← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

الاعصار، ولا نعلم أحدًا خالف فيه إلا الخوارج" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ثبت الرجم بالسنة المتواترة، وإجماع الصحابة ﵃" (٢). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "استحقاق الزاني المحصن للقتل وهو الرجم بالحجارة، وأجمع المسلمون على ذلك" (٣). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "عليه إجماع الصحابة ﵃ ومن تقدم من علماء المسلمين" (٤) ونقله عنه الملا علي القاري (٥) (٦). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ) في معرض كلامه على وجوب رجم الزاني المحصن: "وعلى هذا إجماع الصحابة ﵃ وإنكار الخوارج الرجم باطل" (٧). والخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "الحد هو الجلد والتغريب على غير المحصن، والرجم على المحصن بالنص والإجماع" (٨). وقال الملا علي القاري (١٠١٤ هـ): "الرجم عليه إجماع الصحابة ﵃، ومن تقدم من علماء الأمة" (٩). وقال المناوي (١٠٣١ هـ): "فرجم المحصن واجب بإجماع المسلمين" (١٠). وقال الزرقاني (١١٢٢ هـ): "قال الخوارج والمعتزلة: لا رجم مطلقًا،

стр. 6197

وإنما الحد الجلد لثيب أو بكر، وهو خلاف إجماع أهل الحق والسنة" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٥ هـ): "الرجم فهو مجمع عليه" (٢). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "أجمع أهل العلم على أن من زنى وهو محصن يرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن، ذكرًا كان أو أنثى، إلا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه" (٣). وقال ابن عاشور (١٣٩٣ هـ): "الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت. وكان ذلك سنة متواترة في زمن النبي ﷺ ، ورجم ماعز ابن مالك، وأجمع على ذلك العلماء" (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (٥).

стр. 6198

الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال: (ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (ويحك، ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : (فيم أطهرك)؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول اللَّه ﷺ : (أبه جنون)؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشرب خمرًا)؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال فقال رسول اللَّه ﷺ : (أزنيت)؟ فقال: نعم، فأمر به فرجم (١). الدليل الثالث: قصة الغامدية التي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (٢). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﵌ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان

стр. 6199

أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه تعالى، والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (١). الدليل الخامس: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢). الدليل السادس: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. وإنما خالف في ذلك طوائف من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، وخلافهم ليس بمعتبر كما سبق بيانه (٤)، وعلى ذلك درج الفقهاء في هذه المسألة، كما نص عليه غير واحد منهم أبو بكر الجصاص حيث قال: "قد أنكرت طائفة شاذة لا تعد خلافًا الرجم، وهم الخوارج" (٥)، وقال ابن القطان: "أجمع الجمهور من الصحابة ﵃ ومن بعدهم أن المحصن حده الرجم، وأما المبتدعة كالخوارج والمعتزلة فإنهم لا يرون رجم الزاني وإن أحصن، وإنما حده عندهم الجلد، ولا يعرج عليهم ولا يعدون خلافًا" (٦)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6200

[١٠٦/ ٢] الجلد مجمع عليه كعقوبة للزنا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، فإن من المقرر في الشريعة أن الجلد من العقوبات التي شرعها اللَّه تعالى لحد الزنا. والمراد بهذه المسألة تقرير كون الجلد مما يجب به حد الزنا، أما تفصيل متى يجب الجلد، ومتى لا يجب فمسألة أخرى يأتي بيانها إن شاء اللَّه تعالى (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن به الجلد" (٢). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣)، في زنا الأبكار خاصة" (٤). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "الناس قد أجمعوا على أن الحر الزاني والحرة الزانية إذا كانا غير محصنين فإن حدهما مائة جلدة" (٥). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "الزاني إذا لم يحصن حده الجلد دون الرجم، وهذا ما لا خلاف بين أحد من أمة محمد ﷺ ؛ قال اللَّه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٦)، وأجمعوا أن الأبكار داخلون في هذا الخطاب (٧). وقال السرخسي (٤٨٣ هـ): "فأما الجلد فهو متفق عليه بين العلماء" (٨). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أجمعوا على أن حد البكر في الزنا جلد مائة" (٩). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم

стр. 6201

يكن محصنًا" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "الزاني إذا لم يحصن حده الجلد دون الرجم، ولا خلاف بين الأمة فيه؛ قال اللَّه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣)، وأجمعوا أن الأبكار داخلون في هذا الخطاب" (٤). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة" (٥). وقال الزركشي (٧٧٣ هـ): "وإذا زنى الحر بالبكر جلد مائة جلدة، وغرب عامًا. . . وقد حصل اتفاق العلماء -وللَّه الحمد- على الجلد، بشهادة الكتاب والسنة بذلك" (٦). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الجلد ثابت بكتاب اللَّه، وقام الإجماع ممن يعتد به على اختصاصه بالبكر، وهو غير المحصن" (٧). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "أجمعوا على أن الزاني الذي ليس بمحصن حده جلد مائة" (٨). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ) (٩): "إن زنى غير محصن حر جلد مائة بلا خلاف" (١٠). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "لا خلاف في وجوب الجلد على الزاني، إذا لم يكن محصنًا" (١١).

стр. 6202

• مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). الدليل الثاني: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (٣). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه (٤).

стр. 6203

الدليل الخامس: عن أبي عبد الرحمن قال: خطب علي ﵁ فقال: "يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول اللَّه ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: (أحسنت، اتركها حتى تماثل) (١). الدليل السادس: أنه مروي عن جملة من الصحابة ﵃ فعن ابن عمر ﵁: "أن النبي ﷺ ضرب وغرَّب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب" (٢).

стр. 6204

كما أن الضرب مروي عن عثمان وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وأبو ذر، وعبد اللَّه بن مسعود ﵃ (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٧/ ٢] النفي مجمع عليه كعقوبة للزنا . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف النفي لغة واصطلاحًا: النفي لغة: النفي هو الطرد والإبعاد، قال الزبيدي: "نفاه، ينفيه، نفيًا: نحَّاه وطرده وأبعده" (٢). ويطلق عليه التغريب، وهما بمعنى واحد. النفي اصطلاحًا: اختلف الفقهاء في المراد بالنفي أو التغريب في حق الزاني غير المحصن ذكرًا كان أو أنثى على أقوال، أذكرها على سبيل الإجمال:

стр. 6205

القول الأول: النفي هو حبس الزاني في السجن، ذكرًا كان أو أنثى. وهو قول الحنفية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢). القول الثاني: إخراجه إلى بلد آخر غير البلد الذي زنى بها مسافة قصر، ويُحبس في تلك البلد، وهو خاص بالذكر، أما الأنثى فلا تغريب عليها. وهو قول المالكية (٣). القول الثالث: هو إخراجه من بلده التي زنى فيها، إلى بلد آخر مسافة قصر، دون حبسه في ذلك البلد، وهو عام في الذكر والأنثى، إلا أن المرأة يكون معها محْرَم لها. وهو قول الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الرابع: هو إخراجه من بلده إلى مسافة القصر في حق الرجل، أما المرأة فتغريبها يكون على دون مسافة القصر. وهو رواية عند الحنابلة (٦).

стр. 6206

القول الخامس: النفي هو إخراجه من بلده إلى مكان آخر، ولو دون مسافة القصر. وهو قول أبي ثور، وابن المنذر، وإسحاق بن راهويه، وذكره ابن قدامة احتمالًا عن الإمام أحمد (١). • من نقل الإجماع: قال الترمذي (٢٧٩ هـ): "وقد صحّ عن رسول اللَّه ﷺ النّفي. . . والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ " (٢). وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن على البكر النفي، وانفرد النعمان وابن الحسن (٣) فقالا: لا يغربان" (٤). وقال ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) بعد أن ذكر بعض الآثار عن الصحابة ﵃ في الجلد والتغريب ثم قال: "ولم يرو عن أحد من الصحابة ﵃ خلاف ذلك" (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "التغريب فعله الخلفاء الراشدون ﵃، ولا نعرف لهم في الصحابة مخالفًا، فكان إجماعًا" (٦)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٧). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "اتفقوا. . . إن غرب غير المحصن عن بلده وسجن حيث يغرب عامًا أنه قد أقيم عليه الحد كله" (٨). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "وإذا زنى الحر غير المحصن من رجل أو امرأة جلد مائة وغُرِّب عامًا. . .؛ لأن الخلفاء الراشدين فعلوا ذلك بالحر غير

стр. 6207

المحصن وانتشر، ولم يعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع" (١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢). الدليل الثاني: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (٣). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه (٤). الدليل الرابع: أنه مروي عن جملة من الصحابة ﵃ فعن ابن عمر ﵁: "أن النبي ﷺ ضرب وغرَّب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر

стр. 6208

ضرب وغرب" (١). كما أنه مروي عن عثمان وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وأبو ذر، وعبد اللَّه بن مسعود ﵃ (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب الحنفية إلى أن النفي ليس عقوبة على الزاني غير المحصن، وإنما هو من باب السياسة الشرعية للإمام أن ينفيه وله ألا ينفيه (٣). • دليل المخالف: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٤). • وجه الدلالة: دلت الآية على أن النفي ليس بحد من وجهين: الأول: أن اللَّه تعالى ذكر الجلد، ولم يذكر النفي في موجب عقوبة الزنا، وإيجاب الجلد في حد الزنا يفضي إلى نسخ الآية، وهذا باطل، فهو يدل على أن النفي ليس من الحد، وإنما هو أمر موكل للإمام. الثاني: لو كان النفي من الحد لبيَّنه النبي ﷺ بعد تلاوته للآية، حتى لا يعتقد الصحابة ﵃ أن الحد قد كمل بالجلد (٥). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يذكر النفي في بيان الحد، فدل على أنه ليس

стр. 6209

بأصل في حد الزنا (١). الدليل الثالث: عموم الأحاديث الدالة على النهي عن سفر المرأة بدون محرم، ومنها: أ - عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) متفق عليه (٢). ب - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة يومين إلا معها زوجها أو ذو محرم) متفق عليه (٣). ج - عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم) متفق عليه (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن سفر المرأة بغير محرم، والنفي يلزم منه الوقوع في ذلك النهي، فإذا انتفى التغريب في حق المرأة، فإنه ينتفي أيضًا في حق الرجل (٥). الدليل الرابع: أنه مروي عن علي ﵁ حيث قال: "حسبهما من الفتنة أن يُنفيا" (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية.

стр. 6210

وقد نص على الخلاف جمع من أهل العلم، منهم البغوي حيث قال في كلامه على المسألة "عند أبي حنيفة ﵁ التغريب أيضًا منسوخ في حق البكر، وأكثر أهل العلم على أنه ثابت" (١). وغالب من حكى الإجماع في المسألة أراد به الإجماع السكوتي عند الصحابة، كما هو ظاهر من كلام الترمذي وابن حزم وابن قدامة والبهوتي، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٨/ ٢] حبس الزاني والزانية منسوخ . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف النسخ: النسخ لغة: النسخ في اللغة الرفع والنقل، ومنه نسخت الريح الأثر أي أزالته، ونسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه إلى غيره (٢). النسخ في الشرع: النسخ عند أهل الفقه والأصول يُراد به: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: كانت عقوبة الزاني في أول الإسلام هي الحبس في حق المحصن حتى الموت، والأذى بالكلام من التقريع والتوبيخ والضرب في حق البكر، وقيل: الحبس هو في حق النساء، والأذى في حق الرجال، وقيل: الحبس في حكم الزنا، والأذى في حكم اللواط (٤)، ويدل عليه قول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ

стр. 6211

يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ (١). وقد اتفق أهل العلم على ذلك الحكم في صدر الإسلام كما حكاه الجصاص (٢)، ثم نُسخ ذلك الحكم برجم الزاني المحصن، وجلد البكر. والمراد هنا تقرير الإجماع على أن حكم الآية المقرَّر بالحبس في كونه حد للزنى قد نُسخ حكمه ورُفِع بحد جديد هو الجلد أو الرجم، دون اعتبار هل رفع حكمها كان بطريق النسخ، أو بيان المجمل، أو هو من باب انتهاء الحد والغاية (٣)، وأما رفع حكم الأذى بالجلد والتوبيخ والتقريع فغير مراد. • من نقل الإجماع: قال الجصاص (٣٧٠ هـ): "اتفق السلف من أهل العلم بالتفسير منهم ابن عباس وغيره أن حد الزانيين المحصن وغير المحصن كان الحبس والأذى المذكورين في هذه الآية ثم نسخ ذلك عنهما بالجلد لغير المحصن والرجم للمحصن" (٤). قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٥)، فإن هذا حكم منسوخ بإجماع الأمة" (٦).

стр. 6212

وقال ابن عطية (٥٤٢ هـ): "وأما الحبس فمنسوخ بإجماع" (١). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وأما الحبس فمنسوخ بإجماع" (٢). وقال الخازن (٧٤١ هـ): "اتفق العلماء على أن هذه الآية منسوخة" (٣)، ونقله عنه أبو الطيب (٤). وقال ابن جزي (٧٤١) (٥) في تفسير قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٦) وهذه الآية ناسخة بإجماع لما في سورة النساء من الإمساك في البيوت في الآية الواحدة، ومن الأذى في الأخرى" (٧). وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ): "وهو -أي نسخ الآية- أمر متفق عليه" (٨). وقال الثعالبي (٨٧٥ هـ) (٩): "قوله تعالى الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد

стр. 6213

منهما مائة جلدة الآية هذه الآية ناسخة لآية الحبس باتفاق" (١). وقال ابن عادل (٨٨٠ هـ): "فأما الحبس فمنسوخ بالإجماع" (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣). الدليل الثاني: عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٤). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵁ قال: في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ (٥) قال: "كن يحبسن في البيوت فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت هذه الآية التي في النور ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٦) ونزلت سورة الحدود، فمن عمل شيئًا جُلد وأرسل" (٧). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﵌ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة

стр. 6214

أنزلها اللَّه تعالى، والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (١). النتيجة: المسألة محل إجماع بين أهل العلم على رفع حكم الحبس من باب كونه حدًا في حق الزنا، وإن كان ثمة من يقول بحبسه حتى يُقام عليه الحد، لكن حبسه هنا ليس من باب الحد الواجب، فإن تركه لا يُعد نقصًا في الحد، وفعلُه فقط دون الرجم أو الجلد لا يكفي بالإجماع. لكن حصل الخلاف بين أهل العلم في طريق رفع حكم الحبس، على قولين: القول الأول: أن آية النساء الموجبة بالحبس منسوخة، وأصحاب هذا الرأي اختلفوا فيما نسخها على رأيين: الأول: الناسخ لها هو قول اللَّه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢)، وبه قال الموفق ابن قدامة (٣)، والشوكاني (٤)، وغيرهم. الثاني: الناسخ هو حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة ونغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٥)، وبه قال أبو بكر الجصاص (٦)، والبغوي (٧)، وغيرهم (٨).

стр. 6215

القول الثاني: أن رفع حكمها ليس عن طريق النسخ، واختلفوا في طريقه على رأيين: الأول: أنه من باب بيان المجمل، فحديث عبادة بن الصامت في بيان السبيل هو بيان للسبيل المُجمل في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١)، وبهذا قال أبو حيان الأندلسي (٢) (٣) وأبو سليمان الخطابي (٤)، وغيرهم (٥). الثاني: أنه من باب انتهاء الحد والغاية؛ فإن اللَّه تعالى جعل حد الزنا الحبس والأذى، وجعل لهذا الحد غاية ينتهي إليها، وهو أن يجعل اللَّه لهن سبيلًا، ثم جاء ذلك السبيل في حديث عبادة بن الصامت ﵁ بالجلد أو الرجم، ومن رجَّح هذا الرأي علل له النسخ لا يُصار إليه إلا عند تعذُّر الجمع، والجمع هنا ممكن، بأن يحبس ويؤذى بالكلام حتى يقام عليه الجلد أو الرجم، وأمثاله في الشرع قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٦)، فإن ارتفاع وجوب الصيام بمجيء الليل لا يسمى نسخًا. وعلى هذا الرأي فإن الزاني يحبس حتى يُقام عليه الحد الجديد من الجلد

стр. 6216

أو الرجم، وهذا القول اختاره ابن العربي (١)، ونسب ابن حجر الهيتمي هذا القول للمحققين من المتأخرين حيث قال: "فلا نسخ في الآية عند المحققين من المتأخرين؛ لأنها على حد ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فيه يرتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا نسخه، وأيضا فشرط النسخ تعذر الجمع، وهنا الجمع ممكن بين الحبس والتغريب والجلد أو الرجم، فإطلاق المتقدمين النسخ هنا تجوز" (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٩/ ٢] حد الزاني البكر الجلد مائة جلدة . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف البكر: البكر في اللغة: الباء والكاف والراء يطلق في اللغة على معان: الأول: يطلق على أول الشيء وابتداؤه، ومنه: البُكر والتبكير والبُكور والابتكار: المُضِيُّ في ذلك الوقت، والبُكرة: أول النهار، والبِكر: هو أوّل ولد الرّجل غلامًا كان أو جاريةً. الثاني: البَكَراتُ، وهي الحَلَق التي في حِلية السيف، كأنها فُتُوخ النِّساء. الثالث: البَكر -بفتح الباء- الولد من الإبل، فالذكر منه يسمى بَكرًا،

стр. 6217

الأنثى بَكرة. الثالث: البِكر -بكسر الباء- المرأة العذراء التي لم يمسها رجل بجماع، ولم تفتض بكارتها. الرابع: البِكْرُ -بكسر الباء- خلاف الثيب رجلًا كان أو امرأة، وهو الذي لم يتزوج، وجمعه أبكار (١). البِكر شرعًا: المراد بالبكر عند الفقهاء في حد الزنا: هو من لم يحصل له دخول في نكاح صحيح، أو في عقد فاسد جارٍ مجرى الصحيح، رجلًا كان أو امرأة (٢). ويتبين من هذا التعريف الاصطلاحي أنه موافق للمعنى اللغوي الرابع وهو: من لم يتزوج رجلًا كان أو امرأة. أما المعنى الثالث الذي هو بمعنى المرأة العذراء التي لم تفتض بكارتها فليس موافقًا للمعنى الشرعي، ولذا قال الكاساني: "لا خلاف في أن كل من زالت عذرتها بوثبة، أو طفرة، أو حيضة، أو طول التعنيس، أنها في حكم الأبكار، تزوج كما تزوج الأبكار" (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب البكر وهو من لم يحصل له وطء في نكاح صحيح ما يوجب حد الزنا؛ فإنه يجلد مائة جلدة. ويتبيَّن مما سبق أن الزاني إن كان ثيبًا فذلك غير مراد، وكذا إن كان زِناه

стр. 6218

بامرأة من محارمه فذلك غير مراد أيضًا (١). • من نقل الإجماع: قال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢)، في زنا الأبكار خاصة" (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "الناس قد أجمعوا على أن الحر الزاني والحرة الزانية إذا كانا غير محصنين فإن حدهما مائة جلدة" (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) في شرحه لحديث العسيف (٥): "فلا خلاف بين علماء المسلمين أن ابنه كان بكرًا، وأن الجلد حد البكر مائة جلدة" (٦). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أجمعوا على أن حد البكر في الزنا جلد مائة" (٧). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة" (٨). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الجلد ثابت بكتاب اللَّه، وقام الإجماع ممن يعتد به على اختصاصه بالبكر، وهو غير المحصن" (٩). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "أجمعوا على أن الزاني الذي ليس بمحصن حده جلد مائة" (١٠). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "إن زنى غير محصن حر جلد مائة

стр. 6219

بلا خلاف" (١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). الدليل الثاني: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٣). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه (٤). الدليل الرابع: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (٥).

стр. 6220

• وجه الدلالة من النصوص السابقة: النصوص السابقة صريحة في أن حد البكر في الزنا هو الجلد مائة جلدة. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١١٠/ ٥١] البكر لا رجم عليه . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب البكر ما يوجب حد الزنا؛ فإنه لا يُعاقب بقتله رجمًا حتى يموت. ويتبيَّن مما سبق أن الزاني إن كان محصنًا فذلك غير مراد، وكذا إن كان زناه بامرأة من محارمه فذلك غير مراد أيضًا، وكذا الحكم عليه بالقتل بغير الحجارة غير مراد أيضًا (١). • من نقل الإجماع: قال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢)، في زنا الأبكار خاصة" (٣). وقال ابن عبد البر: (٤٦٣ هـ): "إجماع من المسلمين أن البكر لا رجم عليه" (٤). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "لا خلاف أنه لا يرجم غير المحصن" (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل

стр. 6221

العلم" (١)، وبمثله قال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ) (٢)، وشمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "الزاني إذا لم يحصن حده الجلد دون الرجم، ولا خلاف بين الأمة فيه؛ قال اللَّه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٤)، وأجمعوا أن الأبكار داخلون في هذا الخطاب" (٥). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الجلد ثابت بكتاب اللَّه، وقام الإجماع ممن يعتد به على اختصاصه بالبكر، وهو غير المحصن" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٩). الدليل الثاني: عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (١٠). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه (١١). الدليل الرابع: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -:

стр. 6222

نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (١). وجه الدلالة من النصوص السابقة: الأحاديث السابقة تصريح بأن الجلد هو في حق البكر، وأن الرجم إنما هو في حق الثيب. الدليل الخامس: أنه مروي عن جماعة من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ في جلد من زنى وهو بِكر، ولم يأت عن أحد منهم رجم البكر (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١١١/ ٢] حد الزاني المحصن الرجم . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب حد الزنا، وكان محصنًا، فإن الحد الواجب في حقه هو الرجم. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن الحر إذا تزوج تزويجًا صحيحًا، ووطئها في الفرج، أنه محصن، يجب عليهما الرجم إذا زنيا" (٣). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "فالرجم ثابت بسنة رسول اللَّه ﷺ ، وبفعل الخلفاء

стр. 6223

الراشدين، وباتفاق أئمة أهل العلم" (١) ونقله عنه ابن حجر (٢). وقال الماوردي (٤٥٠ هـ): "والدليل على وجوب الرجم. . . انعقاد الإجماع عليه حتى صار حكمه متواترًا" (٣). وقال ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ): "اتفقوا كلهم -حاشا من لا يعتد به بلا خلاف وليس هم عندنا من المسلمين- فقالوا إن على الحر والحرة إذا زنيا وهما محصنان الرجم حتى يموتا" (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع فقهاء المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا أن المحصن حده الرجم" (٥). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "وإذا وجب الحد وكان الزاني محصنًا رجمه بالحجارة حتى يموت. . . وعلى هذا إجماع الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم" (٦). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "لا خلاف أنه لا يرجم غير المحصن" (٧).

стр. 6224

وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "فأما الثيب الأحرار المحصنون، فإن المسلمين أجمعوا على أن حدهم الرجم" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم" (٤). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمع الجمهور من الصحابة ﵃ ومن بعدهم أن المحصن حده الرجم، وأما المبتدعة كالخوارج والمعتزلة فإنهم لا يرون رجم الزاني وإن أحصن، وانما حده عندهم الجلد، ولا يعرج عليهم ولا يعدون خلافًا" (٥). وقال أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ): "إذا زنى المحصن وجب الرَّجم بإجماع المسلمين" (٦). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن وهو الثيب، ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة، إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة، كالنظام، وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم" (٧).

стр. 6225

وقال ابن مودود الموصلي (٦٨٣ هـ) (١) "حد الزاني إن كان محصنًا الرجم بالحجارة حتى يموت. . . . وعلى ذلك إجماع العلماء" (٢). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ثبت الرجم بالسنة المتواترة، وإجماع الصحابة ﵃" (٣). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "استحقاق الزاني المحصن للقتل وهو الرجم بالحجارة، وأجمع المسلمون على ذلك" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "عليه إجماع الصحابة ﵃ ومن تقدم من علماء المسلمين" (٥) ونقله عنه الملا علي القاري (٦). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "وعلى هذا -أي: رجم الزاني- إجماع الصحابة ﵃ وإنكار الخوارج الرجم باطل؛ لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة ﵃" (٧). والخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "الحد هو الجلد والتغريب على غير المحصن، والرجم على المحصن بالنص والإجماع" (٨). وقال الملا علي القاري (١٠١٤ هـ): "الرجم عليه إجماع الصحابة ﵃، ومن تقدم من علماء الأمة" (٩). وقال المناوي (١٠٣١ هـ): "فرجم المحصن واجب بإجماع المسلمين" (١٠). وقال الزرقاني (١١٢٢ هـ): "قال الخوارج والمعتزلة: لا رجم مطلقًا، وإنما

стр. 6226

الحد الجلد لثيب أو بكر، وهو خلاف إجماع أهل الحق والسنة" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٥ هـ): "الرجم فهو مجمع عليه" (٢). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "أجمع أهل العلم على أن من زنى وهو محصن يرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن، ذكرًا كان أو أنثى، إلا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه" (٣). وقال ابن عاشور (١٣٩٣ هـ): "الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت، وكان ذلك سنة متواترة في زمن النبي ﷺ ، ورجم ماعز بن مالك، وأجمع على ذلك العلماء" (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه ﷺ : (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا

стр. 6227

عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول اللَّه ﷺ وهو في المسجد، فناداه فقال: يا رسول اللَّه إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: (أبك جنون؟ )، قال: لا، قال: (فهل أحصنت؟ )، قال: نعم، فقال النبي ﷺ : (اذهبوا به فارجموه) متفق عليه (٢). الدليل الثالث: قصة الغامدية التي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (٣). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﵌ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه تعالى. والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال

стр. 6228

والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (١). الدليل الخامس: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢). الدليل السادس: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. وإنما خالف في ذلك طوائف من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، وخلافهم ليس بمعتبر كما سبق بيانه (٤). [١١٢/ ٢] من وجب عليه الرجم فإنه يرجم حتى الموت . • المراد بالمسألة: سبق في المسألة السابقة أن الواجب في حد الزاني المحصن هو الرجم، والمراد بهذه المسألة بيان أن هذا الرجم يستمر حتى يموت الشخص المحدود بالرجم. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن المرجوم يداوم عليه الرجم حتى يموت" (٥) ونقله عنه ابن قدامة (٦) وبهاء الدين

стр. 6229

المقدسي (١) وشمس الدين ابن قدامة (٢) وإبراهيم ابن مفلح (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أنه إذا زنى وكان قد تزوج قبل ذلك أن عليه الرجم بالحجارة حتى يموت" (٤)، وحكاه عنه البهوتي (٥)، والرحيباني (٦). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "وإذا وجب الحد وكان الزاني محصنًا رجمه بالحجارة حتى يموت. . . وعلى هذا إجماع الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم" (٧). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أنه من زنى وكان قد تزوج. . . أن عليه الرجم بالحجارة حتى يموت" (٨). وقال ابن مودود الموصلي (٦٨٣ هـ): "حد الزاني إن كان محصنًا الرجم بالحجارة حتى يموت. . . . وعلى ذلك إجماع العلماء" (٩). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "رجمه بالحجارة حتى يموت: عليه إجماع الصحابة ﵃، ومن تقدم من علماء المسلمين" (١٠). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "وحد الزاني المحصن من رجل أو امرأة الرجم حتى يموت بالإجماع" (١١).

стр. 6230

وقال الرملي (١٠٠٤ هـ): "وحد المحصن رجلا أو امرأة الرجم إلى موته بالإجماع" (١). وقال محمد الجاوي (١٣١٦ هـ): " (ويَرجم) أي الإمام أو نائبه (محصنًا) رجلًا كان أو امرأة، حتى يموت إجماعًا" (٢). وقال ابن عاشور (١٣٩٣ هـ): "الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت. وكان ذلك سنة متواترة في زمن النبي ﷺ ، ورجم ماعز ابن مالك، وأجمع على ذلك العلماء" (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: فعل النبي ﷺ حيث رجم ماعزًا، والغامدية حتى ماتا، وقد جاء في قصة رجم ماعز، قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد اللَّه قال: "فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه" متفق عليه (٤). الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه (٥). الدليل الثالث: أن إطلاق الرجم يقتضي القتل به، فلو أن الرجم لا يُراد به الرجم المفضي للقتل لبُيِّن ذلك (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6231

[١١٣/ ٢] المرأة المسلمة العاقلة غير المكرهة كالرجل المحصن وأن غير المحصنة كغير المحصن . • المراد بالمسألة: تقرر فيما سبق أن حد الزنا هو الرجم على المحصن، وجلد مائة على غير المحصن مع التغريب، والمراد هنا بيان أن هذا الحد عام في المرأة والرجل سواء. ويُنبه هنا إلى أمرين: الأول: المراد هنا تقرير أن الواجب في حد الرجل هو الواجب في حد المرأة، مع مراعاة خلاف أهل العلم في الحد الواجب، وذلك أنه قد سبق بيان أن ثمة من خالف في التغريب ولم يره من الحد كما هو مذهب الحنفية (١)، فهؤلاء كما ينفون التغريب في حق الرجل فهو كذلك في حق المرأة. الثاني: المراد هو استواء الرجال والنساء في أصل الحد من الجلد مائة والتغريب في حق البكر، أو الرجم في حق المرأة، أما صفة إقامة الحد فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن المرأة الحرة المسلمة المحصنة العاقلة غير المكرهة فيما ذكرنا كالرجل المحصن، وأن غير المحصنة كغير المحصن" (٢). وقال أيضًا: "الناس قد أجمعوا على أن الحر الزاني والحرة الزانية إذا كانا غير محصنين فإن حدهما مائة جلدة" (٣).

стр. 6232

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "اتفقوا أن المرأة الحرة المسلمة العاقلة غير المكرهة، كالرجل المحصن وأن غير المحصنة كغير المحصن" (٣). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "أجمع أهل العلم على أن من زنى وهو محصن يرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن، ذكرًا كان أو أنثى، إلا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة، كالنظام، وأصحابه" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٧). • وجه الدلالة: الآية صريحة في أن إقامة حد الجلد عام في حق الرجال والنساء. الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده

стр. 6233

الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا)، فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقام الحد على ماعز من الرجال، وأقامه أيضًا على الغامدية، وهو الرجم لكونهما محصنين، وهو يدل على استواء الرجال والنساء في ذلك. الدليل الثالث: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين

стр. 6234

بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (١). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديثان صريحان في إقامة الحد على الرجل والمرأة، حيث أقام حد الرجم على ماعز من الرجال، وأقامه على الغامدية، والمرأة التى زنى بها العسيف. الدليل الرابع: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب غام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﵌ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه تعالى، والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (٣). الدليل السادس: أن الصحابة ﵃ جلدوا الرجال والنساء غير المحصنين بموجب الزنا، كما هو مروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الزاني البكر عليه جلد

стр. 6235

مائة وتغريب عام، إلا أن هذا الحكم خاص بالرجال، أما النساء فإن عليها جلد مائة، ولا تغريب عليها. وهو قول المالكية (١). • دليل المخالف: استدل من قال بعدم تغريب المرأة بعموم الأحاديث الدالة على النهي عن سفر المرأة بغير محرم، ومنها: أ - عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) متفق عليه (٢). ب - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة يومين إلا معها زوجها أو ذو محرم) متفق عليه (٣). ج - عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم) متفق عليه (٤). الدليل الثاني: لأن في تغريبها إعانة على فسادها، وتعريضها للخطر، إذ لا بد من محرَم معها يحميها، وإلزام المحرم بالتغريب معها فيه إنزال العقوبة به بدون ذنب ارتكبه (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر على قسمين: الأول: حد الرجم والجلد فهذا استواء الرجال والنساء في الحد محل إجماع بين أهل العلم. الثاني: التغريب بنفي سنة، فهذا استواء الرجال والنساء فيه ليس محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن المالكية، واللَّه تعالى أعلم.
следующие страницы →