← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

القسم الأول: الأمة التي لم تتزوج بِحرّ، فعدم الرجم عليها محل إجماع بين أهل العلم، وإن كان ابن حزم لم يجزم بذلك الإجماع حيث قال: "وجدنا الأمة قد اتفقت -بلا خلاف من أحد منهم-: على أن الأمة إذا أحصنت فعليها خمسون جلدة؟ قال أبو محمد ﵀: ولا ندري أحدا أوجب عليها مع ذلك الرجم، ولا يقطع على أن المنع من رجمها إجماع" (١). القسم الثاني: إن كان الزاني هو العبد، والأمة التي تزوَّجت بِحُر، فعدم رجمهما ليس محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن مجاهد، والأوزاعي، والظاهرية، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٠/ ٢] الأمة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب المملوك ذكرًا كان أو أنثى ما يوجب الحد، ثم أُعتق قبل إقامة الحد عليه، فإنه يُعامل في إقامة الحد عليه حد الإماء، على خلاف سبق بيانه فيما هو حد الإماء. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن الأمة إذا زنت ثم أعتقت حُدَّت حد الإماء" (٢) ونقله عنه القرطبي (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا رنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٦).

стр. 6267

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علق الحد على الزنا، وإذا زنت الأمة ثم أُعتقت فإن وقت وجوب الحد عليها هو حال كونها أمة، والاعتبار هو بوقت الوجوب (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٣١/ ٢] إذا زنت الأمة بعد العتق قبل أن تعلم به، ثم علمت وقد حدت حد الإماء أقيم عليها تمام حد الحرة . المراد المسألة: إذا أعتق السيد أمته، ولم تَعلم الأمة بذلك، ثم ارتكبت ما يوجب حد الزنا بعد عتقها وقبل أن تعلم بالعتق، فإنه يقام عليها حد المرأة الحرة، فإن كان قد أُقيم عليها حد الأمة بخمسين جلدة مثلًا فإنه يُكمل لها كحد الحرة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن الأمة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء، وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق، ثم علمت وقد حدت حد الإماء أقيم عليها تمام الحد" (٢) ونقله عنه القرطبي (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن العبرة بحال الوجوب، والحد وجب على الأمة حال كونها حرة (٦). الدليل الثاني: أنه ليس من شروط إقامة الحد العلم بالحرية، كما أنه ليس من شرط إقامة الحد العلم بالعقوبة، فمن ارتكب ما يوجب الحد وهو عالم

стр. 6268

بالتحريم، لكنه جاهل بماهية العقوبة، فإن العقوبة تُطبق في حقه (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٢/ ٧٣] الأمة الزانية ليس بيعها بواجب على سيدها . • المراد بالمسألة: إذا ارتكبت الأمة ما يوجب حد الزنا، وتكرر ذلك منها، فإن الشرع أمر ببيعها كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه (٢). إلا أن هذا الأمر من النبي ﷺ ليس محمولًا على الوجوب والإلزام. • من نقل الإجماع: قال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أوجب أهل الظاهر بيع الأمة إذا زنت الرابعة وجُلِدت، والأُمَّة كلها على خلافهم، وكفى بقولهم جهلًا خلاف الأمة له" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وأجمع الفقهاء أن الأمة الزانية ليس بيعها بواجب لازم على ربها وإن اختاروا له ذلك" (٤). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وأجمع العلماء على أن بيع الأمة الزانية ليس بواجب لازم على ربها" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨).

стр. 6269

• مستند الإجماع: يستند الإجماع في المسألة إلى أن حديث أبي هريرة ﵁ محمول على الاستحباب، واختلفوا في الصارف له على أقوال: فقيل: الإجماع على أنه للاستحباب. وقيل: أن الحديث منسوخ، وبه قال بعض الشافعية (١). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الحديث في الأمر بالبيع محمول على الوجوب. وهو قول أبي ثور (٢)، وبه قال الظاهرية (٣)، واستظهره الصنعاني (٤). • دليل المخالف: استدل من أوجب بيع الأمة إن زنت أربعًا بظاهر حديث أبي هريرة ﵁، فإنه أمر ظاهره الوجوب، ولا يوجد ما يَصرفه للاستحباب (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف أبي ثور والظاهرية، ولذا قال النووي في حكاية المسألة: "وهذا البيع المأمور به مستحب ليس بواجب عندنا وعند الجمهور، وقال داود وأهل الظاهر: هو واجب" (٦)، فنسب القول باستحباب البيع للجمهور، ولم يجعله إجماعًا. ولعل من حكى الإجماع لم يعتبر قول المخالف، كما هو صريح قول ابن بطال، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6270

الفصل الخامس: مسائل الإجماع في إقامة حد الزنا [١٣٣/ ٢] لا يقام حد على حامل حتى تضع . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على امرأة ما يوجب حد الزنا، ثم تبيَّن أنها حامل، فإنه لا يُقام عليها الحد حتى تضع حمْلها، سواء كان ذلك الحد رجمًا، أو جلدًا، وسواء كان حملها بفعل الزنا، أو بطريق شرعي. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن المرأة إذا اعترفت بالزنا وهي حامل أنه لا ترجم حتى تضع حملها" (١) ونقله عنه ابن قدامة (٢) وشمس الدين ابن قدامة (٣). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء أن الحبلى من الزنا لا رجم عليها حتى تضع" (٤). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن الحد لا يقام عليها وهي حبلى" (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ولا يقام الحد على حامل حتى تضع، سواء كان الحمل من زنا أو غيره، لا نعلم في هذا خلافًا" (٦). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "اتفقوا أن الحد لا يقام على زانية وهي حبلى" (٧). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "لا ترجم الحبلى حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه؛ لئلا يقتل جنينها، وكذا لو كان حدها

стр. 6271

الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع" (١) ونقله عنه أبو الطيب (٢). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "وقد استقر الإجماع على أنها لا ترجم حتى تضع" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قصة الغامدية التي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حنى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (٥). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن النبي ﷺ لم يُقم الحد على المرأة الحبلى حتى وضعت حمْلها. الدليل الثاني: أنه المروي عن الصحابة ﵃، وذلك أن عمر ﵁ رفعت له امرأة قد غاب عنها زوجها سنتين، فجاء وهي حبلى، فهم عمر برجمها، فقال له معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن يك لك السبيل عليها فلا سبيل لك على ما في بطنها، فتركها عمر حتى ولدت غلامًا قد نبتت ثناياه، فعرف زوجها شبهه به، قال عمر: "عجز النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ

стр. 6272

هلك عمر" (١). الدليل الثالث: أن في إقامة الحد على الحبلى تعريض لولدها للهلاك، وحملها له حق وحرمة، ولا يجوز قتله تبعًا لأمه لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٤/ ٢] إذا كانت المرأة الزانية حاملًا, فإنه لا يُقام عليها الحد حتى تفطم ولدها . • صورة المسألة: إذا ثبت على امرأة الزنا، وكانت حاملًا، فإنه يجب على الإمام عدم إقامة الحد عليها حتى تضع حملها، وتفطم ولدها، ما لم يمُت الولد. فإن مات الولد قبل ذلك لم يجب ترك المرأة حتى وقت تمام الفطام. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أنها إن حملت من زنا. . . أن تمام فطامها لِما تضع وقت لإقامة الحد عليها، ما لم يمت الولد قبل ذلك" (٤). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أنها إن حملت من زنا. . . أن تمام فطامها وقت لإقامة الحد عليها، ما لم يمت الولد قبل ذلك" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية في رواية (٦) وهو قول

стр. 6273

المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). إلا أن الجميع قيَّد ذلك بحد الرجم إذا لم يوجد للطفل من يقوم على تربيته ورضاعه. • مستند الإجماع: الدليل الأول: قصة الغامدية التي جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (٤). الدليل الثاني: ما أخرجه ابن ماجه أن رسول اللَّه ﷺ قال: (المرأة إذا قتلت عمدًا لا تُقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملًا، وحتى تكفل ولدها، وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها) (٥).

стр. 6274

الدليل الثالث: أنه لما أُخِّر الاستيفاء من الحامل لحفظ الولد وهو حمل جنين في بطن أمه، فلأن يؤخر لحفظه بعد وضعه أولى (١). • المخالفون للإجماع: اتفق الفقهاء على أن الحامل لا يُقام عليه الحد على تضع حملها، ثم اختلفوا فيما بعد ذلك على أقوال: القول الأول: إن كان الحد رجمًا فإنه يُقام عليها الحد بعد الولادة، إن وُجد لصبيِّها من يقوم بتربيته ورضاعه، فإن لم يوجد فإنه يؤخر عنها الحد حتى تفطم ولدها. وإن كان جلدًا فإنه لا يُقام عليها الحد حتى تضع وتطهر من نفاسها. وهو قول الحنفية (٢) والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: بأنه لا يقام عليها حد الرجم بعد الولادة حتى تسقي الولد اللبأ، وهو أول الحليب، لأنه أجود غذاء المولود، ويتضرر الولد بتركه تضررًا كثيرًا، حتى قيل إنه لا يعيش إلا به، بل قال إبراهيم ابن مفلح: "حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ: بغير خلاف نعلمه" (٥)، ولم يشترط الحنفية ذلك. القول الثاني: كالقول الأول، إلا إن كان الحد جلدًا فإنها تُجلد، ولا ينتظر حتى تطهر من نفاسها، وهو قول المالكية (٦)، وبعض الحنابلة (٧).

стр. 6275

القول الثالث: إن وضعت المرأة الحمل فيُقام عليها حد الرجم، حتى لو لم تجد من يَكفل الطفل ويرعاه. وهو وجه عند الشافعية (١). • دليل المخالف: استدل من قال بإقامة حد الرجم على المرأة إن وُجد من يَكفل الولد بقصة الغامدية في حديث بريدة ﵁ أن النبي ﷺ جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول اللَّه طهرني، فقال: (ويحك، ارجعي فاستغفري اللَّه وتوبي إليه)، فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: (وما ذاك؟ )، قالت: إنها حبلى من الزنا، فقال: (آنت؟ )، قالت: نعم، فقال لها: (حتى تضعي ما في بطنك)، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضَعَت الغامدية، فقال: (إذا لا نرجمها وندع لها ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه) فقام رجل من الأنصار فقال: إليَّ رضاعه يا نبي اللَّه، قال: فرجمها" (٢) (٣).

стр. 6276

أما من قال بإقامة حد الجلد بعد طهر المرأة من نفاسها فاستدل بما رواه مسلم عن أبي عبد الرحمن قال: خطب علي ﵁ فقال: "يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول اللَّه ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: (أحسنت، اتركها حتى تماثل) (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف في المسألة. لكن يمكن أن يُقال: بأن المرأة إن كان حدُّها الرجم، ولم يوجد لصبيِّها من يُرضعه ويَكفله، فإن ترك إقامة الحد عليها حتى تفطم ولدها عليه إجماع أهل العلم؛ إذ لا خلاف فيه إلا في وجه عند الشافعية، يمكن القول بشذوذه لعدم متابعته، وعدم الدليل له في ذلك، ومعارضته النصوص الصريحة، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٥/ ٢] الزاني إن كان رجلًا فإنه يرجم قائمًا، ولا يوثق ولا يحفر له أثناء رجمه، سواء ثبت زناه ببينة أو إقرار . • المراد بالمسائل: إذا ارتكب رجل ما يوجب حد الزنا، وثبت ذلك عند الإمام، فإن من صفة إقامة الحد عليه أن يُرجم وهو قائم، وألا يوثق برباط ونحوه أثناء رجمه، وألَّا يُحفر له أيضًا. وبهذا يتبيَّن أن الحد إن كان على امرأة، أو كان الحد جلدًا لا رجمًا فكل ذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن الرجل

стр. 6277

المرجوم لا يحفر له" (١) ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إذا كان الزاني رجلًا أقيم قائمًا، ولم يوثق بشيء، ولم يحفر له، سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار، لا نعلم فيه خلافًا" (٣) ونقله عنه ابن قاسم (٤). وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٥). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): " (ولا يحفر للمرجوم في الزنا رجلًا كان أو امرأة) أما الرجل فبالاتفاق" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٧)، المالكية في عدم الحفر (٨)، والشافعية (٩). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي سعيد ﵁ أن رجلًا من أسلم يقال له ماعز بن مالك، أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي، فرده النبي ﷺ مرارًا قال ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا إلا أنه أصاب شيئًا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال، فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف، قال فاشتد واشتددنا، خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة - يعني الحجارة

стр. 6278

- حتى سكت. . . الحديث (١). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر حيث فيه نص أنهم لم يوثقوا ماعزًا، ولا حفروا له، وأنه هرب حين رجمه وهو يدل على عدم توثيقه، والحفر له، وإلا لما استطاع الهرب (٢). الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن اليهود جاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم)، فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأَتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللَّه بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول اللَّه ﷺ فرُجما، قال عبد اللَّه: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة" متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: انحناء الرجل على المرأة ليقيها من الحجارة دليل على أنه لم يُحفر لهما، ولم يوثقا، وإلا لما استطاع أن ينحني عليها (٤). الدليل الثالث: قول ابن مسعود ﵁: "لا يحل في هذه الأمة تجريد، ولا مد، ولا غل، ولا صفد" (٥). الدليل الرابع: أن الحفر والتوثيق عقوبة زائدة لم يرد بها الشرع، وتحتاج

стр. 6279

إلى دليل (١). • المخالفون للإجماع: ثمة ثلاث مسائل: أولًا: رجم الزاني وهو قائم: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الرجل يرجم قاعدًا، أو قائمًا. وبه قال ابن حزم (٢). وقيل: يُرجم قاعدًا. وهو منسوب إلى مالك (٣). ثانيًا: عدم توثيق الزاني أثناء الرجم: ذهب طائفة إلى أن الزاني إن حُفر له فالأولى عدم ربط يديه. وهو قول لبعض المالكية (٤). والظاهر في مذهب المالكية أن للإمام توثيقه وعدم توثيقه كما هو الحال في القيام والقعود (٥). ثالثًا: الحفر للمرجوم: خالف بعض الفقهاء في مسألة الحفر للرجل الزاني على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحفر للرجل. وهو قول للمالكية (٦)، وبه قال قتادة وأبو ثور (٧)، ونسبه النووي إلى أبي

стр. 6280

يوسف وأبي حنيفة في رواية (١). القول الثاني: أن الحفر للرجل على التخيير إن شاء الإمام حَفر له، وإن شاء لم يُحفر له. وهو قول لبعض المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، ونسبه بعض أهل العلم للشافعي (٤). القول الثالث: إن كان زناه ثبت ببينة فإنه يحفر له، وإن كان بإقرار فلا يُحفر له. وهو قول لبعض الشافعية (٥). • دليل المخالف: أما من أجاز الحفر فاستدل بما ثبت عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه: أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا؟ )، فقالوا: ما نعلمه إلا وَفِيَّ العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة، حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم" (٦). • وجه الدلالة: في الحديث نص على أنه قد حُفر لماعز حين رُجم.

стр. 6281

وأما من فَّرق بين من ثبت زناه ببينة وبين من ثبت زناه بإقرار: فعلل لذلك بأن من ثبت زناه بإقرار فله الرجوع عن إقراره، والهرب أثناء رجمه، ويجوز تركه حينئذ، لذا ينبغي ألا يُربط ولا يُحفر له، بخلاف من ثبت زناه ببينة فإنه لو أنكر الزنا لم ينفعه ذلك ويجب إقامة الحد عليه حتى لو حاول الهروب (١). النتيجة: المسائل السابقة فيما يظهر ليست محل إجماع محقّق بين أهل العلم؛ وذلك لثبوت الخلاف في الحفر، عن بعض المالكية، وبعض الشافعية، وغيرهم. وثبوت الخلاف في القيام عن ابن حزم. وأما عدم التوثيق فحكى بعض المالكية أن الأفضل عدم ربطه إذا حفر له، وهو يدل على أن ذلك ليس هو المقدّم عند المالكية في كل حال، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٦/ ٢] ما فعله الحربي في دار الحرب من زنى فإنه لا يؤاخذ به بعد إسلامه . [١٣٧/ ٢] ما فعله الذمي في دار الكفر من زنى فإنه لا يؤاخذ به بعد إسلامه . • المراد بالمسألتين: أولا: تعريف الحربي: الحرب في اللغة نقيض السلم (٢). والحربي في اصطلاح الفقهاء هو يشمل الكافر الذي ليس بيننا وبينه عهد وأمان، أو الكافر الذي بيننا وبين بلاده حرب. وكل من حارب المسلمين من الكفار، بأي نوع من أنواع القتال فهو حربي (٣). ثانيًا: تعريف الذمي: الذمة في اللغة: بمعنى العهد والأمان والكفالة. والمراد بالذمي: هو من كان بيننا وبينه عهد على أن يقيم في بلادنا معصوم الدم والمال (٤).

стр. 6282

ثالثًا: صورة المسألتين: إذا ثبت حد الزنا على شخص، وكان قد فعل زِناه في دار الحرب أثناء كونه كافرًا حربيًا، ثم تاب وأسلم، أو صار من أهل الذمة، فإنه لا يؤخذ بما فعل حال حربيَّته أو كفره من زنا. وكذا الذمي إذا زنى في دار الكفر، ثم أسلم فإنه لا يؤاخذ بزناه، ولا يُحد عليه بعد إسلامه. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وقد صح النص والإجماع بإسقاطه، وهو ما أصابه أهل الكفر ما داموا في دار الحرب قبل أن يتذمموا أو يسلموا فقط، فهذا خارج بفعل رسول اللَّه ﷺ في كل من أسلم منهم، فلم يؤاخذهم بشيء مما سلف لهم من قتل، أو زنى، أو قذف، أو شرب خمر، أو سرقة، وصح الإجماع بذلك" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وقد أجمع علماء المسلمين على أن الكفار إذا انتهوا وتابوا من كفرهم غفر لهم كل ما سلف، وسقط عنهم كل ما كان لزمهم في حال الكفر، من حقوق اللَّه وحقوق المسلمين قبل أن يقدروا عليهم، وبعد أن يقدروا عليهم ويصيروا في أيدي المسلمين فلا يحل قتلهم بإجماع

стр. 6283

المسلمين، ولا يؤخذ بشيء جنوه في مال أو دم، فدل ذلك على أن الآية تنزل في أهل الشرك والكفر" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن الذمي لا يقام عليه بعد ذمته أو إسلامه حد زنا كان منه قبل ذلك" (٢). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب" (٣). وقال محمد ابن مفلح (٧٦٣ هـ) (٤): "أما الحربي الكافر فلا يؤخذ بشيء في كفره إجماعًا" (٥) وبمثله قال: إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) (٦) والمرداوي (٨٨٥ هـ) (٧) والحجاوي (٩٦٨ هـ) (٨) (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١٠)، والشافعية (١١).

стр. 6284

• مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: قال البغوي في تفسير الآية: "فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار، قال معناه: إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال" (٢). الدليل الثاني: عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله) (٣). • وجه الدلالة: الحديث دل على أن من أسلم فإن الإسلام يهدم ويمحو أثر ما فعله الشخص في الكفر، قال النووي: "الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا، وأن يكون مسلمًا حقيقيًا، فهذا يُغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح: (الإسلام يهدم ما قبله)، وباجماع المسلمين" (٤). النتيجة: المسألتان فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٨/ ٢] الحربي غير المحصن يجلد إن زنى . • المراد بالمسألة: إذا زنى الحربي في دار الإسلام فان على الإمام أن يقيم عليه حد الجلد إن كان بكرًا، وهذا عام سواء زنى بمسلمة أو بغير مسلمة. ويتبين مما سبق أن المسألة في جلد البكر أما رجم المحصن فمسألة أخرى. وكذا لو زنى الحربي في دار الحرب، أو كان دخل بلاد المسلمين بأمان فكل ذلك غير مراد.

стр. 6285

• من نقل الإجماع: قال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "يجلد الحربي إجماعًا" (١) ونقله عنه الشوكاني (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك أبو يوسف من الحنفية (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٤). الدليل الثاني: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (٥). • وجه الدلالة: عموم النصوص بوجوب الحد على الزاني، ولم تشترط كونه ليس من دار الحرب (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن الحربي لا يُجلد إن ثبت زناه. وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (٧)، والمالكية (٨) (٩)، والحنابلة (١٠). • دليل المخالف: أن الحربي غير ملتزم بأحكام المسلمين فلم تجب عليه أحكام المسلمين المتعلقة بحقوق اللَّه تعالى (١١).

стр. 6286

النتيجة: المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فتحصل من ذلك أن جمهور أهل العلم على أن الحربي غير المحصن لا يُقام عليه الجلد، ولعل من نقل الإجماع وهِم في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٩/ ٢] من زنى مرارًا ولم يحدّ فإنه يحدّ حدًا واحدًا . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا أكثر من مرة، وفي كل مرة توفرت شروط الحد، وبعد عدة مرات في الثانية أو أكثر ثبت زناه عند الحاكم، وأقر بالزنا في المرات السابقة، أو ثبت ذلك عليه ببيَّنة، فإنه لا يجب عليه إلا حد واحد، فإن كان غير محصن جُلد مائة، وإن كان محصنًا فعليه الرجم. ويُنبه إلى أمرين: الأول: أنه لو زنى ثم أقيم عليه الحد، ثم زنى أخرى فمسألة أخرى غير مرادة. الثاني: لا بد أن يكون الزنا موجب لحد واحد، فإن كان موجب الحد مختلف كأن زنى وهو بكر، ثم زنى أخرى وهو محصن، فهذه مسألة غير مرادة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لم يختلفوا فيمن وطئ مرارًا قبل الحد أنه ليس عليه إلا حد واحد" (٢) ونقله عنه الزرقاني (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر، إذا تكرر قبل إقامة الحد، أجزأ حد واحد، بغير خلاف علمناه" (٤). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "إن زنى أو سرق أو شرب مرارًا قبل إقامة الحد عليه أجزأ حد واحد، بغير خلاف علمناه" (٥). وقال ابن

стр. 6287

المرتضى (٨٤٠ هـ): "لا يتكرر الحد بتكرر الزنا في واحدة أو أكثر إجماعًا" (١). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "فإن كانت من جنس مثل إن زنى أو سرق أو شرب مرارًا أجزأ حد واحد، بغير خلاف علمناه" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الإجماع، والمخالف، ودليل المخالف: سبق بيان مستند الإجماع، والمخالف، مع أدلته، مفصلًا في باب المسائل العامة في الحدود، تحت عنوان: "من ارتكب الموجب للحد مرارًا قبل إقامة الحد عليه فعليه حد واحد" (٦). إلا أنه في هذه المسألة ذكرت نصوص أهل العلم في حكاية الإجماع الخاصة بمسألة من كرر الزنا قبل الحد. • وحاصل النتيجة في المسألة: أن المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف الظاهرية، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٠/ ٢] من تحرك في الزنا وفي وطء واحد حركات كثيرة لزمه حد واحد . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان قد أولج ذكره في فرج المزني بها ثم أدخله أكثر من مرة أثناء ذلك الوطء، فإنه لا يجب عليه إلا حد واحد، ولا يجب بكل مرة غيَّب فيها الحشفة حد مستقل. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن من تحرك في الزنا في وطء واحد حركات كثيرة أن حدًا واحدًا يلزمه" (٧).

стр. 6288

وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن من تحرك في الزنا في وطء واحد حركات كثيرة، أن حده حد واحد" (١). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "لا يتكرر الحد بتكرر الزنا في واحدة أو أكثر إجماعًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع في هذه المسألة إلى أدلة الإجماع في المسألة التي قبلها. ووجه ذلك: أنه إذا كان من تكرر منه الزنا في أوقات مختلفة بامرأة واحدة أو أكثر قبل وجوب الحد عليه، فإنه لا يجب عليه إلا حد واحد، ففي هذه المسألة من باب أولى. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٤١/ ٢] لا يجوز رجم الزاني المحصن بغير الحجارة . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وكان محصنًا، وثبت عليه الرجم عند الحاكم، فإن رجمه يكون بالحجارة، ولا يجوز رجمه بغير الحجارة، كالحديد، والخشب، ونحو ذلك. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أنه لا يجوز قتله بغير الحجارة" (٦). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أنه لا يجوز قتل المرجوم

стр. 6289

بغير الحجارة" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبي اللَّه ﷺ إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه قال فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك فلما سري عنه قال (خذوا عني فقد جعل اللَّه لهن سبيلا الثيب بالثيب والبكر بالبكر الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة) (٣). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل رسول اللَّه ﷺ وهو في المسجد، فناداه فقال: يا رسول اللَّه إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: (أبك جنون؟ )، قال: لا، قال: (فهل أحصنت؟ )، قال: نعم، فقال النبي ﷺ : (اذهبوا به فارجموه). قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة، فرجمناه" متفق عليه (٤). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن الصحابة ﵃ رجموا ماعزًا بالحجارة. • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الرجم يجوز أن يكون بالحجارة وغيرها، ولا يتعين الرجم بالحجارة. وهو قول الشافعية (٥)،

стр. 6290

والحنابلة (١). • دليل المخالف: استدل من أجاز الرجم بغير الحجارة بما يلي: عن أبي سعيد ﵁ أن رجلًا من أسلم يقال له ماعز بن مالك، أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي، فرده النبي ﷺ مرارًا قال ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا إلا أنه أصاب شيئًا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال، فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف، قال فاشتد واشتددنا، خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة - يعني الحجارة - حتى سكت. . . الحديث (٢). قال النووي: "قوله: (فرميناه بالعظام والمدر والخزف) هذا دليل لما اتفق عليه العلماء أن الرجم يحصل بالحجر، أو المدر، أو العظام، أو الخزف، أو الخشب، وغير ذلك مما يحصل به القتل، ولا تتعين الأحجار" (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الشافعية والحنابلة، بل حكى النووي اتفاق العلماء على إجزاء الرمي بغير الحجارة، فلعل ابن حزم وهِم في ذلك. ويمكن أن يُحرر الإجماع في ذلك فيقال: أجمع أهل العلم على مشروعية الرجم بالحجارة، واختلفوا فيما عداها، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٢/ ٢] المرأة لا ترجم إلا قاعدة . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد الزنا على امرأة محصنة، فإن من صفة إقامة الحد عليها، أن تُرجم وهي جالسة.

стр. 6291

• من نقل الإجماع: قال القاضي عياض: "اتفق العلماء أنها لا تحد إلا قاعدة" (١) ونقله عنه الشوكاني (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمع الفقهاء أن المرأة تضرب في الزنا جالسة، إلا ابن أبي ليلى فإنه قال: بل تضرب قائمة" (٣). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "واتفق العلماء على أنه لا ترجم إلا قاعدة" (٤). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "واتفق العلماء أنها ترجم المرأة قاعدة" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن المرأة عورة، وكونها جالسة أستر لها (٨). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن المرأة تُحد قائمة. وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي يوسف (٩). • دليل المخالف: استدل من قال بأن المرأة تُحد قائمة بالقياس على اللعان، فكما أن المرأة تُلاعن وهي قائمة، فكذا الحد (١٠). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف ابن أبي ليلى وأبي يوسف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6292

[١٤٣/ ٢] إذا ثبت الزنا بالإقرار استحب أن يبدأ الإمام بالرجم، وإذا ثبت بالبينة استحب أن يبدأ الشهود بالرجم . • المراد بالمسألة: إذا أقر شخص على نفسه بما يوجب حد الزنا، وثبت ذلك عند الإمام، فإنه يستحب أن يبدأ الإمام بالرجم، ثم يرجم بعده الحاضرون. وإذا كان ثبوت الحد ببينة الشهود فإنه يُستحب أن يبدأ الشهود بالرجم، ثم يرجم الناس بعدهم. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أنه إن صف الناس صفوفًا كصفوف الصلاة فرجم الشهود أولًا ثم الناس، ورجم الإمام في المقر أولًا ثم الناس أن الرجم قد وفى حقه" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "قال أحمد: سنة الاعتراف أن يرجم الإمام ثم الناس، ولا نعلم خلافًا في استحباب ذلك" (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أنه إن صف الناس صفوفًا كصفوف الصلاة فرجم الشهود أولًا ثم الناس، ورجم الإمام في المقر أولًا ثم الناس، وحفرت له حفيرة إلى صدره، أن الرجم قد وفي حقه" (٣). وقال ابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ) (٤): "الفقهاء قد استحبوا أن يبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت الزنا بالإقرار،

стр. 6293

ويبدأ الشهود به إذا ثبت بالبينة" (١) ونقله عنه أبو الطيب (٢)، والشوكاني (٣). وقال المرداوي (٨٨٥ هـ): "وإن ثبت بالإقرار استحب أن يبدأ الإمام بلا نزاع" (٤) ونقله عنه ابن قاسم (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: (ارموا واتقوا الوجه) (٦). الدليل الثاني: أن هذا القول مروي عن علي ﵁ (٧). الدليل الثالث: أن إيجاب الرجم على الشهود أولًا أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه (٨). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية (٩) إلى أنه إن ثبت الزنا بالإقرار فيشترط أن

стр. 6294

يبدأ الإمام أو نائبه بالرجم، وإن كان ببينة الشهود فيشترط أن يبدأ الشهود بالرجم، فإن غاب الإمام أو الشهود سقط الحد ولا يُقام إلا بحضورهما. القول الثاني: أن البداءة بالإمام في الرجم بموجب الإقرار، وببينة الشهود في الرجم بموجب الشهادة، ليس فيه سنة مستحبة. وهو قول المالكية (١). • دليل المخالف: أما من أوجب أن يبدأ الإمام بحد الإقرار، والشهود بحد البينة فاستدل بما سبق في مستند الإجماع، وحملوا ذلك على الوجوب. وأما من لم ير في ذلك سنة متَّبعة فاستدل بأنه لم يرد أن النبي ﷺ رجم، وإنما كان يأمر أصحابه بذلك، ومن ذلك: أ - قوله ﷺ في الرجل الذي كان عسيفًا عند آخر وزنى بامرأته، وفيه قال ﷺ : (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرُجمت" متفق عليه (٢). ب - ما جاء في قصة ماعز ﵁ حين أقر على نفسه بالزنا، وأمر النبي ﷺ بإقامة الحد عليه، فلما وجد مس الحجارة، فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل، فضربه به، وضربه الناس، حتى مات، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ : أنه فر حين وجد مس الحجارة، ومس الموت، فقال رسول اللَّه ﷺ : (هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب اللَّه عليه) (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية، والمالكية، ولعل ابن حزم حينما نقل الاتفاق لم

стр. 6295

يقصد الإجماع (١)، وابن قدامة لم يجزم بنفي الخلاف، والمرداوي أراد نفي النزاع في المذهب، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٤/ ٢] لا يجمع بين الجلد والرجم على الزاني المحصن . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، ذكرًا كان أو أنثى، وكان الزاني محصنًا، فإن الواجب عليه الرجم، ولا يُجلد قبل الرجم. ويتبيَّن مما سبق أن المراد في المسألة الزاني المحصن، أما إن زنى وهو بكر، ثم زنى أخرى وهو محصن، فمسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "فقهاء الأمصار متفقون على أن المحصن يرجم ولا يجلد" (٢). قال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "رجم الثيب بلا جلد وعلى هذا فقهاء الأمصار" (٣). وقال علاء الدين السمرقندي (٥٣٩ هـ): "ولا يجمع بين الجلد والرجم بالاتفاق" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "أما جلد علي ﵁ شراحة ثم رجمها؛ فإما لأنه لم يثبت عنده إحصانها إلا بعد جلدها، أو هو رأي لا يقاوم إجماع الصحابة ﵃" (٥). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "لا يجمع بين الجلد والرجم على المحصن بالإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٧)، والحنابلة (٨).

стр. 6296

• مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله ﷺ في المرأة التي زنت مع الأجير: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت" متفق عليه (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر برجم المرأة إذا اعترفت ولم يذكر الجلد، ولم يُنقل أنه ﷺ جلدها قبل الرجم (٢). الدليل الثاني: أن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية (٣)، ولم يُنقل أنه جلدهما قبل الرجم، قال ابن حجر: "قصة ماعز جاءت من طرق متنوعة بأسانيد مختلفة، لم يذكر في شيء منها أنه جلد، وكذلك الغامدية، والجهنية، وغيرهما، وقال في ماعز: (اذهبوا فارجموه) وكذا في حق غيره، ولم يذكر الجلد، فدل ترك ذكره على عدم وقوعه، ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه" (٤). الدليل الثالث: أنه المروي عن الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، من القول والفعل، فمن الفعل أن أبا بكر، وعمر ﵄ فرجما ولم يجلدا (٥). وأما من القول فمن ذلك: أ - قال عمر بن الخطاب ﵁: "كان فيما أنزل اللَّه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﵌ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد الرجم في كتاب اللَّه تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها اللَّه تعالى، والرجم في كتاب اللَّه

стр. 6297

حق على من أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" متفق عليه (١). • وجه الدلالة: أن عمر ﵁ ذكر أن الفريضة التي أنزلها تعالى في المحصن هي الرجم، ولم يذكر الجلد، وهو يدل على أن حد الزاني المحصن الرجم دون الجلد (٢). ب - قول ابن مسعود ﵁: "ما كانت حدود فيها قتل إلا أحاط القتل بذلك كله" (٣). الدليل الرابع: أن المقصود من الجلد هو الردع والانزجار، وهذا حاصل بالقتل (٤). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المحصن الذي وجب عليه حد الزنا فإنه يُجلد ثم يُرجم. وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي بن كعب، وأبو ذر ﵃، وبه قال الحسن بن حي، وإسحاق، وداود، وابن المنذر (٥)، وهو قول الظاهرية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧). القول الثاني: وهو أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخًا ثيبًا، فإن

стр. 6298

كان شابًا ثيبًا اقتصر على الرجم. وهو قول طائفة من أهل الحديث (١). • أدلة المخالفين: أما من قال بالجمع بين الجلد والرجم فاستدل بما يلي: الدليل الأول: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان نبي اللَّه ﷺ إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه (٢)، قال: فأُنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سُري عنه قال: (خذوا عني فقد جعل اللَّه لهن سبيلا الثيب بالثيب والبكر بالبكر الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة) (٣). • وجه الدلالة: الحديث صريح أن حد الثيب هو الجمع بين الجلد والرجم. الدليل الثاني: أن عليًا ﵁ جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: "جلدتها بكتاب اللَّه، ورجمتها بسنة رسول اللَّه ﷺ " (٤). الدليل الثالث: أن في الرجم والجلد إعمالًا للأدلة، فالجلد ثابت بكتاب اللَّه، والرجم بسنة النبي ﷺ ، فوجب الجمع بينهما عملًا بدلالة الكتاب والسنة معًا (٥). الدليل الرابع: أن اللَّه تعالى شرع في كل من المحصن والثيب عقوبتان: أما عقوبتا الثيب فهما الجلد والرجم، وأما عقوبتا البكر فهما الجلد والتغريب (٦). وأما من قال بالتفريق بين الشيخ وغيره فاستدل بالآية المنسوخة في قوله تعالى: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) (٧).

стр. 6299

النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الصحابة ﵃، والتابعين، والظاهرية، والحنابلة في رواية، ولذا قال البغوي في المسألة: "عامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم" (١)، قال الكاساني: "لا يجمع بين الجلد والرجم عند عامة العلماء" (٢)، فجعله قول العامة، ولم يجعله إجماعًا، وهو من الخلاف المعتبر، وأما من فرَّق بين الشاب والشيخ فإن القرطبي وصف هذا القول بالشذوذ فقال: "وشذت طائفة فقالت: يجمع الجلد والرجم على الشيخ، ويجلد الشاب" (٣)، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٥/ ٢] حد الزنا لا يقبل الفداء . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد الزنا، وثبت ذلك عند الإمام، فإنه لا يجوز للإمام أو غيره إسقاط الحد الذي ثبت، ولو أراد من وجب عليه الحد أن يفتدي بمبلغ من المال لأجل إسقاط الحد عنه، أو الافتداء بشخص آخر، بأن يقيم غيره مكانه في الحد، فلا يقبل منه الفداء. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في حد الزنا، والشرب، والسكْر، والسرقة، أنه لا يحتمل العفو، والصلح، والإبراء، بعد ما ثبت بالحجة" (٤). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق والشارب، والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد، مال سحت خبيث" (٥) ونقله عنه السفاريني (٦). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في

стр. 6300

الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر" (١). وقال الزرقاني (١١٢٢ هـ): "الحد لا يقبل الفداء وهو مجمع عليه في الزنا" (٢). • مستند الإجماع: سبق بيان مستند الإجماع مفصلًا في المسألة تحت عنوان: "تحريم الفداء والصلح في الحدود، بعد بلوغها الإمام" (٣). النتيجة: المسألة محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٦/ ٢] يصلَّى على المرجوم في حد الزنا، ويغسَّل، ويدفن . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص مُحصن ما يوجب حد الزنا، وثبت ذلك عند الحاكم، وأمر برجمه حتى مات، فإنه بعد موته يصلى عليه كسائر موتى المسلمين، سواء كان المحدود رجلًا أو امرأة. ويُنبَّه إلى أن الإمام أو أهل الفضل إن تركوا الصلاة عليه من باب التغليظ، فإن ذلك غير داخل في مسألة الباب وإنما المراد ترك الصلاة عليه مطلقًا. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن المسلمين يصلون على المرجوم" (٤). قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): في حق المرجومين في الزنا: "لا خلاف في تغسيلهما ودفنهما" (٥). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن المسلمين يصلون على المرجوم" (٦). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أما غسلهما ودفنهما فلا خلاف فيه بين أهل العلم" (٧). ويمكن أن يضاف إليها نصوص أهل العلم التي سبق نقلها في مسألة:

стр. 6301

"يصلى على كل من مات بسبب الحد، إلا المرتد" (١). وكذا نصوص أهل العلم التي سبقت في مسألة: "مرتكب الحدود لا يكفر، إلا بالردة" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الإجماع، وبيان المخالف: سبق بيان مستند الإجماع، والمخالف، على سبيل التفصيل في المسألة تحت عنوان: "يصلى على كل من مات بسبب الحد، إلا المرتد" (٦)، وأنه لم يخالف فيه إلا الزهري حيث قال بأن المرجوم لا يُصلى عليه. وزيد في هذه المسألة ذِكر نصوص الإجماع الخاصة بالصلاة على من مات بموجب الرجم في حد الزنا. • وحاصل النتيجة في المسألة: أن ثمة مسألتان: المسألة الأولى: تغسيل المرجوم ودفنه، فهذه محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. المسألة الثانية: الصلاة على المرجوم، فهذه خالف فيها الزهري فلم ير الصلاة على المرجوم؛ وقد اعتبر ابن قدامة هذا الخلاف فقال في الزانيين بعد رجمهما: "ويغسلان، ويكفنان، ويصلى عليهما، ويدفنان" لا خلاف في تغسيلهما ودفنهما، وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليهما" (٧).

стр. 6302

الفصل السادس: مسائل الإجماع في الجرائم الملحقة بالزنا (اللواط، إتيان البهيمة. . . وغيرها) [١٤٧/ ٢] اللواط حرام، وهو من الكبائر . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف اللواط: اللواط لغةً: قال ابن فارس: "اللام والواو والطاء كلمةٌ تدل على اللُّصوق" (١). قال ابن منظور: "لاط الحوْضَ بالطين لَوْطًا طَيَّنه. . . وكل شيء لَصِق بشيء فقد لاطَ به يَلوط لَوْطًا ويَليطُ لَيْطًا ولِياطًا. . . ولاط بحقه ذهب به، واللَّوْطُ الرِّداء. . . ولاطَ الرجلُ لِواطًا ولاوطَ أَي عَمِل عَمَل قومِ لُوطٍ. . . واللِّياطُ الرِّبا وجمعه: لِيطٌ". اللواط شرعًا: اللواط في الشرع: هو إتيان الذَّكر الذَّكر بإيلاج الحشفة أو قدرها في دبره (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: المراد بالمسألة أن اللواط الذي هو إتيان الذكر الذكر بتغييب حشفته في دبره، هو مما حرمه اللَّه تعالى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن وطء الرجل الرجل جرم عظيم" (٣). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن اللواط حرام، وأنه من الفواحش" (٤).

стр. 6303

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمع أهل العلم على تحريم اللواط" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن وطء الرجل الرجل جرم عظيم" (٣). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه -يعني اللواط-" (٤). وقال الذهبي (٧٤٨ هـ): "أجمع المسلمون على أن التلوط من الكبائر التي حرم اللَّه تعالى" (٥). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "وبالجملة فالإجماع منعقد على تحريمه -أي اللواط-" (٦). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ) في ذكره لبعض كبائر الذنوب: "اللواط، وإتيان البهيمة، والمرأة الأجنبية في دبرها. . . عدُّ هذه الثلاثة هو ما أجمعوا عليه" (٧). وقال ابن قاسم (١٣٥٢ هـ): "تحريم اللواط معلوم بالكتاب والسنة والإجماع" (٨). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل للواط والمفعول به، بعد اتفاقهم على تحريمه، وأنه من الكبائر" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١٠). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ

стр. 6304

أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ (٢). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ (٣). • وجه الدلالة من الآيات السابقة: الآيات صريحة في تحريم اللواط، وأنه سبب لعقوبته تعالى على قوم لوط، وقد سماه تعالى في الآيات السابقة إسرافًا، واعتداءً، وجهلًا (٤). الدليل الرابع: عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط) (٥). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن اللَّه من عمل عمل قوم لوط، ولعن اللَّه من عمل عمل قوم لوط، ولعن اللَّه من عمل عمل قوم لوط) (٦). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديث صريح أن اللواط مما يوجب استحقاق

стр. 6305

لعن صاحبه، وأنه مما خافه النبي ﷺ أن تقع فيه أمته، وهذا يدل على تحريمه، وأنه من الكبائر. الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال في الذي يعمل عمل قوم لوط: (ارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعًا) (١). الدليل السابع: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) (٢). • وجه الدلالة من الحديثين: في الحديثين بيان عقوبة شرعية لمن عمل اللواط، وذلك يدل صراحةً على تحريمه، وأنه من الكبائر. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم على أن اللواط محرم، وهو من الكبائر؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٨/ ٢] من استحل التلوط بملك اليمين فهو كافر . • المراد بالمسألة: تبيَّن في المسألة السابقة إجماع أهل العلم على تحريم اللواط، فمن استحل إتيان اللواط بملك يمينه الذكر فهو كافر، إذا توفرت الشروط، وانتفت الموانع.
следующие страницы →