← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

"الزنا المجمع على تحريمه" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "الزنا حرام في جميع الأديان، والملل لا تختلف في هذه المسألة" (٢). وقال زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ) (٣): "وأجمع أهل الملل على تحريمه" (٤). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "أجمعت الملل على عظيم تحريمه" (٥). وقال الرملي (١٠٠٤ هـ) (٦): "أجمع على تحريمه سائر الملل" (٧). وقال المناوي (١٠٣١ هـ) (٨): "فالزنا كبيرة إجماعًا وبعضه. . .

стр. 6092

أفحش من بعض" (١). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "وهو من أكبر الكبائر وأجمعوا على تحريمه" (٢). وقال الخرشي (١١٠٢ هـ) (٣): "وهو مُحرَّم كتابًا وسنةً وإجماعًا، وجاحد حرمته كافر" (٤) (٥). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "وهو حرام، بالكتاب والسنة والإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الظاهرية (٧).

стр. 6093

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة من القرآن والسنة النبوية، ومنها: أولًا من القرآن الكريم: الدليل الأول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نهى عن الاقتراب من الزنا، وهذا يدل على تحريم ارتكابه من باب أولى، ثم وصفه تعالى بأنه فاحشة، والفاحشة أقبح المعاصي، قال القرطبي: "قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] (٢) أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا، فإن معناه لا تدنوا من الزنا" (٣). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه توعد من فعل الزنا بالإثم ومضاعفة العذاب له يوم القيامة، وقد قرنه جل وعلا بالشرك وقتل النفس وهذا يدل على تحريمه. الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى رتب الحد على فعل الزنا, ولا يكون ذلك إلا على كبيرة. ثانيًا: من السنة النبوية: الدليل الأول: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك)، قلت: ثم أي؟ قال: (أن نقتل ولدك من أجل أن يطعم معك)، قلت: ثم أي؟

стр. 6094

قال: (أن تزاني حليلة جارك) متفق عليه (١). الدليل الثاني: عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل (٣) مستكبر) (٤). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: يا رسول اللَّه وما هن؟ قال: (الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المومنات الغافلات) متفق عليه (٥). والأدلة في ذلك كثيرة يطول استقصاؤها، وفيما ذُكر كفاية في تحصيل المقصود، واللَّه أعلم. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، بل إن تحريمه مما اتفقت عليه جميع الملل السابقة. [٦١/ ٢] الزنا أعظم من أن يكفَّر . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص فاحشة الزنا، فإن كفارة إثم ما فعله

стр. 6095

يكون بالتوبة أو إقامة الحد عليه، ولا توجد في الشريعة كفارة محدّدة من صيام أو إطعام أو عتق أو غير ذلك، تُزيل عنه إثم الزنا، كما هو الحال في كفارة اليمين، والظهار، والجماع في نهار رمضان. ويتبيَّن من ذلك أن المراد هو: أنه ليس ثمة كفارة محدَّدة من قبل الشرع على معصية الزنا، أما مسألة كون الحسنات يُذهبن السيئات، وأن مطلق الأعمال الصالحة تُكفِّر الذنب، فهذه مسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفقوا كلهم على أن الزنا أعظم من أن يُكفَّر" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب على الزاني إقامة الحد عليه، ولم يذكر في ذلك كفارة تُسقط عنه إثم المعصية. الدليل الثاني: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه ﷺ : (قل) قال: إن ابني

стр. 6096

كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه ﷺ : (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (١). • وجه الدلالة: أن الأعرابي دفع كفارة عن ابنه مائة شاة ووليدة، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وحكَم أنه لا كفارة لما فعل من الزنا، وإنما عليه الحد بالجلد والتغريب -لكونه بكرًا، وعلى المرأة المحصنة الرجم (٢). الدليل الثالث: عموم النصوص الشرعية الموجبة لحد الزنا، فإن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية (٣)، والجهنية (٤) ﵃، واليهودي (٥)، ولم يُنقل أنه دلَّ أحدًا منهم على كفارة عن فعلهم. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم، لعدم المخالف واللَّه تعالى أعلم. [٦٢/ ٢] من وطئ امرأة من قبلها ولا شبهة له في وطئها فهو زان يجب عليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا وطئ الرجل امرأة ليست امرأته ولا ملك يمينه، وكان وطؤه لها في قبلها, ولا شبهة له في ذلك، فإنه يُطبق عليه حد الزاني بالرجم إن كان محصنًا، والجلد إن كان غير محصن.

стр. 6097

ويظهر مما سبق أنه إن وطئ رجلًا، أو امرأة في دبرها، أو كان له شبهة كأن ظنها زوجته، فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "الزنا فهو كل وطئ، وقع على غير نكاح صحيح، ولا شبهة نكاح، ولا ملك يمين، وهذا متفق عليه بالجملة من علماء الإسلام" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا خلاف بين أهل العلم في أن من وطئ امرأة من قبلها حرامًا، ولا شبهة له في وطئها، أنه زانٍ، يجب عليه حد الزنا إذا كملت شروطه" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣) (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الأسلمي إلى نبي اللَّه ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: (أنكتها؟ ) قال: نعم، قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ ) قال: نعم، قال: (كما يغيب المرود (٦) في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ) قال: نعم، قال: (فهل تدري ما الزنا؟ ) قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا" (٧).

стр. 6098

الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: "لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال له: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت)، قال: لا يا رسول اللَّه، قال: (أنكتها)، لا يكني، قال فعند ذلك أمر برجمه" متفق عليه (١). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ استفسر من ماعز ﵁ عن حقيقة الزنا، وأنه قد وقع منه صريح الجماع، بتغييب الحشفة في قبل المرأة، فلما تقرر له ذلك أُقيم عليه الحد، وهو يدل على أن وطء المرأة في قبلها وبلا شبهة، يعتبر زنا يوجب الحد. الدليل الثالث: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢). • وجه الدلالة: أن الثيابة تحصل بالوطء في القبل، فدل على أن وطء المرأة في قبلها بلا شبهة، زنا يوجب الحد (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٦٣/ ٢] من زنى بامرأة ثم تزوجها أُقيم عليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا زنى شخص بامرأة حُرَّة، وكان زناه موجب لإقامة الحد عليه لتوفر الشروط، ثم تزوج بالمرأة التي زنى بها، فإن زواجه بها لا يُسقط عنه الحد. ويتبيَّن مما سبق أنه لو زنى بأمة ثم تزوجها فمسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "لو زنى بحرة ثم نكحها

стр. 6099

لا يسقط الحد بالاتفاق" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لو زنى بحرة ثم نكحها لا يسقط الحد بالاتفاق" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الزاني حين فِعله للزنا لم تكن له شبهة تدفع عنه الحد، فإنه زنى بامرأة أجنبية عنه، وإباحة الفرج بعد وجوب الحد لا يُسقط الحد (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٦٤/ ٢] إن زفت إليه غير زوجته وقيل: هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه . • المراد بالمسألة: لو زفت امرأة إلى رجل وقالوا له: هذه زوجتك التي عقدتَ عليها، فوطئها بناءً على قولهم أنها زوجته، فتبيَّن أنها ليست كذلك، فإنه لا يُحد حد الزنا. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يختلف اثنان من الأمة أن من دُست إليه غير امرأته فوطئها، وهو لا يدري من هي، يظن أنها زوجته، فلا حد عليه" (٨). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "فإن زُفت إليه غير زوجته وقيل:

стр. 6100

هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه، لا نعلم فيه خلافًا" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال الكمال بن الهمام (٨٦١ هـ): "ومن زُفَّت -أي بعثت - إليه غير امرأته، وقال النساء: هي زوجتك، فوطئها, لا حد عليه وعليه المهر، وهذه إجماعية لا يعلم فيها خلاف" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عموم النصوص الدالة على عدم العقوبة على الإثم بالخطأ، ومنها: أولًا: قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٦). ثانيًا: قول اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٧). وثبت أن اللَّه سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال سبحانه: قد فعلت (٨). ثالثًا: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٩). رابعًا: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (للَّه أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من

стр. 6101

راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) متفق عليه (١). • وجه الدلالة من النصوص السابقة: النصوص دلت على أن العبد غير مؤاخذ بما يفعله عن طريق الخطأ، وأن اللَّه قد عفى عن أمة محمد ﷺ ذلك، ومن زُفَّت إليه امرأة يظنها زوجته، فوقع عليها، غير عالم بأنها لا تحل له، فإنه مخطئ داخل في عموم النصوص السابقة. الدليل الثاني: عموم الأحاديث الدالة على درء الحدود بالشبهات ومنها: أولًا: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (٢). ثانيًا: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (٣). • وجه الدلالة: أن وطء الرجل للمرأة التي زُفت إليه وقيل له بأنها امرأته فيه شبهة تدرأ عنه الحد، لكونه يظنها حلالًا له عند وطئها، والحدود تدرأ بالشبهات (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٦٥/ ٢] من غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الحشفة: الحشفة في اللغة: الحَشَفة -بفتح الحاء والشين- تطلق في اللغة على عدة معان منها:

стр. 6102

١ - أردأ التمر، ومنه قولهم في المثل: أحشفًا وسوء كيلة"، وهو مثل للرجل الذي يجمع بين أمرين رديئين (١). ٢ - اليابس: ومنه يقال للضرع الذي تقلَّص وارتفع عنه اللبن: قد أحشف الضرع. وكذا يطلق على الخميرة اليابسة، والمرأة العجوز، والأذن اليابسة، وأصول الزرع التي تبقى بعد الحصاد. ٣ - الثوب الخلِق، ومنه يقال: تحفَّش الرجل إذا لبس الثوب حفيش، أي البالي. ٤ - الصخرة الرخوة في سهل من الأرض. ٥ - جزيرة في البحر لا يعلوها الماء. ٦ - رأس الذكر (٢). وقد جمع ابن فارس هذه المعاني فقال: "الحاء والشين والفاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على رَخَاوة، وضعف، وخلوقة" (٣). الحشفة في الاصطلاح: الحشفة في اصطلاح الفقهاء هي رأس الذكر، وحدُّها هو القسم المكشوف من رأس الذكر بعد الختان (٤). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا وطئ رجل امرأة لا تحل له، وكان قد غيَّب حشفته في قُبل المرأة، فإنه يكون قد ارتكب الزنا، ووجب عليه الحد إذا اكتملت باقي الشروط.

стр. 6103

• من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): "لم تختلف العامة أن الزنا الذي يجب به الحد الجماع دون الإنزال، وأن من غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد" (١). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن بإيلاج مرة للحشفة وحده يجب الحد" (٢). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وقع الإجماع على أن مجاورة الختانين توجب الحد" (٣). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "والاعتبار في الجماع بتغييب الحشفة من صحيح الذكر بالاتفاق" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الحنفية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الأسلمي إلى نبي اللَّه ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: (أنكتها؟ ) قال: نعم، قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ ) قال: نعم، قال: (كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ) قال: نعم، قال: (فهل تدري ما الزنا؟ ) قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا" (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استفسر من ماعز عن الزنا الذي أقر به، وأنه غيَّب ذكره في فرج من وقع عليها، مما يدل على أن هذا هو المعتبر في الحد، وإلا لم يكن لسؤال النبي ﷺ فائدة.

стр. 6104

الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رفاعة (١) إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزَّبِير (٢)، وإنَّ ما معه مثل هُدبة الثوب (٣)، فتبسم رسول اللَّه ﷺ فقال: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) متفق عليه (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يعتبر في إحلال المرأة المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول إلا بحصول العسيلة، وذلك لا يتم إلا بإيلاج الذكر في فرج المرأة، وأقل ذلك إيلاج الحشفة (٥). الدليل الثالث: أن الحشفة هي القدر الذي يثبت به حكم وجوب الغسل،

стр. 6105

فيكون هو القدر الذي يتعلق به حكم الوطء (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٦٦/ ٢] الزنا الذي يجب به الحد هو تغييب الحشفة دون الإنزال . • المراد بالمسألة: سبق في المسألة السابقة أن تغييب الحشفة موجب للحد، والمراد هنا تقرير أن الحد يجب بتغييب الحشفة دون اشتراط أن يحصل إنزال المني. فمجرد الجماع ولو لم يحصل إنزال يعتبر زنى يجب به الحد. • من نقل الإجماع: الشافعي (٢٠٤ هـ): "لم تختلف العامة أن الزنا الذي يجب به الحد الجماع دون الإنزال" (٢)، ونقله عنه ابن حجر (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع في المسألة الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الأسلمي إلى نبي اللَّه ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك يعرص عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: (أنكتها؟ ) قال: نعم، قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ ) قال: نعم، قال: (كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ) قال: نعم، قال: (فهل تدري ما الزنا؟ ) قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا" (٧).

стр. 6106

الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: "لما أتى ماعز بن مالك ﵁ النبي ﷺ قال له: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت)، قال: لا يا رسول اللَّه، قال: (أنكتها)، لا يكني، قال فعند ذلك أمر برجمه" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يستفسر من ماعز هل أنزل أم لم ينزل؟ فدل على أن الإنزال ليس بشرط في اعتبار الزنا. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٦٧/ ٢] من زنى بخالته أو بحماته أو ذوات رحم محرم عليه فهو زان وعليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان قد وقع على امرأة ذات محرم منه كخالته أو عمته، دون عقد زواج، عالمًا بالتحريم، فإنه يُقام عليه الحد حينئذٍ. ويُنبَّه هنا إلى أمور ثلاثة: الأول: أن المراد تقرير الإجماع على أن الوقوع بذوات المحارم زنا يوجب الحد، بغض النظر عن الحد الواجب في ذلك، فإنها مسألة خلاف ليست مرادة (٢). الثاني: لو كان الرجل غير عالم بالتحريم، أو كان قد عقد على قريبته عقد نكاح وجامعها بموجبه، فكل ذلك غير مراد (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه من زنى:

стр. 6107

بخالته، أو بحماته، أو ذوي رحم محرم عليه، أنه زان، وعليه الحد" (١). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "قد اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرَم فعليه الحد" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم نكاح ذوات المحارم، وهو يدل على أنه فرج لا يستباح بحال، فوجب الحد بالوطء. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى وصف نكاح زوجة الأب بأنه فاحشة، وأنه مقت، وأنه ساء سبيلًا، فجمع هذه الأوصاف للدلالة على أنه من أقبح أنواع الزنا.

стр. 6108

الدليل الثالث: عن البراء بن عازب ﵁ قال: "لقيت عمي (١) ومعه راية، فقلت له أين تريد؟ قال بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه (٢)، فأمرني أن أضرب عنقه" (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بقتل رجل وقع على امرأة أبيه، وهو يدل على أن نكاح ذوات المحارم بمنزلة الزنا في وجوب الحد (٤). الدليل الرابع: أنه إذا وجب الحد في فرج قد يستباح بالنكاح، فلأن يجب الحد في فرج لا يستباح بحال من باب أولى. الدليل الخامس: أنه وطء في فرج مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6109

[٦٨/ ٢] من وطئ جارية ذات مَحْرم من النسب تعتق عليه بمجرد ملكها فإنه يحد . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكانت المرأة التي وقع عليها هي أمة قريبة منه، لو ملكها لعتقت بموجب ملكه لها، فإنه يقام عليه الحد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن الرجل إذا وطئ جارية ذات محرم عليه أنه زانٍ" (٢). وقال ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ) بعد أن ذكر مسألة أن من وطئ امرأة بالملك ممن تحرم عليه بالنسب وتعتق عليه بالملك إذا ملكها مثل البنت والأم والأخت والجدة وما أشبههن عامدًا عالمًا فإن عليه الحد ثم قال: "هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها لا اختلاف في شيء منها" (٣).

стр. 6110

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "فأما إن اشترى ذات محرمه من النسب ممن يعتق عليه، ووطئها، فعليه الحد، لا نعلم فيه خلافًا" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣). • مستند الإجماع: قول اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن الآية عامة في تحريم وطئ من ذكر فيها سواء كان بنكاح أو ملك يمين، وكل من حرم نكاحها، حرم وطؤها بملك اليمين؛ لأنه إذا حرم النكاح لكونه طريقًا إلى الوطء فتحريم الوطء أولى (٥). بالإضافة إلى الأدلة التي ذُكرت في المسألة السابقة. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٦٩/ ٢] الزنا بالأمة حرام وموجب للحد، كالزنا بالحرة . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الأَمَة: الأمة هي الرقيقة المملوكة لغيرها. والرِّق: هو عجز حكمي شُرِع في الأصل جزاء عن الكفر (٦). وتسمى بالرقيقة، والقِن، والمملوكة. • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب حد الزنا، وكان الزاني قد ثبت إحصانه فإنه لا فرق بين أن يكون من وقع عليها حرة أو أمة، فكل ذلك حرام وموجب للحد.

стр. 6111

ويتضح من ذلك أن الزاني إن كان عبدًا، أو كان حرًا لكن تحته أمة، فذلك غير مراد، لعدم تحقق الإحصان في حقه. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة، ولا فرق" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عموم الآيات الدالة على تحريم الزنا ووجوب الحد فيه، كقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حرم الزنا, ولم يفرَّق فيه بين الحرة والأمة، فالزنا كله حرام وفاحشة. الدليل الثاني: أن دين اللَّه واحد، والخلقة والطبيعة واحدة، كل ذلك في الحرائر والإماء سواء، حتى يأتي نص في الفرق بينهما, ولا نص هنا، فعمّ تحريم الزنا بكليهما (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6112

[٧٠/ ٢] العبد إذا وطئ أمة سيده فإنه زان . • المراد بالمسألة: إذا وقع العبد على جارية سيده فإنه قد ارتكب فاحشة الزنا. ويُنبَّه إلى أن المراد هو أن وطء العبد لأمة سيده محرَّم، وهو زنا، أما إقامة الحد عليه أو سقوطه بالشبهة، فمسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد في أن العبد إن وطئ أمة سيده فإنه زان" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الحد (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ (٧).

стр. 6113

• وجه الدلالة: أن وطء العبد لجارية سيده لم يصادف ملكًا فكان بذلك من العادين. الدليل الثاني: أن الأصل هو وجوب الحد على من أتى الفاحشة حتى يرد الدليل على الاستثناء، وليس ثمة دليل يخرجه عن ذلك. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٧١/ ٢] ليس للسيد أن يعفو عن الزاني الذي زنى بأمته . • المراد بالمسألة: إذا زنى شخص بامرأة مملوكة، وثبت ذلك عند الحاكم، وأراد سيِّدها أن يعفو عن الزاني، فإنه ليس له ذلك، ووجب إقامة الحد على الزاني. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "فلم يختلفوا في أنه ليس للرجل أن يعفو عن الزنا بأمته فيسقط عنه حد الزنا بذلك" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٦). • وجه الدلالة: الآية عامة في وجوب إقامة الحد على من وجب عليه ذلك،

стр. 6114

ويدخل فيه الزنا بالأمة. الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ ، فأتي بها رسول ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه)؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي، قام رسول اللَّه ﷺ ، فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" متفق عليه (١). الدليل الثالث: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تعافوا الحدود قبل أن تأتوني به، فما أتاني من حد فقد وجب) (٢). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه فقد ضاد اللَّه في أمره) (٣). • وجه الدلالة: الأحاديث السابقة صريحة في أن الحد إن بلغ الإمام وجب إقامته، وهذا عام سواء كان المزني بها أمة أو حرة، وأن إسقاط الحد بعد وجوبه معارض لأمر للَّه تعالى. الدليل الخامس: أن حد الزنا حق للَّه تعالى، فليس لأحد إسقاطه، سواء

стр. 6115

كان ذلك السيد، أو المزني بها، أو الإمام (١). الدليل السادس: أن قبول عفو السيد يفضي إلى التجرؤ على الزنا بالإماء بإذن سيدهن، وفي ذلك مفاسد عظيمة من اختلاط الأنساب وغيرها (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٧٢/ ٢] من وطئ امرأة أجنبية في دبرها فإنه يُحد . • المراد بالمسألة: من وقع على امرأة في دبرها, ولم تكن مملوكة له، ولا زوجة، فإنه يقام عليه الحد. ويتبيَّن مما سبق أمران: الأول: أن المرأة إن كانت زوجته، أو كان هو سيدها، فذلك غير مراد. الثاني: أن المراد هو وجوب الحد عليه، أما نوع الحد هل هو كالزنا، أو هو القتل، فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال أبو بكر العبادي (٨٠٠ هـ): "إذا أتى أجنبية في دبرها يحد إجماعًا" (٣). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "أما لو وطئ امرأة في دبرها حد بلا خلاف" (٤).

стр. 6116

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك صاحبا أبي حنيفة (١)، والمالكية (٢) والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى إتيان الرجل للرجل فاحشة، والفاحشة هي الزنا كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (٦). الدليل الثاني: أنه إذا وجب الحد بالوطء في القبل، وهو مما يستباح، فلأن يجب بالوطء في الدبر وهو مما لا يستباح أولى (٧). الدليل الثالث: أن الدبر فرج مقصود تحصل به قضاء الشهوة بسفح الماء، فتعلقَ الحد بالإيلاج فيه؛ كالقبل (٨). الدليل الرابع: أن الوطء في الدبر هو وطء في فرج امرأة لا ملك له فيها ولا شبهة ملك فكان زنا كالوطء في القبل (٩). • المخالفون للإجماع: خالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة (١٠) والظاهرية (١١) فذهبا إلى أن من وطئ امرأة في دبرها فانه لا يحد حد الزنا وإنما يعزر.

стр. 6117

• دليل المخالف: الدليل الأول: أنه استمتاع لا يفضي إلى فساد النسب (١). الدليل الثاني: أنه ليس ثمة دليل شرعي صحيح صريح في وجوب الحد على من أتى المرأة في الدبر، وأحكام الزاني إنما هي في القبل، ولا يصح قياس الدبر بالقبل (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن أبي حنيفة، والظاهرية، لا سيما إذا علمنا أن من نقلوا الإجماع وهم العبادي والكمال ابن الهمام إنما نقلوه لنقده لا لتقريره واللَّه تعالى أعلم. [٧٣/ ٢] إذا وطئ الأب جارية ولده فلا حد عليه . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان التي وقع عليها أمةٌ لولده، ووقع عليها في القبل؛ فإنه لا يقام عليه الحد حينئذٍ. ويتبيَّن مما سبق أنه لو وقع عليها في الدبر فذلك غير مراد (٣). • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "القائلين بانتفاء الحد -أي: عن الأب إذا وطئ جارية ولده - في عصر مالك والأوزاعي ومن وافقهما، قد اشتهر قولهم، ولم يعرف لهم مخالف، فكان ذلك إجماعًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٥)، والمالكية في المعتمد (٦)، والشافعية (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عموم الأحاديث الدالة على درء الحدود

стр. 6118

بالشبهات ومنها: أولًا: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (١). ثانيًا: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (٢). • وجه الدلالة: أن وطء الأب لجارية ولده فيه شبهة للملك تدرأ عنه الحد، ووجه تمكن الشبهة هي في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ يخاصم أباه فقال: يا رسول اللَّه إن هذا قد احتاج إلى مالي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) (٣).

стр. 6119

فأضاف مال ولده إليه وجعله له، فإذا لم تثبت حقيقة الملك فلا أقل من جعله شبهة دارئة للحد (١). • المخالفون للإجماع: وذهب بعض الفقهاء إلى أن الأب إن وطئ جارية ابنه فعليه الحد. وهو رواية عند الحنابلة (٢)، وقول الظاهرية (٣)، وبه قال الروياني وابن المنذر من الشافعية (٤)، وأبو ثور (٥). وثمة قول للمالكية هو خلاف المعتمد أن الأب إن علم أن الابن قد وطئ جاريته فإنه يُحد إذا وطئها (٦). • دليل المخالف: الدليل الأول: أنه وطء في غير ملك أشبه وطء جارية أبيه (٧). الدليل الثاني: لأن جارية الابن التي وطئها الابن محرمة على الأب مطلقًا، ولا تحل له حتى بنكاح، فهي كوطء ذات المحرم (٨). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لثبوت الخلاف عن الظاهرية، والحنابلة في رواية, وبعض المالكية، وبعض

стр. 6120

الشافعية، ولذا قال ابن عبد البر في المسألة: "على هذا جمهور العلماء أنه لا حد على من وطئ أمة من ولده" (١)، فنسب القول للجمهور. ويوجه كلام ابن قدامة أنه أراد الإجماع السكوتي في عصر مالك والأوزاعي الذي لا يُعلم له مخالف، وهذا لا ينفي الخلاف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٧٤/ ٢] من وطئ فراشًا مباحًا في حال محرَّمة فهو عاص ولا حد عليه . • المراد بالمسألة: إذا وطئ الرجل امرأة تحل له كزوجته أو ملك يمينه، لكن كان وطؤه لها في حال محرَّمة كأن يكون في حيض أو إحرام أو صيام فرض ونحو ذلك، فإن فاعل ذلك لا يُعد زانٍ، ولا يقام عليه حد الزنا. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "من وطئ فراشًا مباحًا في حال محرمة، كواطئ الحائض، والمُحرِمة، والمُحرِم، والصائم فرضًا، والصائمة كذلك، والمعتكف، والمعتكفة، والمشرَّكة - فهذا عاصٍ وليس زانيًا بإجماع الأمة كلها" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "ليس كل من وطئ فرجًا محرمًا عليه وطؤه يلزمه الحد؛ لإجماعهم أن لا حد على من وطئ صائمةً، أو معتكفةً، أو

стр. 6121

محرمةً، أو حائضًا، وهي له زوجة أو أمة" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول اللَّه! قال: (وما أهلكك؟ ) قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: (هل تجد ما تعتق رقبة؟ )، قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ )، قال: لا، قال: (فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ )، قال: لا، قال: ثم جلس، فأُتي النبي ﷺ بعَرَق (٥) فيه تمر، فقال: (تصدق بهذا)، قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: (اذهب فأطعمه أهلك) متفق عليه (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ دل الرجل على كفارة معصيته بجماع أهله في نهار رمضان، وليس فيه إيجاب الحد عليه، وكذا جاء في الشريعة بيان أحكام من وطئ امرأته وهي حائض، أو حال الإحرام أو الاعتكاف أو نحو ذلك، ولم يأت في شيء منها إيجاب الحد، وإنما جاءت بالكفارة، أو إبطال العبادة من صوم أو إحرام واعتكاف ونحوه.

стр. 6122

الدليل الثاني: أن الزنا إنما هو وطء امرأة بغير عقد أو ملك، والرجل الذي جامع في حال محرِّمة قد ملك المرأة بالنكاح أو ملك اليمين، فحرمة وطئها عليه ليست أصلية، وإنما هي لعارض (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6123

الفصل الثاني: مسائل الإجماع في شروط حد الزنا [٧٥/ ٢] اعتبار البلوغ في وجوب حد الزنا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، فإن من شرط إقامة الحد عليه أن يكون الزاني بالغًا وقت ارتكابه للزنا. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد، ولا حد عليها" (١). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "وإن زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة يجامع مثلها حد الرجل خاصة وهذا بالإجماع" (٢). وقال ابن عرفة (٨٠٣ هـ) (٣) في شروط إيجاب الحد على الزاني: "تكليفُ الزاني: إجماعًا" (٤). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ) (٥): " (إذا زنى البالغ العاقل بصبية أو مجنونة حيث يجب الحد على الرجل) أي دون المرأة، وهذا بالإجماع" (٦).

стр. 6124

وقال دامان (١٠٧٨ هـ) (١): "وإن زنى مكلف بمجنونة أو صغيرة يجامَع مثلها حُدَّ المكلِّف خاصة بالإجماع" (٢). وقال الزيلعي (٧٠٢ هـ) (٣): "إذا زنى صحيح بمجنونة، أو صغيرة يجامَع مثلها، حُدَّ الرجل خاصة، وهذا بالإجماع" (٤). ويضاف إليه النقولات التي سبقت في تقرير الإجماع على أن البلوغ شرطٌ في وجوب إقامة الحد، ومنها: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): ". . . أن عليًا ﵁ أُتي بصبي قد سرق بيضة، فشك في احتلامه، فأمر به، فقطعت بطون أنامله، وليسوا (٥)، ولا أحد علمته يقول بهذا، يقولون: ليس على الصبي حد حتى يحتلم، أو يبلغ خمس عشرة" (٦). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الظاهرية (٨).

стр. 6125

• مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (١). وفي رواية عند أحمد بلفظ: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ. . .) الحديث (٢)، وعند أبي داود بلفظ: (وعن الصبي حتى يبلغ) (٣). • وجه الدلالة: دلالة الحديث ظاهرة على أن البلوغ شرط للتكليف، وأن الصبي مرفوع عنه القلم فلا يؤاخذ بالعقوبات الشرعية المتعلقة بحق اللَّه تعالى. الدليل الثاني: أنه إذا سقط عنه التكليف في العبادات والمآثم في المعاصي فلأن يسقط الحد ومبناه على الدرء والإسقاط أولى (٤). الدليل الثالث: لأن الحد عقوبة محضة، فتستدعي جناية محضة, وفعل الصبي لا يوصف بالجناية فلا حد عليه لعدم الجناية منه (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٧٦/ ٢] اعتبار العقل في وجوب حد الزنا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، فإن من شرط إقامة الحد عليه أن يكون الزاني عاقلًا وقت ارتكابه للزنا. وتبيَّن مما سبق أنه لو أتى الزنا حال كونه عاقلًا، ثم أصيب بالجنون حين إقامة البيِّنة عليه فذلك غير مراد.

стр. 6126

• من نقل الإجماع: قال المهلب بن أبي صفرة (٤٣٥ هـ) (١): "أجمع العلماء أن المجنون إذا أصاب الحد في حال جنونه أنه لا يجب عليه حد"، نقله عنه ابن بطال (٢). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) في معرض استدلاله بسؤال النبي ﷺ لماعز ﵁ هل به جنون حين أقر بالزنا: "وهذا إجماع أن المجنون المعتوه لا حد عليه والقلم عنه مرفوع" (٣). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ) في الاستدلال بذلك: "أن إقرار المجنون في حال جنونه لا يلزم، وأن الحدود عنه حينئذٍ ساقطة، وهو مما أجمع عليه العلماء" (٤). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد ولا حد عليها" (٥). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "وإن زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة يجامع مثلها حد الرجل خاصة وهذا بالإجماع" (٦). وقال النووي في الاستدلال بذلك: "إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجب عليه، وهذا كله مجمع عليه" (٧). وقال ابن عرفة (٨٠٣ هـ) في شروط إيجاب الحد على الزاني: "تكليفُ الزاني: إجماعًا" (٨). وقال ابن حجر: "قوله: باب لا يرجم المجنون والمجنونة: أي: إذا وقع في الزنا في حال الجنون وهو إجماع" (٩).

стр. 6127

وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): " (إذا زنى البالغ العاقل بصبية أو مجنونة حيث يجب الحد على الرجل) أي دون المرأة، وهذا بالإجماع" (١). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "وإن زنى مكلف بمجنونة أو صغيرة يجامَع مثلها حُدَّ المكلِّف خاصة بالإجماع" (٢). وقال جمال الدين الزيلعي (٧٠٢ هـ): "إذا زنى صحيح بمجنونة، أو صغيرة يجامَع مثلها، حُدَّ الرجل خاصة، وهذا بالإجماع" (٣). ويمكن أن يضاف إليه النقولات في تقرير الإجماع على أن العقل شرط في وجوب إقامة الحد، ومنها: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يقام عليه -أي المجنون - في حال عقله كل حد كان منه في حال جنونه، بلا خلاف من الأمة" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد، وصحة الإقرار" (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن المجنون مرفوع عنه التكليف فلا يؤاخذ بفعله. الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال: (ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال

стр. 6128

رسول اللَّه ﷺ : (ويحك، ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : (فيم أطهرك)؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول اللَّه ﷺ : (أبه جنون)؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشرب خمرًا)؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال فقال رسول اللَّه ﷺ : (أزنيت)؟ فقال: نعم، فأمر به فرجم (١). • وجه الدلالة: أن سؤال النبي ﷺ له عن عقله كان من أجل التحقق من حاله أهو ممن يؤاخذ بالحد أم لا. الدليل الثاني: أنه إذا سقط عنه التكليف في العبادات والمآثم في المعاصي فلأن يسقط الحد ومبناه على الدرء والإسقاط أولى (٢). الدليل الثالث: لأن الحد عقوبة محضة فتستدعي جناية محضة وفعل الصبي لا يوصف بالجناية فلا حد عليه لعدم الجناية منه (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٧٧/ ٢] لو زنى عاقل بمجنونة أو بصغيرة فإنه يجب الحد على الزاني دون المزني بها . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص عاقل بالغ ما يوجب حد الزنا، وكانت المرأة التي وقع عليها الزنا صغيرة أو مجنونة، فإن الحد هنا يجب على الرجل، أما المرأة فلا حد عليها. وينبَّه إلى أن عكس المسألة وهي إن كانت المرأة بالغة عاقلة والرجل صغير أو مجنون، فذلك غير مراد.

стр. 6129

• من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد ولا حد عليها" (١). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "وإن زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة يجامع مثلها حد الرجل خاصة وهذا بالإجماع" (٢). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): " (إذا زنى البالغ العاقل بصبية أو مجنونة حيث يجب الحد على الرجل) أي دون المرأة، وهذا بالإجماع" (٣). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "وإن زنى مكلف بمجنونة أو صغيرة يجامَع مثلها حُدَّ المكلِّف خاصة بالإجماع" (٤). وقال الزيلعي (٧٠٢ هـ): "إذا زنى صحيح بمجنونة، أو صغيرة يجامَع مثلها، حُدَّ الرجل خاصة، وهذا بالإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الشافعية (٦)، والحنابلة في وجه عندهم (٧). • مستند الإجماع: استدل من أوجب الحد على الزاني بأنه حر مكلف حصل منه الوطء في قبل محرَّم، مع تغييب الحشفة، وتحصَّل منه المقصود من حصول الشهوة، فلم يؤثر فيه نقص صاحبه (٨). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا حد على من وطئ الصغيرة التي لا يوطأ مثلها, ولو كان الزاني بالغًا عاقلًا.

стр. 6130

وهو قول المالكية (١)، والحنابلة (٢). • دليل المخالف: استدل المخالف بأن الصغيرة لا يشتهى مثلها، فأشبه ما لو أدخل إصبعه في فرجها (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها عن المالكية والحنابلة. ومن حكى الإجماع في المسألة فإنما أراد الإجماع المذهبي عند الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [٧٨/ ٢] من كان يُجن مرة ويفيق أخرى، وزنى حال إفاقته، فإنه يقام عليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان من حال الشخص أنه يُجن أحيانًا ويفيق أحيانًا، فثبت أنه فعل الزنا حال إفاقته، إما بأن أقر حين إفاقته بأنه فعل ذلك حين أفاق، أو ثبت ذلك عليه ببينة الشهود، ففي هذه الحال يُقام عليه الحد. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إن كان يجن مرة ويفيق أخرى فأقر في إفاقته أنه زنى وهو مفيق أو قامت عليه بينة أنه زنى في إفاقته فعليه الحد، لا نعلم في هذا خلافًا" (٤). وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٥). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "فإن كان يفيق في وقت فأقر فيه أنه زنى وهو يفيق فعليه الحد بغير خلاف نعلمه" (٦) ونقله عنه البهوتي (٧).
следующие страницы →