← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

قدامة (٦٨٢ هـ) (١). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "ولا نعلم خلافًا في أنه لا تقبل فيه إلا شهادة العدول ظاهرا وباطنًا" (٢). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "ولم يُكتف بظاهر العدالة اتفاقًا" (٣). وقال ابن عابدين (١٢٥٣ هـ): "ولم يُكتف بظاهر العدالة اتفاقًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (٧). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (٨). • وجه الدلالة: الحديثان دليلان على درء الحدود بالشبهات، فلا بد في الشهاد من معرفة عدالته على سبيل اليقين من باب الاحتياط، وكونه غير معلوم العدالة شبهة تدرأ بها الحدود (٩). الدليل الثاني: أن من ظاهره العدالة فيجوز أن يكون فاسقًا، والفاسق لا تقبل شهادته (١٠).

стр. 6162

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩١/ ٢] يشترط في إقامة حد الزنا بموجب الشهادة أن يكون الشهود أحرارًا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وثبت ذلك عند الحاكم بموجب الشهادة، فإنه يشترط لقبول الشهادة أن يكون الشهود كلهم أحرار، ولا تُقبل شهادة المملوكين الأرقاء في الزنا. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في شروط شهود الزنا: "الشرط الثالث: الحرية، فلا تقبل شهادة العبيد، ولا نعلم في ذلك خلافًا، إلا رواية حكيت عن أحمد وهو قول أبي ثور" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). ويضاف إليها النقولات السابقة في الإجماع على اشتراط الحرية في قبول الشهادة في الحدود (٣). مستند الإجماع، والمخالف، ودليل المخالف: سبق بيان مستند الإجماع، ومن خالف، وأدلتهم، ونتيجة المسألة، وذلك في المسائل العامة في الحدود، في المسألة تحت عنوان: "لا تقبل شهادة العبد في الحدود". وإنما أضيف في هذه المسألة نصوص أهل العلم ممن نص على الإجماع على اشتراط الحرية للشهادة في الزنا. • والحاصل أن نتيجة المسألة هي: عدم صحة الإجماع؛ لثبوت الخلاف عن الحنابلة، والظاهرية، وبعض التابعين، بل حُكي إجماع الصحابة ﵃ على قبول شهادة العبد، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6163

[٩٢/ ٢] يشترط في إقامة حد الزنا بموجب الشهادة أن يصف الشهود حقيقة الزنا برؤية ذكره في قبلها . • المراد بالمسألة: إذا شهد شهود على شخص بما يوجب حد الزنا، فإن من شرط قبول شهادتهم أن يصفوا الزنا بأنهم رأو ذكره دخل في قبلها، حتى غابت الحشفة. ويتبيَّن مما سبق أن غير ذلك من الأوصاف كالمكان، أو الزمان، أو تحديد عين الزاني، أو الزانية، وغير ذلك، فكل ذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يختلف اثنان من الأمة في أن شهادتهم التي يكلفونها هي أن يشهدوا بأنهم رأوا فرجه في فرجها والجًا خارجًا، والإجماع قد صح بأن ما عدا هذه الشهادة ليست شهادة بزنا ولا يبرأ بها القاذف من الحد" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الأسلمي إلى نبي اللَّه ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك

стр. 6164

يعرض عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: (أنكتها؟ ) قال: نعم، قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ ) قال: نعم، قال: (كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ) قال: نعم، قال: (فهل تدري ما الزنا؟ ) قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استفسر من ماعز عن حقيقة الزنا، وأنه قد غاب منه في فرجها كما يغيب المرود في المكحلة. الدليل الثاني: يحتمل أن يكون المشهود به لا يوجب حد الزنا، فوجب على الحاكم أن يستفسر عن حقيقة الزنا (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩٣/ ٢] الشهادة في الحال تسمع على حد الزنا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وثبت عليه ذلك بموجب شهادة الشهود، وكانت شهادتهم قد أُديت بعد الجريمة بمدة أقل من شهر، فإنه على الإمام أن يسمع شهادتهم، ويقبلها، إذا توفرت سائر الشروط. ويتبيَّن من ذلك أنه إن تقادمت الشهادة بأن أدُّوها بعد شهر أو أكثر من وقت الجريمة فذلك غير مراد (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الشهادة في الحال تسمع على القذف والزنا وشرب الخمر" (٤).

стр. 6165

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الأصل في الشهادة قبولها حتى يرد الدليل على المنع، فإن أُديت الشهادة بعد وقوع الجريمة بزمن قليل فالأصل قبولها حتى يرد الدليل على المنع، وليس ثمة دليل يمنع من ذلك. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩٤/ ٣٥] إذا شهد اثنان أنه زنا بها مكرهة وشهد أثنان أنه زنى بها مطاوعة فلا حد على واحد منهما . • المراد بالمسألة: إذا شهد أربعة على امرأة بما يوجب حد الزنا، فادعت المرأة الإكراه، وكان اثنان منهما شهدا أنها كانت مطاوعة على فعل الزنا، وشهد الآخران بأنها كانت مُكرهة على ذلك، فإنه لا يُقام حد الزنا على الرجل، ولا على المرأة. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو شهد أربعة بالزنا بامرأة، فشهد اثنان أنه استكرهها، واثنان أنها طاوعته، لا حد على المرأة بالإجماع" (٤). وقال ابن هبيرة (٦٥٠ هـ): "اتفقوا على أنه إذا شهد نفسان أنه زنا

стр. 6166

بها وهي مطاوعة، وآخران أنه زنا بها وهي مكروهة، فلا حد على واحد منهما" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إن شهد أنه زنى بها مطاوعة، وشهد آخران أنه زنى بها مكرهة، فلا حد عليها إجماعًا" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٢٠ هـ) (٣). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "وإن شهدا أنه زنى بها مطاوعة، وشهد آخران أنه زنى بها مكرهة، لم تكمل شهادتهم على الأشهر؛ لأن فعل المطاوعة غير المكرهة، فعلى هذا لا يحد الرجل اختاره أكثر الأصحاب، ولا المرأة بغير خلاف نعلمه" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٥)، والشافعية (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ (٨). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٩). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ (١٠).

стр. 6167

وجه الدلالة من الآيات السابقة: الآيات دلَّت على اشتراط أربعة شهود لإقامة حد الزنا بموجب الشهادة، فإذا شهد اثنان بأنها مكرهة، وشهد آخران بأنها كانت مطاوعة، فالشهادة هنا صارت على فعلين، ولم يكتمل العدد في كل فعل (١). الدليل الرابع: أن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين، وذلك يمنع قبول الشهادة، لأنه يكون من جملة الشبهة التي تدرأ بها الحدود (٢). الدليل الخامس: لأن شاهدي المطاوعة قاذفان لها؛ لأنهما تكمل البينة عليها، فلا تقبل شهادتهما على غيرها (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يجب الحد على الرجل دون المرأة. وبه قال أبو يوسف ومحمد من الحنفية (٤)، وبعض المالكية (٥)، وبعض الشافعية (٦)، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة (٧)، وابن حزم من الظاهرية (٨). • دليل المخالف: استدل من أوجب الحد على الرجل بأن الشهادة كملت على وجود الزنا منه، واختلاف الشهود إنما هو في حق المرأة، أما في حق الرجل فلا خلاف في صفتها (٩). النتيجة: يتحصل مما سبق أن المسألة على قسمين: الأول: في حق

стр. 6168

المرأة، يظهر صحة الإجماع على سقوط الحد عن المرأة؛ لعدم المخالف. الثاني: في حق الرجل، فالمسألة فيه ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة. وعلى هذا فما سبق من نقل ابن هبيرة وابن قدامة وغيرهما صواب؛ لأن ابن هبيرة حكى الاتفاق على سقوط الحد في حق الرجل والمرأة وأراد اتفاق المذاهب الأربعة، وأما ابن قدامة فحكى الإجماع على سقوط الحد عن المرأة فقط، واللَّه تعالى أعلم. [٩٥/ ٢] ثبوت حد الزنا بالإقرار . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الإقرار: الإقرار لغة: الإقرار مشتق من أقرَّ يقرُّ إقرارًا، وأصله في اللغة يطلق على معنيين: الأول: القَر، وهو البرد. الثاني: الثبات، والاستقرار، والتمكن. قال ابن فارس: "القاف والراء أصلانِ صحيحان، يدلُّ أحدهما على بَرْد، والآخر على تمكُّن" (١). ولفظ الإقرار في هذا الفصل هو من الأصل الثاني الذي يدل على التمكن والثبوت، ومن ذلك: يقال: تقرر الأمر على كذا: أي ثبت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢). ويقال: أقَرّ اللَّه عينَك: أي بَلّغَك أُمْنيَّتك حتى تَرْضى نفْسُك وتَسْكُن عيْنُك فلا تستشرف إلى غيره. ويطلق الإقرار على الاعتراف والإذعان، وهو ضد الجحود، يُقال: أقر

стр. 6169

بالحق: أي اعترف به، وهو من مادة التمكن، أي تمكن الأمر وثبت عليه، وذلك أنه إذا أقَرَّ بحقٍّ فقد أقرَّهُ قرارَهُ، وثبّته. ويطلق أيضًا على البيان والتوضيح، يُقال: أقر الكلام له: أي بيّنه له حتى عرفه، وهو من معنى الثبوت أيضًا، والمراد أن المعنى ثبت عنده مبينًا موضحًا (١). الإقرار اصطلاحًا: تنوعت عبارات الفقهاء في حد الإقرار بالمعنى الشرعي، وإن كانت تؤدي لمعنى واحد، وحاصل تلك التعاريف أن يقال: هي: الإخبار عن حق ثابت على المُخبِر (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، ثم أقر على نفسه بارتكاب ذلك الفعل، فإنه يثبت عليه حد الزنا، إذا توفرت سائر الشروط. والمراد هنا تقرير الإجماع على أن الإقرار يثبت به حد الزنا في الجملة، أما ما يتعلق بمسائل الإقرار من العدد المشترط فيه، ونحو ذلك فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال الماوردي (٤٥٠ هـ) في أن من أقر على نفسه مرة أقيم عليه الحد: "لأنه قول أبي بكر وعمر ﵄، ولا مخالف لهما في الصحابة ﵃، فكان إجماعًا" (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من

стр. 6170

أقر بالزنا، وهو حر، بالغ، غير سكران، ولا مكره، في أربع مجالس متفرقة، وثبت على إقراره حتى أقيم عليه جميع الحد، فإنه قد أقيم عليه الحد الواجب" (١) ونقله عنه المطيعي (٢) (٣). وقال ابن رشد (٥٩٥ هـ): "أجمع العلماء على أن الزنا يثبت بالإقرار وبالشهادة" (٤). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "أما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على أن الإقرار حجة في حق نفسه، حتى أوجبوا عليه الحدود والقصاص بإقراره" (٥). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "والإقرار كالشهادة إجماعًا" (٦)، أي في ثبوت الحد به. وقال عليش (١٢٩٩): "ثبت الزنا على المكلف بإقرار منه به على نفسه، رجلًا كان أو امرأة، مرة واحدة، اتفاقًا" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنابلة (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن

стр. 6171

مالك الأسلمي ﵁ أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا)، فقالوا: ما نعلمه إلا وفيّ العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقام على ماعز والغامدية الحد بموجب إقرارهما. الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه تعالى، والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة،

стр. 6172

أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩٦/ ٢] يشترط في إقامة حد الزنا بموجب الإقرار أن يكون الإقرار صريحًا . • المراد بالمسألة: إذا أقر شخص على نفسه بما يوجب الحد، فإن من شرط قبوله أن يصرح بصفة زناه، بكونه أدخل ذكره في فرجها حتى غابت الحشفة. ويتبيَّن من ذلك أن تفصيل الفعل في غير ذلك كالمكان أو الزمان أو غيره غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وأما الاعتراف فهو الإقرار من البالغ العاقل بالزنا صراحًا، لا كناية، فإذا ثبت على إقراره، ولم ينزع عنه، وكان محصنًا وجب عليه الرجم، وإن كان بكرًا جلد مائة، وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الأسلمي إلى نبي اللَّه ﷺ فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: (أنكتها؟ ) قال: نعم، قال: (حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ ) قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في

стр. 6173

المكحلة، والرشاء في البئر؟ ) قال: نعم، قال: (فهل تدري ما الزنا؟ ) قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا" (١). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: "لما أتى ماعز بن مالك ﵁ النبي ﷺ قال له: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت)، قال: لا يا رسول اللَّه، قال: (أنكتها)، لا يكني، قال فعند ذلك أمر برجمه" (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استفسر من ماعز إقراره حتى فصَّل ما أقر به بأنه ارتكب ما يوجب الحد بتغييب الحشفة في الفرج (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٩٧/ ٣٨] إن رجع المقر بالزنا عن إقراره سقط عنه الحد . • المراد بالمسألة: إذا أقر شخص على نفسه بما يوجب حد الزنا، ثم رجع عن إقراره صريحًا قبل إقامة الحد عليه، أو أثناء إقامة الحد عليه، فحينئذ يبطل إقراره الأول، ويسقط عنه الحد. ويتبين مما سبق أنه لو لم يصرِّح بالرجوع كأن هرب حين رجموه، أو قال: لا تحدُّوني فسقوط الحد حينئذ محل خلاف غير مراد في المسألة (٤). • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢١ هـ): "قد رأيناهم جميعًا لما رووا عن رسول اللَّه ﷺ في المقر بالزنا لمَّا هرب فقال النبي ﷺ : (لولا خليتم سبيله) فكان ذلك عندهم على أن رجوعه مقبول، واستعملوا ذلك في سائر حدود اللَّه ، فجعلوا من أقر بها ثم رجع، قُبل رجوعه، ولم يخصُّوا الزنا بذلك

стр. 6174

دون سائر حدود اللَّه" (١). وقال الماوردي (٤٥٠ هـ): "روي أن رجلًا أقر عند عمر بن الخطاب ﵁ بالزنا ثم رجع عنه، فتركه وقال: "لأن أترك حدًا بالشبهة أولى من أن أقيم حدًا بالشبهة" (٢). ووافق أبا بكر ﵁ على مثل هذا، وليس لهما في الصحابة ﵃ مخالف، فكان إجماعًا" (٣). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أنه إذا أقر بالزنا ثم رجع عنه فإنه يسقط الحد عنه ويقبل رجوعه، إلا مالكًا" (٤)، ونقله عنه ابن قاسم (٥). وقال أبو الحسن الشاذلي (٩٣٩ هـ) (٦): " (وإن رجع المقر بالزنا أُقيل وتُرك) ولا تتعرض له، ظاهره سواء رجع إلى شبهة مثل أن يقول وطئت في نكاح فاسد فظننت أنه زنا أو لا، مثل أن يكذب نفسه من غير أن يبدي عذرًا، وهو كذلك في الأول اتفاقًا، وعلى المشهور في الثاني" (٧).

стр. 6175

وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "صحة الرجوع بعد الإقرار: إجماعًا" (١). وقال عليش (١٢٩٩ هـ): " (ويثبت بإقرار مرة، إلا أن يرجع مطلقًا) إلا أن يرجع المقر بالزنا عن إقراره فيقبل رجوعه ولا يحد رجوعًا (مطلقًا) (٢) عن تقييده بكونه لشبهة، مثال رجوعه لشبهة: قوله وطئتُ حليلتي حائضًا فظننت أنه زنا فاعترفت به فلا يُحد اتفاقًا" (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: ما جاء في قصة ماعز حين أقر على نفسه بالزنا، وأمر النبي ﷺ بإقامة الحد عليه، فلما وجد مس الحجارة، فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل (٤)، فضربه به، وضربه الناس، حتى مات، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ : أنه فر حين وجد مس الحجارة، ومس الموت، فقال رسول اللَّه ﷺ : (هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب اللَّه عليه) (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أرشد الصحابة ﵃ أن الأفضل لهم لو كانوا تركوه حين هرب، وهو يدل على أن ماعزًا لو رجع عن إقراره لسقط عنه الحد. الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد

стр. 6176

أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا)، فقالوا: ما نعلمه إلا وفيّ العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (١). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال له: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت) قال: لا يا رسول اللَّه، قال: (أنكتها) لا يَكْني، قال: فعند ذلك أمر برجمه (٢). الدليل الرابع: عن أبي أمية المخزومي (٣) أن رسول اللَّه ﷺ أتي بلص اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (ما إخالك سرقت) قال: بلى، قال: (اذهبوا به فاقطعوه)، ثم جيئوا به، فقطعوه، ثم جاءوا به،

стр. 6177

فقال له: (قل أستغفر اللَّه وأتوب إليه) فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه، قال: (اللهم تب عليه) (١). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: أن النبي ﷺ عرَّض لماعز والغامدية والسارق ليرجعوا عن إقرارهم، ولو كان الحد لا يسقط برجوعهم لم يكن لتعريضه ﷺ فائدة. الدليل الخامس: ما ثبت عن بعض الصحابة ﵃ من تلقين المقر ليرجع عن إقراره، وهو مروي عن أبي أبكر، وعمر، وعلي، وابنه الحسن، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، وأبي واقد الليثي ﵃، كما قال ابن حجر: "ثبت عن جماعة من الصحابة ﵃ تلقين المقر بالحد" (٢). بل نقل النووي الاتفاق على مشروعية تلقين المقر ليرجع عن إقراره فقال: "قد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه" (٣)، ولو لم يُقبل رجوع المقر عن

стр. 6178

إقراره لما كان في تلقينه فائدة. الدليل السادس: أن رجوعه عن الإقرار خبر يحتمل الصدق، فهو يورث شبهة في إقامة الحد، والحدود تدرأ بالشبهات (١). الدليل السابع: أن الحد ثبت بقول من أقر على نفسه، فجاز أن يسقط برجوعه، كالردة (٢). الدليل الثامن: القياس على رجوع الشهود عن شهادتهم. قال ابن عبد البر: "وقد أجمع العلماء على أن الحد إذا وجب بالشهادة وأقيم بعضه ثم رجع الشهود قبل أن يقام الحد أو قبل أن يتم أنه لا يقام عليه، ولا يتم ما بقي منه بعد رجوع الشهود، فكذلك الإقرار والرجوع" (٣). • المخالفون للإجماع: خالف في المسألة جماعة من أهل العلم وهم على قولين: القول الأول: لا يقبل رجوع المقر في إقراره، إن كان رجوعه إلى غير شبهة. فإن تبيَّن أنه رجع لشبهة فيقبل رجوعه، وكأن يقول: وطئتُ المرأة وظننت أنها زوجتي، فبانت بخلافه، فيقبل منه ذلك الرجوع، أما إن كان رجوعه ليس فيه بيان لعذر الرجوع فلا يُقبل منه. وهو قول للمالكية (٤). القول الثاني: لا يُقبل رجوع المقر عن إقراره مطلقًا. وهو قول في مذهب الشافعي (٥)، . . .

стр. 6179

وقول في مذهب أحمد (١)، والظاهرية (٢). وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وابن أبي ليلى (٣). • دليل المخالف: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قام بعد أن رُجم الأسلمي فقال: (اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى اللَّه عنها، فمن ألمَّ فليستتر بستر اللَّه، وليتب إلى اللَّه؛ فإنه من يُبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللَّه (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر بأنه من أبدى صفيحته بالمعصية، فإنه يقام عليه الحد، ولم يذكر أن له الرجوع عن ذلك (٥). الدليل الثاني: أن المقر قد ثبت في حقه الحد بإقراره، فادعاء سقوطه يحتاج إلى برهان وبينة، فإن لم يكن له بينة حُكم عليه بما أقر أولًا (٦). الدليل الرابع: القياس على حقوق الآدميين، فكما أن من أقر بشيء لآدمي، لم يُقبل رجوعه، فكذا في حقوق اللَّه تعالى من الزنا ونحوه. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض التابعين، وهو قول للمالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وابن حزم، وما حكي من إجماع الصحابة فهو من قبيل

стр. 6180

الإجماع السكوتي الظني، وما نقله ابن هبيرة ﵀ من الاتفاق فهو يريد الأئمة الثلاثة لذلك استثنى مالكا ﵀ من الاتفاق، وأما علماء الحنفيه فأرادوا به الاتفاق المذهبي، واللَّه تعالى أعلم. [٩٨/ ٢] لو قذف الرجل زوجته فصدَّقته، وأقرت بالزنا أربع مرات، ثم رجعت عن إقرارها، سقط عنها الحد . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص امرأته بالزنا، فصدقته المرأة، وثبت عليها الحد بأن أقرت بذلك أربع مرات، ثم رجعت عن إقرارها، فإنه لا يُقام عليها الحد، ويُقبل رجوعها عن إقرارها. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الرجل إذا قذف امرأته، فصدقته، وأقرت بالزنا مرة، أو مرتين، أو ثلاثًا، لم يجب عليها الحد؛ لأنه لا يثبت إلا بإقرار أربع مرات. . . ولو أقرت أربعًا، وجب الحد، ولا لعان بينهما إذا لم يكن ثَمَّ نسبٌ يُنفى، وإن رجعَتْ سقط الحد عنها، بغير خلاف علمناه" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) فيما لو قذف الرجل امرأته فصدَّقته: "ولو أقرت أربعًا وجب الحد ولا لعان بينهما، إذا لم يكن ثَم نسبٌ يُنتفى، وإن رجعت سقط الحد عنها بغير خلاف علمناه" (٢). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) فيما لو قذف الرجل امرأته فصدَّقته: "وإن أقرَّت أربعًا وجب الحد ولا لعان، إذا لم يكن ثَمَّ نسبٌ يُنفى، وإن رجعت سقط الحد عنها بغير خلاف علمناه" (٣). ويمكن أن يضاف إلى ذلك نقولات أهل العلم التي سبق ذِكرها في حكاية الإجماع على جواز رجوع المقر عن إقراره (٤).

стр. 6181

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١)، والشافعية (٢). • مستند الإجماع، والمخالف، ودليل المخالف مع النتيجة: هذه المسألة هي فرع عن المسألة السابقة: "إن رجع المقر بالزنا عن إقراره سقط عنه الحد" (٣). وقد سبق فيها ذكر مستند الإجماع فيها، والمخالف، مع أدلة المخالف، وإنما ذكرتُها هنا لوجود من نص عليها في هذا الباب. • وحاصل النتيجة في المسألة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض التابعين، وهو قول للمالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وابن حزم، واللَّه تعالى أعلم. [٩٩/ ٢] العبد إذا أقر بالزنا يجب عليه الحد سواء أقر بذلك السيد أو أنكره . • المراد بالمسألة: إذا أقر العبد بما يوجب على نفسه حد الزنا، فإنه يجب على الإمام إقامة الحد عليه، سواء أقر سيد العبد بأن عبده زنى، أو أنكر ذلك. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن العبد إذا أقر بالزنا أن الحد يجب عليه، أقر بذلك المولى أو أنكر" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧)، وابن حزم من الظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عموم الأدلة الدالة على وجوب إقامة الحد

стр. 6182

بالإقرار، ولم يأت في شيء من النصوص استثناء العبد من ذلك (١). • وجه الدلالة: أمر اللَّه بقبول إقرار المرء على نفسه، وهو عام في العبد والحر. الدليل الثاني: أن وجوب الحد مبني على ثبوت الجناية، وصحة الحكم بالجناية مبني على كونه مكلفًا، والعبد مكلَّف، فيصح إقراره (٢). الدليل الثالث: أن العبد باق على أصل الحرية في بدنه، بدليل أنه ليس للسيد أن يسفك دم عبده، ولا أن يشهد عليه بشيء بدون بينة، فبدن العبد ليس ملكًا لسيده، ولذا فالعبد ليس بمملوك من حيث إنه آدمي، وإنما هو مملوك من حيث إنه مال (٣). الدليل الرابع: لأن طبع الإنسان يمنعه عن الكذب على نفسه بما يوجب قتله، أو قطع جزء من بدنه، فتهمة الكذب في إقراره منتفية (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة إلى عدم صحة إقرار العبد على نفسه بما يوجب الحد. وهو قول الظاهرية (٥)، وبه قال محمد بن الحسن (٦)، وهو قول عند الحنابلة (٧). • دليل المخالف: استدل المانعون من قبول العبد على نفسه بأن العبد مسترق لسيده، وفي إقراره إتلاف لحقوق سيده (٨). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛

стр. 6183

لثبوت الخلاف عن الظاهرية ومحمد بن الحسن، وهو قول عند الحنابلة، ولعل ابن المنذر لم يعتبر الخلاف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٠/ ٢] إذا وجب الحد بالشهادة وأقيم بعضه ثم رجع الشهود قبل أن يقام الحد أو قبل إتمامه فإنه لا يقام ولا يتم ما بقي منه بعد رجوع الشهود . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص حد الزنا بموجب الشهود، ثم تراجع الشهود أو بعضهم عن شهادتهم وكذَّبوا أنفسهم، قبل إقامة حد الزنا، فإن حد الزنا يسقط حينئذٍ، وكذا لو رجعوا عن شهادتهم في أثناء الحد فإنه لا يُكمل الحد عليه، ويسقط عنه باقي الحد. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وقد أجمع العلماء على أن الحد إذا وجب بالشهادة وأقيم بعضه ثم رجع الشهود قبل أن يقام الحد أو قبل أن يتم أنه لا يقام عليه، ولا يتم ما بقي منه بعد رجوع الشهود، فكذلك الإقرار والرجوع" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن رجوع الشهود أورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (٦). الدليل الثاني: أن اللَّه تعالى أوجب الحد بموجب الشهادة أو الإقرار، فإذا

стр. 6184

رجع الشهود عن شهادتهم فقد تناقض كلامهم، وصار غير معتبر، ولم يبق ما يوجب الحد (١). • المخالفون للإجماع: حكي عن أبي ثور أنه إن أدَّى شهادته، فليس له الرجوع فيها، ولو رجع لم يُقبل رجوعه (٢). • دليل المخالف: أنها شهادة قد أدَّاها الشاهد وقُبلت، فلا تبطل إلا بدليل شرعي، ولا يبطلها رجوع الشاهد (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم، وخلاف أبي ثور هو من قبيل الشاذ، كما وصفه بذلك الموفق ابن قدامة بقوله: "وحكي عن أبي ثور أنه شذ عن أهل العلم وقال: يحكم بها؛ لأن الشهادة قد أديت، فلا تبطل برجوع من شهد بها" (٤)، واللَّه تعالى أعلم. [١٠١/ ٢] إن شهدوا على رجل بالزنا وقالوا تعمدنا النظر إلى فرجيهما للتلذذ لا تقبل شهادتهم . • المراد بالمسألة: إذا شهد أربعة على شخص بما يوجب حد الزنا، وقالوا في شهادتهم بأنهم تعمَّدوا النظر إلى فرجيهما بقصد التلذذ، فحينئذٍ ترد شهادتهم، ولا تقبل. ويتبيَّن مما سبق أنهما لو تعمَّدا النظر لغير قصد التلذذ وإنما لأجل إثبات الشهادة، أو نحو ذلك فهو غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لو قالوا: تعمدنا النظر للتلذذ لا تقبل إجماعًا" (٥) ونقله عنه دامان (٦). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "لو قالوا:

стр. 6185

تعمدنا النظر للتلذذ لا تقبل شهادتهم إجماعًا" (١) ونقله البدر العيني (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الشهود لا بد أن يكونوا عدولًا، وإذا تعمد الشهود النظر إلى فرجيهما بقصد التلذّذ دل ذلك على فسقهما، وشهادة الفاسق مردودة بالاتفاق (٥). • المخالف للإجماع: ذكر بعض الفقهاء أن من نظر إلى الزانيين بقصد التلذذ فإن ذلك لا يرُد شهادتهم مطلقًا، وإنما يُنظر في حالهم، فإن لم يتكرر منهم ذلك الفعل، وكان غالب حالهم الطاعة قبلت شهادتهم. وبه قال بعض الشافعية (٦). • دليل المخالف: أن النظر للزانيين من صغائر الذنوب، فإن لم يصر عليها الشاهد، وكان مجتنبًا للكبائر، فإنه يكون من العدول (٧).

стр. 6186

النتيجة: يظهر واللَّه أعلم أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الشافعية. ومن حكى الإجماع إما أنه لم يعتبر قول المخالف، أو أراد الإجماع المذهبي عند الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٢/ ٤٣] ولد الزنا لا تقبل شهادته في الزنا . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد الزنا على شخص بموجب الشهادة، وكان الشهود الأربعة أو واحدًا منهم ولد زنا، فإن الشهادة تُرد، ولا يُقام الحد على المشهود عليه. ويتبيَّن مما سبق أن شهادة ولد الزنا في غير الزنا غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال القرطبي (٦٧١ هـ): "اتفقوا على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا" (١). • مستند الإجماع: علل القائلون بعدم جواز شهادة ولد الزنا على الزنا بالتهمة، وهي شبهة تدرأ بها الحدود. ووجه التهمة في ذلك من جهة أن ولد الزنا متهم بالحرص على التأسي ووجود من يكون مثله في كونه ولد زنا، كما قيل: "ودت الزانية لو أن النساء كلهن يزنين" (٢)، وذلك حتى يشتهر الزنا ويصير كالنكاح، فلا معرة تلحقه فيما ينشأ عنه (٣).

стр. 6187

• المخالفون للإجماع: ذهب جمهور أهل العلم إلى قبول شهادة ولد الزنا في الزنا. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • دليل المخالف: الدليل الأول: عموم النصوص الشرعية في قبول العدل قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن الآيات عامة في قبول شهادة العدل، ولم يُفرق بين ولد الزنا وغيره، وولد الزنا لم يفعل ما يستوجب عليه الفسق (٦). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن ولد الزنا لم يفعل أمرًا قبيحًا، ولا يؤاخذ بما فعل والداه (٨). الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٩). • وجه الدلالة: أن اللَّه جعل من لم يُعرف أبوه إخوة لنا، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا (١٠).

стр. 6188

الدليل الرابع: أنه وُلِد عدل مقبول الشهادة في غير الزنا بالاتفاق، فيقبل في الزنا كغيره (١). الدليل الخامس: أن فسق الأبوين بالزنا لا يربو على كفرهما، وكفرهما غير مانع لشهادة الولد ولا موجب لفسقه، ففسقهما أولى (٢). الدليل السادس: أن ولد الزنا تقبل شهادته في القتل، ففي الزنا من باب أولى (٣). الدليل السابع: أن الزاني تقبل شهادته إذا تاب وهو فاعل الذنب، فقبول شهادة الولد من باب أولى؛ إذ لا يجوز أن يلزم الولد من الوزر أكثر مما لزم الأب (٤). الدليل الثامن: أن ولد الزنا تقبل روايته فكذلك تقبل شهادته (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ بل الجمهور على قبول شهادة ولد الزنا، ولعل مراد القرطبي بالاتفاق على عدم قبول شهادة ولد الزنا في الزنا هو اتفاق المذهب المالكي على ذلك، واللَّه تعالى أعلم (٦).

стр. 6189

[١٠٣/ ٢] يقام حد الزنا على من زنا عالمًا تحريم الزنا، جاهلًا عقوبته . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان عالمًا بتحريم ما ارتكبه، لكنه يجهل عقوبة ذلك من الجلد أو الرجم، فإنه يُقام الحد عليه، وجهْله بالعقوبة لا يرفع عنه الحد. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "من زنى أو شرب أو سرق عالمًا تحريم ذلك، جاهلًا وجوب الحد، فيجب الحد بالاتفاق" (١). وقال القرافي (٦٨٤ هـ): "إن علم التحريم وجهل الحد حُد اتفاقًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: ما جاء في قصة ماعز حين رُجم قال: "ردوني إلى رسول اللَّه ﷺ ؛ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول اللَّه ﷺ غير قاتلي" (٥). • وجه الدلالة: ظاهر القصة أن ماعزًا لم يكن يعلم أن النبي ﷺ سيقيم عليه حد الرجم، فلم يكن ذلك مُسقطًا للعقوبة عنه (٦). الدليل الثاني: لأنه إذا علم التحريم كان الواجب عليه الامتناع عن فعل المعصية (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6190

الفصل الرابع: مسائل الإجماع في عقوبة الزنا [١٠٤/ ٢] ثبوت حد الزنا . • المراد بالمسألة: إذا أتى شخص امرأة لا تحل له، وفعل معها الزنى بتغييب حشفته في قُبلها، فقد أجمع أهل العلم على أن هذا الفعل موجب لإقامة الحد عليه، وأن هذا الحد شامل للأحكام الخاصة بالحدود، من تحريم تعطيلها أو الشفاعة فيها إذا بلغت الإمام. فإذا ثبت على شخص أنه ارتكب حد الزنا، وتوفَّرت فيه شروط إقامة الحد، فإن إقامة الحد عليه حينئذ محل إجماع. • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): "نزلت: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١)، فقال رسول اللَّه ﷺ : (قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢) ودل اللَّه ورسوله ﷺ أن هذا الحد إنما هو على الزناة دون غيرهم لم أعلم في ذلك مخالفًا من أهل العلم" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع فقهاء المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا أن المحصن من الزناة حده الرجم" (٤). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "الحد هو الجلد والتغريب على غير

стр. 6191

المحصن، والرجم على المحصن بالنص والإجماع" (١). وقال الرملي (١٠٠٤ هـ) في مسألة إذا صال شخص على صبي بلواط، وصال آخر على امرأة بزنا فأيُّهما يُدفع أولًا: "قيل: يقدم الأول إذ لا يتصور إباحته، وقيل: الثاني للإجماع على وجوب الحد فيه" (٢). وقال أبو بكر البكري (١٣١٠ هـ) (٣) "حد الزنا مجمع عليه" (٤). وقال محمد الجاوي (١٣١٦ هـ) (٥): "حد الزنا مجمع عليه" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن البراء بن عازب ﵁ قال: مر على النبي ﷺ بيهودي محمَّمًا مجلودًا، فدعاهم ﷺ فقال: (هكذا تجدون حد الزاني

стр. 6192

في كتابكم؟ )، قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: (أنشدك باللَّه الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول اللَّه ﷺ : (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) فأمر به فرجم. . . الحديث (١). • وجه الدلالة: في قوله ﷺ : (هكذا تجدون حد الزاني) دليل على ثبوت حد الزنا. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) (٢). • وجه الدلالة: قوله ﷺ : (فليجلدها الحد) دليل على أنه حد. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه (٣). الدليل الرابع: عن أبي سعيد ﵁ أن رجلًا من أسلم يقال له ماعز بن مالك، أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه عليّ، فرده النبي ﷺ مرارًا قال ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا إلا أنه أصاب شيئًا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه،

стр. 6193

قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال، فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف، قال فاشتد واشتددنا، خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة - يعني الحجارة - حتى سكت، قال ثم قام رسول اللَّه ﷺ خطيبًا من العشي فقال: (أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل اللَّه تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس (١)، عليّ أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به)، قال: فاستغفر له، ولا سبه (٢). • وجه الدلالة: في قول الصحابة ﵃ "يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد" دليل على أن الزنا من الحدود. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٥/ ٢] الرجم مجمع عليه كعقوبة في الزنا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص محصن ما يوجب حد الزنا، فإن من العقوبات المقررة على الزاني هي رجمه حتى يموت جزاء على معصيته. وينبَّه إلى أن المراد هنا تقرير أن الرجم كعقوبة في حد الزنا محل إجماع بين أهل العلم، أما شروط وجوب الرجم بكون الزاني محصنًا فمحل بحث آخر تأتي في مسألة مستقلة إن شاء اللَّه تعالى (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن الحر إذا تزوج تزويجًا صحيحًا، ووطئها في الفرج، أنه محصن، يجب عليهما

стр. 6194

الرجم إذا زنيا" (١). وقال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "وقد ثبت الرجم عن النبي ﷺ ، بفعل النبي ﷺ ، وبنقل الكافة، والخبر الشائع المستفيض الذي لا مساغ للشك فيه، وأجمعت الأمة عليه" (٢). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "فالرجم ثابت بسنة رسول اللَّه ﷺ ، وبفعل الخلفاء الراشدين، وباتفاق أئمة أهل العلم" (٣) ونقله عنه ابن حجر (٤). وقال الماوردي (٤٥٠ هـ): "والدليل على وجوب الرجم. . . . انعقاد الإجماع عليه حتى صار حكمه متواترًا" (٥). وقال ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ): "اتفقوا كلهم -حاش من لا يعتد به بلا خلاف وليس هم عندنا من المسلمين- فقالوا إن على الحر والحرة إذا زنيا وهما محصنان الرجم حتى يموتا" (٦). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع فقهاء المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا أن المحصن حده الرجم" (٧).

стр. 6195

وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "لا خلاف أنه لا يرجم غير المحصن" (١). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "فأما الثُيَّب الأحرار المحصنون، فإن المسلمين أجمعوا على أن حدهم الرجم" (٢) وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج" (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمع الجمهور من الصحابة ﵃ ومن بعدهم أن المحصن حده الرجم، وأما المبتدعة كالخوارج والمعتزلة فإنهم لا يرون رجم الزاني وإن أحصن، وإنما حده عندهم الجلد، ولا يعرج عليهم ولا يعدون خلافًا" (٤). وقال أبو العباس القوطبي (٦٥٦ هـ): "إذا زنى المحصن وجب الرَّجم بإجماع المسلمين" (٥). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن وهو الثيب، ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة، إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة، كالنظام، وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم" (٦). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، هذا قول عامة أهل العلم من الصحابة ﵃، والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع

стр. 6196

الاعصار، ولا نعلم أحدًا خالف فيه إلا الخوارج" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ثبت الرجم بالسنة المتواترة، وإجماع الصحابة ﵃" (٢). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "استحقاق الزاني المحصن للقتل وهو الرجم بالحجارة، وأجمع المسلمون على ذلك" (٣). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "عليه إجماع الصحابة ﵃ ومن تقدم من علماء المسلمين" (٤) ونقله عنه الملا علي القاري (٥) (٦). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ) في معرض كلامه على وجوب رجم الزاني المحصن: "وعلى هذا إجماع الصحابة ﵃ وإنكار الخوارج الرجم باطل" (٧). والخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "الحد هو الجلد والتغريب على غير المحصن، والرجم على المحصن بالنص والإجماع" (٨). وقال الملا علي القاري (١٠١٤ هـ): "الرجم عليه إجماع الصحابة ﵃، ومن تقدم من علماء الأمة" (٩). وقال المناوي (١٠٣١ هـ): "فرجم المحصن واجب بإجماع المسلمين" (١٠). وقال الزرقاني (١١٢٢ هـ): "قال الخوارج والمعتزلة: لا رجم مطلقًا،

стр. 6197

وإنما الحد الجلد لثيب أو بكر، وهو خلاف إجماع أهل الحق والسنة" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٥ هـ): "الرجم فهو مجمع عليه" (٢). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "أجمع أهل العلم على أن من زنى وهو محصن يرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن، ذكرًا كان أو أنثى، إلا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه" (٣). وقال ابن عاشور (١٣٩٣ هـ): "الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت. وكان ذلك سنة متواترة في زمن النبي ﷺ ، ورجم ماعز ابن مالك، وأجمع على ذلك العلماء" (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (٥).

стр. 6198

الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال: (ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (ويحك، ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : (فيم أطهرك)؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول اللَّه ﷺ : (أبه جنون)؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشرب خمرًا)؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال فقال رسول اللَّه ﷺ : (أزنيت)؟ فقال: نعم، فأمر به فرجم (١). الدليل الثالث: قصة الغامدية التي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (٢). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﵌ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان

стр. 6199

أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه تعالى، والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (١). الدليل الخامس: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢). الدليل السادس: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. وإنما خالف في ذلك طوائف من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، وخلافهم ليس بمعتبر كما سبق بيانه (٤)، وعلى ذلك درج الفقهاء في هذه المسألة، كما نص عليه غير واحد منهم أبو بكر الجصاص حيث قال: "قد أنكرت طائفة شاذة لا تعد خلافًا الرجم، وهم الخوارج" (٥)، وقال ابن القطان: "أجمع الجمهور من الصحابة ﵃ ومن بعدهم أن المحصن حده الرجم، وأما المبتدعة كالخوارج والمعتزلة فإنهم لا يرون رجم الزاني وإن أحصن، وإنما حده عندهم الجلد، ولا يعرج عليهم ولا يعدون خلافًا" (٦)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6200

[١٠٦/ ٢] الجلد مجمع عليه كعقوبة للزنا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، فإن من المقرر في الشريعة أن الجلد من العقوبات التي شرعها اللَّه تعالى لحد الزنا. والمراد بهذه المسألة تقرير كون الجلد مما يجب به حد الزنا، أما تفصيل متى يجب الجلد، ومتى لا يجب فمسألة أخرى يأتي بيانها إن شاء اللَّه تعالى (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن به الجلد" (٢). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣)، في زنا الأبكار خاصة" (٤). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "الناس قد أجمعوا على أن الحر الزاني والحرة الزانية إذا كانا غير محصنين فإن حدهما مائة جلدة" (٥). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "الزاني إذا لم يحصن حده الجلد دون الرجم، وهذا ما لا خلاف بين أحد من أمة محمد ﷺ ؛ قال اللَّه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٦)، وأجمعوا أن الأبكار داخلون في هذا الخطاب (٧). وقال السرخسي (٤٨٣ هـ): "فأما الجلد فهو متفق عليه بين العلماء" (٨). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أجمعوا على أن حد البكر في الزنا جلد مائة" (٩). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم
следующие страницы →