واحد من الناس في ذلك (٢). الدليل التاسع: أن المقتضي لقبول شهادة المسلم عدالته، وغلبة الظن بصدقه، وعدم تطرق التهمة إليه، وهذا بعينه موجود في العبد، والرق لا يزيل مقتضى العدالة، ولا يتطرق لصاحبه التهمة (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم، بل هي محل خلاف مشهور؛ لثبوت الخلاف عن الحنابلة، والظاهرية، وبعض التابعين، بل حُكي إجماع الصحابة ﵃ على قبول شهادة العبد. ولذا ردَّ هذا الإجماع جمع من أهل العلم فقال ابن الهمام في مسألة شهادة العبد: "وأما ادعاء الإجماع على عدم قبوله فلم يصح" (٤). وقال ابن القيم: "وقبول شهادة العبد، هو موجب الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة ﵃، وأصول الشرع، وليس مع من ردها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس" (٥). قد تبيَّن مما سبق أن ثمة من حكى الإجماع على قبول شهادة العبد، وثمة من حكى إجماع الصحابة على عدم قبول شهادة العبد، وقد حقق ابن القيم المسألة فقال بعد أن ذكر القول بقبول شهادة العبد: "وقد حكي إجماع قديم،

стр. 6021

حكاه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "ما علمت أحدًا رد شهادة العبد" وهذا يدل على أن ردَّها إنما حدث بعد عصر الصحابة ﵃، واشتهر هذا القول لما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة، وصار لهم أتباع يفتون ويقضون بأقوالهم، فصار هذا القول عند الناس هو المعروف" (١). [٤٠/ ١] قبول شهادة العبد في الحدود . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب الحد، وثبت ذلك عند الحاكم بموجب الشهادة، فإنه لا يشترط لقبول الشهادة أن يكون الشهود كلهم أحرار، بل لو كان الشهود أرقاء صحت شهادتهم. • من نقل الإجماع: قال ابن القيم (٧٥١ هـ): "وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة ﵃ على شهادته، فقال: "ما علمت أحدًا رد شهادة العبد"" (٢). وقد سبق في المسألة السابقة من قال بقبول شهادة العبد في الحدود، وأدلته، ومن خالف في ذلك فمنع شهادة العبد في الحدود، وبيان أدلته، ونتج عن ذلك أن المسألة محل خلاف معتبر بين أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. [٤١/ ١] لا تقبل شهادة الأخرس في الحدود . • المراد بالمسألة: إذا ثبت الحد على شخص، وكان موجب ثبوت الحد هو البيِّنة بشهادة الأخرس، فإن الحد لا يُقام حينئذٍ، وشهادة الأخرس غير مقبولة مطلقًا حتى لو كانت شهادته بإشارة مفهومة أو كان كتبها بخط مقروء.

стр. 6022

• من نقل الإجماع: قال القرطبي (٦٧١ هـ) حكاية عن الحنفية: "وشهادة الأخرس لا تقبل بالإجماع" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "وفي المبسوط (٢): أنه لا تجوز شهادة الأخرس بإجماع الفقهاء" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والشافعية في الأصح (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: سُئل النبي ﷺ عن الشهادة، قال: (هل ترى الشمس)؟ قال: نعم، قال: (على مثلها

стр. 6023

فاشهد، أو دع) (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل من شرط الشهادة أن تكون عن يقين لا شك فيه، وإشارة الأخرس لا يحصُل بها اليقين، حيث قد تُفهم على غير مراده، وبالتالي فلا تكون مقبولة لعدم حصول اليقين بها (٢).

стр. 6024

الدليل الثاني: أن من شرط الشهادة أن يأتي بها الشاهد بلفظ "أشهد"، فلو قالها بلفظ غير الشهادة، كـ "أعلم" أو "أتيقن"، ونحو ذلك لم يصح، والإتيان بلفظ الشهادة في حق الأخرس متعذِّرة (١). الدليل الثالث: أن المعتبر في الشهادة اليقين، وهذا لا يمكن تحصيله من الأخرس؛ لأن الإشارة تحتمل الخطأ في فهم المقصود على وجه التمام، فهو من الشبهات التي تدرأ بها الحدود (٢). الدليل الرابع: قياس شهادة الأخرس بالإشارة على شهادة الناطق بالإشارة، فكما أن الناطق لا تصح شهادته بالإشارة بإجماع أهل العلم، فكذا لا تصح شهادة الأخرس، بجامع أن كلًا منهما شهادة تفتقر لليقين (٣). • المخالفون للإجماع: خالف في عدم قبول شهادة الأخرس جماعة من أهل العلم، وحاصل الأقوال المخالفة على قولين: القول الأول: قبول شهادة الأخرس إذا أدَّاها بإشارة مفهومة، أو كتابة مقروءة. وهو قول المالكية (٤)، وبعض الشافعية (٥). القول الثاني: تقبل شهادة الأخرس إن أدَّاها بخطه، ولا تقبل في غير ذلك من إشارة مفهومة أو نحوه.

стр. 6025

وهو قول بعض الحنابلة، وتوقف فيه الإمام أحمد (١). • أدلة المخالفين: أما الذين قالوا بقبول شهادة الأخرس إن كانت له إشارة مفهومة فاستدلوا بما يلي: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الرمز -وهو الإشارة- مستثنى من الكلام، والأصل أن المستثنى من جنس المستثنى منه، فيدل ذلك على أن الرمز من جنس الكلام، وإذا كانت الشهادة معتبرة من الناطق فكذلك تعتبر الشهادة بالإشارة، لأن الإشارة نوع من الكلام كما بيَّنت الآية (٣). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: صلى رسول اللَّه ﷺ في بيته وهو شاك (٤)، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) متفق عليه (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر أصحابه بالجلوس عن طريق الإشارة، فدل على أن الإشارة طريق يحصل به العلم عند تعذُّر النطق، ولولا ذلك لما اكتفى النبي ﷺ بالإشارة إلى أصحابة أن يجلسوا (٦).
следующие страницы →