← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

• من نقل الإجماع: قال المهلب بن أبي صفرة (٤٣٥ هـ) (١): "أجمع العلماء أن المجنون إذا أصاب الحد في حال جنونه أنه لا يجب عليه حد"، نقله عنه ابن بطال (٢). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) في معرض استدلاله بسؤال النبي ﷺ لماعز ﵁ هل به جنون حين أقر بالزنا: "وهذا إجماع أن المجنون المعتوه لا حد عليه والقلم عنه مرفوع" (٣). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ) في الاستدلال بذلك: "أن إقرار المجنون في حال جنونه لا يلزم، وأن الحدود عنه حينئذٍ ساقطة، وهو مما أجمع عليه العلماء" (٤). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد ولا حد عليها" (٥). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "وإن زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة يجامع مثلها حد الرجل خاصة وهذا بالإجماع" (٦). وقال النووي في الاستدلال بذلك: "إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجب عليه، وهذا كله مجمع عليه" (٧). وقال ابن عرفة (٨٠٣ هـ) في شروط إيجاب الحد على الزاني: "تكليفُ الزاني: إجماعًا" (٨). وقال ابن حجر: "قوله: باب لا يرجم المجنون والمجنونة: أي: إذا وقع في الزنا في حال الجنون وهو إجماع" (٩).

стр. 6127

وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): " (إذا زنى البالغ العاقل بصبية أو مجنونة حيث يجب الحد على الرجل) أي دون المرأة، وهذا بالإجماع" (١). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "وإن زنى مكلف بمجنونة أو صغيرة يجامَع مثلها حُدَّ المكلِّف خاصة بالإجماع" (٢). وقال جمال الدين الزيلعي (٧٠٢ هـ): "إذا زنى صحيح بمجنونة، أو صغيرة يجامَع مثلها، حُدَّ الرجل خاصة، وهذا بالإجماع" (٣). ويمكن أن يضاف إليه النقولات في تقرير الإجماع على أن العقل شرط في وجوب إقامة الحد، ومنها: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يقام عليه -أي المجنون - في حال عقله كل حد كان منه في حال جنونه، بلا خلاف من الأمة" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد، وصحة الإقرار" (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن المجنون مرفوع عنه التكليف فلا يؤاخذ بفعله. الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال: (ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال

стр. 6128

رسول اللَّه ﷺ : (ويحك، ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : (فيم أطهرك)؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول اللَّه ﷺ : (أبه جنون)؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشرب خمرًا)؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال فقال رسول اللَّه ﷺ : (أزنيت)؟ فقال: نعم، فأمر به فرجم (١). • وجه الدلالة: أن سؤال النبي ﷺ له عن عقله كان من أجل التحقق من حاله أهو ممن يؤاخذ بالحد أم لا. الدليل الثاني: أنه إذا سقط عنه التكليف في العبادات والمآثم في المعاصي فلأن يسقط الحد ومبناه على الدرء والإسقاط أولى (٢). الدليل الثالث: لأن الحد عقوبة محضة فتستدعي جناية محضة وفعل الصبي لا يوصف بالجناية فلا حد عليه لعدم الجناية منه (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم وجود المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٧٧/ ٢] لو زنى عاقل بمجنونة أو بصغيرة فإنه يجب الحد على الزاني دون المزني بها . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص عاقل بالغ ما يوجب حد الزنا، وكانت المرأة التي وقع عليها الزنا صغيرة أو مجنونة، فإن الحد هنا يجب على الرجل، أما المرأة فلا حد عليها. وينبَّه إلى أن عكس المسألة وهي إن كانت المرأة بالغة عاقلة والرجل صغير أو مجنون، فذلك غير مراد.

стр. 6129

• من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد ولا حد عليها" (١). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "وإن زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة يجامع مثلها حد الرجل خاصة وهذا بالإجماع" (٢). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): " (إذا زنى البالغ العاقل بصبية أو مجنونة حيث يجب الحد على الرجل) أي دون المرأة، وهذا بالإجماع" (٣). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "وإن زنى مكلف بمجنونة أو صغيرة يجامَع مثلها حُدَّ المكلِّف خاصة بالإجماع" (٤). وقال الزيلعي (٧٠٢ هـ): "إذا زنى صحيح بمجنونة، أو صغيرة يجامَع مثلها، حُدَّ الرجل خاصة، وهذا بالإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الشافعية (٦)، والحنابلة في وجه عندهم (٧). • مستند الإجماع: استدل من أوجب الحد على الزاني بأنه حر مكلف حصل منه الوطء في قبل محرَّم، مع تغييب الحشفة، وتحصَّل منه المقصود من حصول الشهوة، فلم يؤثر فيه نقص صاحبه (٨). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا حد على من وطئ الصغيرة التي لا يوطأ مثلها, ولو كان الزاني بالغًا عاقلًا.

стр. 6130

وهو قول المالكية (١)، والحنابلة (٢). • دليل المخالف: استدل المخالف بأن الصغيرة لا يشتهى مثلها، فأشبه ما لو أدخل إصبعه في فرجها (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها عن المالكية والحنابلة. ومن حكى الإجماع في المسألة فإنما أراد الإجماع المذهبي عند الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [٧٨/ ٢] من كان يُجن مرة ويفيق أخرى، وزنى حال إفاقته، فإنه يقام عليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان من حال الشخص أنه يُجن أحيانًا ويفيق أحيانًا، فثبت أنه فعل الزنا حال إفاقته، إما بأن أقر حين إفاقته بأنه فعل ذلك حين أفاق، أو ثبت ذلك عليه ببينة الشهود، ففي هذه الحال يُقام عليه الحد. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إن كان يجن مرة ويفيق أخرى فأقر في إفاقته أنه زنى وهو مفيق أو قامت عليه بينة أنه زنى في إفاقته فعليه الحد، لا نعلم في هذا خلافًا" (٤). وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٥). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "فإن كان يفيق في وقت فأقر فيه أنه زنى وهو يفيق فعليه الحد بغير خلاف نعلمه" (٦) ونقله عنه البهوتي (٧).

стр. 6131

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الزنا الموجب للحد وجد منه في حال تكليفه، وإفاقته (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٧٩/ ٢] المُسْتَكرَهة على الزنا لا حد عليها . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكانت المرأة الموطوءة مُكرهة غير مطاوعة، وأثبتت ذلك ببينة أو شهود، فإنه لا يقام عليها الحد. ويُنبَّه هنا إلى أمرين: الأول: أن المرأة إن ادعت أنها مُكرَهة ولم تُقم البيِّنة على ذلك فذلك غير مراد (٥). الثاني: المراد هنا المرأة المُكرَهة، أما إكراه الرجل فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال الترمذي (٢٧٩ هـ): "العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن ليس على المستكَرَهة حد" (٦). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "العلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكَرَهة" (٧). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "ولا نعلم خلافًا بين العلماء أن المستكرهة لا حد عليها" (٨).

стр. 6132

وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "لا خلاف بين أهل الإسلام أن المستكرهة لا حد عليها" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا يجب الحد على مكرهة على الزنا في قول عامة أهل العلم روي ذلك عن عمر، والزهري، وقتادة، والثوري (٣)، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا" (٤)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٥). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "العلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة" (٦). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ) بعد أن ذكر حكم الرجل إذا أكره على الزنا والخلاف في وجوب الحد عليه من عدمه قال: "بخلاف إكراه المرأة على الزنا فإنه بالتمكين وليس مع التمكين دليل الطواعية فلا تحد إجماعًا" (٧). وقال الخرشي (١١٠١ هـ): "المكرهة على الوطء لا حد عليها اتفاقًا" (٨). وقال الزرقاني (١١٢٢ هـ): "ولا خلاف أنه لا حد عليها ولا عقوبة" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الشافعية (١٠) والظاهرية (١١).

стр. 6133

• مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى عذر المُكره في الكفر، لمن باب أولى أن يكون معذورًا فيما يتعلق بالزنا الذي هو أخف من الكفر (٢). الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). • وجه الدلالة: في الآية دلالة على أنه لا إثم على المكَرَهة على الزنا فيلزم أن لا يجب عليها الحد (٤). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٥). • وجه الدلالة: الحديث نص في عدم معاقبة المخطئ والناسي، والمُكرَه، وعدم لحوق الإثم بهم (٦). الدليل الرابع: أن النبي ﷺ أُتي بامرأة أكْرهت على الزنا، فلم يُقم عليها الحد (٧). • وجه الدلالة: أنه ﷺ أسقط العقوبة عن المرأة المكرهة على الزنا.

стр. 6134

الدليل الخامس: أنه فعل عمر ﵁ حيث أنه لم يكن يقيم الحد على المكرهة (١). الدليل السادس: أن الإكراه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٨٠/ ٢] من زنى بامرأة كرها فعليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا اغتصب رجلٌ امرأة وأكرهها على الزنا، فإنه يجب إقامة الحد عليه، ولو سقط الحد عنها. فإن كان هو أيضًا مُكره على اغتصاب المرأة فذلك غير مراد (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قد أجمع العلماء على أن على المستكرِه المغتصِب عليه الحد إن شهدت البينة عليه بما يوجب الحد، أو أقر بذلك" (٤). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "إذا أَكره رجل امرأة على الزنا وثبت الإكراه أُقيم الحد على الرجل: الدليل على التفرقة بينهما: أنا لو تيقنا بالإكراه، يقام الحد على الرجل بالإجماع" (٥). وقال الزرقاني (١١٢٢ هـ): "أجمعوا على

стр. 6135

أن المُغتصِب المُستكرِه عليه الحد إن شهدت البينة عليه بما يوجبه أو أقر" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن النبي ﷺ أُتي بامرأة أكْرهت: على الزنا، فأقام الحد على الزاني، ولم يُقمه على المزني بها (٥). الدليل الثاني: أنه فعل عمر ﵁ (٦). الدليل الثالث: أن الأصل إقامة الحد على الزاني، وليس ثمة ما يمنع إقامة الحد عليه، وسقوط الحد عن المرأة لا أثر له في سقوطه عنه، ولذا قال محمد بن الحسن الشيباني "الحد متى لم يجب على المرأة أو تعذر استيفاءه، لا يمنع وجوب الحد على الرجل بالإجماع" (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم، لعدم المخالف؛ واللَّه تعالى أعلم. [٨١/ ٢٢] إذا أقر الرجل بالزنا، وادعت المرأة الإكراه، فيقام الحد على الرجل . • المراد بالمسألة: إذا أقر شخص بأنه ارتكب ما يوجب حد الزنا، وادَّعت المرأة المزني بها أنها كانت مُكرهة على الزنا، فإن على الإمام إقامة الحد على الزاني بموجب إقراره، وسقوط الحد على المرأة بدعوى الإكراه لا يؤثر في إيجاب الحد على الرجل.

стр. 6136

• من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو أقر الرجل بالزنا بفلانة فادعت المرأة الاستكراه -يحد الرجل بالاتفاق" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى الأدلة في المسألة السابقة الموجبة لإقامة الحد على من استكره امرأة على الزنا، وذلك لأنه إذا وجب الحد على الرجل الذي استكره المرأة على الزنا فمن باب أولى ثبوته عليه إذا ادعت المرأة الإكراه. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٨٢/ ٢] العلم بحرمة الزنا شرط في وجوب الحد . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، فإن من شرط إقامة الحد عليه أن يكون عالمًا بالتحريم. ويُنبه إلى أن المراد علمه بتحريم الزنا، أما العلم بالعقوبة فذلك غير مراد (٦).

стр. 6137

• من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ولا حد على من لم يعلم بتحريم الزنا. . . وبهذا قال عامة أهل العلم" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال الكمال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "نُقل في اشتراط العلم بحرمة الزنا إجماع الفقهاء" (٣) ونقله عنه ابن أمير الحاج (٤) والزيلعي (٥) وابن نجيم (٦) وابن عابدين (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٨)، والشافعية (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الأسلمي إلى نبي اللَّه ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: (أنكتها؟ ) قال: نعم، قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ ) قال: نعم، قال: (كما يغيب المِرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ) قال: نعم، قال: (فهل تدري ما الزنا؟ ) قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا" (١١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ سأل ماعزًا ﵁ عن حكم الزنا، حتى قال: أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من أهله حلالًا، فدل على أن الحد لا يجب

стр. 6138

على جاهل بالتحريم وإلا لما كان لسؤاله ﷺ فائدة (١). الدليل الثاني: ما رُوي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ أنهما قالا: "ما الحد إلا على من علمه" (٢). الدليل الثالث: أن الجهل بالتحريم شبهة دارئة للحد، والحدود تدرأ بالشبهات (٣). الدليل الرابع: أنا الحكم في الشرعيات لا يثبت إلا بعد العلم (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٨٣/ ٢] من تزوج امرأة ذات محرَم وهو غير عالم بأنها من محارِمه، فإنه لا يُقام عليه الحد • المراد بالمسألة: إذا عقد شخص على امرأة من محارِمه التي يحرُم عليه نكاحها؛ كأمَّه، أو أخته، أو عمَّته، وهو لا يعلم بصلة القرابة تلك، وجامعها بموجب النكاح، فإنه لا يقام عليه الحد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) "من دخل بلدًا فتزوج امرأة لا يعرفها، فوجدها أُمَّه أو ابنته: فهذا يلحق فيه الولد، ولا يحد فيه حد بالإجماع" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧)،

стр. 6139

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عموم الأدلة في المسألة السابقة التي فيها أن شرط إقامة الحد العلم بالتحريم (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٨٤/ ٢] يشترط لإقامة حد الزنا بالشهادة عدم التقادم . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، ثم مضى على زناه أكثر من شهر، وبعد مضي الشهر شهد عليه الشهود بالزنا، فإنه لا يُقام عليه الحد بموجب الشهادة، لأن من شرط قبول الشهادة في الزنا ألَّا يكون الفعل قد تقادم، أي صار قديمًا بمدة تزيد على الشهر. ويتبين مما سبق أن الزنا لو ثبت بالإقرار بعد مضي الشهر فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "عدم التقادم: وأنه شرط في حد الزنا. . . لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: "أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته، فإنما شهدوا عن ضغن ولا شهادة لهم" (٤)، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فيكون إجماعًا" (٥). ويمكن أن يضاف إليها النقولات التي سبق ذكرها في مسألة: "يشترط لإقامة الحد بالشهادة عدم التقادم، باستثناء حد القذف" (٦). • مستند الإجماع: المسألة سبق بيان أدلتها، والمخالفين للمسألة، وأدلة

стр. 6140

المخالفين، في مسألة مستقلة بعنوان: "يشترط لإقامة الحد بالشهادة عدم التقادم، باستثناء حد القذف"، وإنما أضيفت المسألة هنا لنص الكاساني عليها فيما يخص حد الزنا. حاصل النتيجة: أن المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم، بل الخلاف فيها مشهور بين المذاهب الأربعة، وما حكاه الكاساني من الإجماع أراد به الإجماع السكوتي الظني، الذي طريقه حدوث الواقعة دون العلم بالمنكر، واللَّه تعالى أعلم. [٨٥/ ٢٦] من أقيم عليه حد الزنا، ثم تاب وأصلح، فإن شهادته مقبولة . • المراد بالمسألة: من ارتكب ما يوجب حد الزنا، ثم أقيم عليه الحد، كزانٍ غير محصن جُلد، ثم تاب وحسنت توبته، فإنه يكون عدلًا، تقبل شهادته إذا أراد الشهادة في أمر ديني أو دنيوي. ويتبيَّن أن المسألة هي فيمن أقيم عليه الحد، ثم تاب وأصلح. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "وأما المحدود في الزنا والسرقة والشرب فتقبل شهادته بالإجماع إذا تاب" (١). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "ليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: سبق بيان مستند الإجماع، والمخالف، ودليل المخالف، في المسائل العامة في الحدود تحت عنوان: "من أتى حدًا من الحدود فأقيم

стр. 6141

عليه، ثم تاب وأصلح، فإن شهادته مقبولة إلا القاذف" (١). وإنما ذكرت المسألة هنا لوجود من نص عليها في حد الزنا. وحاصل النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لوجود الخلاف في المسألة عن المالكية حيث يرون عدم جواز شهادته في الزنا، وكذا خالف الأوزاعي، والحسن بن حي حيث يريان عدم قبول شهادة المحدود بالزنا مطلقًا سواء شهد على الزنا أو على أمر آخر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6142

الفصل الثالث: مسائل الإجماع في إثبات حد الزنا [٨٦/ ٢] ثبوت حد الزنا بالشهادة . • المراد بالمسألة: المراد بهذه المسألة تقرير أن الشهادة طريق من طرق إثبات حد الزنا. • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): "ولم أعلم الناس اختلفوا في أن لا يقام الحد في الزنا بأقل من أربعة شهداء" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "فأجمع العلماء أن البينة في الزنا أربعة شهداء رجال عدول يشهدون بالصريح من الزنا لا بالكناية، وبالرؤية كذلك، والمعاينة" (٢). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٣): وهذا حكم ثابت بإجماع من الأمة" (٤). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن البيِّنة التي يثبت بها الزنا أن يشهد له أربعة عدول رجال ويصفون حقيقة الزنا" (٥). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أجمع العلماء على أن الزنا يثبت بالإقرار وبالشهادة" (٦). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور عدول" (٧). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ) في بيان بيِّنة الزنا: "أي شهادة أربعة

стр. 6143

شهود ذكور بالإجماع" (١). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): وأجمع العلماء أن بينة الزنا، لا يقبل فيها أقل من أربعة عدول ذكور" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٥). الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٦) الدليل الثالث: قول اللَّه تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ (٧). • وجه الدلالة: الآيات صريحة في إثبات حد الزنا بالشهادة. الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵁: أن هلال بن أمية (٨) قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء (٩) فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك)،

стр. 6144

فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك) (١). الدليل الخامس: عن سعد بن عبادة ﵁ (٢) أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : لو وجدتُ مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: (نعم) (٣). الدليل السادس: عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه تعالى، والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (٤). • وجه الدلالة من الأحاديث: أن المقصود بالبينة في الحديث هي الشهادة لإثبات الزنا (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6145

[٨٧/ ٢٨] يشترط في إقامة حد الزنا بموجب الشهادة أن لا يقل الشهود عن أربعة . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان ثبوت الزنا عند الحاكم ببيِّنة الشهادة، فإن من شرط قبول شهادتهم أن يكونوا أربعة شهود فأكثر. • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): "ولم أعلم الناس اختلفوا في أن لا يقام الحد في الزنا بأقل من أربعة شهداء" (١). وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن الشهادة على الزنا أربعة لا يقبل أقل منهم" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "فأجمع العلماء أن البينة في الزنا أربعة شهداء رجال عدول يشهدون بالصريح من الزنا لا بالكناية وبالرؤية كذلك والمعاينة" (٣). ابن حزم (٤٥٦ هـ): "فأما وجوب قبول أربعة في الزنا فبنص القرآن، ولا خلاف فيه" (٤). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٥) وهذا حكم ثابت بإجماع من الأمة" (٦). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "لا خلاف بين العلماء في أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة" (٧).

стр. 6146

وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن البيِّنة التي يثبت بها الزنا أن يشهد له أربعة عدول رجال ويصفون حقيقة الزنا" (١). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما ثبوت الزنا بالشهود فإن العلماء اتفقوا على أنه يثبت الزنا بالشهود" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمع المسلمون أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود" (٣). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "أجمع المسلمون أنه لا يُقبل في الزنا إلا أربعة" (٤). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور عدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا، ولا يقبل دون الأربعة" (٥). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) ضمن شروط شهود الزنا: "أن يكونوا أربعة، وهذا إجماع ليس فيه اختلاف بين أهل العلم" (٦). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "الحكم بأربعة رجال أحرار، وذلك في حد الزنا واللواط، أما الزنا فبالنص والإجماع" (٧) ونقله عنه ابن قاسم (٨). وقال شمس الدين الزركشي (٧٧٢ هـ): "إن ثبت الزنا بالبينة اعتبر أن يكون أربعة، وهذا إجماع في الجملة والحمد للَّه" (٩).

стр. 6147

وقال ابن فرحون (٧٩٩ هـ): "في الشهادة على إثبات الزنا، وهي على أربعة أوجه: الوجه الأول: الشهادة على رؤية الزنا عيانًا، فهذا الوجه هو المتفق على أنه لا بد فيه من أربعة شهود" (١). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "أن يشهد عليه -أي على فعله- أربعة إجماعًا" (٢). وقال المرداوي (٨٨٥ هـ): "فلا يقبل فيه إلا شهادة أربعة رجال أحرار بلا نزاع" (٣). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ) في شرحه لحديث عمر ﵁ وفيه: (والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف) (٤): " (إذا قامت البينة) أي شهادة أربعة شهود ذكور بالإجماع" (٥). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "وأجمع العلماء أن بينة الزنا، لا يقبل فيها أقل من أربعة عدول ذكور" (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٧). الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ

стр. 6148

فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (١) الدليل الثالث: قول اللَّه تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ (٢). • وجه الدلالة: في الآيات الثلاث نص على اشتراط أربعة شهود في الزنا. الدليل الرابع: عن سعد بن عبادة ﵁ أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : لو وجدتُ مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: (نعم) (٣). • وجه الدلالة: أن جواب النبي ﷺ لسعد بن عبادة ﵁ يدل على اشتراط العدد في إثبات الزنا. الدليل الخامس: أن الزنا من أغلظ الفواحش فغلظت الشهادة فيه ليكون أستر (٤). الدليل السادس: أن الزنا لا يكون إلا من اثنين فصارت الشهادة عليه كالشهادة على فعلين (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٨٨/ ٢٩] يشترط في إقامة حد الزنا بموجب الشهادة أن يكون الشهود رجالًا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وثبت عليه الحد بموجب شهادة الشهود، فإن من شرط الشهود أن يكونوا رجالًا، ولا تقبل فيه شهادة النساء. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "فأجمع العلماء أن البينة في الزنا أربعة شهداء رجال عدول يشهدون بالصريح من الزنا لا بالكناية وبالرؤية

стр. 6149

كذلك والمعاينة" (١). وقال السمرقندي (٤٥٠ هـ): "ولا تقبل فيها (٢) شهادة النساء مع الرجال بلا خلاف" (٣). وقال البيهقي (٤٥٨ هـ): "لم أعلم أحدًا من أهل العلم خالف في أن لا يجوز في الزنا إلا الرجال" (٤). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٥): "قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ المراد به ها هنا الذكور دون الإناث؛ لأنه سبحانه ذكر أولًا ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿مِنْكُمْ﴾ فاقتضى ذلك أن يكون الشاهد غير المشهود عليه، ولا خلاف في ذلك بين الأمة" (٦). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن البيِّنة التي يثبت بها الزنا أن يشهد له أربعة عدول رجال ويصفون حقيقة الزنا" (٧). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "فإن المسلمين اتفقوا على أنه لا يثبت الزنا بأقل من أربعة عدول ذكور" (٨)، ونقله عنه ابن قاسم (٩). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أن يكونوا رجالًا كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال ولا نعلم فيه خلافًا. . . ولا خلاف في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء أنه لا يكتفى بهم" (١٠)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (١١).

стр. 6150

وقال القرطبي (٦٧١ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١): "ولا بد أن يكون الشهود ذكورًا؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ ولا خلاف فيه بين الأمة" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور عدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا، ولا يقبل دون الأربعة" (٣). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "الحكم بأربعة رجال أحرار، وذلك في حد الزنا واللواط، أما الزنا فبالنص والإجماع" (٤) ونقله عنه ابن قاسم (٥). وقال المرداوي (٨٨٥ هـ): "فلا يقبل فيه إلا شهادة أربعة رجال أحرار بلا نزاع" (٦). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ) في بيان بيِّنة الشهود في الزنا: "أي شهادة أربعة شهود ذكور بالإجماع" (٧). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "وأجمع العلماء أن بينة الزنا، لا يقبل فيها أقل من أربعة عدول ذكور" (٨). ويمكن أن يضاف إليها النقولات التي ذكرت في منع قبول شهادة النساء في الحدود (٩). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١٠). • وجه الدلالة: أنه سبحانه ذكر أولًا ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ فجعل المشهود عليه من الإناث، ثم قال: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي من الرجال، لأن الآية تقتضي أن يكون

стр. 6151

الشاهد غير المشهود عليه (١). الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكر أن المرأة عرضة للنسيان والضلال في أداء الشهادة، وهذا فيه شبهة تدرأ به الحد (٣). ويضاف إلى ذلك الأدلة التي سبقت في منع قبول شهادة النساء في الحدود (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز شهادة النساء في حد الزنا، والمرأتان تقومان مقام الرجل، وهو مروي عن عطاء، وحماد. وإليه ذهب ابن حزم فقال: "ولا يقبل في سائر الحقوق كلها من الحدود، والدماء، وما فيه القصاص، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والأموال، إلا رجلان مسلمان عدلان، أو رجلان وامرأتان كذلك، أو أربع نسوة كذلك" (٥). • دليل المخالف: الدليل الأول: القياس على الأموال، فكما تُقبل شهادة النساء في الأموال، فكذا الحدود (٦) الدليل الثاني: أن الأصل استواء الرجال والنساء في الأحكام، ولا يوجد نص صريح صحيح يخرج النساء عن قبول شهادتهن في الحدود.

стр. 6152

النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لخلاف عطاء وشريح وحماد وابن حزم، ولذا حين ذكر ابن رشد المسألة قال: "فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود لا مع رجل ولا مفردات" (١)، فنسبه للجمهور، ولم يذكره إجماعًا. وكذا قال ابن قدامة في بعض المواضع: "وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالًا" (٢). ولعلَّ من حكى الإجماع في المسألة لم يعتبر قول المخالف، وجعله من قبيل الشاذ، كما وصفه ابن قدامة بقوله في صفة شهود الزنا: "أن يكونوا رجالًا كلهم، ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال، ولا نعلم فيه خلافًا، إلا شيئا يروى عن عطاء، وحماد، أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان، وهو شذوذ لا يعول عليها" (٣). [٨٩/ ٢] يشترط في إقامة حد الزنا بموجب الشهادة أن يكون الشهود عدولًا . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العدالة لغة واصطلاحًا: العدالة في اللغة: يطلق العدل في اللغة على معنيين: الأول: الحق، ومنه الاستقامة والتوسط في الأمور، وهو ضد الجور، ومنه: تعديل الشيء تقويمه، يقال عدلته فاعتدل، أي قومته فاستقام، وهو التوسط بين أمرين، قال الجرجاني: "العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط" (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٥) أي عدولًا، كما بينه أهل التفسير (٦). ويقال عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومَعْدِلَتَه -بكسر

стр. 6153

الدال وفتحها، وفلان من أهل المَعْدَلَة -بفتح الدال-، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة. الثاني: المِثل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (١). ولفظ "عدل" لا يُثنى ولا يجمع ولا يؤنث، يقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعًا، أو مثنى أو مؤنثًا، فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذي ليس بمصدر (٢). العدالة اصطلاحًا: العدالة في الاصطلاح الشرعي عند الفقهاء هي: "الصلاح في الدين واستعمال المروءة"، وحاصل هذا التعريف يتلخص في أمور ثلاثة: الأول: اجتناب الكبائر. الثاني: عدم الإصرار على الصغائر. الثالث: البعد عن كل ما يخل بالمروءة. وقد بيَّن هذه الأمور الثلاثة العز بن عبد السلام وذَكر أن ما زاد على هذه الصفات الثلاث فهو من الزيادات المستحبة، ولكنها ليست شرطًا في العدالة (٣). ونص عليها أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "أما تفسير العدالة المشروطة في هؤلاء الشهداء: فإنها الصلاح في الدين والمروءة.

стр. 6154

والصلاح في أداء الواجبات وترك الكبيرة والإصرار على الصغيرة. والصلاح في المروءة استعمال ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه. فإذا وجد هذا في شخص كان عدلًا في شهادته" (١) وقال الشافعي: "وليس للعدل علامة تفرق بينه وبين غير العدل في بدنه ولا لفظه وإنما علامة صدقه بما يختبر من حاله في نفسه، فإذا كان الأغلب من أمره ظاهر الخير قُبل، وإن كان فيه تقصير عن بعض أمره، لأنه لا يعرى أحد رأينا من الذنوب" (٢). وقال الماوردي: "العدالة: أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفًا عن المحارم، متوقيًا للمآثم، بعيدًا عن الريب، مأمونًا في الرضا والغضب، مستعملًا لمروءة مثله في دينه" (٣). وليس المقصود من العدل أن يكون بريئًا من كل ذنب، وإنما المراد أن يكون الغالب عليه التدين، والتحري في فعل الطاعات، ولذا فقد ذكر الشافعي أنه لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلًا، ولو كان كل مذنب عدلًا لم نجد مجروحًا، ولكن العبرة بالأغلب، فقال: "لا نعلم أحدًا أعطي طاعة اللَّه تعالى حتى لم يخلطها بمعصية، إلا يحيى بن زكريا، ولا عصى اللَّه فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة، فهو المُعدَّل، وإذا كان الأغلب المعصية، فهو المجرَّح" (٤).

стр. 6155

• ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وثبت ذلك عند الحاكم بموجب الشهادة عليه، فإن من شرط قبول الشهادة أن يكون الشهود كلهم عدول. بذلك يتبيَّن أن المراد اشتراط العدالة في الشهادة بحد الزنا، ويُلحق به غيره من الحدود، أما ما سوى ذلك مما يتعلق بالأموال، أو النكاح، أو رؤية الهلال، ونحو ذلك فهو غير مراد. • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): "الإجماع يدل على أنه لا تجوز إلا شهادة عدل حر بالغ عاقل لما يشهد عليه" (١). وقال مسلم بن الحجاج (٢٦١ هـ) (٢): "خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم" (٣). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء على رد شهادة الفاسق" (٤). وقال الماوردي (٤٥٠ هـ): "لا خلاف في رد شهادة الفاسق" (٥). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أما العدالة: فإن المسلمين اتفقوا على اشتراطها في قبول شهادة الشاهد" (٦).

стр. 6156

وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وقد أجمعوا في الشهادة في الزنا وغيره أنه لا يجوز في ذلك كله إلا العدول" (١). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن البيِّنة التي يثبت بها الزنا أن يشهد له أربعة عدول رجال ويصفون حقيقة الزنا" (٢). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "فإن المسلمين اتفقوا على أنه لا يثبت الزنا بأقل من أربعة عدول ذكور" (٣)، ونقله عنه ابن قاسم (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الشرط الرابع: العدالة ولا خلاف في اشتراطها" (٥)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٦). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "أن يكونوا عدولًا، ولا خلاف في اشتراطها" (٧). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز" (٨).

стр. 6157

وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور عدول" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "شهادة الفاسق مردودة بنص القرآن واتفاق المسلمين. وقد يجيز بعضهم الأمثل فالأمثل من الفساق عند الضرورة، إذا لم يوجد عدول ونحو ذلك، وأما قبول شهادة الفاسق فهذه لم يقلها أحد من المسلمين" (٢). وقال الخازن (٧٤١ هـ): "إجماع الأمة على أن شهادة الفاسق لا تجوز" (٣). وقال الزركشي الشافعي (٧٩٤ هـ) في معرض كلامه على شهادة الفاسق: "لا خلاف في رده" (٤). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) في شروط الشهود: "عدول: ولا خلاف في اشتراطها" (٥). وقال العبدري (٨٩٧ هـ): "شهادة الفاسق مردودة اتفاقًا" (٦). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "لا خلاف بين العلماء في رد شهادة الفاسق وعدم قبول خبره" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٨)،

стр. 6158

والظاهرية (١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر في أصحاب الشهادة أن يكونوا عدولًا، والفاسق غير عدل، فلا تقبل شهادته (٣). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر باختيار من نرتضيه من الشهداء، والفاسق غير مرضي لاحتمال الكذب في خبره (٥). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالتوقف والتبيين عند نبأ الفاسق، والشهادة نبأ، فيجب التوقف في قبولها (٧). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ مناديًا في السوق أنه لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، قيل: وما الظنين؟ قال: المتهم في

стр. 6159

دينه" (١). • وجه الدلالة: دل الحديث على عدم قبول شهادة من به تهمة، والفاسق متهم في خبره بين الصدق والكذب؛ لانتفاء العدالة عنه. الدليل الخامس: أنه مأثور عن عمر ﵁ حيث قال: "لا يؤسر رجل بغير العدول" (٢). والمراد أنه لا يُحبس رجُل في حكم الإسلام بغير شهادة العدول (٣). الدليل السادس: أن اللَّه شرط العدالة في سائر الشهادات كالبيوع، والرجعة، فالشهادة على الزنا أعظم وتحتاج إلى مزيد احتياط، فكان اشتراط الشهادة لها من باب أولى (٤). الدليل السابع: أن الفاسق متهم بالكذب في شهادته، فإن كثرة ارتكابه للمحرَّمات تدل على قلة الخوف منه تعالى، فيحتمل منه الشهادة بالزور، وهذا من الشبهات التي تدرأ بها الحدود (٥). • المخالف للإجماع: ثمة قول بأن الفاسق لا تقبل شهادته إلا إن كان صاحب وجاهة ومروءة، فحينئذ تقبل شهادته (٦). وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٧) (٨).

стр. 6160

• دليل المخالف: علل أبو يوسف لقوله بأن صاحب المروءة لا يجرؤ أحدٌ على أن يستأجره في الشهادة؛ لوجاهته، ويمتنع عن الكذب لمروءته، فالتهمة في حقه بعيدة (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لشذوذ الخلاف في المسألة، فإنه لم يخالف في ذلك إلا أبو يوسف في الفاسق الذي له وجاهة، وهو قول ليس عليه مستند، ولذا أجاب عنه فقهاء الحنفية أنفسهم، وذكروا بأن ما علل به أبو يوسف هو تعليل فاسد الاعتبار لا يصح؛ لأنه في مقابلة النص (٢). [٩٠/ ٢] لا يكتفى بظاهر العدالة في الشهود • المراد بالمسألة: المراد بظاهر العدالة هو المسلم الذي ظاهره عدل وليس بفاسق، لكن لا تعرف عدالة باطنه (٣)، فظاهره العدالة، أما عدالة باطنه فلم تظهر بمعرفةٍ سابقة، أو تزكية، أو نحو ذلك، قال النووي: "والمستور من عرفت عدالته ظاهرًا لا باطنًا" (٤). ويتبيَّن أن المراد في المسألة هو فيما يتعلق بحد الزنا، أما ما سوى ذلك مما يتعلق بالأموال، أو النكاح، أو رؤية الهلال، ونحو ذلك فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال السمرقندي (٥٣٩ هـ): "ولا يجوز القضاء بظاهر العدالة بالاتفاق" (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمعوا على أنه يشترط كونهم عدولًا ظاهرًا وباطنًا" (٦) ونقله عنه الزركشي (٧). وبمثله قال شمس الدين ابن

стр. 6161

قدامة (٦٨٢ هـ) (١). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "ولا نعلم خلافًا في أنه لا تقبل فيه إلا شهادة العدول ظاهرا وباطنًا" (٢). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "ولم يُكتف بظاهر العدالة اتفاقًا" (٣). وقال ابن عابدين (١٢٥٣ هـ): "ولم يُكتف بظاهر العدالة اتفاقًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (٧). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (٨). • وجه الدلالة: الحديثان دليلان على درء الحدود بالشبهات، فلا بد في الشهاد من معرفة عدالته على سبيل اليقين من باب الاحتياط، وكونه غير معلوم العدالة شبهة تدرأ بها الحدود (٩). الدليل الثاني: أن من ظاهره العدالة فيجوز أن يكون فاسقًا، والفاسق لا تقبل شهادته (١٠).

стр. 6162

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩١/ ٢] يشترط في إقامة حد الزنا بموجب الشهادة أن يكون الشهود أحرارًا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وثبت ذلك عند الحاكم بموجب الشهادة، فإنه يشترط لقبول الشهادة أن يكون الشهود كلهم أحرار، ولا تُقبل شهادة المملوكين الأرقاء في الزنا. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في شروط شهود الزنا: "الشرط الثالث: الحرية، فلا تقبل شهادة العبيد، ولا نعلم في ذلك خلافًا، إلا رواية حكيت عن أحمد وهو قول أبي ثور" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). ويضاف إليها النقولات السابقة في الإجماع على اشتراط الحرية في قبول الشهادة في الحدود (٣). مستند الإجماع، والمخالف، ودليل المخالف: سبق بيان مستند الإجماع، ومن خالف، وأدلتهم، ونتيجة المسألة، وذلك في المسائل العامة في الحدود، في المسألة تحت عنوان: "لا تقبل شهادة العبد في الحدود". وإنما أضيف في هذه المسألة نصوص أهل العلم ممن نص على الإجماع على اشتراط الحرية للشهادة في الزنا. • والحاصل أن نتيجة المسألة هي: عدم صحة الإجماع؛ لثبوت الخلاف عن الحنابلة، والظاهرية، وبعض التابعين، بل حُكي إجماع الصحابة ﵃ على قبول شهادة العبد، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6163

[٩٢/ ٢] يشترط في إقامة حد الزنا بموجب الشهادة أن يصف الشهود حقيقة الزنا برؤية ذكره في قبلها . • المراد بالمسألة: إذا شهد شهود على شخص بما يوجب حد الزنا، فإن من شرط قبول شهادتهم أن يصفوا الزنا بأنهم رأو ذكره دخل في قبلها، حتى غابت الحشفة. ويتبيَّن مما سبق أن غير ذلك من الأوصاف كالمكان، أو الزمان، أو تحديد عين الزاني، أو الزانية، وغير ذلك، فكل ذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يختلف اثنان من الأمة في أن شهادتهم التي يكلفونها هي أن يشهدوا بأنهم رأوا فرجه في فرجها والجًا خارجًا، والإجماع قد صح بأن ما عدا هذه الشهادة ليست شهادة بزنا ولا يبرأ بها القاذف من الحد" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الأسلمي إلى نبي اللَّه ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك

стр. 6164

يعرض عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: (أنكتها؟ ) قال: نعم، قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ ) قال: نعم، قال: (كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ) قال: نعم، قال: (فهل تدري ما الزنا؟ ) قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استفسر من ماعز عن حقيقة الزنا، وأنه قد غاب منه في فرجها كما يغيب المرود في المكحلة. الدليل الثاني: يحتمل أن يكون المشهود به لا يوجب حد الزنا، فوجب على الحاكم أن يستفسر عن حقيقة الزنا (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩٣/ ٢] الشهادة في الحال تسمع على حد الزنا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وثبت عليه ذلك بموجب شهادة الشهود، وكانت شهادتهم قد أُديت بعد الجريمة بمدة أقل من شهر، فإنه على الإمام أن يسمع شهادتهم، ويقبلها، إذا توفرت سائر الشروط. ويتبيَّن من ذلك أنه إن تقادمت الشهادة بأن أدُّوها بعد شهر أو أكثر من وقت الجريمة فذلك غير مراد (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الشهادة في الحال تسمع على القذف والزنا وشرب الخمر" (٤).

стр. 6165

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الأصل في الشهادة قبولها حتى يرد الدليل على المنع، فإن أُديت الشهادة بعد وقوع الجريمة بزمن قليل فالأصل قبولها حتى يرد الدليل على المنع، وليس ثمة دليل يمنع من ذلك. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩٤/ ٣٥] إذا شهد اثنان أنه زنا بها مكرهة وشهد أثنان أنه زنى بها مطاوعة فلا حد على واحد منهما . • المراد بالمسألة: إذا شهد أربعة على امرأة بما يوجب حد الزنا، فادعت المرأة الإكراه، وكان اثنان منهما شهدا أنها كانت مطاوعة على فعل الزنا، وشهد الآخران بأنها كانت مُكرهة على ذلك، فإنه لا يُقام حد الزنا على الرجل، ولا على المرأة. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو شهد أربعة بالزنا بامرأة، فشهد اثنان أنه استكرهها، واثنان أنها طاوعته، لا حد على المرأة بالإجماع" (٤). وقال ابن هبيرة (٦٥٠ هـ): "اتفقوا على أنه إذا شهد نفسان أنه زنا
следующие страницы →