← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

"يصلى على كل من مات بسبب الحد، إلا المرتد" (١). وكذا نصوص أهل العلم التي سبقت في مسألة: "مرتكب الحدود لا يكفر، إلا بالردة" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم (٥). • مستند الإجماع، وبيان المخالف: سبق بيان مستند الإجماع، والمخالف، على سبيل التفصيل في المسألة تحت عنوان: "يصلى على كل من مات بسبب الحد، إلا المرتد" (٦)، وأنه لم يخالف فيه إلا الزهري حيث قال بأن المرجوم لا يُصلى عليه. وزيد في هذه المسألة ذِكر نصوص الإجماع الخاصة بالصلاة على من مات بموجب الرجم في حد الزنا. • وحاصل النتيجة في المسألة: أن ثمة مسألتان: المسألة الأولى: تغسيل المرجوم ودفنه، فهذه محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. المسألة الثانية: الصلاة على المرجوم، فهذه خالف فيها الزهري فلم ير الصلاة على المرجوم؛ وقد اعتبر ابن قدامة هذا الخلاف فقال في الزانيين بعد رجمهما: "ويغسلان، ويكفنان، ويصلى عليهما، ويدفنان" لا خلاف في تغسيلهما ودفنهما، وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليهما" (٧).

стр. 6302

الفصل السادس: مسائل الإجماع في الجرائم الملحقة بالزنا (اللواط، إتيان البهيمة. . . وغيرها) [١٤٧/ ٢] اللواط حرام، وهو من الكبائر . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف اللواط: اللواط لغةً: قال ابن فارس: "اللام والواو والطاء كلمةٌ تدل على اللُّصوق" (١). قال ابن منظور: "لاط الحوْضَ بالطين لَوْطًا طَيَّنه. . . وكل شيء لَصِق بشيء فقد لاطَ به يَلوط لَوْطًا ويَليطُ لَيْطًا ولِياطًا. . . ولاط بحقه ذهب به، واللَّوْطُ الرِّداء. . . ولاطَ الرجلُ لِواطًا ولاوطَ أَي عَمِل عَمَل قومِ لُوطٍ. . . واللِّياطُ الرِّبا وجمعه: لِيطٌ". اللواط شرعًا: اللواط في الشرع: هو إتيان الذَّكر الذَّكر بإيلاج الحشفة أو قدرها في دبره (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: المراد بالمسألة أن اللواط الذي هو إتيان الذكر الذكر بتغييب حشفته في دبره، هو مما حرمه اللَّه تعالى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن وطء الرجل الرجل جرم عظيم" (٣). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن اللواط حرام، وأنه من الفواحش" (٤).

стр. 6303

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمع أهل العلم على تحريم اللواط" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن وطء الرجل الرجل جرم عظيم" (٣). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه -يعني اللواط-" (٤). وقال الذهبي (٧٤٨ هـ): "أجمع المسلمون على أن التلوط من الكبائر التي حرم اللَّه تعالى" (٥). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "وبالجملة فالإجماع منعقد على تحريمه -أي اللواط-" (٦). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ) في ذكره لبعض كبائر الذنوب: "اللواط، وإتيان البهيمة، والمرأة الأجنبية في دبرها. . . عدُّ هذه الثلاثة هو ما أجمعوا عليه" (٧). وقال ابن قاسم (١٣٥٢ هـ): "تحريم اللواط معلوم بالكتاب والسنة والإجماع" (٨). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل للواط والمفعول به، بعد اتفاقهم على تحريمه، وأنه من الكبائر" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١٠). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ

стр. 6304

أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ (٢). الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ (٣). • وجه الدلالة من الآيات السابقة: الآيات صريحة في تحريم اللواط، وأنه سبب لعقوبته تعالى على قوم لوط، وقد سماه تعالى في الآيات السابقة إسرافًا، واعتداءً، وجهلًا (٤). الدليل الرابع: عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط) (٥). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن اللَّه من عمل عمل قوم لوط، ولعن اللَّه من عمل عمل قوم لوط، ولعن اللَّه من عمل عمل قوم لوط) (٦). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديث صريح أن اللواط مما يوجب استحقاق

стр. 6305

لعن صاحبه، وأنه مما خافه النبي ﷺ أن تقع فيه أمته، وهذا يدل على تحريمه، وأنه من الكبائر. الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال في الذي يعمل عمل قوم لوط: (ارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعًا) (١). الدليل السابع: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) (٢). • وجه الدلالة من الحديثين: في الحديثين بيان عقوبة شرعية لمن عمل اللواط، وذلك يدل صراحةً على تحريمه، وأنه من الكبائر. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم على أن اللواط محرم، وهو من الكبائر؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٨/ ٢] من استحل التلوط بملك اليمين فهو كافر . • المراد بالمسألة: تبيَّن في المسألة السابقة إجماع أهل العلم على تحريم اللواط، فمن استحل إتيان اللواط بملك يمينه الذكر فهو كافر، إذا توفرت الشروط، وانتفت الموانع.

стр. 6306

وينبه هنا إلى أمرين: الأول: أن المراد في المسألة تحريم ذلك، وأن من استحله فقد استحل محرَّمًا، أما إقامة الحد على من فعل ذلك فمسألة أخرى (١). الثاني: المراد بالمسألة ملك اليمين الذكر، أما إن كانت ملك يمينه أنثى وأتاها في دبرها فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش، كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب، والخلو بهن، زعمًا منه أنه يحصل لهن البركة بما يفعله معهن، وإن كان محرمًا في الشريعة، وكذلك من يستحل ذلك من المردان، ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم ومباشرتهم هو طريق لبعض السالكين، حتى يترقى من محبة المخلوق إلى محبة الخالق، ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى، وقد يستحلون الفاحشة الكبرى، كما يستحلها من يقول إن التلوط مباح بملك اليمين، فهؤلاء كلهم كفار باتفاق المسلمين" (٢). وقال أيضًا: "وقد اتفق المسلمون على أن من استحلها -أي فاحشة اللواط- بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد" (٣). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "أجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والمالكية (٦)،

стр. 6307

والشافعية (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عموم الأدلة السابقة في تحريم اللواط، وهي عامة في ملك اليمين وغيره. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٤٩/ ٢] التلذذ بمس الأمرد؛ كمصافحته، ونحو ذلك، حرام، وكذا التلذذ بالنظر إليه بشهوة حرام . • المراد بالمسألة: المراد بالأمرد هنا هو الشاب الوسيم، ذو الوجه الحسن. قال ابن منظور: "المَرَدُ: نَقاءُ الخدين من الشعر، ونَقاء الغُصْن من الوَرَق، والأَمْرَدُ الشابُّ الذي بلغَ خروج لِحْيته، وطَرَّ شاربه، ولم تبد لحيته" (٢). صورة المسألة: مما هو مقرر ضرورة إباحة نظر الرجل للرجل، وإباحة مصافحة الرجل للرجل، ولمسه، لكن هذا مقيد بألا يكون اللمس أو النظر بشهوة، وقصد التلذذ، فإن كان لشهوة وتلذذ فهو حرام. • من نقل الإجماع: قال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمعوا على أنه يحرم النظر إلى غير الملتحي بقصد التلذذ بالنظر وتمتع البصر بمحاسنه"، نقله عنه ابن عابدين (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "والتلذذ بمس الأمرد، كمصافحته، ونحو ذلك، حرام بإجماع المسلمين" (٤). وقال أيضًا: "والنظر إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر

стр. 6308

إلى وجه ذوات المحارم، والمرأة الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو كانت شهوة التلذذ بالنظر، كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية، كان معلومًا لكل أحد أن هذا حرام، فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة" (١). وقال ابن الحاج (٧٣٧ هـ) (٢): "النظرة إلى الأمرد بشهوة حرام إجماعًا" (٣). وقال محمد ابن مفلح (٧٦٣ هـ): "ويحرم النظر بشهوة -أي إلى الأمرد-، ومن استحله كفر إجماعًا" (٤). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "ويحرم ولو على أمرد نظر شيء من بدن أمرد بشهوة، إجماعًا" (٥). وقال الشربيني (٩٧٧ هـ): "ويحرم نظر أمرد بشهوة بالإجماع" (٦). وقال الرملي (١٠٠٤): " (والنظر بشهوة حرام لكل منظور إليه من محرم وغيره غير زوجته وأمته) الأمة والصغيرة والأمرد بشهوة متفق عليه" (٧). وقال النفراوي (١١٢٥): "لا يحل له النظر لأجنبية، ولا لأمرد على وجه الالتذاذ للإجماع على حرمة النظر بقصد الشهوة لغير الزوجة والأمة" (٨).

стр. 6309

• مستند الإجماع: يستند الإجماع في المسألة إلى أن النظر إلى الأمرد بشهوة طريق للوقوع في فاحشة اللواط، وإذا كان اللَّه تعالى نهى عما يقرب للزنى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (١)، فتحريم ما يدعوا للواط من باب أولى؛ لأن اللواط أقبح منه (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٠/ ٢] السحاق حرام . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف السحاق: السَّحق في اللغة مصدر من سحَق الشَّيء يَسْحَقُه سحْقا: دَقَّه أشدَّ الدَّقّ. وقيل: السَّحْقُ: الدَّقُّ الرقيقُ. وقيل: هو مُطلق الدَّقُّ بعد الدَّقِّ (٣). والمراد به هنا هو إتيان المرأة امرأة مثلها، بدلك فرجها بفرجها. • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ساحقت المرأة امرأة مثلها، بأن دلكت فرجها بفرج امرأة أخرى، فإن ذلك حرام شرعًا. ويتبين مما سبق أن إدخال المرأة إصبعها أو غير ذلك في فرجها ليس من مسألة الباب، وإنما المراد حصول ذلك من امرأة معها (٤).

стр. 6310

• من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن سحق المرأة للمرأة حرام" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن سحق المرأة للمرأة حرام" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ (٦). الدليل الثاني: عن أبي موسى الأشعري ﵁ (٧) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) (٨).

стр. 6311

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٥١/ ٢] لا حد في السحاق . • المراد بالمسألة: إذا تساحقت امرأتان فإنه ليس عليهما شيء من الحد، فلا يشملهما حد الزنا. ويتبيَّن أن المراد هو نفي الحد المقدر في من فعلت السحاق، أما مسألة عقوبتهما بالتعزير فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن سحق المرأة للمرأة حرام. . . واتفقوا أنه لا حد في شيء من ذلك" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن سحق المرأة للمرأة حرام. . . واتفقوا أنه لا حد في شيء من ذلك" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن السحاق لم يرد له في الشرع عقوبة مقدَّرة، ولا يصح إلحاقه بالزنا لأنه ليس فيه إيلاج (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن السحاق فيه مائة جلدة. وهو قول ابن شهاب الزهري، ونسبه إلى غيره من أهل العلم، حيث قال: "أدركتُ علماءنا يقولون في المرأة تأتي المرأة بالرفغة (٧) وأشباهها: تجلدان

стр. 6312

مائة مائة الفاعلة والمفعولة بها" (١). • دليل المخالف: استدل من أوجب مائة جلدة على من فعلت السحاق بالقياس على حد الزنا (٢). النتيجة: المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الزهري، وقد نسبه إلى علمائه، ومن المعلوم أن الزهري قد أدرك بعض الصحابة ﵃، وكبار التابعين. ومن نقل الاتفاق في المسألة أراد اتفاق المذاهب الأربعة، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٢/ ٢] وطء البهيمة حرام . • المراد بالمسألة: من الأمور التي حرَّمها الشارع أن يطأ الإنسان بهيمة من الحيوانات. والمراد هنا تقرير تحريم وطء البهيمة، أما الواجب في ذلك فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "ولا خلاف بين أحد من الأمة أنه لا يحل أن تؤتى البهيمة أصلًا" (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن إتيان البهائم حرام" (٤). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "والبهيمة محرَّمة إجماعًا" (٥) ونقله عنه الشوكاني (٦).

стр. 6313

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نص على أن تحريم الفروج إلا في حق الزوجة أو ملك اليمين، وما عداها فيبقى على التحريم المنصوص في الآية (٥). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) (٦).

стр. 6314

الدليل الثالث: أنه إيلاج للحشفة في فرج محرَّم، فأشبه إتيان بني آدم (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٣/ ٢] قبول توبة الزاني، واللوطي . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص جريمة الزنا أو اللواط، ثم تاب من ذلك الفعل، فإن توبته تُقبل فيما بينه وبين اللَّه تعالى. ويتبين مما سبق أن المراد سقوط إثم الزنا فيما بينه وبين اللَّه تعالى، أما سقوط الحد، أو سقوط حق المزني بها، أو الملوط به، فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن التوبة من الكفر مقبولة ما لم يوقن الإنسان بالموت بالمعاينة، ومن الزنا، ومن فعل قوم لوط، ومن شرب الخمر" (٢). وقال ابن عطية (٥٤٢ هـ): "لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني" (٣). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء (٤) عامل في الكافر والزاني" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)،

стр. 6315

الشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ (٣). • وجه الدلالة: الآية صريحة في قبول توبة الزاني، وأنه مستثنى من العذاب المستحق لمن ارتكب الزنا. الدليل الثاني: عموم النصوص الدالة على مغفرة اللَّه تعالى لجميع الذنوب ومن ذلك: أ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ (٤). ب - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ (٥). الدليل الثالث: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٦). • وجه الدلالة: فيه دلالة على أن التائب من الذنب مساوٍ لمن لا ذنب له،

стр. 6316

ويدخل في ذلك من تاب من الزنا أو اللواط. الدليل الرابع: قوله ﷺ لماعز حين أقيم عليه الحد وجد مس الحجارة، فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل، فضربه به، وضربه الناس، حتى مات، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ : أنه فر حين وجد مس الحجارة، ومس الموت، فقال رسول اللَّه ﷺ : (هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب اللَّه عليه) (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أرشد الصحابة ﵃ إلى أن الأفضل حين هرب ماعز ﵁ أن يتركوه لتوبته، ولا يقيموا عليه الحد، وهو دليل على قبول التوبة منه (٢). الدليل الخامس: أن النبي ﷺ أُتي برجل أكره امرأة على الزنا، ثم جاء تائبًا، فلم يرجمه النبي ﷺ وقال له: (اذهب فقد غفر اللَّه لك) (٣). الدليل السادس: عموم الأدلة الدالة على إباحة ستر الإنسان على نفسه ما ارتكبه مما يوجب الحد (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. وهنا يُنبَّه إلى أن ما يُطلقه بعض الفقهاء من عدم قبول توبة الزاني أو المحارب وغيره من أهل الحدود لا يريدون بذلك عدم غفران الذنب عنهم، وإنما يريدون عدم رفع العقوبة في الدنيا، كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "وأما الذنوب التي يطلق الفقهاء فيها نفي قبول التوبة، مثل قول

стр. 6317

أكثرهم: لا تقبل توبة الزنديق -وهو المنافق-، وقولهم: إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه تسقط عنه حدود اللَّه، وكذلك قول كثير منهم أو أكثرهم في سائر الجرائم، كما هو أحد قولي الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد، وقولهم في هؤلاء إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام لم تقبل توبتهم، فهذا إنما يريدون به رفع العقوبة المشروعة عنهم، أي لا تقبل توبتهم بحيث يخلى بلا عقوبة، بل يعاقب، إما لأن توبته غير معلومة الصحة، بل يظن به الكذب فيها، وإما لأن رفع العقوبة بذلك يفضي إلى انتهاك المحارم وسد باب العقوبة على الجرائم، ولا يريدون بذلك أن من تاب من هؤلاء توبة صحيحة، فإن اللَّه لا يقبل توبته في الباطن، إذ ليس هذا قول أحد من أئمة الفقهاء، بل هذه التوبة لا تمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة" (١).

стр. 6318

الباب الثالث: مسائل الإجماع في حد القذف وفيه تمهيد وخمسة فصول: التمهيد: وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف القذف لغة واصطلاحًا. المبحث الثاني: عقوبة القاذف. الفصل الأول: مسائل الإجماع في حقيقة القذف، وحكمه، وسبب الحد فيه. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في شروط حد القذف. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في إثبات القذف. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في عقوبة القذف. الفصل الخامس: مسائل الإجماع في إقامة حد القذف.

стр. 6319

التمهيد المبحث الأول: تعريف القذف • أولًا: تعريف القذف لغة: القذف -بفتح القاف- في اللغة مصدر قذَفَ بالشيء يَقْذِف قَذْفًا فانْقَذَف: بمعنى رمى، قال ابن فارس: "القاف والذال والفاء أصلٌ يدلُّ على الرَّمي والطَّرح" (١). فالقذف هو الرَّمْي بأي شيء كان، فيشمل، الرمي بالسهم، والحصى، والكلام، وغير ذلك. ومنه سميت القذيفة بذلك، وهي ما يرمى به من سلاح ونحوه. ومن هذا الباب قوله: إبل مقذوفة: أي كثيرة اللحم، وكأن اللحم رُمي بها (٢). • ثانيًا: تعريف القذف اصطلاحًا: القذف في اصطلاح الفقهاء هو رمي آدمي بالزنا (٣). وبهذا يظهر أن المعنى الشرعي موافق للمعنى اللغوي، وهو الرمي، إلا أنه في الشرع رمي خاص.

стр. 6320

المبحث الثاني: عقوبة القاذف يمكن تقسيم عقوبة القاذف إلى قسمين: • القسم الأول: قذف غير الزوجة: إذا كان القذف من غير الزوج لزوجته، وليس عند القاذف بيِّنة على قذفه، فهو على حالين: الحال الأولى: إن كان القاذف حرًا: اتفق الفقهاء على أن القذف الموجب للحد عقوبته ثمانون جلدة، إن كان القاذف حرًا، وهذا عام سواء كان القاذف رجلًا، أو امرأة، وقد حكى الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم منهم الماوردي (١)، وابن حزم (٢)، وابن رشد الحفيد (٣)، وابن قدامة (٤)، وشمس الدين ابن قدامة (٥)، والمرداوي (٦)، والشوكاني (٧) (٨). ومستند ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٩). الحال الثانية: إن كان القادف مملوكًا: إذا قذف العبد حرًا فاختلف الفقهاء في مقدار حدِّه على ثلاثة أقوال أذكرها على سبيل الإجمال: القول الأول: أن حدَّه أربعون جلدة. القول الثاني: أن حدَّه ثمانون جلدة.

стр. 6321

القول الثالث: إن كان القاذف رجلًا فعليه ثمانون جلدة، وإن كانت امرأة فأربعون جلدة. وسيأتي بيان القائلين بهذه الأقوال، وأدلتهم، مفصَّلة ضمن مسائل هذا الباب (١). • القسم الثاني: قذف الزوجة: إذا قذف الزوج زوجته وليس لديه بيَّنة، فإنه يُقام عليه حد القذف، إلا أن الشَّرع جعل له خلاصًا من الحد باللعان، وهو أن يلاعن زوجته، ثم يُفرِّق الحاكم بينهما، وتكون محرَّمة عليه أبدًا، كما سيأتي بيانه (٢).

стр. 6322

الفصل الأول: مسائل الإجماع في حقيقة القذف وحكمه، وسبب الحد فيه [١٥٤/ ٣] الرمي بالزنا هو من القذف الموجب للحد . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بلفظ الزنا، بأن قال له: يا زان، أو نحو ذلك، فإن هذا من القذف الموجب للحد. والمراد هنا بيان أن هذا اللفظ موجب للحد، وأنه من الألفاظ الصريحة في القذف، وليس المراد تخصيص حد القذف بهذا اللفظ، فمن رمى آخر باللواط أو نحو ذلك، فهذه مسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال الجصاص (٣٧٠ هـ): "واتفق الفقهاء على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ ألْمُحْصَنَاتِ﴾ (١)، قد أريد به الرمي بالزنا" (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وكذلك لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن الرمي المذكور في الآية المذكورة (٣) الموجب للجلد والفسق، وسقوط الشهادة هو الرمي بالزنا بين الرجال والنساء" (٤). وقال السرخسي (٤٨٣ هـ): "اتفق أهل التفسير أن المراد بالرمي الرمي بالزنا" (٥). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، والمراد الرمي بالزنا بالإجماع" (٦). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أما القذف الذي يجب به الحد فاتفقوا

стр. 6323

على وجهين: أحدهما: أن يرمي القاذف المقذوف بالزنا. والثاني: أن ينفيه عن نسبه إذا كانت أمه حرة مسلمة" (١). وقال الرازي (٦٠٦ هـ): "أجمع العلماء على أن المراد الرمي بالزنا" (٢). وقال ابن مودود الموصلي (٦٨٣ هـ): " ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ والمراد بالرمي القذف بالزنا، إجماعًا" (٣). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، والمراد الرمي بالزنا بإجماع العلماء" (٤). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "أجمع العلماء على أن المراد من الرمي في الآية الرمي بالزنا" (٥). وقال أبو بكر العبادي (٨٠٠ هـ): " ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً. . .﴾ الآية والمراد بالرمي الرمي بالزنا بالإجماع دون الرمي بغيره من الفسوق" (٦). وقال العيني (٨٥٥ هـ): " (والمراد الرمي بالزنا بالإجماع) أي بإجماع العلماء" (٧). وقال الغنيمي (١٢٩٨ هـ) (٨) "لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، والمراد الرمي بالزنا بالإجماع" (٩).

стр. 6324

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنابلة (١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. • وجه الدلالة: الآية صريحة في أن المراد بها هو القذف بالزنا، من جهة أنه تعالى شرط أربعة شهداء، وهو من خصائص الزنا (٢). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك)، فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك) (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حكم على هلال بن أمية بحد القذف حين رمى امرأته بالزنا مع شريك، وهو يدل على أن الرمي بالزنا هو من القذف. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٥/ ٣] القذف حرام وهو من الكبائر . • المراد بالمسألة: مما هو مقرر في الشريعة تحريم أن يقذف الإنسان غيره بالزنا، وهو من كبائر الذنوب التي رتَّب اللَّه عليها العقوبة (٤). • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "القذف: هو الرمي بالزنا، وهو محرم بإجماع الأمة" (٥)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٦).

стр. 6325

وقال العيني (٨٥٥ هـ): "والقذف من الكبائر بإجماع الأئمة" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "والقذف لغة الرمي بالشيء. . . وهو من الكبائر بإجماع الأمة" (٢)، ونقله عنه ابن يونس الشلبي (٣)، والغنيمي (٤)، وبمثله قال ابن فراموز (٨٨٥ هـ) (٥). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "القذف: هو في اللغة الرمي بالشيء. . . وهو من الكبائر بإجماع الأمة" (٦). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "والقذف لغة الرمي مطلقًا. . . وهو من الكبائر بإجماع الأئمة" (٧). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "والقذف محرم بالكتاب والسنة والإجماع. . . وأجمع المسلمون على تحريمه، بل عدّوه من الكبائر" (٨). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٩)، والشافعية (١٠) والظاهرية (١١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (١٢). • وجه الدلالة: أن معاقبتهم بالجلد حدًا، ورد شهادتهم، ووصفهم بالفسق لا يكون إلا على أمر محرم بل كبيرة من الكبائر.

стр. 6326

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد القاذف باللعن وتوعده بالعذاب العظيم وذلك لا يكون إلا على أمر محرم وكبيرة من الكبائر. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: يا رسول اللَّه وما هن؟ قال: (الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) متفق عليه (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٦/ ٣] من نفى رجلًا عن أبيه وكانت أمه حرة مسلمة عفيفة فعليه الحد . • المراد بالمسألة: من صور القذف عند الفقهاء أن ينفي الرجل شخصًا عن أبيه، بأن يقول له: أنت لست بابن فلان، وتكون أُمُّه محصنة. ويتبيَّن مما سبق أنه إن كانت أمه غير محصنة بكونها ليست حرةً، أو ليست مسلمة، أو ليست عفيفة، فالمسألة غير مرادة (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لا خلاف بين السلف والخلف من العلماء فيمن نفى رجلًا عن أبيه وكانت أمه حرة مسلمة عفيفة، أن عليه الحد، ثمانين جلدة، إن كان حرًا" (٤). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أما القذف الذي يجب به الحد فاتفقوا على وجهين: أحدهما: أن يرمي القاذف المقذوف بالزنا. والثاني: أن ينفيه عن

стр. 6327

نسبه إذا كانت أمه حرة مسلمة" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "الحد على من نفى رجلًا عن أبيه وإن كانت أم المنفي مملوكة، ولا خلاف بينهم أنه يُحد إن كانت أم المنفي حرة عفيفة" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن الأشعث بن قيس قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ في وفد كندة، ولا يروني إلا أفضلهم، فقلت: يا رسول اللَّه، ألستم منا؟ فقال: (نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمُّنا (٦)، ولا ننتفي من أبينا) قال: فكان الأشعث بن قيس يقول: "لا أوتى برجل نفى رجلًا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد" (٧).

стр. 6328

الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ في قصة هلال بن أمية حين لاعن امرأته وفرَّق النبي ﷺ بينهما وفيه قال ابن عباس: "ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما، وقضى أن لا يُدعى ولدُها لأب، ولا تُرمى، ولا يُرمى ولدُها، ومن رماها أو رمى ولدَها فعليه الحد" (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قضى بأن من رمى ولدها بأن عليه الحد، والمراد بقوله: "رمى ولدها" أي دعاه ابن زنا (٢). الدليل الثالث: عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "لا جلد إلا في اثنين؛ رجل قذف محصنة، أو نفى رجلًا عن أبيه، وإن كانت أُمُّه أمة" (٣). وهذا القول من ابن مسعود ﵁ لا يقوله إلا توقيفًا (٤). الدليل الرابع: أن القذف بنفي الأب هو في الحقيقة قذف للأم، فكأنه قال: أمك زانية؛ لأن قوله: لست بابن فلان، يقتضي إما أن تكون أمه قد

стр. 6329

تزوجت غير أبيه وأتت منه بذلك الولد، أو تكون أمه قد أتت به بطريق غير شرعي وهو الزنا، فإذا لم يكن الأول، فبالضرورة يكون الثاني (١). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن رُمى شخص بنفي أبيه، كأن قيل له: أنت لست بابن فلان، فإنه لا يُعتبر قذفًا. وهو مروي عن الشعبي، وبه قال الظاهرية (٢). • دليل المخالف: استدل الظاهرية على أن نفي النسب لا يُعتبر قذفا بما يلي: الدليل الأول: أن آية القذف إنما وردَت في القذف بالزنا، فيُقتصر عليه، ولا يُقاس عليه غيره من الألفاظ إلا بدليل. الدليل الثاني: أن قول الشخص "لست بابن فلان" لا يلزم منه قذف الأم بالزنا؛ إذ يُحتمل أنه أراد أن الولد كان لقيطًا، أو أن أُمه اُستكرهت على الزنا، أو أنها حملت به في حالة لا يكون للزنا فيه دخول، كالنائمة توطأ، أو السكرى، أو المغمى عليها، أو الجاهلة، وبهذا يبطل أن يكون النافي قاذفًا (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لمخالفة الظاهرية. ومن حكى الاتفاق فأراد اتفاق المذاهب الأربعة في الجملة (٤)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6330

[١٥٧/ ٣] لو قال لأجنبية: "ليس هذا الذي ولدتيه من زوجك"، لا يصير قاذفًا، ما لم يقل إنه من الزنا . • المراد بالمسألة: إذا قال شخص لامرأة أنجبت ولدًا يُعرف نسبه إلى زوجها: ولدك هذا ليس من زوجك، فإن هذا لا يكون قذفًا موجبًا للحد، حتى يُصرَّح بأنه جاء عن طريق الزنا فهنا يكون قذفًا موجبًا للحد. وهذه المسألة عند التأمل هي كالمسألة السابقة، إلا أن الإجماع فيها محكي على خلاف الإجماع المحكي في المسألة السابقة. • من نقل الإجماع: قال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "قال في النهاية: وأجمعوا أنه لو قال لأجنبية: ليس هذا الذي ولدتيه من زوجك، لا يصير قاذفًا، ما لم يقل إنه من الزنا" (١) وبمثله قال ابن الهمام (٨٦١ هـ) (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن صاحب هذه المقالة لم يُصرَّح بالزنا، فقد تكون حملت به من رجل آخر عن طريق وطء شبهة، أو نحو ذلك، ولا يلزم أن يكون رميًا بالزنا (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن نفي النسب قذف موجب للحد. وهو مذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨).

стр. 6331

• دليل المخالف: استدل من أوجب الحد في المسألة بان هذه اللفظ هي في الحقيقة من باب نفي الابن عن أبيه، وهذا موجب للحد كما سبق بيان أدلته في المسألة السابقة. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ بل حكي الإجماع على خلافها، كما هو في المسألة السابقة، ولذا لمَّا ذكر الزيلعي هذا القول تعقَّبه متعجَّبًا له بقوله: "ومن أين هذا الإجماع؟ ! " (١)، وكذا تعقَّبه ابن الهمام بأن المذهب قد قرر الحد في هذه المسألة (٢)، واللَّه تعالى أعلم [١٥٨/ ٣] من قال لامرأة "يا زاني" وجب عليه الحد . • المراد بالمسألة: الأصل في قذف المرأة أن يقال لها يا زانية، فإذا قذف الرجل المرأة بلفظ المذكَّر بأن قال لها: "يا زاني" فإنه يُعتبر قذفًا يجب به الحد. ويتبيَّن مما سبق أن المسألة في قذف المرأة بلفظ المذكَّر، أما إن قَذف الرجل بلفظ المؤنث بأن قال للرجل "يا زانية" فهذه مسألة أخرى محل خلاف وغير مرادة. • من نقل الإجماع: قال السرخسي (٤٨٣ هـ): "ولو قال لامرأة يا زان فعليه الحد بالاتفاق" (٣). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "حتى لو قال لامرأة: يا زاني يجب الحد بالإجماع" (٤). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "وأجمعوا أن من قال لامرأته: يا زان، أنه يُحد لها" (٥). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "واتفقوا أنه إذا قال لامرأته يا زان أنه قذف" (٦). وقال أبو بكر العبادي (٨٠٠ هـ): "ولو قال لامرأة يا زاني بغير الهاء فإنه

стр. 6332

يحد بالإجماع" (١). وقال ابن فراموز (٨٨٥ هـ): "ولو قال لامرأة يا زاني حد: هذا بالاتفاق" (٢). وقال الحطاب (٩٥٤ هـ) (٣): "واتفقوا على أنه إذا قال لامرأة يا زان أنه قذف" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن القاذف قد أتى باللفظ الصريح للقذف، وإنما حذف هاء التأنيث، وهذه الهاء قد تحذف في استعمالها للنساء كالحائض والطالق والحامل ونحو ذلك (٧). الدليل الثاني: أن حذف الهاء للمؤنث سائغ في لغة العرب، وهو من باب الترخيم (٨). الدليل الثالث: لأن الأصل في الكلام التذكير، وإلحاق هاء التأنيث إنما هو للفصل بين المذكر والمؤنث، والفصل هنا حاصل بالإشارة فلا يخرج بإسقاط حرف التأنيث من أن يكون قذفًا، وهو كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (١٠)، فحذفت الهاء

стр. 6333

هنا للعلم بأن الخطاب موجه للنساء (١). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه ليس بقذف، إلا أن يُفسَّر اللفظ بما يدل عليها. وهو وجه عند الحنابلة، قال به ابن حامد (٢) (٣). • دليل المخالف: أن قول الرجل للمرأة يا زان، ليس صريحًا في قذفها، لأن الخطاب ليس للمؤنث، فهو من باب الكناية الذي لا يكون قذفًا إلا بأن يُفسِّره بما يدل على القذف (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر على قسمين: القسم الأول: أن يفسَّر اللفظ بما يدل على أنه خطاب للمرأة بالزنا، فهذا قذف بإجماع أهل العلم؛ لعدم المخالف. القسم الثاني: أن لا يُفسره، فالذي يظهر أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الحنابلة، واللَّه تعالى أعلم. [١٥٩/ ٣] إذا قال: (زنأت) وسكت، فإنه يُحد . • المراد بالمسألة: الزنا في اللغة العربية قد يُهمز وقد لا يُهمز، فيُقال: "زنا" و"زنأ"، وهو يُطلق على الفجور الذي بمعنى الزنا الشرعي بتغييب الحشفة في الفرج، ويُطلق أيضًا على معنى الصعود، كما سبق بيانه (٥). وعلى هذا فإذا قال شخص لغيره: "زنأتَ" -بالهمز- فيحتمل أنه أراد به

стр. 6334

صعدت، ويُحتمل أنه أراد فعلتَ فاحشة الزنا. وقد تقرَّر عند الفقهاء أن لفظ الزنا من الألفاظ الصريحة في القذف (١). إذا ثبَت ذلك فإن المراد بالمسألة هو: إذا قال شخص لآخر: "أنتَ زنأتَ" ولم يقْرنها بكلمة غيرها، فإنه يُعتبر قذفًا موجبًا للحد، واحتمال اللفظ لمعنى الصعود لا يؤثر في إيجاب الحد. ومما سبق ينبَّه إلى أمرين: الأول: أن المسألة هي في لفظ "زنأت" أما لو قال "زنيت" فإنها غير داخلة، لأنها صريحة في الزنا الشرعي، ولا تحتمل معنى الصعود. الثاني: إذا قال "زنأتَ" مقرونًا بما يدل على أن المراد به غير الزنا الشرعي، فإنه غير مراد، كأن يقول: "أنت زنأت على الجبل"، فإنه يُحتمل أنه أراد معنى الصعود، وليست مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "فكان كما لو قال يا زاني أو زنأت فإنه يحد اتفاقًا" (٢). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "إذ لو اقتصر على قوله" "زنأتَ" يُحد اتفاقًا" (٣). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "لو اقتصر على قوله: "زنأتَ" يُحد اتفاقًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٥)، الحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن الأصل في استعمال الزنا بين الناس هو

стр. 6335

الزنا الشرعي المعروف حتى يقترن به ما يدل على معنى الصعود، وهنا لم يقترن بالكلمة ما يصرفها إلى معنى آخر. الدليل الثاني: أن المهموز منه لا ينافي معنى الفاحشة؛ وعامة الناس لا يفهمون من ذلك إلا القذف، فكان قذفًا، كما لو قال: زنيت (١). • المخالفون للإجماع: المخالف في المسألة على قولين: القول الأول: من قال لآخر: "زنأتَ" فإنه لا يكون قذفًا. وهو قول الشافعية (٢). القول الثاني: من قال لآخر: "زنأتَ" فإن كان عاميًا فهو قذف، وإن كان عالمًا بالعربية فإنه ليس بقذف. وهو وجه عند الحنابلة (٣). • دليل المخالف: استدل الشافعية على قولهم بأنه لا يكون قذفًا: بأن لفظ "زنأت" يحتمل معنى الصعود ومعنى الزنا الشرعي، فهو غير صريح في القذف (٤). واستدل من فرَّق بين العامي والعالم بالعربية بأن العامي لا يفهم من لفظ "زنأت" إلا معنى الزنا الشرعي، بخلاف العالم بالعربيَّة فإنه يُحتمل أن يكون أراد معنى الصعود (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقَّق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الشافعية، وبعض الحنابلة.

стр. 6336

ومن حكى الاتفاق في المسألة فلعله أراد الاتفاق المذهبي عند الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٠/ ٣] ولو قال: "رنأت على الجبل"، وقال: عنيتُ به الصعود، لا يُصدَّق، وعليه الحد . • من نقل الإجماع: جاء في المسألة السابقة أن قول الشخص للآخر: "زنأتَ" يُحتمل معنى الصعود، فإذا قال شخص لآخر: "أنت زنأتَ على الجبل" ثم قال: أردتُ معنى الصعود، فإنه لا يُصدَّق في ذلك، ويجب عليه الحد. ويُنبَّه إلى أنه لو عدَّاه بغير حرف (على) بأن قال "زنأتَ في الجبل" فهذا لفظ آخر غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال السمرقندي (٥٤٠ هـ): "ولو قال: "زنأت على الجبل" يُحد بالإجماع" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولو قال: "زنأت على الجبل" وقال: عنيت به الصعود، لا يصدق بالإجماع" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٣) والشافعية (٤)،

стр. 6337

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن أهل اللغة يستعملون حرف "في" في الصعود فيقولون: صعد في الجبل، وزنأ في الجبل، ولا يستعملون حرف "على" فلا يصح عندهم صعد على الجبل (٢). • المخالف للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يُحد. وبه قال بعض الحنفية (٣). • دليل المخالف: استدل المخالف بأن الكثير لا يُفرَّق بين حرفي "في" و"على" في مثل هذا الاستعمال، لا سيما وأن الحرف "على" قد تستعمل في الصعود والفوقية، فيقال: قعد زيد على الفرس، أو زَيد عليه ثوب أبيض، فمن قال: "زنأ على الجبل" قد يتوهم صحة اللفظ بمعنى الصعود، وهذه شبهة تدرأ عنه الحد (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الحنفية، بل جزم ابن الهمام أن الخلاف في المسألة هو فيما إذا كان قد قالها في حال الغضب، فأما إن كان قالها في حال الرضى فإنه لا يُحد، وأن ذلك من المسلَّمات، واللَّه تعالى أعلم. [١٦١/ ٣] إذا قال لآخر: "يا ابن الكافر" وأبواه مؤمنان قد ماتا، فعليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا قال شخص لآخر يا ابن الكافر، أو يا ابن النصراني، أو يا ابن اليهودي، ونحو ذلك، وكان ذلك الشخص المقذوف قد مات أبواه على الإسلام، فإن هذا يُعتبر قذفًا موجبًا للحد، لأنه نسبه إلى شخص كافر غير

стр. 6338

أبيه الذي مات على الإسلام. ويتبيَّن مما سبق أن الشخص إن كان أبواه أو أحدهما لم يمت بعد فالمسألة غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه إذا قال الرجل للرجل: يا ابن الكافر، وأبواه مؤمنان قد ماتا، أن عليه الحد" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن قوله للشخص الذي أبواه مسلمان يا ابن الكافر فيه نفي نسبه عن أبيه الذي مات على الإسلام، فكأنه قال: "أنت لست ولد أبيك، وإنما أنت ابن شخص آخر كافر". • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن قال يا ابن الكافر فإنه لا يكون قذفًا، وإنما يجب فيه التعزير. وهو قول الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). القول الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يُحلَّف فإن حلف أنه لم يُرد نفيًا فلا حد عليه. وهو قول للمالكية (٦). • دليل المخالف: الدليل الأول: أن آية القذف إنما وردَت في القذف بالزنا،

стр. 6339

فيُقتصر عليه، ولا يُقاس عليه غيره من الألفاظ إلا بدليل (١). الدليل الثاني: المقصود بالحد في القذف بالزنا إزالة العار، وهذا غير موجود في القذف بابن الكافر، لأن من كان إسلامه معروف ومعلوم عند الناس فلا يضره مثل ذلك (٢). الدليل الثالث: أن القذف إنما ورد في الزنا، فلا يُقاس عليه غيره، وقول يا ابن الكافر ليس صريحًا في الزنا، ولا يلزم منه القذف، فقد يريد أي: يا من أفعاله كأفعال ابن الكافر، وقد يريد أنه ابن شخص كافر حقيقة لكنه وُلد بطريقة شرعية ثم كان لقيطًا، إلى غير ذلك من الاحتمالات، وهي شبهات تدرأ بها الحدود (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية، والحنابلة، والظاهرية، وبعض المالكية. ونقل ابن المنذر للإجماع لعله وهم، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٢/ ٣] إذا قذف الرجل زوجته بلا بيِّنة فله لعانها، سواء دخل بها أو لم يدخل . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف اللعان: اللعان لغة: اللعن لغة مصدر لاعن يلاعن ملاعنةً ولعانًا، بمعنى الطرد والإبعاد، كما قال ابن فارس: "اللام والعين والنون أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على إبعادٍ وإطرادٍ" (٤)، يقال: لَعَنه يَلْعَنه لَعْنًا: أي طَرَدَه وأَبعده (٥). اللعان شرعًا: اللعان والملاعنة والتلاعن بمعنى واحد، وهو ملاعنة الرجل امرأته إذا قذفها بالزنا أو أراد نفي الولد عنه، وهي مشروعة إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، ولم يكن له بينة، فأراد إسقاط الحد عن نفسه، فإنه يلاعن

стр. 6340

زوجته بألفاظ مخصوصة، ثم يفرَّق بينهما، فلا تحل له أبدًا. وقد عرَّف الفقهاء اللعان بأنه: شهادات مؤكدة باليمين، المقرونة باللعن والغضب، قائمة مقام حد القذف في حق الزوج، ومقام حد الزنا في حق الزوجة (١). قال النووي: "وسمي لعانًا لما فيه من قول الرجل وعليَّ لعنة اللَّه إن كنت من الكاذبين. وقيل: يجوز أن يكون سمي لعانًا لما فيه من الطرد والإبعاد لكل واحد منهما عن صاحبه، ووقوع الحرمة المؤبدة" (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا قذف رجل امرأته بالزنا، ولم يكن له بينة على قذفه، وطالبت المرأة بالحد، فإن له إسقاط الحد عنه باللعان، وهذا عام سواء
следующие страницы →