← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

[١١٣/ ٢] المرأة المسلمة العاقلة غير المكرهة كالرجل المحصن وأن غير المحصنة كغير المحصن . • المراد بالمسألة: تقرر فيما سبق أن حد الزنا هو الرجم على المحصن، وجلد مائة على غير المحصن مع التغريب، والمراد هنا بيان أن هذا الحد عام في المرأة والرجل سواء. ويُنبه هنا إلى أمرين: الأول: المراد هنا تقرير أن الواجب في حد الرجل هو الواجب في حد المرأة، مع مراعاة خلاف أهل العلم في الحد الواجب، وذلك أنه قد سبق بيان أن ثمة من خالف في التغريب ولم يره من الحد كما هو مذهب الحنفية (١)، فهؤلاء كما ينفون التغريب في حق الرجل فهو كذلك في حق المرأة. الثاني: المراد هو استواء الرجال والنساء في أصل الحد من الجلد مائة والتغريب في حق البكر، أو الرجم في حق المرأة، أما صفة إقامة الحد فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن المرأة الحرة المسلمة المحصنة العاقلة غير المكرهة فيما ذكرنا كالرجل المحصن، وأن غير المحصنة كغير المحصن" (٢). وقال أيضًا: "الناس قد أجمعوا على أن الحر الزاني والحرة الزانية إذا كانا غير محصنين فإن حدهما مائة جلدة" (٣).

стр. 6232

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "اتفقوا أن المرأة الحرة المسلمة العاقلة غير المكرهة، كالرجل المحصن وأن غير المحصنة كغير المحصن" (٣). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "أجمع أهل العلم على أن من زنى وهو محصن يرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن، ذكرًا كان أو أنثى، إلا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة، كالنظام، وأصحابه" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٧). • وجه الدلالة: الآية صريحة في أن إقامة حد الجلد عام في حق الرجال والنساء. الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده

стр. 6233

الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا)، فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقام الحد على ماعز من الرجال، وأقامه أيضًا على الغامدية، وهو الرجم لكونهما محصنين، وهو يدل على استواء الرجال والنساء في ذلك. الدليل الثالث: عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال رسول اللَّه: (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه: (والذي نفسي بيده لأقضين

стр. 6234

بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (١). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديثان صريحان في إقامة الحد على الرجل والمرأة، حيث أقام حد الرجم على ماعز من الرجال، وأقامه على الغامدية، والمرأة التى زنى بها العسيف. الدليل الرابع: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب غام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٢). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﵌ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه تعالى، والرجم في كتاب اللَّه حق على من أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (٣). الدليل السادس: أن الصحابة ﵃ جلدوا الرجال والنساء غير المحصنين بموجب الزنا، كما هو مروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الزاني البكر عليه جلد

стр. 6235

مائة وتغريب عام، إلا أن هذا الحكم خاص بالرجال، أما النساء فإن عليها جلد مائة، ولا تغريب عليها. وهو قول المالكية (١). • دليل المخالف: استدل من قال بعدم تغريب المرأة بعموم الأحاديث الدالة على النهي عن سفر المرأة بغير محرم، ومنها: أ - عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) متفق عليه (٢). ب - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة يومين إلا معها زوجها أو ذو محرم) متفق عليه (٣). ج - عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم) متفق عليه (٤). الدليل الثاني: لأن في تغريبها إعانة على فسادها، وتعريضها للخطر، إذ لا بد من محرَم معها يحميها، وإلزام المحرم بالتغريب معها فيه إنزال العقوبة به بدون ذنب ارتكبه (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر على قسمين: الأول: حد الرجم والجلد فهذا استواء الرجال والنساء في الحد محل إجماع بين أهل العلم. الثاني: التغريب بنفي سنة، فهذا استواء الرجال والنساء فيه ليس محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن المالكية، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6236

[١١٤/ ٢] إن كان أحد الزانيين محصنًا والآخر غير محصن فلكل واحد منهما حكمه . • المراد بالمسألة: إذا زنى رجل بامرأة، وثبت ذلك عليهما بما يوجب الحد، وكان الرجل مُحصنًا والمرأة غير محصنة أو العكس، فإن لكل واحد منهما الحد الخاص به، الجلد لغير المحصن، والرجم للمحصن. ويتبين مما سبق أنه إن ثبت حد الزنا على أحدهما ولم يجب على الآخر إما لإنكاره، أو لصغره أو جنونه، أو غير ذلك، فمسألة أخرى غير مرادة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أنه إن كان أحد الزانيين محصنًا والآخر غير محصن أن لكل واحد منهما حكمه" (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "اتفقوا أنه إن كان أحد الزانيين محصنًا والآخر غير محصن أن لكل واحد منهما حكمه" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع في المسألة إلى ما في الصحيحين عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: "إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه إلا قضيت لي بكتاب اللَّه، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب اللَّه وائذن

стр. 6237

لي، فقال رسول اللَّه ﷺ : (قل) قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول اللَّه ﷺ : (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (١). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في المسألة فإن النبي ﷺ أمر برجم المرأة لكونها محصنة، وجلد الرجل لكونه غير محصن (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١١٥/ ٥٦] يشترط للإحصان البلوغ والعقل . صورة المسألة الأولى: إذا ارتكب شخص مُحصن ما يوجب حد الزنا، وكان ذلك الشخص قد وطئ في نكاح صحيح قبل بلوغه، ولم يفعل ذلك بعد البلوغ، فإنه لا يُقام عليه حد المحصن المقرر بالرجم، سواء فعل زناه قبل بلوغه أو بعده؛ لأن من شرط الإحصان أن يطأ في نكاح صحيح وهو بالغ. صورة المسألة الثانية: وكذا لو وطئ في نكاح صحيح وهو غير عاقل، فإنه لا يقام عليه حد المحصن، سواء كان زناه حال جنونه أو إفاقته، لأن من شرط الإحصان أن يطأ في نكاح صحيح وهو عاقل. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لا يثبت عند الجميع لصبي

стр. 6238

ولا مجنون إحصان" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "أما إحصان الرجم فهو عبارة في الشرع عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم، وهي سبعة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والنكاح الصحيح، وكون الزوجين جميعًا على هذه الصفات. . . ولا خلاف في هذه الجملة إلا في الإسلام" (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "لا يثبت عند الجميع إحصان لصبي ولا مجنون" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية في الأصح (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى رفع القلم عن الصغير حتى يبلغ، ومن رُفع عنه القلم فإنه لا يؤاخذ فيما يتعلق بحقوق اللَّه تعالى. الدليل الثاني: أنه إذا سقط التكليف عن الصغير في العبادات والمآثم في المعاصي فلأن يسقط الحد الذي مبناه على الدرء والإسقاط أولى (٧). الدليل الثالث: لأن الحد عقوبة محضة فتستدعي جناية محضة، وفعل

стр. 6239

الصبي لا يوصف بالجناية فلا حد عليه لعدم الجناية منه (١). الدليل الرابع: أن الإحصان يكون بوجود الكمال في الوطء، بأن يطأ في نكاح صحيح في القبل وهو حر، والعقل والبلوغ من صفات الكمال، فلا يحصل الإحصان إلا بالوطء حال البلوغ والعقل (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب الشافعية في خلاف الأصح إلى أن من وطئ في نكاح صحيح وهو غير بالغ، فإنه يكون محصنًا (٣). • دليل المخالف: استدل من اعتبر الوطء قبل البلوغ بحصول الإحصان إذا بلغ أن الوطء قبل البلوغ وطء كامل يتحقق به تمام اللذة بدليل أنه يحصل به تحليل الزوجة المطلَّقة ثلاثًا لزوجها الأول، فيحصل به الإحصان (٤). النتيجة: المسألة الأولى: يشترط للإحصان البلوغ: هذه على قسمين: القسم الأول: من وطئ في نكاح صحيح وهو غير بالغ، ثم زنى قبل البلوغ، فهذا غير محصن، ولا يُقام عليه حد المحصن بلا خلاف (٥). القسم الثاني: من وطئ في نكاح صحيح وهو غير بالغ، ثم زنى وهو بالغ، فهذا القول بأنه غير محصن ليس محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الشافعية في خلاف الأصح عندهم. المسألة الثانية: يشترط للإحصان العقل: هذه محل إجماع بين أهل العلم في أن من وطئ في نكاح صحيح وهو غير عاقل، فإنه لا حد عليه سواء كان زناه حال جنونه أو إفاقته؛ لعدم المخالف.

стр. 6240

[١١٦/ ٢] يشترط للإحصان الحرية . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان الزاني مملوكًا قد وَطئ في نكاح صحيح فإنه لا يُقام عليه حد الرجم، سواء كان زناه حال كونه مملوكًا، أو بعد عِتقه؛ لأن الرجم إنما يكون للمحصن، ومن الشروط الواجب توفرها في الشخص المحصن أن يكون وطئ في نكاح صحيح وهو حر. وكذا الحكم في المرأة المملوكة، لا يُقام عليها حد الرجم إلا أن تكون وُطئت في نكاح صحيح وهي حرة. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "أما إحصان الرجم فهو عبارة في الشرع عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم، وهي سبعة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والنكاح الصحيح، وكون الزوجين جميعًا على هذه الصفات. . . ولا خلاف في هذه الجملة إلا في الإسلام" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الحرية وهي شرط في قول أهل العلم كلهم، إلا أبا ثور: قال العبد والأمة هما محصنان، يرجمان إذا زنيا، إلا أن يكون إجماع يخالف ذلك، وحكي عن الأوزاعي في العبد تحته حرة: هو محصن، يرجم إذا زنى، وإن كان تحته أمة: لم يرجم، وهذه أقوال تخالف النص والإجماع" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٢٨ هـ) (٣). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) في شروط الإحصان: "الحرية في قول الجميع إلا أبا ثور. . . والرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص مع مخالفة الإجماع" (٤).

стр. 6241

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (١)، والشافعية (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكر في عقاب الإماء أن عليهن نصف ما على الأحرار، ومعلوم أن الرجم لا يمكن تنصيفه، لأن الموت لا يتنصف، وذلك يدل على أنه لا رجم على الإماء، وأن الحرية شرط في الإحصان (٤). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر في الأمة الزانية أن تُجلد، ولم يُفرق بين كونها محصنة أو غير محصنة (٦). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: أن العبد إذا تزوج بامرأة حرة، فإنه يكون محصنًا، وكذا المرأة المملوكة إذا تزوجت بحر، فإنها تكون محصنة، ويجب عليهما الرجم إذا زنيا. وهذا قول مجاهد، والأوزاعي، وبه قال الظاهرية (٧). وأخرج ابن حزم في ذلك عن مجاهد قال: "قدمت المدينة وقد أجمعوا على عبد زنى، وقد أحصن بحرة، أنه يرجم، إلا عكرمة فإنه قال:

стр. 6242

عليه نصف الحد" (١). القول الثاني: أن العبد والأمة حكمهما حكم الأحرار، فيجب عليهما الرجم إن زنيا، والحرية ليست بشرط في الإحصان. وبه قال أبو ثور إلا أن يمنع منه إجماع (٢). القول الثالث: أن من وَطئ أو وُطئت في نكاح صحيح وهو مملوك، ثم أُعتق فإنه يكون محصنًا بإعتاقه، ولو لم يطأ بعد عِتقه. وهو قول للشافعية خلاف الأصح عندهم (٣). القول الرابع: أن الأمة لا يُقام عليها حد الرجم، أما العبد فيُقام عليه حد الرجم، فالحرية من شروط الإحصان في حق الأمة، وليس شرطًا في حق العبد. وبه قال ابن حزم (٤). • دليل المخالف: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبيَّن زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٦). وجه الدلالة من الآية والحديث: أن الآية والحديث نصَّا على الأَمة، فبقي العبد على الأصل من إقامة الحد عليه، ولو أراد اللَّه تعالى إلحاق العبد

стр. 6243

بالأمة لذكره وبيَّنه (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض السلف، والظاهرية، وقول للشافعية مقابل الأصح عندهم، ولعل من حكى الإجماع لم يعتبر الخلاف في المسألة. إلا أنه يمكن مما سبق تحصيل مسألة هي محل إجماع بين أهل العلم وحاصلها: الأمة إن تزوجت بعبد مثلها، ثم زنت وهي أمة، ولم تُعتق، فعدم الرجم عليها محل إجماع بين أهل العلم؛ فإنه لم يخالف فيه إلا أبا ثور، وشرط في خلافه ألا يكون ثمة إجماع في المسألة، وقد تحقق الإجماع، فيكون قول أبي ثور منفي، واللَّه تعالى أعلم. [١١٧/ ٢] يشترط للإحصان النكاح، وأن يكون النكاح صحيحًا، وأن يطأ في النكاح الصحيح . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان ذلك الشخص مسلمًا بالغًا عاقلًا حرًا، إلا أنه لم يتزوج، فإنه لا يُعتبر محصنًا، فإن زنى فإنه لا يُقام عليه حد الرجم، لأن من شرط الإحصان أن يكون الزاني قد تزوج. كما يُشترط أيضًا أن يكون النكاح صحيحًا، أما إن كان النكاح فاسدًا فلا يُعتبر صاحبه محصنًا. كما يُشترط أيضًا أن يطأ في النكاح الصحيح، فإن كان الزاني قد تزوج في نكاح صحيح، لكنه لم يطأ زوجته بتغييب حشفته في فرجها فإنه فلا يُعتبر محصنًا، ولا يُقام عليه حد المحصن بالرجم حتى يموت (٢).

стр. 6244

ويتبيَّن مما سبق أمور: الأول: يستثنى من شرط النكاح، من وطئ في ملك يمين، أو وطء شبهة، فجميع ذلك لا يُعتبر محصنًا. الثاني: يستثنى من شرط النكاح الصحيح، من طئ في نكاح فاسد، كنكاح المتعة، أو نكاح المحارم، أو غير ذلك، فجميع ذلك لا يُعتبر صاحبه محصنًا. الثالث: يستثنى من شرط الوطء في النكاح الصحيح، من تزوج بنكاح صحيح لكنه لم يطأ زوجته، فذلك لا يُعتبر محصنًا. الرابع: المراد في المسألة الوطء الصحيح، أما الوطء الفاسد كمن وطئ امرأته وهي حائض أو كان هو مُحرِمًا، أو غير ذلك، فحصول الإحصان بالوطء الفاسد محل خلاف غير مراد في المسألة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد، ولا بالشبهة"، نقله عنه ابن حجر (٢). وقال أيضًا: "أجمعوا على أن المرء لا يكون بعقد النكاح محصنًا حتى يكون معه الوطء" (٣) ونقله عنه ابن حجر (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قالوا جميعًا الوطء الفاسد لا يقع به إحصان" (٥). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "ما نعلم الإحصان في اللغة العربية والشريعة يقع إلا على معنيين: على الزواج الذي يكون فيه الوطء، فهذا إجماع لا خلاف فيه. . . " (٦).

стр. 6245

وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "أما إحصان الرجم فهو عبارة في الشرع عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم، وهي سبعة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والنكاح الصحيح، وكون الزوجين جميعًا على هذه الصفات. . . ولا خلاف في هذه الجملة إلا في الإسلام" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٨ هـ): "ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي عن الوطء، لا يحصل به إحصان" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٢٨ هـ) (٣). وقال ابن قدامة أيضًا في بيان شروط الإحصان: "أن يكون في نكاح. . . ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنا، ووطء الشبهة، لا يصير به الواطئ محصنًا، ولا نعلم خلافًا في أن التسري لا يحصل به الإحصان" (٤)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٢٨ هـ) (٥). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "وأجمع أهل العلم على أن المرء لا يكون بعد محصنًا حتى يكون معه الوطء" (٦). وقال الزركشي (٧٧٣ هـ) في بيان شروط الإحصان: "أن يكون بنكاح، فلا إحصان لواطئ بشبهة، أو ملك يمين، ونحو ذلك، إجماعًا" (٧). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "فلا إحصان بمجرد العقد إجماعًا" (٨). وقال أيضًا في شرطية النكاح الصحيح للإحصان:

стр. 6246

"فلا إحصان بباطل إجماعًا" (١). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) في شروط الإحصان: "أن تكون في نكاح. . . ولا خلاف أن وطء الزنا والشبهة لا يصير به الواطئ محصنًا، وأن التسري لا يحصل به الإحصان" (٢). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنا، ووطئ الشبهة، لا يصير به أحدهما محصنًا، ولا نعلم بينهم خلافًا في أن التسرى لا يحصل به الاحصان لواحد منهما" (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع أن المعتبر في الإحصان هو الوطء على حال الكمال وتمام النعمة، وذلك إنما يكون بالوطء في نكاح صحيح (٤). • المخالفون: ذهب بعض الفقهاء إلى أن من وطء في نكاح فاسد فإنه يكون محصنًا. وهو قول أبي ثور، والليث، والأوزاعي (٥). • دليل المخالف: أن النكاح الفاسد أُعطي أحكام النكاح الصحيح في كثير من المسائل كوجوب المهر، والعدة، ولحوق الولد، وتحريم الربيبة، وغير ذلك، فكذا يُعطى حكمه في الإحصان (٦). النتيجة: يتبين مما سبق أن ثمة ثلاث مسائل: المسألة الأولى: يشترط للإحصان النكاح: فهذه فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. المسألة الثانية: يشترط للإحصان أن يكون النكاح صحيحًا: فهذه فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لخلاف أبي ثور، والليث بن سعد، والأوزاعي، ولذا قال إبراهيم ابن مفلح ضمن شروط الإحصان ومنها

стр. 6247

صحة النكاح، فقال: "أن يكون صحيحًا: وهو قول أكثرهم" (١). المسألة الثالثة: يشترط للإحصان أن يطأ في النكاح الصحيح: فهذه فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١١٨/ ٢] يشترط للإحصان حصول الوطء في القبل . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص مُحصن ما يوجب حد الزنا، وكان ذلك الشخص مسلمًا بالغًا عاقلًا حرًا، قد تزوج في نكاح صحيح، فإنه لا يُعتبر محصنًا إلا إن وطئ زوجته في قبلها. فإن كان وطئها في دبرها، أو فخذيها أو نحو ذلك فإنه لا يكون مُحصنًا. • من نقل الإجماع: الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "للإحصان شروط سبعة أحدهما: الوطء في القبل ولا خلاف في اشتراطه. . . ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر أو لم يحصل شيء من ذلك" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٢٨ هـ) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٧).

стр. 6248

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب حد الرجم على الثيب، والثيابة إنما تحصل بالوطء في القبل، فوجب اعتباره (١). الدليل الثاني: أن غير القبل كالدبر أو غيره ليس محلًا للوطء، والوطء عند الإطلاق فإنما يراد به الوطء الشرعي وهو القبل (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١١٩/ ٢] يشترط للإحصان الإسلام . • المراد بالمسألة: إذا وطء شخص بالغ عاقل حر امرأته في نكاح صحيح في قُبلها، لكنه كان كافرًا، ثم زنى بعد ذلك؛ فإنه لا يكون محصنًا، ولا يُقام عليه حد الرجم؛ لأن من شرط الإحصان أن يطأ امرأته وهو مسلم. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وكلهم يشترط في الإحصان الموجب للرجم الإسلام هذا من شروطه عند جميعهم" (٣) ونقله عنه العراقي (٤)، والشوكاني (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن كعب بن مالك ﵁ (٧) أنه أراد أن

стр. 6249

يتزوج يهودية أو نصرانية، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فنهاه عنها وقال: (إنها لا تحصنك) (١). الدليل الثاني: أن الرق أثر من آثار الكفر، فإذا كان الإحصان لا يثبت بوطء الأمة بالنكاح لما فيه من الرق؛ فلأن لا يثبت بوطء الكافرة أولى (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الإسلام ليس شرطًا للإحصان. وهو قول الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • دليل المخالف: استدل من قال بإحصان الذمي وغيره من غير أهل الإسلام بأن النبي ﷺ رجم اليهوديين كما في الصحيحين عن عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن اليهود جاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم)، فقالوا:

стр. 6250

نفضحهم ويجلدون، فقال عبد اللَّه بن سلام (١): كذبتم، إن فيها الرجم، فأَتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللَّه بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول اللَّه ﷺ فرُجما، قال عبد اللَّه: فرأيت الرجل يجنأ (٢) على المرأة يقيها الحجارة" متفق عليه (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الشافعية، والحنابلة، وقد تعقَّب ابن عبد البر في نقله لهذا الإجماع جماعة من أهل العلم منهم: العراقي حيث قال: "قال ابن عبد البر: "وكلهم أي الفقهاء يشترط في الإحصان الموجب للرجم الإسلام هذا من شروطه عند جميعهم ومن رأى رجم أهل الذمة منهم إذا أحصنوا إنما رآه من أجل أنهم إذا تحاكموا إلينا لزمنا أن نحكم بينهم بحكم اللَّه فينا وكذلك فعل رسول اللَّه ﷺ باليهوديين المذكورين" انتهى. وهو مردود نقلًا ومعنى، فنقْله عن جميع الفقهاء اشتراط الإسلام في الإحصان مخالف لمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وقوله: "إذا ترافعوا إلينا

стр. 6251

لزمنا أن نحكم فيهم بحكم الإسلام" يقال له حكم الإسلام عندك أن لا رجم على الكافر لعدم إحصانه، فكيف تقول إن رجمهم بحكم الإسلام مع اشتراطه الإسلام في الإحصان" (١). وابن حجر حيث قال: "وقد ذهل ابن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الإحصان الموجب للرجم الإسلام، ورُدَّ عليه بأن الشافعية وأحمد لا يشترطان ذلك" (٢). وكذلك الشوكاني فقال: "قد بالغ ابن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الإحصان الموجب للرجم هو الإسلام، وتُعقَّب بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك" (٣). فلعلَّ حكاية ابن عبد البر للإجماع وهْم وذهول منه كما وصفه بذلك ابن حجر، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٠/ ٢] التسري لا يحصل به إحصان للسيد، ولا إحصان للأمة . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف التسري: التسرَّي هو اتخاذ الأمة للاستمتاع بها. واختلف في أصل هذه التسمية على قولين: الأول: أصله السُّرِّيَّةُ، من السِّر، فهو مأخوذ من السِّر وهو الجماع؛ لأن المقصود من التسرَّي هو الاستمتاع بالجماع. الثاني: أصله تسرَّرْتُ، من السرور، فأبدلوا من إحدى الراءات ياء، فهو مأخوذ من السرور، لأن الأمة تسر المستمتع بها (٤).

стр. 6252

• ثانيًا: بيان الصورة للمسألة: سبق أن من ارتكب ما يوجب الحد، فإن من شرط كونه محصنًا ليقام عليه حد الرجم أن يكون قد وطئ في نكاح صحيح، وهاتان المسألتان هما أمثلة لتخلُّف هذا الشرط، فمن وطئ أمته فإنه لا يكون محصنًا، لأنه لم يطأها في نكاح، وكذا المرأة المملوكة التي وطئها سيدها الحر فلا تصير محصنة بوطء سيدها لها. وينبَّه هنا إلى أن من وطئ أمة هي زوجته فإنه غير داخل في مسألة الباب. وكذا ينبَّه إلى أن إتيان المملوك سيدته الحرة غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٨ هـ): "ولا نعلم خلافًا في أن التسري لا يحصل به الإحصان لواحد منهما" (١)، وبمثله قال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ) (٢)، وشمس الدين ابن قدامة (٦٢٨ هـ) (٣). وقال الزركشي (٧٧٣ هـ) في بيان شروط الإحصان: "أن يكون بنكاح، فلا إحصان الواطئ بشبهة، أو ملك يمين، ونحو ذلك، إجماعًا" (٤). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) في شروط الإحصان: "أن تكون في نكاح ولا خلاف أن وطء الزنا والشبهة لا يصير به الواطئ محصنًا، وأن التسري لا يحصل به الإحصان" (٥). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "ولا نعلم بينهم خلافًا في أن التسرى لا يحصل

стр. 6253

به الإحصان لواحد منهما" (١). ويضاف إلى ذلك النقولات التي سبقت في مسألة: "يشترط للإحصان النكاح" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن التسري ليس بنكاح، ولا تثبت فيه أحكام النكاح، وقد تقرر الإجماع أن النكاح من شروط الإحصان (٥). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن من وُطئت في نكاح صحيح وهي أمة، ثم أُعتقت فإنها تكون محصنة، ولو لم توطأ بعد عِتقها. وهو قول للشافعية خلاف الأصح عندهم (٦). وثمة قول أن الأمة حُكمها حكم الأحرار، فيجب عليها الرجم إن زنت، والحرية ليست بشرط في الإحصان. وبه قال أبو ثور إلا أن يمنع منه إجماع (٧). النتيجة: يظهر مما سبق أن ثمة مسألتان: المسألة الأولى: أن التسري لا يصير به السيد محصنًا، فهذه محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف.

стр. 6254

المسألة الثانية: أن التسري لا تصير به الأمة محصنة، فهذه على قسمين: القسم الأول: الأمة التي وطئها سيدها ثم أُعتقت، فإن القول بأنها غير محصنة ليس محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الشافعية. القسم الثاني: الأمة التي وطئها سيَّدها فإنها غير محصنة ما دامت مملوكة، وعدم إحصانها حينئذٍ محل إجماع بين أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. [١٢١/ ٢] الزنا ووطء الشبهة لا يحصل بهما الإحصان . • المراد بالمسألة: سبق أن من ارتكب ما يوجب الحد، فإن من شروط كونه محصنًا ليقام عليه حد الرجم أن يكون قد وطئ في نكاح صحيح، وهاتان المسألتان هما أمثلة لتخلَّف هذا الشرط. فمن وطئ امرأة ليست زوجته فانه لا يكون محصنًا؛ لأنه لم يطأها في نكاح. وكذا وطء الشبهة كمن وطء في نكاح فاسد، أو وطء امرأة ظنها امرأته، فإنه لا يكون محصنًا. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد، ولا بالشبهة" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قالوا جميعًا الوطء الفاسد لا يقع به إحصان" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٨ هـ) في بيان شروط الإحصان: "أن يكون في نكاح. . . ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنا، ووطء الشبهة، لا يصير به الواطئ محصنًا" (٣)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٢٨ هـ) (٤).

стр. 6255

وقال الزركشي (٧٧٣ هـ) في بيان شروط الإحصان: "أن يكون بنكاح، فلا إحصان لواطئ بشبهة، أو ملك يمين، ونحو ذلك، إجماعًا" (١). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) في شروط الإحصان: "أن تكون في نكاح. . . ولا خلاف أن وطء الزنا والشبهة لا يصير به الواطئ محصنًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع أن المعتبر في الإحصان هو الوطء على حال الكمال وتمام النعمة، وذلك إنما يكون بالوطء في نكاح صحيح (٤). ذهب بعض الفقهاء إلى أن من وطء في نكاح فاسد فإنه يكون محصنًا. وهو قول أبي ثور، والليث، والأوزاعي (٥). • دليل المخالف: أن النكاح الفاسد أُعطي أحكام النكاح الصحيح في كثير من المسائل كوجوب المهر، والعدة، ولحوق الولد، وتحريم الربيبة، وغير ذلك، فكذا يُعطى حكمه في الإحصان (٦). النتيجة: أما المسألة الأولى: أن الزاني لا يعتبر مُحصنًا، فهذا محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. وأما المسألة الثانية: أن وطء الشبهة لا يُعتبر به صاحبه محصنًا، فهذه ليست

стр. 6256

محل إجماع محقق في جميع صورها، لخلاف بعض السلف في أن الوطء في النكاح الفاسد موجب للإحصان، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٢/ ٢] ثبوت الإحصان بالإقرار . [١٢٣/ ٢] إذا تزوج الشخص وأقام مع زوجته زمانًا فإن ذلك لا يكون كافيًا في ثبوت الإحصان، حتى يثبت الوطء بإقرار أو بيِّنة . • المراد بالمسألتين: سبق أن من شروط إقامة الحد على الشخص أن يكون محصنًا، وشرط الإحصان أن يطأ في نكاح صحيح، والمراد هنا: أن من الأمور التي يثبت بها الوطء هو الإقرار. وأن من أقام مع زوجته زمانًا ولو مدة طويلة، كعشرين سنة أو أكثر، ولم يأت منها بولد، ثم زنى أحدهما، فإن مجرد إقامتهما معًا ليست كافية في ثبوت الإحصان، بل لا بد من وجود ما يدل على الوطء كالإقرار، ونحوه. يتبيَّن مما سبق أن من أقام مع زوجته مدة طويلة، وجاء منها بولد، فمسألة غير مرادة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه وإن دخل عليها، وأقام معها زمانًا، ثم مات أو ماتت، فزنا الباقي منهما، لم يُرجم حتى يُقر بالجماع" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن من شرط الإحصان تحقق الوطء،

стр. 6257

والبقاء مع الزوجة يتحصل منه إمكان الوطء لا حقيقته (١). النتيجة: المسألتان فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٤/ ٢] ثبوت الإحصان بالشهادة . [١٢٥/ ٢] إذا شهد الشهود على شخص بأنه قد جامع أو باضع فإنهما لفظان يثبت بهما الإحصان . • المراد بالمسألتين: أولًا: معنى باضع: البُضْعُ -بالضم- يطلق على الفرج والجماع والنكاح، وجمعه أَبْضَاعٌ. والبِضَاعُ اسم من بَاضَعَ مُبَاضَعَةً: أي جامع، ويقال: بَضَعَها ويَبْضَعُهَا -بفتحتين-: إذا جامعها، ويقال: مَلَكَ بُضْعَهَا أي جماعها. فالبِضَاعُ بمعنى الجماع وزنًا ومعنى (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: سبق أن من شرط الإحصان أن يكون الشخص قد وطء في نكاح صحيح، فإذا شهد شهود كالزوجة مثلًا على شخص بأنه قد جامع في نكاح صحيح، أو باضع في نكاح صحيح فإن هذين اللفظين صريحان في معنى الجماع، وبه يثبت الإحصان، وكذا يُلحق بهما جميع الألفاظ التي هي صريحة في الجماع، لا تحتمل غيره. ويتبين من ذلك أن غير هذين اللفظين من الألفاظ المحتملة للجماع وغيره ليست مرادة، كلفظ: "لمسها"، أو "باشرها"، أو "خلَى بها"، أو "أتاها" ونحو ذلك.

стр. 6258

• من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ولو شهدت بينة الإحصان أنه دخل بزوجته، فقال أصحابنا: يثبت الإحصان به. . . فأما إذا قالت جامعها أو باضعها فلا نعلم خلافًا في ثبوت الإحصان" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن لفظ الجماع والبضاع صريح في الوطء الذي هو تغييب الحشفة في الفرج، فهو لفظ لا يحتمل معنى غيره (٦). النتيجة: المسألتان فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم بأن الإحصان يثبت بالشهادة، وأن لفظ الجماع والبضاع يثبت به الإحصان؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٦/ ٢] إذا شهد الشهود على شخص بأنه قد دخل بزوجته، وكان له منها ولد، فإن الشهادة بلفظ الدخول حينئذٍ مما يثبت به الإحصان . • المراد بالمسألة: سبق أن الإحصان يثبت بشهادة الشهود، إلا أن هذه الشهادة لا بد لها من ألفاظ صريحة في الجماع، فإن شهد الشهود بلفظ الدخول، بأن قال: "أشهد أني رأيته دخل بها"، فقد اختلف أهل العلم في ثبوت الإحصان بموجب الشهادة بلفظ الدخول، لكنهم مع ذلك أجمعوا على أنه إن كانت الشهادة بلفظ الدخول، وكان للمشهود عليه ولد من زوجته، فإن

стр. 6259

شهادتهم تكون مقبولة في ثبوت الإحصان. ويتبيَّن مما سبق أنهم لو شهدوا بأنه قد دخل بزوجته، ولم يكن له منها ولد، فتلك مسألة أخرى غير مرادة (١). وكذا لو كان له منها ولد، ولم يشهد شهود بأنه دخل بها، فمسألة أخرى غير مرادة (٢). • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو شهدوا على الدخول وكان له منها ولد، هو محصن بالإجماع، وكفى بالولد شاهدًا" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن وجود الولد من هذه المرأة يدل على أنه قد جامعها في قُبلها، وأن لفظ الدخول أراد به الشهود هو الجماع. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٧/ ٢] حد الأمة خمسون جلدة سواء كانت وُطئت في نكاح صحيح أو لا . [١٢٨/ ٢] حد العبد خمسون جلدة، سواء كان وَطئ في نكاح صحيح أو لا . [١٢٩/ ٢] لا رجم على العبد والأمة، سواء حصل منهما وطء في نكاح صحيح أو لا . • المراد بالمسائل: إذا زنى العبد أو الأمة فإنه لا رجم على واحد منهما، سواء كانا محصنين أو لا، وسواء حصل منهما وطء في نكاح صحيح أو لا،

стр. 6260

وحَّدهما الواجب هو نصف حد الأحرار الأبكار، وهو خمسون جلدة. والمراد بإحصان العبد والأمة محل خلاف بين الفقهاء على ثلاثة أقوال: القول الأول: المراد به الزواج، فإذا تزوجت الأمة فهي محصنة، وكذا العبد، وإذا لم يحصل الزواج لم يحصل الإحصان. وهو قول ابن عباس ﵁، وسعيد بن جبير. القول الثاني: المراد به الإسلام. وهو قول عبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر، وأنس، وزر بن حُبَيْش (١)، والأسود بن يزيد (٢)، وسعيد بن جُبَير، وعطاء، وإبراهيم النَّخعي (٣)، والشعبي. القول الثالث: إحصان الأمة أن تتزوج بِحُر، وإحصان العبد أن يتزوج بحرة، وهو قول مجاهد (٤). • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): "ولم يختلف من لقيت أن لا رجم على عبد ثيب" (٥). وقال أيضًا: "ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم

стр. 6261

على مملوك في الزنا" (١) ونقله عنه ابن كثير (٢). وقال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "لم يختلفوا في أن حد العبد في الزنا خمسون على النصف من حد الحر" (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن الأمة المحصنة بالزواج خاصة إذا ثبت زناها كما قدمنا في الحرة وإنه ليس عليها إلا خمسون جلدة" (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وأجمع العلماء على أن الأمة إذا تزوجت فزنت أن عليها نصف ما على الحرة البكر من الجلد" (٥). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "العلماء أجمعوا على أن الأمة إذا تزوجت وزنت أن حدها خمسون جلدة" (٦). وقال أيضًا في كلامه على العبد: "أن المسلمين اتفقوا على تنصيف حده في الزنا، أعني أن حده نصف حد الحر" (٧). وقال الرازي (٦٠٦ هـ): "اتفقوا على أن الرقيق لا يرجم، واتفقوا على أنه يجلد، وثبت بنص الكتاب أن على الإماء نصف ما على المحصنات من العذاب، فلا جرم: اتفقوا على أن الأمة تجلد خمسين جلدة" (٨). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "حد العبد والأمة خمسون جلدة بكرين كانا أو ثيبين في قول أكثر الفقهاء. . . وقال أبو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج فعليهما نصف الحد، وإن

стр. 6262

أحصنا فعليهما الرجم. . . وجعل داود عليها مائة إذا لم تحصن، وخمسين إذا كانت محصنة. . . أما أبو ثور، فخالف نص قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١)، وعمل به فيما لم يتناوله النص، وخرق الإجماع في إيجاب الرجم على المحصنات، كما خرق داود الإجماع في تكميل الجلد على العبيد، وتضعيف حد الأبكار على المحصنات" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "وأجمع العلماء أن الأمة إذا تزوجت فزنت أن عليها نصف ما على الحرة البكر من الجلد" (٤). وقال النووي (٦٧٦ هـ) في الأمة المزوجة: "وقد أجمعوا على أنها لا ترجم" (٥). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "وإن كان الزاني رقيقا فحده خمسون جلدة. . . وخرق أبو ثور الإجماع في إيجاب الرجم على المحصنات كما خرق داود الإجماع في تكميل الحد على العبد وتضعيف حد الأبكار على المحصنات" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٨). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل عقاب الإماء المحصنات نصف عقاب الأحرار، والحرة عقوبتها مائة جلدة، فيكون عقوبة الأمة نصف ذلك خمسون جلدة، وأما الحرة المحصنة فعقوبتها الرجم والرجم لا يتنصف، وذلك يدل

стр. 6263

على أنه لا رجم على الإماء والعبيد (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر في الأمة الزانية أن تُجلد، ولم يُفرق بين كونها محصنة أو غير محصنة، وهذا إذا ثبت في حق الإماء فكذا في حق العبيد، حتى يرد الدليل على التفريق بين الذكر والأنثى، فإن الأصل في الحدود استواء الرجال والنساء حتى يرد الدليل على التفريق (٣). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: أن الأمة لا يُقام عليها حد الرجم وإنما تجلد خمسون جلدة، أما العبد فيُقام عليه الحد كالحر، فإن كان محصنًا رجم، وإن كان غير محصن جُلد مائة. وبه قال ابن حزم (٤). القول الثاني: أن الأمة إذا لم تتزوج فلا حد عليها، وإنما عليها التعزير فقط، فإذا تزوَّجت فعليها نصف ما على الأحرار، خمسون جلدة. وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبي الدرداء، وطاووس، وعطاء، وأبي عبيد، وقوَّاه ابن القيم (٥). القول الثالث: أن العبد إذا تزوج بامرأة حرة فإنه يكون محصنًا، وكذا المرأة المملوكة إذا تزوجت بِحُر، فإنها تكون محصنة، ويجب عليهما الرجم إذا زنيا.

стр. 6264

وهذا قول مجاهد، والأوزاعي، وبه قال الظاهرية (١). وأخرج ابن حزم في ذلك عن مجاهد قال: "قدمت المدينة وقد أجمعوا على عبد زنى، وقد أحصن بحرة، أنه يرجم، إلا عكرمة فإنه قال: عليه نصف الحد" (٢). القول الرابع: إذا لم يحصنا بالتزوج فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم. وبه قال أبو ثور (٣). • دليل المخالف: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبيَّن زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٥). • وجه الدلالة من الآية والحديث: أن الآية والحديث نصَّا على الأمة، فبقي العبد على الأصل من إقامة الحد عليه، ولو أراد اللَّه تعالى إلحاق العبد بالأمة لذكره وبيَّنه (٦). أما من قال بأنه لا حد على من لم تتزوج فاستدل بقوله تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٧).

стр. 6265

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الحد على الإماء المحصنات، فدل ذلك على أن غير المحصنات لا حد عليهن (١). أما من قال بجلد المحصنة ورجم غير المحصنة فاستدل بالآية أيضًا، فإن اللَّه تعالى أوجب على المحصنات نصف ما على الحرائر، فبقي حكم غير المحصنات على الأصل وهو الرجم (٢). النتيجة: مما سبق يتبيَّن أن ثمة ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حد الأمة خمسون جلدة سواء كانت وُطئت في نكاح صحيح أو لا، فهذه ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف في ذلك عن مجاهد، والأوزاعي، والظاهرية فيما إذا تزوَّجت بِحُرّ، ولثبوت خلاف من قال بأنه لا حد عليها إذا لم تتزوج. وقد أشار إلى الخلاف في ذلك ابن حزم فقال: "واختلفوا في الأمة غير المحصنة عليها جلد أم لا" (٣). أما المسألة الثانية: حد العبد خمسون جلدة، سواء كان وَطئ في نكاح صحيح أو لا، فهذه ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم لثبوت الخلاف عن مجاهد، والأوزاعي، والظاهرية. وأشار إلى الخلاف في هذه المسألة جماعة منهم ابن حزم حيث قال: "واختلفوا في العبد غير المحصن بالزواج، وفي المحصن أيضًا، إذا زنى، عليه خمسون جلدة، أم تمام المائة، والتغريب، والرجم، ومقدار التغريب، أم لا حد عليه" (٤). أما المسألة الثالثة: لا رجم على العبد والأمة، سواء حصل منهما وطء في نكاح صحيح أو لا، وسواء كانا محصنين أو غير محصنين، فهذه على قسمين:

стр. 6266

القسم الأول: الأمة التي لم تتزوج بِحرّ، فعدم الرجم عليها محل إجماع بين أهل العلم، وإن كان ابن حزم لم يجزم بذلك الإجماع حيث قال: "وجدنا الأمة قد اتفقت -بلا خلاف من أحد منهم-: على أن الأمة إذا أحصنت فعليها خمسون جلدة؟ قال أبو محمد ﵀: ولا ندري أحدا أوجب عليها مع ذلك الرجم، ولا يقطع على أن المنع من رجمها إجماع" (١). القسم الثاني: إن كان الزاني هو العبد، والأمة التي تزوَّجت بِحُر، فعدم رجمهما ليس محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن مجاهد، والأوزاعي، والظاهرية، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٠/ ٢] الأمة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب المملوك ذكرًا كان أو أنثى ما يوجب الحد، ثم أُعتق قبل إقامة الحد عليه، فإنه يُعامل في إقامة الحد عليه حد الإماء، على خلاف سبق بيانه فيما هو حد الإماء. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن الأمة إذا زنت ثم أعتقت حُدَّت حد الإماء" (٢) ونقله عنه القرطبي (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا رنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٦).

стр. 6267

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علق الحد على الزنا، وإذا زنت الأمة ثم أُعتقت فإن وقت وجوب الحد عليها هو حال كونها أمة، والاعتبار هو بوقت الوجوب (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٣١/ ٢] إذا زنت الأمة بعد العتق قبل أن تعلم به، ثم علمت وقد حدت حد الإماء أقيم عليها تمام حد الحرة . المراد المسألة: إذا أعتق السيد أمته، ولم تَعلم الأمة بذلك، ثم ارتكبت ما يوجب حد الزنا بعد عتقها وقبل أن تعلم بالعتق، فإنه يقام عليها حد المرأة الحرة، فإن كان قد أُقيم عليها حد الأمة بخمسين جلدة مثلًا فإنه يُكمل لها كحد الحرة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن الأمة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء، وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق، ثم علمت وقد حدت حد الإماء أقيم عليها تمام الحد" (٢) ونقله عنه القرطبي (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن العبرة بحال الوجوب، والحد وجب على الأمة حال كونها حرة (٦). الدليل الثاني: أنه ليس من شروط إقامة الحد العلم بالحرية، كما أنه ليس من شرط إقامة الحد العلم بالعقوبة، فمن ارتكب ما يوجب الحد وهو عالم

стр. 6268

بالتحريم، لكنه جاهل بماهية العقوبة، فإن العقوبة تُطبق في حقه (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٢/ ٧٣] الأمة الزانية ليس بيعها بواجب على سيدها . • المراد بالمسألة: إذا ارتكبت الأمة ما يوجب حد الزنا، وتكرر ذلك منها، فإن الشرع أمر ببيعها كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٢). إلا أن هذا الأمر من النبي ﷺ ليس محمولًا على الوجوب والإلزام. • من نقل الإجماع: قال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أوجب أهل الظاهر بيع الأمة إذا زنت الرابعة وجُلِدت، والأُمَّة كلها على خلافهم، وكفى بقولهم جهلًا خلاف الأمة له" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وأجمع الفقهاء أن الأمة الزانية ليس بيعها بواجب لازم على ربها وإن اختاروا له ذلك" (٤). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وأجمع العلماء على أن بيع الأمة الزانية ليس بواجب لازم على ربها" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨).

стр. 6269

• مستند الإجماع: يستند الإجماع في المسألة إلى أن حديث أبي هريرة ﵁ محمول على الاستحباب، واختلفوا في الصارف له على أقوال: فقيل: الإجماع على أنه للاستحباب. وقيل: أن الحديث منسوخ، وبه قال بعض الشافعية (١). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الحديث في الأمر بالبيع محمول على الوجوب. وهو قول أبي ثور (٢)، وبه قال الظاهرية (٣)، واستظهره الصنعاني (٤). • دليل المخالف: استدل من أوجب بيع الأمة إن زنت أربعًا بظاهر حديث أبي هريرة ﵁، فإنه أمر ظاهره الوجوب، ولا يوجد ما يَصرفه للاستحباب (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف أبي ثور والظاهرية، ولذا قال النووي في حكاية المسألة: "وهذا البيع المأمور به مستحب ليس بواجب عندنا وعند الجمهور، وقال داود وأهل الظاهر: هو واجب" (٦)، فنسب القول باستحباب البيع للجمهور، ولم يجعله إجماعًا. ولعل من حكى الإجماع لم يعتبر قول المخالف، كما هو صريح قول ابن بطال، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6270

الفصل الخامس: مسائل الإجماع في إقامة حد الزنا [١٣٣/ ٢] لا يقام حد على حامل حتى تضع . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على امرأة ما يوجب حد الزنا، ثم تبيَّن أنها حامل، فإنه لا يُقام عليها الحد حتى تضع حمْلها، سواء كان ذلك الحد رجمًا، أو جلدًا، وسواء كان حملها بفعل الزنا، أو بطريق شرعي. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن المرأة إذا اعترفت بالزنا وهي حامل أنه لا ترجم حتى تضع حملها" (١) ونقله عنه ابن قدامة (٢) وشمس الدين ابن قدامة (٣). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء أن الحبلى من الزنا لا رجم عليها حتى تضع" (٤). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن الحد لا يقام عليها وهي حبلى" (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ولا يقام الحد على حامل حتى تضع، سواء كان الحمل من زنا أو غيره، لا نعلم في هذا خلافًا" (٦). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "اتفقوا أن الحد لا يقام على زانية وهي حبلى" (٧). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "لا ترجم الحبلى حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه؛ لئلا يقتل جنينها، وكذا لو كان حدها
следующие страницы →