← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن اللَّه تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به) متفق عليه (٣). الدليل الثاني: أن الحد هو عقوبة على جناية، والذي حدَّث نفسه بالحد دون فعله، لم تصدر منه جناية توجب العقوبة (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٧٩/ ٣] لو أن ألف عدل قذفوا امرأة أو رجلًا بالزنا مجتمعين أو متفرقين فالحد عليهم كلهم إن لم يأتوا بأربعة شهداء . • المراد بالمسألة: إن قذف شخصان أو أكثر شخصًا آخر بالزنا، ولم يُقيموا أربعة شهداء يشهدون على ذلك الزنا، ولم تُقر المرأة بالزنا، فإنه يُقام عليهم حد القذف، على كل شخص منهم حد مستقل، ثمانون جلدة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أجمعوا بلا خلاف من أحد منهم لو أن ألف عدل قذفوا امرأة أو رجلا كذلك بالزنا مجتمعين، أو مفترقين: أن الحد عليهم كلهم حد القذف إن لم يأتوا بأربعة شهداء" (٥).

стр. 6372

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٥). • وجه الدلالة: الآية صريحة في وجوب حد القذف على الذين يرمون المحصنات، وأن الحد لا يسقط إلا بأربعة شهداء على الزنا الذي رُمي به المقذوف. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أقام حد القذف على مسطح بن أثاثة (٦)، وحسان بن ثابت (٧)، وحمنة بنت جحش (٨) ﵃، حين قذفوا عائشة

стр. 6373

رضي اللَّه عنها (١). الدليل الثالث: أن عمر ﵁ جلد أبا بكرة ﵁، وشبل بن معبد (٢)، ونافعًا (٣) بقذفهم للمغيرة بن شعبة ﵁ (٤) (٥). وجه الدلالة من الحديث والأثر: فعل النبي ﷺ يدل على أن القذفة إن تعدَّدوا في شخص واحد فعليهم لكل شخص منهم حد مستقل، وكذا فعل عمر ﵁ في قذفة المغيرة، وهو يدل على أن القذفة إن تعدَّدوا فإنه يُحد كل واحد منهم حد مستقل. الدليل الرابع: القياس على سائر الحدود، فكما أنه لو زنى اثنان بامرأة، وجب عليهما الحد، فكذا القذف. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6374

[١٨٠/ ٣] مطلق السَّب بما لا يدل على الزنا؛ مثل: يا كاذب، أو يا أعور، أو يا منافق، لا يوجب الحد . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف السب: السب: أصله القطع، يُقال: سبّه سبًا: أي قطعه، والمراد به هنا الشتم، وسُمي الشتم سبًا؛ لأنه يقطع ما بينه وبين من شتمه (١). وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة السب بأنه: "الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح، ونحوه" (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا رمى شخص آخر بلفظ ليس فيه ما يدل على الزنا بأن وصفه بالكذب، أو الخيانة، أو الكفر، أو بشيء من الحيوانات كيا كلب، أو يا حمار، أو بشيء من صفات الجسد المعيبة كيا أعور، أو يا أعرج، أو نحو ذلك، فإن ذلك لا يكون لفظًا موجبًا لحد القذف. ويتبيَّن من ذلك أنه لو كان لفظًا صريحًا في الزنا، مثل: يا زان، أو يدل عليه، مثل: يا لوطي، أو يا فاسق، أو يا فاجر، أو رماه بإتيان البهيمة، أو نحو ذلك، فهو غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث، أنه لا يؤخذ منه الحد" (٣). وقال البغوي (٥١٦ هـ): "النسبة إلى غير الزنا من الفواحش إنما فيه التعزير. . . وهذا قول العلماء" (٤).

стр. 6375

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لو قال: يا كافر، يا فاسق، يا سارق، يا منافق، يا فاجر، يا خبيث، يا أعور، يا أقطع، يا أعمى، يا ابن الزَّمِن (١)، الأعمى الأعرج، فلا حد في ذلك كله. . . كما لو قال يا كاذب، يا نمام، ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن قول الرجل للرجل: يا فاجر، يا فاسق، يا خبيث، لا يوجب الحد" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٥) والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٩). • وجه الدلالة: أن الآية الموجبة للقذف جاءت في حق من رمى بالزنا بدليل شرطية الشهداء الأربعة لسقوط الحد، ولا يقاس عليه غيره، فإنه لا مدخل

стр. 6376

للقياس في الحدود، لأنها مبنية على الدرء بالشبهات (١). الدليل الثاني: عن علي ﵁ أنه سُئل عن قول الرجل للرجل: يا فاجر يا خبيث يا فاسق، قال: "هن فواحش، فيهن تعزيز، وليس فيهن حد" (٢). • وجه الدلالة: أن عليًا ﵁ قضى بأن رمي الشخص بالفجور أو الفسق ليس من القذف الموجب للحد، مع أنها ألفاظ محتملة لمعنى الزنا، فمن باب أولى ما دونها من الألفاظ التي لا تدل على معنى الزنا ألا تكون قذفًا موجبًا للحد. الدليل الثالث: لأن الرامي هنا قد رماه بما لا يوجب الحد، فأشبه ما لو قذفه باللمس والنظر (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6377

الفصل الثاني: مسائل الإجماع في شروط حد القذف [١٨١/ ٣] يشترط لإقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزنا . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، فإن من شرط إقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزنا، بمعنى أنه لم يأت بزنا قبل ذلك، ولم يُحد في زنا، فإن زنى الشخص أو أقيم عليه حد الزنا، ولم يتب من ذلك فإنه لا يكون عفيفًا، ولا حد على قاذفه. ويُنبه هنا إلى أمرين: الأول: المراد أنه لا حد على من قذفه بذلك الزنا، أما إن قذفه بزنا آخر، فهذه مسألة أخرى غير مرادة. الثاني: المسألة مقيَّدة بما إذا لم يتب الزاني، فإن زنى أو أقيم عليه الحد، ثم تاب من بعد ذلك وأصلح فهذه مسألة غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنا، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف، لم يجب الحد" (١) ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه، خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن يكون كبيرا يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود، أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٣).

стр. 6378

وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "والمحصن من وجدت فيه خمس شرائط: أن يكون حرًا، مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عفيفًا، وهذا إجماع وبه يقول جملة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "والمحصن هو الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله. . . فهذه الخمسة شروط الإحصان وبه يقول جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٢). وقال العيني (٨٥٥ هـ): " (أن يكون المقذوف حرًا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عفيفًا عن فعل الزنا) هذا باتفاق العلماء" (٣). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ) عند مسألة أن من قذف زانيًا فلا حد عليه: "هذا ما لا خلاف فيه في حالة ثبوت الزنا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الحد على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء، فأسقط الحد إذا ثبت أنه زنى، وهو يدل على أن من ثبت عليه الزنا فانه لا حد على من قذفه (٧). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ (٨).

стр. 6379

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذم القذف في حق المحصنات أي العفيفات (١)، وهو يدل على أن قذف غير العفيفة لا يدخل في الوعيد، ولا يجب به الحد (٢). الدليل الثالث: أن غير العفيف لا يلحقه العار بنسبته إلى الزنا؛ لأنه قد لحقه قبل ذلك، والقاذف لم يكذب فيما قاله، بل هو صدق وحق، وحد القذف إنما يقام لدفع العار وبيان كذب القاذف (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٢/ ٣] من وطئ امرأة في نكاح صحيح ثم تزوَّج ابنتها أو أمَّها سقطت عفَّته، ولا يُحد قاذفه . • المراد بالمسألة: أجمع أهل العلم على أن للرَّجل نساء محرَّمٌ عليه نكاحهن على التأبيد، كأمِّه، وأخته، وأم زوجته، وابنته التي في حجره إن دخل بأمها. فمن تزوَّج امرأة من هؤلاء ووطئها في نكاحه، عالمًا بالتحريم، فإنه يزول عنه وصف العفة، فمن قذفه بالزنا في هذا الأمر فإنه لا يكون قاذفًا. ويتبيَّن مما سبق أنه لو كان الرجل غير عالم بالتحريم، أو كان القاذف قد قذفه بزنا آخر غير زناه بزوجته التي تحرم عليه على التأبيد، فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٧٨ هـ): "فأما إذا تزوج امرأة فوطئها،

стр. 6380

ثم تزوج ابنتها أو أمها فوطئها سقطت عفته بالإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٢)، والشافعية (٣) والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن هذا نكاح مجمع على فساده، ولا مجال للاجتهاد فيه، فهو كمن وقع في الزنا صراحة، وتحيَّل على ذلك بعقد الزوجية (٥). الدليل الثاني: أن القاذف لم يكذب في قوله، فالمقذوف زانٍ في الحقيقة، ومن أسقط عنه الحد فإنما هو بموجب الشبهة التي تُدرأ بها الحدود (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٣/ ٣] يشترط لإقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف عاقلًا, بالغًا . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، فإن من شرط إقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف بالغًا حين القذف، وأن يكون عاقلًا، فلا حد على من قذف الصبي أو الصبية اللذين لم يبلغا, ولا حد على من قذف المجنون. • من نقل الإجماع: قال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنا، فإن انخرم من هذه الأوصاف

стр. 6381

وصف، لم يجب الحد" (١) ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه، خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن يكون كبيرًا يجامع مثله. وبه يقول جماعة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود، أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٣). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "والمحصن من وجدت فيه خمس شرائط: أن يكون حرًا، مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عفيفًا، وهذا إجماع وبه يقول جملة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "وأما العقل والبلوغ ففيه إجماع، إلا ما عن أحمد أن الصبي الذي يجامع مثله محصن فيحد قاذفه" (٥). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "والمحصن هو الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله. . . فهذه الخمسة شروط الإحصان وبه يقول جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٦). وقال العيني (٨٥٥ هـ): " (أن يكون المقذوف حرًا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عفيفًا عن فعل الزنا) هذا باتفاق العلماء" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الشافعية (٨)، والحنابلة في رواية (٩).

стр. 6382

• مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (١). • وجه الدلالة: أن البلوغ والعقل شرطان للتكليف، والصبي أو المجنون إن ثبت زناه فلا يجب عليه الحد، فلا يجب الحد بقذفه (٢). الدليل الثاني: أن حد القذف المراد منه دفع المعرَّة عن المقذوف، ولا معرة على غير البالغ؛ لأن فعله للوطء لا يوصف بأنه زنا (٣). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: لا يشترط لإقامة حد القذف أن يكون المقذوف بالغًا، فمتى كان الصبي أو الصبية يطيق أحدهما الوطء، فعلى من قذفه الحد. وهو قول المالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وبهذا يتبين أن أصحاب هذا القول قيدوه بإطاقة الوطء. القول الثاني: أن قذف من لم يبلغ يوجب الحد مطلقًا، أطاق الوطء أو لم يطقه، وكذا قذف المجنون يوجب الحد. وهو قول الظاهرية (٦). • دليل المخالف: أما من قال بأن شرط المقذوف إطاقته للوطء فعلل ذلك

стр. 6383

بأن المقصود من الحد دفع المعرَّة التي لحقت المقذوف بالقذف، وبيان كذب القاذف، ومن كان غير مطيق للوطء لا يحتاج إلى ذلك، للعلم بكذب القاذف بكونه لا يطيق الوطء (١). وأما من أوجب الحد مطلقًا على من قذف الصغير أو المجنون فاستدل بـ: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: عموم الآية تدل على وجوب الحد على من قذف المحصنة، والإحصان في اللغة هو بمعنى المنع، فكل من منعت نفسها من الحرام فتشملها هذه الآية (٣). النتيجة: ثمة مسألتان: الأولى: يشترط لإقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف بالغًا: فهذه المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم، لثبوت الخلاف عن المالكية، والظاهرية، والحنابلة في رواية. وفي نقل الإجماع في المسألة تساهل خصوصًا من ابن رشد ﵀. الثانية: يشترط لإقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف عاقلًا: فهذه المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الظاهرية، ومن نقل الإجماع لم يعتبر قولهم في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٤/ ٣] يشترط لإقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف مسلمًا . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، وكان المقذوف كافرًا، سواء كان ذميًا، أو حربيًا، أو غير ذلك، فإن هذا القذف غير موجب للحد. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "إجماعهم أنه ليس على من

стр. 6384

قذف ذمية أو مملوكة حد" (١). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنا، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف، لم يجب الحد" (٢) ونقله عنه ابن قاسم (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه، خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن يكون كبيرًا يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود، أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٤). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "والمحصن من وجدت فيه خمس شرائط: أن يكون حرًا، مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عفيفًا، وهذا إجماع وبه يقول جملة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٥). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "ولم يختلفوا أن من قذف مملوكة أو كافرة أنه لا يُحد للقذف" (٦). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): " (قوله: ومن قذف عبدًا أو أمة أو أم ولد أو كافرًا بالزنا عزر) بالإجماع" (٧). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "والمحصن هو الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله. . . فهذه الخمسة شروط الإحصان وبه يقول جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٨).

стр. 6385

وقال العيني (٨٥٥ هـ): " (أن يكون المقذوف حرًا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عفيفًا عن فعل الزنا) هذا باتفاق العلماء" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٢)، والظاهرية (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ (٤). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٥). الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵁ أنه قال: "من أشرك باللَّه فليس بمحصن" (٦). • وجه الدلالة من الآية والأثر: أن الآية شرطت في حد القذف أن يكون المقذوف محصنًا، وقد بيَّن الأثر أن الكافر ليس بمحصن، وعلى ذلك فلا يكون قذفه داخلًا في الآية الموجبة للحد (٧). الدليل الرابع: أن الكافر لا حرمة له، فكما لا تؤخذ نفس المسلم بنفس الكافر، فكذا لا يؤخذ عرضه بعرضه (٨).

стр. 6386

الدليل الخامس: أن الحد إنما وجب بالقذف دفعا لعار الزنا عن المقذوف، وما في الكافر من عار الكفر أعظم (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٥/ ٣] يشترط لإقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف معه آلة الزنا . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، وكان المقذوف لا يمكن أن يحصل منه زنا، لفقد آلة الزنا، كأن يكون الرجل مقطوع الذكر، أو تكون المرأة رتقاء، أو نحو ذلك فحينئذٍ، لا يقام حد القذف على من قذف فاقد آلة الزنا. • من نقل الإجماع: قال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنا، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف، لم يجب الحد" (٢) ونقله عنه ابن قاسم (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن المقصود من حد القذف دفع العار، وبيان كذب القاذف، وهذا ظاهر فيمن ليس معه آلة الزنا، لاستحالة الزنا في حقه (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن من قذف من ليس معه آلة الزنا فإنه يُحد.

стр. 6387

وهو قول الحنابلة (١)، والظاهرية (٢). • دليل المخالف: استدل من أوجب الحد على من قذف من ليس معه آلة الزنا بعموم قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٣). • وجه الدلالة: عموم الآية تدل على وجوب الحد على من قذف المحصنة، والإحصان في اللغة هو بمعنى المنع، فكل من منعت نفسها من الحرام فتشملها هذه الآية (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنابلة، والظاهرية. ونقل ابن رشد للاتفاق في المسألة لعلَّه وهْم، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٦/ ٣] لا حد على قاذف العبد، ولا على قاذف الأمة . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، فإن من شرط إقامة حد القذف على القاذف أن يكون المقذوف حرًا، فأما إن قذف مملوكًا فإنه لا حد عليه في الدنيا، سواء قذف مملوكه، أو مملوك غيره، وسواء كان المملوك مُسلمًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى. ويتبيَّن أن المراد نفي الحد عنه في الدنيا، أما إقامة الحد عليه يوم القيامة فغير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه إذا افترى أحد على عبد فلا حد عليه" (٥). وقال المهلب بن أبي صفرة (٤٣٥ هـ): "أجمعوا

стр. 6388

على أن الحُر إذا قذف عبدًا لم يجب عليه الحد"، نقله عنه ابن حجر (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "إجماعهم أنه ليس على من قذف ذمية أو مملوكة حد" (٢). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن من قذف عبدًا فإنه لا حد عليه سواء كان المقذوف للقاذف أو لغيره" (٣). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما المقذوف فاتفقوا على أن من شرطه أن يجتمع فيه خمسة أوصاف وهي: البلوغ، والحرية، والعفاف، والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنا، فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف، لم يجب الحد" (٤) ونقله عنه ابن قاسم (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه، خمسة: العقل، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا، وأن يكون كبيرًا يجامع مثله. وبه يقول جماعة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود، أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٦). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "والمحصن من وجدت فيه خمس شرائط: أن يكون حرًا، مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عفيفًا، وهذا إجماع وبه يقول جملة العلماء قديمًا وحديثًا، سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٧). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "ولم يختلفوا أن من قذف مملوكة أو كافرة أنه لا يُحد للقذف" (٨). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا

стр. 6389

افترى عليه، لتباين مرتبتهما" (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "لا حد على قاذف العبد في الدنيا وهذا مجمع عليه" (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "والمحصن هو الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله. . . فهذه الخمسة شروط الإحصان وبه يقول جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا سوى ما روي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد" (٣). وقال العيني (٨٥٥ هـ): " (أن يكون المقذوف حرًا، عاقلًا، بالغًا، مسلمًا، عفيفا عن فعل الزنا) هذا باتفاق العلماء" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): " (قوله: ومن قذف عبدًا أو أمة أو أم ولد أو كافرًا بالزنا عزر) بالإجماع" (٥). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "إذا قذف غير مالكه فإنه أيضًا أجمع العلماء على أنه لا يحد قاذفه" (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (من قذف مملوكه، وهو بريء مما قال، جلد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال) متفق عليه (٧). • وجه الدلالة: دل الحديث بمفهومه أن من قذف مملوكه فلا حد عليه في الدنيا، وكذا يُلحق به كل عبد (٨). الدليل الثاني: أن فعل الزنا أغلظ من القذف، فإذا كان نقص الرق يمنع

стр. 6390

كمال الحد، فمن باب أولى أن يمنع وجوب الحد على قاذفه (١). الدليل الثالث: أن الحر لا تؤخذ نفسه بنفس العبد، فكذا لا يؤخذ عرضه بعرضه. • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الحرية ليست شرطًا في الإحصان، فمن قذف العبد وجب عليه الحد. وبه قال الظاهرية (٢). • دليل المخالف: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٣). • وجه الدلالة: عموم الآية يدل على وجوب الحد على كل من رمى المحصن، ولا يوجد دليل يُخرج العبد عن كونه من المحصنين (٤). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بيَّن استواء المسلمين، وأنه ليس بينهم فرق بالرق والحرية، وإنما يتفاضل الناس بأخلاقهم وأديانهم، لا بأعراقهم، ولا بأبدانهم (٦). الدليل الثالث: عموم الأحاديث الدالة على تحريم عرض المسلم، ومن ذلك: أ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه (٧). ب - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل المسلم على المسلم حرام:

стр. 6391

دمه، وماله، وعرضه) (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيَّن حرمة العرض لكل مسلم، ولم يُفرِّق بين العبد وغيره (٢). الدليل الرابع: أنه مروي عن ابن عمر ﵁، حيث سُئل عن رجل قذف أم ولد لرجل؟ فقال ابن عمر: "يضرب الحد صاغرًا" (٣). الدليل الخامس: أن العبد يُقام عليه حد الزنا إذا ارتكبه، فكذا يُحد له القاذف بالزنا، كالحر (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت خلاف الظاهرية. ومن نقل الإجماع في المسألة لعله لم يعتبر الخلاف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٨٧/ ٣] لا حد على قاذف المكاتب، وأم الولد . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف المكاتب: المكاتبة هي معاقدة بين العبد وسيِّده، وذلك بأن يُكاتب الرقيق سيَّده على أن يبذل له مالًا منجَّما على فترات، فإذا أدى إليه جميع المال عتق العبد (٥). ثانيًا: تعريف أم الولد: المراد بأم الولد، هي الأمة التي يكون لها ولد من سيِّدها في ملكه (٦). ثالثًا: صورة المسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، وكان المقذوف مكاتبًا

стр. 6392

لم يؤد جميع ما عليه إلى سيَّده، أو كانت أم ولد لسيدها، فإنه لا يقام حد القذف على القاذف؛ لأن من شرط المقذوف أن يكون حرًا. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "لا حد على قاذف العبد في الدنيا وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه, لأن العبد ليس بمحصن، وسواء في هذا كله من هو كامل الرق، وليس فيه سبب حرية، والمدبر، والمكاتب، وأم الولد، ومن بعضه حر، هذا في حكم الدنيا" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ولو قذف مكاتبًا مات وترك وفاء لا حد عليه، لتمكن الشبهة في شرط الحكم، وهو الإحصان لاختلاف الصحابة ﵃ في أنه مات حرًا أو عبدًا، فأورث شبهة في إحصانه، وبه يسقط الحد ولا يعلم فيه خلاف بين من يعتبر الحرية من الإحصان" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما سبق من الأدلة التي تدل على أن العبد لا يُحد قاذفه، وأم الولد هي أمة غير حرَّة، وكذا المكاتب له أحكام العبد بدليل قوله ﷺ : (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) (٥).

стр. 6393

قال الخطابي: "أجمع عامة الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته والجناية عليه" (١). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن من قذف المكاتب، أو أم والولد وجب عليه الحد. وبه قال الظاهرية (٢)، وهو رواية عند الحنابلة في أم الولد (٣). • دليل المخالف: أما الرواية عند الحنابلة بإيجاب الحد على قاذف أم الولد فاستدلوا بما يلي: الدليل الأول: أنه مروي عن ابن عمر ﵁، حيث سُئل عن رجل قذف أم ولد لرجل؟ فقال ابن عمر: "يضرب الحد صاغرًا" (٤). الدليل الثاني: أن قذف أم الولد قذفٌ لولدها الحر، وفيها معنى يمنع بيعها، فأشبهت الحرة (٥). وأما الظاهرية الذين أوجبوا الحد على قاذف المكاتب فاستدلوا بما سبق من أدلة إيجاب الحد على من قذف العبد (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الظاهرية، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6394

[١٨٨/ ٣] يشترط لإقامة حد القذف أن يكون القاذف بالغًا عاقلًا . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، فلا يقام حد القذف إلا بتوفر وصفين: الوصف الأول: أن يكون عاقلًا يعي ما يقوله حين قذفه، فأما إن كان مجنونًا، أو في غير وعيه بحيث لا يدري ما يقوله كالنائم، والمغمى عليه، فإنه غير مؤاخذ بالقذف، ولا يقام عليه الحد بموجب قذفه. ويتبيَّن من ذلك أن فاقد العقل كالمجنون إن كان يفيق أحيانًا ويفقد العقل أحيانًا، وكان قذفه حال وعيه، فذلك غير مراد (١). وكذا السكران، كشارب الخمر ونحوه فقذفه غير مراد في المسألة (٢). الوصف الثاني: أن يكون بالغًا، فأما إن كان صبيًا لم يَبلغ فإنه لا يُقام عليه الحد. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا أن الصبي إذا قذف امرأته، أنه لا يضرب، ولا يلاعن" (٣). قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "إجماعهم على أن من هذى فلا حد عليه ولو كفر، أو قذف" (٤). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "فأما القاذف فإنهم اتفقوا على أن من شرطه وصفين، وهما البلوغ والعقل، وسواء أكان ذكرًا أو أنثى، حرًا أو عبدًا، مسلمًا أو غير مسلم" (٥).

стр. 6395

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٤). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر أن العقل والبلوغ شرطان للتكليف، وأن المجنون والصبي مرفوع عنهما القلم، فلا يؤاخذان بالعقوبات الشرعية لفقدان شرط العقل. الدليل الثاني: أن الصبي والمجنون لا يُحد أحدهما إذا ارتكب ما يوجب حد الزنا، فمن باب أولى ألَّا يُحد إذا قذف شخصًا بالزنا، فإن ارتكاب الزنا أعظم من القذف به (٥). الدليل الثالث: أن الصبي والمجنون إذا سقط عنه التكليف في العبادات والمآثم في المعاصي؛ فلأن يسقط عنه الحد الذي مبناه على الدرء والإسقاط من باب أولى (٦). الدليل الرابع: أن الحد عقوبة محضة، فتستدعي جناية محضة، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بالجناية فلا حد عليه لعدم الجناية منه (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6396

[١٨٩/ ٣] إن قذف الرجل زوجته فيشترط لإقامة حد القذف عليه أن لا يلاعن . • المراد بالمسألة: إذا قذف الرجل زوجته، ولم يُقم على ذلك بيَّنة، فإنه يُقام عليه حد القذف، كما لو قذف الأجنبية، إلا إن طلب لعان زوجته، فحينئذٍ يسقط عنه الحد باللعان. والمراد هنا تقرير الإجماع أن من قذف زوجته دون بيِّنة فإنه لا يُقام عليه حد القذف إلا إذا امتنع عن اللعان. أما سقوط الحد باللعان فتقرير الإجماع عليه ليس مرادًا في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم: "واتفقوا أنه إن قال في اللعان يوم الجمعة بعد العصر في الجامع بحضرة الحاكم، الواجب نفاذ حكمه، باللَّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة: إني لصادق فيما رميت به فلانة زوجتي هذه -ويشير إليها وهي حاضرة- من الزنا، وأن حملها هذا ما هو مني، ثم كرر ذلك أربع مرات، ثم قال الخامسة: وعلي لعنة اللَّه إن كنت من الكاذبين، فقد التعن، وسقط عنه حد القذف" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "يعتبر لإقامة الحد بعد تمام القذف بشروطه شرطان؛ . . . إن كان القاذف زوجًا، اعتبر شرط ثالث، وهو امتناعه من اللعان، ولا نعلم خلافًا في هذا كله" (٢)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٤) والشافعية (٥) والظاهرية (٦).

стр. 6397

• مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (١). • وجه الدلالة: عموم الآية يدل على أن من رمى امرأة محصنة دون بيِّنة فعليه حد القذف، وقد جعل اللَّه تعالى الالتعان للزوج مقام الشهود، فوجب إذا نكل أن يكون بمنزلة من قذف، ولم يكن له شهود (٢). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك)، فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك) (٣). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن النبي ﷺ أوجب على هلال بن أمية الحد عند عدم البيِّنة، مع أنه قاذف لامرأته. • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن من قذف زوجته فإنه ليس عليه حد للقذف أصلًا، فإذا قذفها وليس عنده بيِّنة، وامتنع عن اللعان فإنه يُحبس حتى يلاعن أو يُكذِّب نفسه. وهو قول الحنفية (٤). • دليل المخالف: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب على من قذف زوجته ولم يكن له بيّنة الشهود أن يلاعن بالشهادة على نفسه أربع مرات إنه لمن الصادقين، وهو يدل على أن الواجب في الزوج مع زوجته اللعان، ولا حد للقذف بينهما، ومن

стр. 6398

أوجب القذف فقد خالف الآية (١). الدليل الثاني: أن الزوج قد يمتنع من اللعان لا لكذبه وإنما صيانة على نفسه من اللعن والغضب، فإذا كان هذا الاحتمال واردًا فكيف يقام عليه حد القذف، مع قيام هذه الشبة الدارئة للحد (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية. والذي يظهر واللَّه أعلم أن ابن قدامة إنما أراد نفي العلم بالخلاف عند القائلين بوجوب الحد على الزوج فيما إذا قذف زوجته، لا أنه خفي عليه خلاف الحنفية؛ وذلك لأنه قبل ذكره لهذه المسألة ذكر خلاف الحنفية فيما إذا امتنع الزوج عن اللعان، مع بيان أدلتهم ومناقشتها (٣)، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٠/ ٣٧] يحد القريب بقذف قريبه . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، وكان بينهما رحم، كأن يكون القاذف من فروع المقذوف، كابنه أو ابن ابنه أو نحو ذلك، أو يكون عمًا، أو خالًا، أو ابن عم، أو غير ذلك من أنواع القرابة غير الأصول، فإنه يقام عليه حد القذف، والقرابة لا تمنع إقامة الحد. ويتبيَّن مما سبق أن القاذف إن كان من أصول المقذوف كالأب أو الجد ونحوه فهذا غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) بعد نقله للخلاف في قذف الأب لابنه: "ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن ذا القربى يحد في قذف ذي القربى" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) بعد نقله للخلاف في الحد بقذف الأب

стр. 6399

لابنه: "أما قذف سائر الأقارب، فيوجب الحد على القاذف في قولهم جميعًا" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤) والشافعية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن الآية عامة في قذف كل محصنة، ولم تستثن قريبًا معينًا. الدليل الثاني: أن القاذف واجب في حقه حد، والحدود لا تُسقطها القرابة (٧). الدليل الثالث: لأن المقذوف يلحقه العار بالقذف، فكان محتاجًا إلى دفعه وبيان كذب القاذف بالحد (٨). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٩١/ ٣] يشترط لإقامة حد القذف على القاذف عدم إقرار المقذوف بما قُذف به . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، وأقر المقذوف بذلك الزنا، فإن حد القذف يسقط عن القاذف؛ لأن من شرط إقامة الحد على القاذف ألا يُقر المقذوف بما قُذف به.

стр. 6400

• من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): في شروط إقامة حد القذف على القاذف: "وكذلك يشترط عدم الإقرار من المقذوف. . . ولا نعلم خلافًا في هذا كله" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) في شروط إقامة حد القذف على القاذف: "ولذلك يشترط عدم إقرار المقذوف. . . ولا نعلم في هذا كله خلافًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن سبب إقامة الحد على القاذف هو تكذيبه، ودفع المعرَّة عن المقذوف، فإذا اعترف المقذوف بما رُمي به، كان القاذف صادقًا، والمقذوف قد أثبت على نفسه المعرَّة (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٢/ ٣] يشترط لإقامة حد القذف على القاذف ألا يقيم بينة على قذفه . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بما يوجب حد القذف، فإنه يطالب بالبيِّنة على ما قاله، أو يُقام عليه حد القذف، فإن أقام البيِّنة بالشهود، فإنه يسقط عنه حد القذف. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن القاذف إذا أتى ببينة على ما ذَكر، أن الحد سقط عنه" (٧). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في شروط إقامة حد القذف على القاذف:

стр. 6401

"الثاني: ألا يأتي ببيِّنة. . . ولا نعلم خلافًا في هذا كله" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) في شروط إقامة حد القذف على القاذف: "الثاني: أن لا يأتي ببينة. . . ولا نعلم في هذا كله خلافًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: الآية دلت على أن من قذف محصنة ولم يأت بأربعة شهداء فإن عليه القذف، وهي تدل بمفهومها على أن من أتى بأربعة شهداء فإنه لا حد عليه. الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك)، فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك) (٨). • وجه الدلالة: في الحديث بيان أن من قذف آخر بالزنا، فإما أن يأتي بالبيِّنة ليسقط عنه الحد، أو لا يأتي بالبينة ويُقام عليه الحد. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6402

[١٩٣/ ٣] من قذف بكلام لا يدري معناه فإنه لا يكون قاذفًا . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، وكان القاذف قد تكلم بالكلمة وهو لا يدري معناها، كأن يكون لا يعرف العربية، وسمع شخصًا يقول يا زان، فقالها هو لغيره، وهو لا يدري معناها، فهنا لا يُعتبر كلامه قذفًا، ولا يُقام عليه حد القذف. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "ولم يختلف أحد من الأمة في أن امرأ لو نطق بلفظ لا يدري معناه، وكان معناه كفرًا، أو قذفًا، أو طلاقًا، فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٧). وقد ثبت في صحيح مسلم أن اللَّه تعالى قد أجاب ذلك لأمة محمد ﷺ ، كما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٨)، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : (قولوا سمعنا وأطعنا وسلَّمنا) قال:

стр. 6403

فألقى اللَّه الإيمان في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، قال: "قد فعلت"، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٢)، قال: "قد فعلت"، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)، قال: "قد فعلت" (٤). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٥). • وجه الدلالة مما سبق: أن من تلفظ بالقذف وهو لا يدري معناه، فهو داخل في جملة الخطأ المعفو عنه. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم [١٩٤/ ٣] يشترط لعدم إقامة الحد على نفي العبد عن أبيه وأمه ألا يكون أبواه حرين مسلمين . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص عبدًا بنفي النسب، وكان أبواه قد ماتا وهما محصنين، فهنا لا يسقط الحد عن القاذف. فما سبق من أنه لا حد على من قذف عبدًا ليس على إطلاقه، فإنه يشترط لسقوط الحد على قاذف العبد بنفي النسب ألا يكون أبوي العبد محصنين، فإن كانا كذلك لم يسقط الحد، ووجب الحد لهما. ويتبين مما سبق أمران: الأول: أن المسألة خاصة بالقذف بنفي النسب

стр. 6404

نحو "لست لأبيك"، أو "يا ابن الزانية"، أو يا ولد الزاني، ونحو ذلك، أما إن قذفه بغير نفي النسب، بأن قال له يا زان، فهذا غير داخل في المسألة. الثاني: أنه إن كان أحد أبويه مسلمًا والآخر كافرًا، أو أحدهما حر والآخر أمة فذلك غير مراد. الثالث: أن المسألة هي فيما إذا كان الأبوان ميتين، أما إن كانا أحياء فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لا خلاف بين السلف والخلف من العلماء فيمن نفى رجلًا عن أبيه وكانت أمه حرة مسلمة عفيفة أن عليه الحد ثمانين جلدة إن كان حرًا" (١). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أما القذف الذي يجب به الحد فاتفقوا على وجهين: أحدهما: أن يرمي القاذف المقذوف بالزنا، والثاني: أن ينفيه عن نسبه إذا كانت أمه حرة مسلمة" (٢). وقال الدسوقي (١٢٣٠ هـ): " (لا حد على قاذف عبد) أي بزنا أو بنفي نسبه، إلا أن يكون أبواه حرين مسلمين، فيحد لهما اتفاقًا" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤) والشافعية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن من نفى نسب العبد إلى أمه أو أبيه فهو في الحقيقة قاذف للأم أو الأب، فإذا كانا محصنين بالحرية والإسلام فكأنه قذف شخصًا محصنًا، ووجب عليه حد القذف (٦).

стр. 6405

الدليل الثاني: أن العبرة هي بإحصان المقذوف، والمقذوف هنا محصن، فوجب الحد (١). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن قاذف العبد بنفي نسبه لا حد عليه ولو كان أبواه محصنين. وهو قول الحنابلة (٢). • دليل المخالف: الدليل الأول: أن القاذف لو قذف العبد نفسه لم يكن للعبد أن يطالب بالحد، فمن باب أولى ألا يطالب بالحد لغيره. الدليل الثاني: أن القاذف أراد قذف العبد، فالعبرة بإحصانه دون إحصان والديه (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنابلة، وكذا سبق أن ابن حزم في الأصل لا يرى الحد على نفي النسب (٤). فلعل من حكى الإجماع أو الاتفاق في المسألة إما أنه أراد الاتفاق المذهبي وهو الظاهر في كلام الدسوقي، أو أنه وهِم في ذلك وهو الظاهر من كلام ابن عبد البر وابن رشد، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6406

الفصل الثالث: مسائل الإجماع في إثبات القذف [١٩٥/ ٣] الشهادة في الحال تسمع على القذف . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بما يوجب حد القذف، وثبت عليه ذلك بموجب شهادة الشهود، وكانت شهادتهم قد أُديت بعد فعل القذف بمدة أقل من شهر، فإنه على الإمام أن يسمع شهادتهم، ويقبلها. ويتبيَّن من ذلك أنه إن تقادمت الشهادة بأن أدُّوها بعد شهر أو أكثر فذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الشهادة في الحال تسمع على القذف والزنا وشرب الخمر" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الأصل قبول الشهادة حتى يرد الدليل على المنع، فإن أُديت الشهادة بعد وقوع الجريمة بزمن قليل فالأصل

стр. 6407

قبولها حتى يرد الدليل على المنع، وليس ثمة دليل يمنع من ذلك. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٦/ ٣] العدد في الإقرار بالقذف ليس بشرط . • المراد بالمسألة: إذا أقر شخص على نفسه بقذف شخص بما يوجب الحد، فإنه إقراره معتبر، ويكفي أن يُقر مرة واحدة، ولا يشترط إقراره مرتين أو أربعًا. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "وأما العدد في الإقرار بالقذف فليس بشرط بالإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن القذف فيه حق متعلق بالمخلوق المقذوف، فهو كمن أقر على نفسه بحق مالي لآخر (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٧/ ٣] إذا لم يتم الشهود أربعة في الزنا فعليهم حد القذف . • المراد بالمسألة: إذا شهد ثلاثة فأقل على شخص بالزنا، فيُقام عليهم حد القذف، حتى يأتوا بشاهد رابع، ولا يسقط عنهم الحد حتى لو لم يقصدوا القذف وإنما أرادوا الإدلاء بالشهادة.

стр. 6408

• من نقل الإجماع: قال ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ): "فإن شهد على معاينة الزنا أقل من أربعة شهود حُدُّوا ولم يعذروا بأنهم جاءوا على وجه الشهادة لا على وجه القذف، ولا اختلاف في هذا" (١). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أنه إذا لم يكمل شهود الزنا أربعة، فإنهم قذفة يحدون، إلا ما روي عن الشافعي في أحد قوليه: أنهم لا يحدون" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الحد على القاذف حتى يأتي بأربعة شهداء، فإذا لم يأت بالأربعة فالحد واجب عليه (٦). الدليل الثاني: أن عمر ﵁ جلد أبا بكرة ﵁، وشبل بن معبد، ونافعًا، بقذف المغيرة بن شعبة ﵁ (٧) (٨). الدليل الثالث: أنه لو لم يجب الحد بشهادة أقل من ثلاثة، لكان القذف بلفظ الشهادة طريقًا إلى القذف مع عدم الحد (٩). • المخالفون للإجماع: هب بعض الفقهاء إلى التفريق بين القاذف والشاهد، فلا يُحد الشاهد بالزنا أبدًا سواء كان معه شهود أو لم يكن، فمن شهد على شخص بأنه زنى فإنه لا يكون قاذفًا، ولا يُقام عليه حد القذف، سواء أقام البيِّنة

стр. 6409

بشهود أو لا. وهو قول أبي ثور (١)، وقول للشافعية (٢)، وبه قال الظاهرية (٣). • دليل المخالف: استدل من أسقط الحد عن الشاهد بالزنا عموم الأدلة الدالة على حرمة دم المسلم ومن ذلك: أ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه (٤). ب - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) (٥). • وجه الدلالة: الأحاديث دالة على أن الأصل في المسلم حرمة دمه، ولم يأت نص صريح يبيح جلد الشاهد، والحد إنما ورد في حق الرامي بالقذف لا في حق الشاهد (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن أبي ثور، والشافعية في قول، والظاهرية، وهذا موافق لما نقله ابن هبيرة، أما كلام ابن رشد فلعله لم يبلغه الخلاف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6410

الفصل الرابع: مسائل الإجماع في عقوبة القذف [١٩٨/ ٣] ثبوت حد القذف . • المراد بالمسألة: من الحدود التي قرَّرها الشرع حد القذف، فمن قذف محصنًا وجب عليه حد القذف، ومن أنكر هذا الحد فقد أنكر حدًا مجمعًا عليه بين أهل العلم. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "الأمة مجمعة على تسمية الجلد المأمور به في القذف حدًا" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ومن الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون حد القذف" (٢). وقال البابرتي (٧٨٦ هـ): "فهذا إجماع منهم على وجوب حد القذف" (٣). وقال الحصني (٨٢٩ هـ) (٤): "إذا قذف البالغ العاقل المختار وهو مسلم أو ذمي أو مستأمن أو مرتد محصنًا ليس بوالد وجب عليه الحد للنص والإجماع" (٥).
следующие страницы →