← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

ومن حكى الاتفاق في المسألة فلعله أراد الاتفاق المذهبي عند الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٠/ ٣] ولو قال: "رنأت على الجبل"، وقال: عنيتُ به الصعود، لا يُصدَّق، وعليه الحد . • من نقل الإجماع: جاء في المسألة السابقة أن قول الشخص للآخر: "زنأتَ" يُحتمل معنى الصعود، فإذا قال شخص لآخر: "أنت زنأتَ على الجبل" ثم قال: أردتُ معنى الصعود، فإنه لا يُصدَّق في ذلك، ويجب عليه الحد. ويُنبَّه إلى أنه لو عدَّاه بغير حرف (على) بأن قال "زنأتَ في الجبل" فهذا لفظ آخر غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال السمرقندي (٥٤٠ هـ): "ولو قال: "زنأت على الجبل" يُحد بالإجماع" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولو قال: "زنأت على الجبل" وقال: عنيت به الصعود، لا يصدق بالإجماع" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٣) والشافعية (٤)،

стр. 6337

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن أهل اللغة يستعملون حرف "في" في الصعود فيقولون: صعد في الجبل، وزنأ في الجبل، ولا يستعملون حرف "على" فلا يصح عندهم صعد على الجبل (٢). • المخالف للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يُحد. وبه قال بعض الحنفية (٣). • دليل المخالف: استدل المخالف بأن الكثير لا يُفرَّق بين حرفي "في" و"على" في مثل هذا الاستعمال، لا سيما وأن الحرف "على" قد تستعمل في الصعود والفوقية، فيقال: قعد زيد على الفرس، أو زَيد عليه ثوب أبيض، فمن قال: "زنأ على الجبل" قد يتوهم صحة اللفظ بمعنى الصعود، وهذه شبهة تدرأ عنه الحد (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الحنفية، بل جزم ابن الهمام أن الخلاف في المسألة هو فيما إذا كان قد قالها في حال الغضب، فأما إن كان قالها في حال الرضى فإنه لا يُحد، وأن ذلك من المسلَّمات، واللَّه تعالى أعلم. [١٦١/ ٣] إذا قال لآخر: "يا ابن الكافر" وأبواه مؤمنان قد ماتا، فعليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا قال شخص لآخر يا ابن الكافر، أو يا ابن النصراني، أو يا ابن اليهودي، ونحو ذلك، وكان ذلك الشخص المقذوف قد مات أبواه على الإسلام، فإن هذا يُعتبر قذفًا موجبًا للحد، لأنه نسبه إلى شخص كافر غير

стр. 6338

أبيه الذي مات على الإسلام. ويتبيَّن مما سبق أن الشخص إن كان أبواه أو أحدهما لم يمت بعد فالمسألة غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه إذا قال الرجل للرجل: يا ابن الكافر، وأبواه مؤمنان قد ماتا، أن عليه الحد" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن قوله للشخص الذي أبواه مسلمان يا ابن الكافر فيه نفي نسبه عن أبيه الذي مات على الإسلام، فكأنه قال: "أنت لست ولد أبيك، وإنما أنت ابن شخص آخر كافر". • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن قال يا ابن الكافر فإنه لا يكون قذفًا، وإنما يجب فيه التعزير. وهو قول الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). القول الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يُحلَّف فإن حلف أنه لم يُرد نفيًا فلا حد عليه. وهو قول للمالكية (٦). • دليل المخالف: الدليل الأول: أن آية القذف إنما وردَت في القذف بالزنا،

стр. 6339

فيُقتصر عليه، ولا يُقاس عليه غيره من الألفاظ إلا بدليل (١). الدليل الثاني: المقصود بالحد في القذف بالزنا إزالة العار، وهذا غير موجود في القذف بابن الكافر، لأن من كان إسلامه معروف ومعلوم عند الناس فلا يضره مثل ذلك (٢). الدليل الثالث: أن القذف إنما ورد في الزنا، فلا يُقاس عليه غيره، وقول يا ابن الكافر ليس صريحًا في الزنا، ولا يلزم منه القذف، فقد يريد أي: يا من أفعاله كأفعال ابن الكافر، وقد يريد أنه ابن شخص كافر حقيقة لكنه وُلد بطريقة شرعية ثم كان لقيطًا، إلى غير ذلك من الاحتمالات، وهي شبهات تدرأ بها الحدود (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية، والحنابلة، والظاهرية، وبعض المالكية. ونقل ابن المنذر للإجماع لعله وهم، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٢/ ٣] إذا قذف الرجل زوجته بلا بيِّنة فله لعانها، سواء دخل بها أو لم يدخل . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف اللعان: اللعان لغة: اللعن لغة مصدر لاعن يلاعن ملاعنةً ولعانًا، بمعنى الطرد والإبعاد، كما قال ابن فارس: "اللام والعين والنون أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على إبعادٍ وإطرادٍ" (٤)، يقال: لَعَنه يَلْعَنه لَعْنًا: أي طَرَدَه وأَبعده (٥). اللعان شرعًا: اللعان والملاعنة والتلاعن بمعنى واحد، وهو ملاعنة الرجل امرأته إذا قذفها بالزنا أو أراد نفي الولد عنه، وهي مشروعة إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، ولم يكن له بينة، فأراد إسقاط الحد عن نفسه، فإنه يلاعن

стр. 6340

زوجته بألفاظ مخصوصة، ثم يفرَّق بينهما، فلا تحل له أبدًا. وقد عرَّف الفقهاء اللعان بأنه: شهادات مؤكدة باليمين، المقرونة باللعن والغضب، قائمة مقام حد القذف في حق الزوج، ومقام حد الزنا في حق الزوجة (١). قال النووي: "وسمي لعانًا لما فيه من قول الرجل وعليَّ لعنة اللَّه إن كنت من الكاذبين. وقيل: يجوز أن يكون سمي لعانًا لما فيه من الطرد والإبعاد لكل واحد منهما عن صاحبه، ووقوع الحرمة المؤبدة" (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا قذف رجل امرأته بالزنا، ولم يكن له بينة على قذفه، وطالبت المرأة بالحد، فإن له إسقاط الحد عنه باللعان، وهذا عام سواء

стр. 6341

كان قد دخل بزوجته، أو لم يدخل بها. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن الرجل إذا قذف زوجته قبل أن يدخل بها أنه يلاعنها"، ونقله عنه ابن قدامة (١) وشمس الدين ابن قدامة (٢) وابن حجر (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا على أن الزوج، الصحيح عقد الزواج، الحر، المسلم، العاقل، البالغ، الذي ليس بسكران، ولا محدود في قذف، ولا أخرس، ولا أعمى، إذا قذف بصريح الزنا زوجته، العاقلة، البالغة، المسلمة، الحرة، التي ليست محدودة في زنا ولا قذف، ولا خرسى، وقذفها وهي في عصمته، بزنا، ذكر أنه رآه منها بعد نكاحه لها، مختارة للزنا، غير سكرى، وكان الزوج قد دخل بها ووطئها، أو لم يدخل بها ثم لم يطأها، بعد ما ذكر من اطلاعه على ما اطلع، ولم يطلقها بعد قذفه لها، ولا ماتت، ولا ولدت، ولا اتضح نكاحها، فإن اللعان بينهما واجب" (٤). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "وأجمعوا على أن من قذف امرأته بالزنا ولا شاهد له عليها سوى نفسه، أنه يكرر اليمين أربع مرات باللَّه أنه لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة: ولعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، فحينئذ يلزمها الحد. والذي يدرؤه عنها أن تشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين،

стр. 6342

ثم يقول في الخامسة: أن غضب اللَّه عليها إن كانت من الكاذبين" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ (٥). • وجه الدلالة: الآية صريحة في لعان الرجل لزوجته إذا قذفها ولم يكن له بيَّنة على ذلك، وهو عام في كل زوجة سواء كان مدخولًا بها أو غير مدخول بها (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٣/ ٣] يُحد من قذف الملاعنة . • المراد بالمسألة: إذا قذف رجل زوجته بالزنا، وأنكرت زوجته ذلك، فإن الشرع قد جعل في ذلك أن يُلاعن الرجل زوجته ثم يُفرَّق بينهما. فإذا لاعن الرجل زوجته، ثم جاء شخص آخر وقذف هذه المرأة التي لاعنت زوجها، فإما أن يُقيم البيَّنة بالشهود الأربعة، أو يقام عليه حد القذف. ويُنبَّه هنا إلى أنه إن قذَفها زوجها بعد لعانها فذلك غير مراد (٧).

стр. 6343

• من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ويحد من قذف الملاعنة. . . ولا نعلم فيه خلافًا" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية فيمن لاعنت بغير ولد (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ في قصة هلال بن أمية ﵁ حين لاعن امرأته وفرَّق النبي ﷺ بينهما وفيه قال ابن عباس ﵁: "ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما، وقضى أن لا يُدعى ولدُها لأب، ولا تُرمى، ولا يُرمى ولدُها، ومن رماها أو رمى ولدَها فعليه الحد" (٥). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن النبي ﷺ قضى بأنه من رمى المرأة بعد الملاعنة فعليه الحد (٦). الدليل الثاني: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: "قضى رسول اللَّه ﷺ في ولد المتلاعنين، أنه يرث أمه، وترثه أمه، ومن قفاها به جلد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين" (٧).

стр. 6344

الدليل الثالث: أن حصانة المرأة الملاعِنة لم تسقط باللعان، ولم يثبت عليها الزنا بلعانها، فكان قذفها موجب للحد كقذف غيرها (١). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الملاعِنة إن كان معها ولد، ولاعنها زوجها مع نفي ولدها فإنَّ قَذفها حينئذٍ لا يوجب الحد، سواء كان القاذف زوجها أو غيره. وهو قول الحنفية (٢). • دليل المخالف: علل الحنفية لقولهم بأن المرأة التي لاعنت مع ولدها قد قام فيها أمارة الزنا، وصارت في صورة الزانيات من جهة أن في حجرها ولد لا يُعرف له والد، ففاتت العفة بذلك، والعفة شرط من شروط الإحصان (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم فيما إذا كانت الملاعنة معها ولد قد نفاه الملاعِن؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية. أما إن لم يكن معها ولد فالمسألة محل إجماع كما سيأتي تقريره (٤). [١٦٤/ ٣] يصح قذف الأعمى لزوجته، وله ملاعنتها . • المراد بالمسألة: إذا قذف الأعمى زوجته بالزنا، ولم يُقم على ذلك بيَّنة، فإن قذفه صحيح، وله ملاعنة زوجته، أو يقام عليه حد القذف. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف زوجته ولا تصح منه الرؤية" (٥). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "أجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف امرأته" (٦).

стр. 6345

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ (٥). • وجه الدلالة: الآية عامة في أن كل من رمى زوجته، فإنه يلاعنها، وليس ثمة دليل يستثني الأعمى من ذلك (٦). الدليل الثاني: أن الأعمى قد يُدرك زنا زوجته، إما بالصوت المُشعر بالجماع، أو بوضع يده على ذكر الرجل وفرج زوجته، فكان لعانه كلعان غيره (٧). النتيجة: يظهر واللَّه تعالى أعلم صحة الإجماع في المسألة؛ لعدم المخالف واللَّه تعالى أعلم. تنبيه: نقل بعض الفقهاء عن مالك وأبي الزناد ويحيى بن سعيد الأنصاري (٨) القول بأن من شرط اللعان الرؤية، وأن لعان الأعمى لا يصح إلا إذا أنكر الحمل وادعى الاستبراء. وممن نقله ابن قدامة في "المغني" (٩)، وابن العربي في "أحكام

стр. 6346

القرآن" (١)، إلا أن هذا القول لم أجعله من مواطن المخالفين في المسألة؛ لأن ابن عبد البر حقَّق قول مالك في المسألة فقال: "فالمشهور من مذهبه أن اللعان لا يجب حتى يقول الرجل لامرأته رأيتك تزنين، أو ينفي حملًا بها، أو ولدًا منها، إلا أن الأعمى عنده يلاعن إذا قذف امرأته، لم يختلف عنه في ذلك، لأنه شيء يدركه بالحس واللمس. وقول أبي الزناد (٢)، ويحيى بن سعيد، وعثمان البتي، والليث بن سعد، في ذلك كقول مالك" (٣)، ويؤيد ذلك أيضًا حكاية القرطبي للإجماع تبعًا لابن عبد البر، وهو من المحققين لمذهب المالكية، مع أن القرطبي ذكر كلام ابن العربي، لكنه أخذ بتحقيق ابن عبد البر، فالذي يظهر أن قول مالك ومن تبعه في اشتراط الرؤية هو في غير الزوج، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٥/ ٣] لو قذف امرأة لاعنت بغير ولد، فعليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، ولم يكن لديه بيِّنة على ذلك، فلاعنها، ولم يكن لها ولد ينفيه زوجها الملاعن، فإنه إذا قذفها شخص آخر غير الزوج وجب عليه الحد. ويتبيَّن من ذلك أنه إن كان القاذف هو زوجها الأول الذي لاعنها فالمسألة غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ويحد من قذف الملاعنة. . . ولا نعلم فيه خلافًا" (٤). وقال العيني (٨٥٥ هـ): فيما لو قذف امرأة لاعنت بغير

стр. 6347

ولد فعليه الحد: "به قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وجمهور العلماء ﵏، ولا نعلم فيه خلافًا" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ولو قذف امرأة لاعنت بغير ولد فعليه الحد. . . ولا يعلم خلاف في ذلك" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ في قصة هلال بن أمية ﵁ حين لاعن امرأته وفرَّق النبي ﷺ بينهما وفيه قال ابن عباس ﵁: "ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما، وقضى أن لا يُدعى ولدُها لأب، ولا تُرمى، ولا يُرمى ولدُها، ومن رماها أو رمى ولدَها فعليه الحد" (٥). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن النبي ﷺ قضى بأنه من رمى المرأة بعد الملاعنة فعليه الحد (٦). الدليل الثاني: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: "قضى رسول اللَّه ﷺ في ولد المتلاعنين، أنه يرث أمه، وترثه أمه، ومن قفاها به جلد ثمانين، ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين" (٧). الدليل الثالث: أن حصانة المرأة الملاعِنة لم تسقط باللعان، ولم يثبت عليها الزنا بلعانها، ولا يوجد ما يدل على أمارة الزنا كولد لها لا أب له، فكان

стр. 6348

قذفها موجب للحد كقذف غيرها (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٦/ ٣] إذا قذف الرجل امرأة ثم تزوَّجها، فإنه يُحد ولا يلاعِن . • المراد بالمسألة: من المقرر عند الفقهاء أن من قذف امرأته بالزنا وليس عنده بيَّنة، فإنه يمكنه الخروج عن حد القذف بملاعنته لزوجته. فإذا قذف شخص امرأة ليست زوجة له، ثم تزوَّجها بعد القذف، وطالبت المرأة بالحد، فإن الإمام يطالب القاذف حينئذٍ بالبيَّنة أو الحد، ولا يصح له أن يلاعن. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن الرجل إذا قذف امرأة ثم تزوج بها، أنه يحد ولا يلاعن" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أنه إن قذفها وهي أجنبية ثم تزوجها لم يلاعنها" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن القذف حصل حال كون المرأة

стр. 6349

أجنبية عنه، فكان الاعتبار بوقت القذف، لا بوقت المرافعة (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٧/ ٣] من قذف زوجته برجل سمَّاه، ولاعن المرأة فإن الرجل المُسمَّى لا يُحد . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص زوجته بالزنا، وسمَّى من زنى بها، كأن يقول: زنى بك فلان بن فلان، فهنا إن لاعن الرجل زوجته، فلا يُقام حد الزنا على من قُذف بالزنا مع زوجته. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لا يختلفون أن من قذف امرأته برجل فلاعن، لم يحد الرجل" (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "لا يختلفون في رجل قذف امرأته برجل فلاعن أنه لا يُحد الرجل" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن لعان الرجل لزوجته إنما هو لإسقاط حد القذف عنه، وليس معناه صدقه فيما قاله. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6350

[١٦٨/ ٣] إذا قذف الصبي امرأته فإنه ليس عليه لعان . • المراد بالمسألة: إذا قذف الصبي امرأته بالزنا، وطالبت المرأة بالحد أو اللعان، فإن الإمام لا يُلزم الصبي بلعان زوجته (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا أن الصبي إذا قذف امرأته، أنه لا يضرب، ولا يلاعن" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣) والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٦). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر أن البلوغ شرط للتكليف، وأن الصبي مرفوع عنه القلم، فلا يؤاخذ بالعقوبات الشرعية لفقدان شرط العقل. الدليل الثاني: أن الصبي لا يُحد إذا ارتكب ما يوجب حد الزنا، فمن باب أولى ألَّا يطبَّق عليه موجَب الحد إذا قذف شخصًا بالزنا، فإن ارتكاب الزنا أعظم من القذف به (٧).

стр. 6351

الدليل الثالث: أن الصبي إذا سقط عنه التكليف في العبادات والمآثم في المعاصي؛ فلأن يسقط عنه الحد الذي مبناه على الدرء والإسقاط من باب أولى (١). الدليل الرابع: أن الحد عقوبة محضة، فتستدعي جناية محضة، وفعل الصبي لا يوصف بالجناية فلا حد عليه لعدم الجناية منه (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٦٩/ ٣] من قذف محصنًا فهو كمن قذف محصنة في وجوب الحد . • المراد بالمسألة: من المعلوم أن وجوب جلد القاذف في القرآن الكريم جاء في حق قذف المحصنات من النساء، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٣). والمراد هنا تقرير أن هذا التخصيص غير مراد، فالآية عامة في وجوب الحد على من قذف المحصنات من النساء، أو المحصنين من الرجال. فمن قذف رجلًا بالزنا ولم يأت بالبيَّنة وجب عليه الحد، كمن قذف المرأة المحصنة. • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "ولا خلاف بين المسلمين أن الحد واجب على قاذف الرجل المحصن كوجوبه على قاذف المحصنة" (٤). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن الحر العاقل البالغ المسلم غير

стр. 6352

المكره إذا قذف حرًا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عفيفًا، لم يُحد قط في زنا، أو حرة بالغة، عاقلة، مسلمة، عفيفة، غير ملاعنة، لم تُحد في زنا قط، بصريح الزنا. . . أنه يلزمه ثمانون جلدة" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "والمحصنون في حكم المحصنات بإجماع" (٢). وقال ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ): "ويدخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٣) الرجال والنساء، لأنه لما كانت لا تزني امرأة إلا برجل اكتفى اللَّه بذكر المحصنات عن المحصنين، وهو أمر متفق عليه، لا اختلاف عند أحد من المسلمين أن قذف المحصن كقذف المحصنة في وجوب الحد ولحوق الإثم" (٤). وقال الرازي (٦٠٦ هـ): " ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٥). . . الإجماع دل على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات" (٦). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "من قذف حرًا مسلمًا عفيفًا كمن قذف حرة مسلمة عفيفة بإجماع" (٧). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "ذكر اللَّه تعالى في الآية النساء من حيث هن أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع، وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك" (٨). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "والنص وإن ورد في المحصنات لكن الحكم يثبت في المحصنين أيضًا؛ لأن المعنى

стр. 6353

وهو دفع العار يشملهما فكان متناولًا لهم دلالة، وعليه الإجماع" (١). وقال أبو حيان الأندلسي (٧٤٥ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢): "فائدةُ قولِه: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ أنّ المحصنات تقع على الأنفس فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٣) لو أريد به النساء خاصة، لما حدّ مَن قذف رجلًا بنص القرآن، وأجمعوا على أن حده بهذا النص" (٤). وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ): " ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٥). . . هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، ليس في هذا نزاع بين العلماء" (٦). وقال ابن حجر (٨٥٢): "وقد انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء" (٧). وقال ابن عادل (٨٨٠ هـ): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٨). . . المراد بهن النساء والرجال للإجماع على أن حكمهم حكمهن" (٩). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): " ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (١٠) قد مر تفسير المحصنات وذكرنا الإجماع على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من النساء في حد القذف" (١١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن المقصود من حد القذف هو دفع العار

стр. 6354

عن المقذوف، وهذا شامل للرجال والنساء (١). الدليل الثاني: أن الأصل اشتراكُ المكلَّفين مِن الرِّجَال والنِّساء في الأحكام؛ إلا ما قام الدَّليلُ على تخصيصه، وليس ثمة دليل على التخصيص (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٠/ ٣] إذا قذف الرجل أباه أو جده أو أحدًا من أجداده أو جداته بالزنا عليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص أحدًا من أصوله كأبيه، أو جده، وإن علوا، أو أمه، أو جدته، وإن علوا، فإنه يجب الحد على القاذف. ويتبيَّن أن المراد هو أن قذف الأصل موجب للحد، أما من قذف الفرع كمن قذف ابنه وإن نزل فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أنه إذا قذف الرجل أباه أو جده أو أحدًا من أجداده أو جداته بالزنا، أن عليه الحد" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)،

стр. 6355

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: عموم الآية ولم يستثن قذف الفرع لأصوله (٣). الدليل الثاني: القياس على القصاص، فكما أن الفرع إذا قَتل الأصل فيُقتل به، فكذا يُحد به (٤). الدليل الثالث: أن المقصود من حد القذف دفع العار عن نفسه، وهذا موجود في قذف الفرع للأصل (٥). الدليل الرابع: القياس على حد الزنا، فكما أن من زنى بأحد من أصوله وجب عليه الحد، فكذا القذف (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يحد الشخص بقذفه لأبيه. وهو قول عند الحنابلة (٧). • دليل المخالف: لم يذكر الحنابلة تعليلًا لهذا القول، ولا من نص عليه من الحنابلة، ويمكن أن يُستدل له بأن من قذف أبوه فإنه ألحق الضرر بنفسه، وكأنه اتهم نفسه بأنه ولد زنا، فيكون القذف حق له. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الحنابلة، ولعل ابن المنذر لم يعتبر الخلاف في المسألة باعتبار أنه قول في مذهب الحنابلة وليس المذهب واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6356

[١٧١/ ٣] الحربي والذمي والمستأمن الذين لم يُسلموا إذا أوقع أحدهم قذف المسلم في دار الإسلام فعليه ما على المسلم من الحد . • المراد بالمسألة: المراد بالذمي: هو من كان بيننا وبينه عهد على أن يقيم في بلادنا معصوم الدم والمال. أما الحربي فقد سبق أنه من ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان، فإن دخل بأمان فهو مستأمن (١). • ثانيًا: صورة المسألة: الذمي الذي بيننا وبينه عهد، أو الحربي الذي ليس بيننا وبينه عهد إذا قذف أحدهم شخصًا مسلمًا في دار الإسلام، فإنه يجب عليه حد القذف ثمانون جلدة. ويتبيَّن مما سبق أنه لو قذف في غير دار الإسلام فذلك غير مراد. كما ينبَّه إلى أن هذا في الحربي والذمي إذا لم يُسلم أحد منهما، فإذا أسلم فالمسألة غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن النصراني إذا قذف المسلم الحر، أن عليه ما على المسلم إذا قذف المسلم" (٢). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وإذا قذف النصراني المسلم الحر فعليه ما على المسلم ثمانون جلدة، لا أعلم في ذلك خلافًا" (٣). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "لا يقام على المستأمن والمستأمنة شيء من الحدود. . . وحدُّ القذف يجب بالاتفاق" (٤). وقال أبو بكر العبادي (٨٠٠ هـ): "وحد القذف، والقصاص يقام عليه [أي المستأمن] بالإجماع، أما الذمي فهو

стр. 6357

فيما سوى حد الشرب كالمسلم إجماعًا" (١). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "والحربي إذا قذف مسلمًا يجب عليه بالاتفاق" (٢). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ) في بيان حكم الحربي: "وحد القذف يجب اتفاقًا" (٣). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "وأما الذمي فيجب عليه جميع الحدود اتفاقًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية في الذمي (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية في الذمي (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن صفوان بن عسال ﵁ (٨) قال: "قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي ﷺ ، قال له صاحبه: لا تقل نبي، لو سمعك كان له أربعة أعين (٩)، فأتيا رسول اللَّه ﷺ وسألاه عن تسع آيات بينات، فقال لهم: (لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا يوم الزحف، وعليكم خاصة

стр. 6358

يهود أن لا تعدوا في السبت) فقبلوا يديه ورجليه، وقالوا: نشهد أنك نبي، قال: (فما يمنعكم أن تتبعوني؟ ) قالوا: إن داود دعا بأن لا يزال من ذريته نبي، وإنَّا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود" (١).

стр. 6359

• وجه الدلالة: قوله ﷺ لليهوديين: (ولا تقذفوا المحصنة) يدل على أنه استوى المسلم والذمي في التحريم، فوجب عليه الحد إذا قذف مسلمًا. الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة، فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : (فلان قتلك)؟ فرفعت رأسها، فأعاد عليها، قال: (فلان قتلك)؟ فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: (فلان قتلك)؟ فخفضت رأسها، فدعا به رسول اللَّه ﷺ فقتله بين الحجرين" متفق عليه (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقام الحد على اليهودي، فدل على أن الحدود التي تقام على المسلمين تُقام على الذِّمي (٢). الدليل الثالث: أن القذف فيه حق للعبد، وعقد الهدنة اقتضى الكف عن أموالنا وأعراضنا وأموالهم وأعراضهم، فإذا لم يكفوا وجب عليهم الحد (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الحربي والمستأمن إذا قذف المسلم فإنه لا يُقام عليه الحد. وهو قول أبي حنيفة القديم ثم رجع عنه (٤)، وبه قال الشافعية (٥). • دليل المخالف: علل الشافعية لعدم إقامة حد القذف على الحربي بأنه لم

стр. 6360

يلتزم أحكام المسلمين، ولذا لم تلزمه أحكام الإسلام (١). النتيجة: ثمة مسألتان: الأولى: الذمَّي إذا قذف مسلمًا أقيم عليه الحد، فهذه محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. الثانية: الحربي والمستأمن إذا قذف المسلم أقيم عليه الحد، فهذه ليست محل إجماع بين أهل العلم، لثبوت الخلاف عن الشافعية، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٢/ ٣] الكافر إذا أسلم فلا يؤاخذ بما فعله حال كفره من القذف في دار الحرب . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد القذف على شخص، وكان قد فعل القذف في دار الحرب أثناء كونه كافرًا، ثم تاب وأسلم، أو صار من أهل الذمة، فإنه لا يؤخذ بما فعل حال حربيَّته أو كفره من القذف. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وقد صح النص والإجماع بإسقاطه، وهو ما أصابه أهل الكفر ما داموا في دار الحرب قبل أن يتذمموا أو يسلموا فقط، فهذا خارج بفعل رسول اللَّه ﷺ في كل من أسلم منهم، فلم يؤاخذهم بشيء مما سلف لهم من قتل، أو زنى، أو قذف، أو شرب خمر، أو سرقة، وصح الإجماع بذلك" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وقد أجمع علماء المسلمين على أن الكفار إذا انتهوا وتابوا من كفرهم غفر لهم كل ما سلف، وسقط عنهم كل ما كان لزمهم في حال الكفر، من حقوق اللَّه وحقوق المسلمين قبل أن يقدروا عليهم، وبعد أن يقدروا عليهم ويصيروا في أيدي المسلمين فلا يحل قتلهم بإجماع المسلمين، ولا يؤخذ بشيء جنوه في مال أو دم، فدل ذلك على

стр. 6361

أن الآية تنزل في أهل الشرك والكفر" (١). ويمكن أن يضاف إليها النقولات التي سبقت في مسألة "ما فعله الحربي في دار الحرب من زنى فإنه لا يؤاخذ به بعد إسلامه"، ومسألة: "ما فعله الذمي في دار الكفر من زنى فإنه لا يؤاخذ به بعد إسلامه" (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ (٣). قال البغوي في تفسير الآية: "فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار، قال معناه: إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال" (٤). الدليل الثاني: عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله) (٥). • وجه الدلالة: الحديث دل على أن من أسلم فإن الإسلام يهدم ويمحو أثر ما فعله الشخص في الكفر، قال النووي: "الدخول فى الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا، وأن يكون مسلمًا حقيقيًا، فهذا يُغفر له ما سلف فى الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح: (الإسلام يهدم ما قبله)، وباجماع المسلمين" (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6362

[١٧٣/ ٣] لو قذف رجلًا فحد، ثم قذف آخر، فإنه يحد ثانية للثاني . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخصٌ آخر، وأقيم عليه حد القذف، ثم قَذف شخصًا آخر، فإنه يقام عليه الحد مرة أخرى، بسبب قذفه للشخص الثاني. ويتبيَّن مما سبق أمران: الأول: أنه إن قذف نفس الشخص الذي حُد بسببه في المرة الأولى فذلك غير مراد (١). الثاني: لو قذف شخصًا، ثم قذف آخر قبل إقامة الحد عليه، فمسألة أخرى غير مرادة (٢). • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو قذف رجلًا فحُدَّ، ثم قذف آخر، يُحد للثاني بلا خلاف" (٣). • الموافقون: وافق على ذلك المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن قذفه الثاني قذفٌ مستقل لشخص آخر، فلا تعلُّق له بالقذف الأول (٧). الدليل الثاني: أن المقصود من الحد دفع العار الذي لحقه بالقذف، وهذا متحصل لكل مقذوف على حدة، فإن كل واحد منهم قد لحقه العار، ولا ينتفي إلا بحد مستقل (٨). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6363

[١٧٤/ ٣] لا حد على من قذف محدودًا في الزنا، إذا رماه بذلك الزنا . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب عليه حد الزنا، وأقيم عليه حد الجلد لزناه، فإن من رماه بذلك الزنا الذي أقيم عليه الحد بسببه لا يكون قاذفًا له، ولا يجب الحد على القاذف حينئذٍ. ويتبيَّن أنه لو رماه بزنا آخر غير الزنا الذي حُد فيه، فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن من قذف من قد ثبت عليه الزنا من الرجال والنساء بالزنا الذي قد ثبت على المقذوف، لا بغيره، أنه لا حد عليه" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وأجمعوا أنه لا حد على من قذف محدودًا أو محدودة في زنا، إذا رماها بذلك الزنا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل حد القذف فيمن رمى المحصن، وقد تقرر عند الفقهاء أن من شرط الإحصان أن يكون عفيفًا عن الزنا (٧)، فالزاني غير محصن، وعلى هذا فقاذف من حُد في الزنا قد قذف غير محصن،

стр. 6364

فلا يدخل في الآية (١). الدليل الثاني: أن المقصود من حد القذف دفع العار بما قُذف به، وتكذيب القاذف، والزاني قد لحقه ذلك العار بالحد الذي أقيم عليه، والقاذف لم يكذب في قوله، وله بيِّنة على قوله بالحد الذي أقيم على الزاني، وقد أسقط اللَّه تعالى حد القذف لمن أقام البينة (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٥/ ٣] لفظ "لم أجدكِ عذراء" ليس من الألفاظ الصريحة الموجبة لحد القذف . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العذراء: العُذْرة -بضم العين وسكون الذال- يطلق على بكارة المرأة، وجمعها عُذَر. فإذا افتضت البكارة فهي ثيب، وإن لم تفض فهي عذراء، وتُجمع على عَذَارٍ وعَذَارَى، قال الزبيدي: "العذراء: البكر، يُقال: جارية عذراء: بكر لم يمسها رجل" (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا قال الرجل لزوجته "لم أجدك عذراء"، أو قال لامرأة أخرى غير زوجته "لست بعذراء" وهي غير متزوجة، فإن هذا اللفظ لا يعتبر من الألفاظ الصريحة الموجبة لحد القذف. ويتبيَّن هنا أن المرأة بالمسألة هو أن هذا اللفظ ليس من الألفاظ الصريحة في القذف، فلا يُقام على الرجل حد القذف بموجب هذا اللفظ، ولا يأخذ أحكام القذف بقول: "يا زانية".

стр. 6365

أما مسألة هل يُسأل الرجل عن مُراده أو لا يُسأل، فمسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن الرجل إذا قال لزوجته: "لن آخذك عذراء"، أن لا حد عليه، وانفرد ابن المسيب، فقال: يجلد" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن ذهاب العذرة لا يلزم منها الزنا، فإن العذرة قد تذهب من المرأة بغير الجماع، إذ قد تزول بالوقعة، أو بالحيض، أو بأن تدخل المرأة إصبعها في فرجها، ونحو ذلك (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة إلى أن لفظ: "لم أجدك عذراء" قذف صريح موجب للحد. وهو قول سعيد بن المسيب، ونسبه ابن حزم لطائفة (٧). • دليل المخالف: استدل من أوجب الحد بلفظ "لم أجدك عذراء" بحديث ابن عباس ﵁ قال: "تزوج رجل من الأنصار امرأة من بلعجلان (٨)، فبات عندها ليلة، فلما أصبح لم يجدها عذراء، فرفع شأنها إلى النبي ﷺ ، فدعا

стр. 6366

الجارية، فقالت: بل كنت عذراء، فأمر بهما فتلاعنا، وأعطاها المهر" (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن ابن المسيب وغيره. وابن المنذر حين حكى الإجماع استثنى من ذلك قول سعيد بن المسيب، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٦/ ٣] لو اشترى أمة وطئها أبوه أو وطئ هو أمها ووطئها فقذفه إنسان فلا حد على القاذف . • المراد بالمسألة: من اشترى أمةً كان قد وطئ أمها فإنه يَحرم عليه وطؤها، وكذا لو كانت الأمة قد وطئها أبوه، فإنه يحرم عليه وطؤها، فإذا كان المُشتري عالمًا بالتحريم، ثم وطئ هذه الأمة التي هي ملك له، فإنه يزول إحصانه، لزوال العفة عنه، ومن قذفه فإنه لا حد عليه، لأنه قذف شخصًا غير محصن.

стр. 6367

ويُلحق بذلك كل أمة تحت ملكه يحرم عليه وطؤها على التأبيد، كما لو كانت الأمة أخته من الرضاع. ويتبيَّن مما سبق أنه إن كان غير عالم بتحريم وطء الأمة أو كانت الأمة ممن تحرم عليه تحريمًا مؤقتًا، كأن يكون عنده أختين ملْك يمين، فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "ولو اشترى أمة وطئها أبوه أو وطئ هو أمها ووطئها فقذفه إنسان فلا حد على القاذف بالإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنابلة (٢)، والشافعية (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن من شرط الإحصان العفة، ومن وطئ أمة قد وطئها أبوه، أو أمة قد وطئ أمها فإنه لا يكون عفيفًا، لأن الأمة تكون ممن يَحرُم عليه وطؤها في الحالين السابقين، ووطؤها يكون زنًا (٤). الدليل الثاني: أن القاذف لم يكذب في قوله، فالمقذوف زانٍ في الحقيقة، ومن أسقط عنه الحد فإنما هو بموجب الشبهة التي تُدرأ بها الحدود (٥). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن من وطء أمته التي يحرم عليه وطؤها فإنه لا يزول عنه الإحصان، وعلى من قذفه الحد. وهو قول للحنفية (٦)، وبه قال المالكية (٧)، وهو قول للشافعية (٨).

стр. 6368

• دليل المخالف: أن الواطئ مع حُرمة فعله إلا أن له شبهة في ذلك الفعل وهو الملك، وهذه الشبهة كما تدفع عنه الحد، فإنها توجب عفَّته، وعدم زوال إحصانه (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية. وحكاية ابن نجيم للإجماع في المسألة لعلَّه وْهم، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٧/ ٣] حد القذف فيه حق الشرع وحق العبد . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخصٌ آخر بما يوجب الحد، فإن هذا القذف تعلَّق به حقَّان: الأول: حق للعبد، وذلك في إيذائه بما قُذف به، فشرع له الحد دفعًا للعار عن نفسه. الثاني: حقٌ للَّه تعالى، وذلك بإيجاب الحد على القاذِف، زجرًا له ولغيره عن هذا الفعل. والمراد هنا تقرير أن القذف تعلَّق به هذين الحقين، أما أيُّهما يُغلب فمسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "ولا خلاف أن فيه حق الشرع وحق العبد" (٢) ونقله عنه أبو بكر العبادي (٣) وبمثله قال الزيلعي (٧٤٣ هـ) (٤)، وابن الهمام (٨٦١ هـ) (٥). وقال العيني (٨٥٥ هـ): " (ولا خلاف أن فيه) أي في حد القذف (حق الشرع وحق العبد) وهذا لا خلاف فيه" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٧)،

стр. 6369

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن المقصود من تشريع حد القذف هو دفع العار عن المقذوف، فمن هذا الوجه كان الحد حقًا له، ومن مقاصده الزجر والتطهير، ومن هذا الوجه كان حقًا له تعالى (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن حد القذف حق للَّه تعالى لا مدخل للمقذوف فيه. وبه قال الظاهرية (٤). • دليل المخالف: استدل ابن حزم لقوله بما يلي: الدليل الأول: قصة الإفك في قذف عائشة ﵂، وإقامة النبي ﷺ الحد على من قذفها بالزنا (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقام حد القذف على من رمى عائشة بالزنا، ولم يسأل عائشة هل تريد المطالبة بحقها أو لا، وهل ستعفوا عنهم أو لا. الدليل الثاني: أن حد القذف من جملة الحدود، والحدود حق محض للَّه تعالى ولو كان فيه إساءة للمخلوق. الدليل الثالث: القياس على حد السرقة والحرابة، فكما أن حدي السرقة والحرابة حق خاص باللَّه تعالى، مع أن فيه إساءة للمسروق منه أو من تعرَّض للحرابة، فكذا القذف (٦).

стр. 6370

النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت خلاف الظاهرية، وإن كانت محل اتفاق بين المذاهب الأربعة (١). والظاهر أن من نفى الخلاف في المسألة إنما أراد به الاتفاق المذهبي عند الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٨/ ٣] إن أضمر قذفًا ولم ينطق به فلا حد في ذلك . • المراد بالمسألة: إذا حدَّث شخص نفسه بقذف شخص آخر بالزنا، ولم يتكلم بذلك، فإنه لا يُعتبر قاذفًا، وليس عليه حد القذف. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن من ادعى على آخر أنه أضمر قذفه ولم يقذفه، فإنه لا تحليف في ذلك؛ لصحة الإجماع على أن من أضمر قذفًا ولم ينطق به، فإنه لا حد في ذلك أصلًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤)،

стр. 6371

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن اللَّه تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به) متفق عليه (٣). الدليل الثاني: أن الحد هو عقوبة على جناية، والذي حدَّث نفسه بالحد دون فعله، لم تصدر منه جناية توجب العقوبة (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٩/ ٣] لو أن ألف عدل قذفوا امرأة أو رجلًا بالزنا مجتمعين أو متفرقين فالحد عليهم كلهم إن لم يأتوا بأربعة شهداء . • المراد بالمسألة: إن قذف شخصان أو أكثر شخصًا آخر بالزنا، ولم يُقيموا أربعة شهداء يشهدون على ذلك الزنا، ولم تُقر المرأة بالزنا، فإنه يُقام عليهم حد القذف، على كل شخص منهم حد مستقل، ثمانون جلدة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أجمعوا بلا خلاف من أحد منهم لو أن ألف عدل قذفوا امرأة أو رجلا كذلك بالزنا مجتمعين، أو مفترقين: أن الحد عليهم كلهم حد القذف إن لم يأتوا بأربعة شهداء" (٥).

стр. 6372

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٥). • وجه الدلالة: الآية صريحة في وجوب حد القذف على الذين يرمون المحصنات، وأن الحد لا يسقط إلا بأربعة شهداء على الزنا الذي رُمي به المقذوف. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أقام حد القذف على مسطح بن أثاثة (٦)، وحسان بن ثابت (٧)، وحمنة بنت جحش (٨) ﵃، حين قذفوا عائشة

стр. 6373

رضي اللَّه عنها (١). الدليل الثالث: أن عمر ﵁ جلد أبا بكرة ﵁، وشبل بن معبد (٢)، ونافعًا (٣) بقذفهم للمغيرة بن شعبة ﵁ (٤) (٥). وجه الدلالة من الحديث والأثر: فعل النبي ﷺ يدل على أن القذفة إن تعدَّدوا في شخص واحد فعليهم لكل شخص منهم حد مستقل، وكذا فعل عمر ﵁ في قذفة المغيرة، وهو يدل على أن القذفة إن تعدَّدوا فإنه يُحد كل واحد منهم حد مستقل. الدليل الرابع: القياس على سائر الحدود، فكما أنه لو زنى اثنان بامرأة، وجب عليهما الحد، فكذا القذف. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6374

[١٨٠/ ٣] مطلق السَّب بما لا يدل على الزنا؛ مثل: يا كاذب، أو يا أعور، أو يا منافق، لا يوجب الحد . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف السب: السب: أصله القطع، يُقال: سبّه سبًا: أي قطعه، والمراد به هنا الشتم، وسُمي الشتم سبًا؛ لأنه يقطع ما بينه وبين من شتمه (١). وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة السب بأنه: "الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح، ونحوه" (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا رمى شخص آخر بلفظ ليس فيه ما يدل على الزنا بأن وصفه بالكذب، أو الخيانة، أو الكفر، أو بشيء من الحيوانات كيا كلب، أو يا حمار، أو بشيء من صفات الجسد المعيبة كيا أعور، أو يا أعرج، أو نحو ذلك، فإن ذلك لا يكون لفظًا موجبًا لحد القذف. ويتبيَّن من ذلك أنه لو كان لفظًا صريحًا في الزنا، مثل: يا زان، أو يدل عليه، مثل: يا لوطي، أو يا فاسق، أو يا فاجر، أو رماه بإتيان البهيمة، أو نحو ذلك، فهو غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث، أنه لا يؤخذ منه الحد" (٣). وقال البغوي (٥١٦ هـ): "النسبة إلى غير الزنا من الفواحش إنما فيه التعزير. . . وهذا قول العلماء" (٤).

стр. 6375

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لو قال: يا كافر، يا فاسق، يا سارق، يا منافق، يا فاجر، يا خبيث، يا أعور، يا أقطع، يا أعمى، يا ابن الزَّمِن (١)، الأعمى الأعرج، فلا حد في ذلك كله. . . كما لو قال يا كاذب، يا نمام، ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن قول الرجل للرجل: يا فاجر، يا فاسق، يا خبيث، لا يوجب الحد" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٥) والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٩). • وجه الدلالة: أن الآية الموجبة للقذف جاءت في حق من رمى بالزنا بدليل شرطية الشهداء الأربعة لسقوط الحد، ولا يقاس عليه غيره، فإنه لا مدخل
следующие страницы →