← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

الفصل الثالث: مسائل الإجماع في إثبات القذف [١٩٥/ ٣] الشهادة في الحال تسمع على القذف . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بما يوجب حد القذف، وثبت عليه ذلك بموجب شهادة الشهود، وكانت شهادتهم قد أُديت بعد فعل القذف بمدة أقل من شهر، فإنه على الإمام أن يسمع شهادتهم، ويقبلها. ويتبيَّن من ذلك أنه إن تقادمت الشهادة بأن أدُّوها بعد شهر أو أكثر فذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الشهادة في الحال تسمع على القذف والزنا وشرب الخمر" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الأصل قبول الشهادة حتى يرد الدليل على المنع، فإن أُديت الشهادة بعد وقوع الجريمة بزمن قليل فالأصل

стр. 6407

قبولها حتى يرد الدليل على المنع، وليس ثمة دليل يمنع من ذلك. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٦/ ٣] العدد في الإقرار بالقذف ليس بشرط . • المراد بالمسألة: إذا أقر شخص على نفسه بقذف شخص بما يوجب الحد، فإنه إقراره معتبر، ويكفي أن يُقر مرة واحدة، ولا يشترط إقراره مرتين أو أربعًا. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "وأما العدد في الإقرار بالقذف فليس بشرط بالإجماع" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن القذف فيه حق متعلق بالمخلوق المقذوف، فهو كمن أقر على نفسه بحق مالي لآخر (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٧/ ٣] إذا لم يتم الشهود أربعة في الزنا فعليهم حد القذف . • المراد بالمسألة: إذا شهد ثلاثة فأقل على شخص بالزنا، فيُقام عليهم حد القذف، حتى يأتوا بشاهد رابع، ولا يسقط عنهم الحد حتى لو لم يقصدوا القذف وإنما أرادوا الإدلاء بالشهادة.

стр. 6408

• من نقل الإجماع: قال ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ): "فإن شهد على معاينة الزنا أقل من أربعة شهود حُدُّوا ولم يعذروا بأنهم جاءوا على وجه الشهادة لا على وجه القذف، ولا اختلاف في هذا" (١). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أنه إذا لم يكمل شهود الزنا أربعة، فإنهم قذفة يحدون، إلا ما روي عن الشافعي في أحد قوليه: أنهم لا يحدون" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الحد على القاذف حتى يأتي بأربعة شهداء، فإذا لم يأت بالأربعة فالحد واجب عليه (٦). الدليل الثاني: أن عمر ﵁ جلد أبا بكرة ﵁، وشبل بن معبد، ونافعًا، بقذف المغيرة بن شعبة ﵁ (٧) (٨). الدليل الثالث: أنه لو لم يجب الحد بشهادة أقل من ثلاثة، لكان القذف بلفظ الشهادة طريقًا إلى القذف مع عدم الحد (٩). • المخالفون للإجماع: هب بعض الفقهاء إلى التفريق بين القاذف والشاهد، فلا يُحد الشاهد بالزنا أبدًا سواء كان معه شهود أو لم يكن، فمن شهد على شخص بأنه زنى فإنه لا يكون قاذفًا، ولا يُقام عليه حد القذف، سواء أقام البيِّنة

стр. 6409

بشهود أو لا. وهو قول أبي ثور (١)، وقول للشافعية (٢)، وبه قال الظاهرية (٣). • دليل المخالف: استدل من أسقط الحد عن الشاهد بالزنا عموم الأدلة الدالة على حرمة دم المسلم ومن ذلك: أ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه (٤). ب - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) (٥). • وجه الدلالة: الأحاديث دالة على أن الأصل في المسلم حرمة دمه، ولم يأت نص صريح يبيح جلد الشاهد، والحد إنما ورد في حق الرامي بالقذف لا في حق الشاهد (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن أبي ثور، والشافعية في قول، والظاهرية، وهذا موافق لما نقله ابن هبيرة، أما كلام ابن رشد فلعله لم يبلغه الخلاف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6410

الفصل الرابع: مسائل الإجماع في عقوبة القذف [١٩٨/ ٣] ثبوت حد القذف . • المراد بالمسألة: من الحدود التي قرَّرها الشرع حد القذف، فمن قذف محصنًا وجب عليه حد القذف، ومن أنكر هذا الحد فقد أنكر حدًا مجمعًا عليه بين أهل العلم. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "الأمة مجمعة على تسمية الجلد المأمور به في القذف حدًا" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ومن الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون حد القذف" (٢). وقال البابرتي (٧٨٦ هـ): "فهذا إجماع منهم على وجوب حد القذف" (٣). وقال الحصني (٨٢٩ هـ) (٤): "إذا قذف البالغ العاقل المختار وهو مسلم أو ذمي أو مستأمن أو مرتد محصنًا ليس بوالد وجب عليه الحد للنص والإجماع" (٥).

стр. 6411

وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "أجمع العلماء على ثبوت حد القذف" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٣). • وجه الدلالة: الآية صريحة في ثبوت حد القذف. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أقام حد القذف على مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش حين قذفوا عائشة ﵂ (٤). الدليل الثالث: أن عمر ﵁ جلد أبا بكرة وشبل بن معبد، ونافعًا، بقذف المغيرة بن شعبة ﵁ (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٩/ ٣] وجوب الحد على العبد إذا قذف الحر المحصن . • المراد بالمسألة: العبد المملوك إذا قذف حرًا محصنًا فإنه يُقام على العبد حد القذف، والمراد هنا تقرير الإجماع على أن العبد يُحد بقذفه للحر، أما مقدار القذف فمسألة أخرى يأتي بيانها. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمع أهل العلم على وجوب الحد على العبد إذا قذف الحر المحصن" (٦)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة

стр. 6412

(٦٨٢ هـ) (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٥). • وجه الدلالة: الآية عامة في حد كل من قذف محصنًا، ولم تستثن العبد من غيره (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٠/ ٤٧] حد القاذف ثمانون جلدة إذا كان حرًا . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بما يوجب الحد، وكان القاذف حرًا، فإن الحد الواجب عليه هو ثمانون جلدة، سواء كان المقذوف رجلًا، أو امرأة. • من نقل الإجماع: قال الماوردي (٤٥٠ هـ): "حد القذف بالزنا ثمانون جلدة، ورد النص بها وانعقد الإجماع عليها" (٧). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن الحر العاقل البالغ المسلم غير المكره إذا قذف حرًا عاقلًا بالغًا مسلمًا عفيفًا لم يُحد قط في زنا، أو حرة بالغةً عاقلةً مسلمةً عفيفةً غير ملاعنةً لم تحد في زنا قط، بصريح الزنا، وكانا في غير دار

стр. 6413

الحرب، المقذوف أو المقذوفة، فطلب الطالب منهما القاذف هو بنفسه لا غير. . . أنه يلزمه ثمانون جلدة" (١)، ونقله عنه المطيعي (٢). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أنه ثمانون جلدة للقاذف الحر" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "قدر الحد ثمانون، إذا كان القاذف حرًا؛ للآية والإجماع" (٤). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "وقد أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصنًا وأن حده ثمانون إن كان حرًا" (٥). وقال المرداوي (٨٨٥ هـ): "ومن قذف محصنًا فعليه جلد ثمانين جلدة، إن كان القاذف حرًا، وأربعين إن كان عبدًا. . . وهو المذهب، ولا أعلم فيه خلافًا" (٦). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "وأجمعوا أيضًا على أن حده [يعني القذف] ثمانون جلدة" (٧). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٨). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٩). • وجه الدلالة: الآية صريحة بأن حد القذف ثمانون جلدة. النتيجة: المسألة محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6414

[٢٠١/ ٣] لا يزاد على ثمانين جلدة في حد القذف . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب حد القذف، فإن الحد الواجب في حقِّه ثمانون جلدة، ولا يجوز الزيادة على ذلك من باب الحد. ويتبيَّن مما سبق أن الزيادة إن كانت من باب التعزير فمسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن لا مزيد في ذلك [يعني حد القذف] على ثمانين" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن لا مزيد في الثمانين" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: الآية صريحة بأن حد القذف ثمانون جلدة، وهذا التحديد يدل على أنها مرادة بنفس ذلك العدد. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6415

[٢٠٢/ ٣] توبة القاذف لا ترفع عنه الحد . [٢٠٣/ ٣] توبة القاذف تزيل عنه الفسق . • المراد بالمسألتين: إذا قذف شخص آخر بما يوجب حد القذف، فإنه يترتب على ذلك ثلاثة أمور: الأول: إقامة حد القذف عليه. الثاني: الحكم عليه بالفسق. الثالث: عدم قبول شهادته. فإن تاب من القذف فإن هذه التوبة يترتب عليها سقوط اسم الفسق عنه، أما الحد فإنه لا يسقط بتوبته، وبهذا يتبيَّن أن مسألة قبول شهادته من عدمها ليست مرادة هنا، وسيأتي ذكرها في مسألة مستقلة (١). • من نقل الإجماع: قال الماوردي (٤٥٠ هـ): "فإن من قذف لم يسقط عنه بالتوبة الجلد باتفاق، وزال فسقه باتفاق" (٢). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "ولا خلاف في أن التوبة تسقط الفسق" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "فإن تاب لم يسقط عنه الحد، وزال الفسق، بلا خلاف" (٤)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٢٨ هـ) (٥). وقال ابن عطية (٥٤٢ هـ) في آية حد القذف: "فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدًا، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع" (٦). وقال القرطبي (٦٧١ هـ) في آية حد القذف: "فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدًا، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، إلا ما روى عن الشعبي على ما يأتي، وعامل في فسقه بإجماع" (٧).

стр. 6416

وقال الثعالبي (٨٧٥ هـ) في آية حد القذف: "ثم استثنى تعالى من تاب وأصلح من بعد القذف، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع" (١). وقال الشوكاني (١٣٥٠ هـ) في آية حد القذف: "اتفاقهم على أنه لا يعود إلى جملة الجلد بل يجلد التائب كالمصر وبعد إجماعهم أيضًا على أن هذا الاستثناء يرجع إلى جملة الحكم بالفسق" (٢). ويضاف إليها نقولات أهل العلم التي سبقت في أن التوبة لا ترفع الحد (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن القذف فيه حق لآدمي، وهو دفع العار عنه، فلا يزول حد الجلد بالتوبة، بخلاف رد شهادته فإنها مبنية على فسقه بالقذف، فإذا تاب زال عنه سبب فسقه (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الحدود تسقط بالتوبة، ولم يُفرِّقوا بين حد القذف وغيره، وهو قول الشعبي (٧)، وبعض الشافعية كالماوردي، والروياني، والمحاملي (٨)، وهو ظاهر اختيار ابن القيم من الحنابلة (٩). • دليل المخالف: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا

стр. 6417

بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه استثنى ذكر عقوبات القاذف بالجلد ورد الشهادة والفسق، ثم استثنى من ذلك التائب، وهذا الاستثناء الأصل عوده إلى جميع ما سبق من العقوبات (٢). الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٣). • وجه الدلالة: فيه دلالة على أن التائب من الذنب مساوٍ لمن لا ذنب له، ويدخل في ذلك من تاب من الذنب الذي بموجبه وجب عليه الحد. النتيجة: ثمة مسألتان: الأولى: أن توبة القاذف تزيل عنه اسم الفسق، فهذه فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف. الثانية: أن توبة القاذف تزيل عنه الحد، فهذه فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الشعبي، وبعض الشافعية، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٤/ ٣] القاذف إن أقيم عليه الحد ولم يتب من القذف فإنه تسقط شهادته . • المراد بالمسألة: إن ثبت على شخص حد القذف، وأقيم عليه الحد، ولم يتب من ذلك الفعل، فإن شهادته تكون مردودة لا تقبل. ويتبيَّن مما سبق أمران: الأول: أن القاذف إن ثبت عليه الحد لكنه لم يُقم عليه الحد، فمسألة غير مرادة.

стр. 6418

الثاني: القاذف إن أقيم عليه الحد، ثم تاب من القذف، فمسألة غير مرادة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن القاذف ما لم يتب لا تقبل له شهادة" (٢). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أنه يجب على القاذف مع الحد سقوط شهادته ما لم يتب" (٣). وقال ابن جزي (٧٤١ هـ): "وتسقط شهادة القاذف إذا حد اتفاقًا" (٤). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك، وهذا متفق عليه بين الأمة قبل التوبة" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٩). • وجه الدلالة: الآية صريحة بأن القاذف مردود الشهادة. الدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما شهد عنده أبو بكرة ﵁ ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة ﵁ بالزنا، فحدَّهم حد القذف ثم قال لهم: "توبوا تقبل شهادتكم" (١٠).

стр. 6419

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٥/ ٣] إذا تاب القاذف قبلت شهادته . • المراد بالمسألة: من ثبت عليه ما يوجب حد القذف، وأقيم عليه حد القذف، ثم تاب من بعد ذلك، فإن شهادته تكون مقبولة. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) مستدلًا على قبول شهادة القاذف إن تاب: "إجماع الصحابة ﵃؛ فإنه يُروى عن عمر ﵁ أنه كان يقول لأبي بكرة ﵁ حين شهد على المغيرة بن شعبة ﵁: "تب، أقبل شهادتك"، ولم ينكر ذلك منكر، فكان إجماعًا" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر عن الذين يرمون المحصنات بعدم قبول شهادتهم، ثم استثنى من ذلك من تاب وأصلح، فدل على قبول شهادته بذلك،

стр. 6420

ولذا قال ابن عباس ﵁ في الآية: "فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب اللَّه تقبل" (١). الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ (٢). • وجه الدلالة: دلت الآية على أن التوبة توجب القبول والعفو، ومن قبلت توبته وعفي عن سيئته، فهو مقبول الشهادة (٣). الدليل الثالث: أنه مروي عن جمع من الصحابة ﵃ منهم عمر بن الخطاب ﵁ لما شهد عنده أبو بكرة ﵁ ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد على المغيرة بن شعبة ﵁ بالزنا، فحدَّهم حد القذف ثم قال لهم: "توبوا تقبل شهادتكم" (٤). وكذا ابن عباس ﵁، كما هو مبيَّن في الدليل الأول. • وجه الدلالة: قال ابن القيم: "قد قبل شهادته بعد التوبة عمر وابن عباس ﵃، ولا يعلم لهما في الصحابة ﵃ مخالف" (٥). الدليل الرابع: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٦). • وجه الدلالة: عموم الحديث دل على أن من تاب من الذنب، فإنه يرجع

стр. 6421

حكمه كأنه لا ذنب له، وهو يدل على أن شهادته ترجع مقبولة كما كانت قبل الذنب (١). الدليل الخامس: أن ردَّ شهادة من وجب عليه الحد كان موجبه الفسق، وليس من الحد، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، فرجع قبول شهادته (٢). الدليل السادس: أن التائب من الزنا، أو قتل النفس التي حرم اللَّه، وغيرها من الذنوب التي هي أعظم من القذف تقبل شهادتهم، قبولها في التوبة من القذف من باب أولى (٣). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: لا تُقبل شهادة المحدود في القذف. وهو مذهب الحنفية (٤)، وبه قال شريح القاضي، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، ومعاوية بن قرة (٥)، ومكحول (٦)، والأوزاعي، والحسن بن حي (٧).

стр. 6422

القول الثاني: ذهب المالكية في الرواية المشهورة إلى عدم قبول شهادة المحدود فيما حد فيه، ولو تاب، وتقبل في غير ذلك (١). • أدلة المخالفين: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نهى عن قبول شهادة المحدود في القذف، وجعل ذلك النهي مؤبدًا (٣). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ في قصة هلال بن أمية ﵁ حين قذف امرأته فقالت الأنصار: "الآن يضرب رسول اللَّه ﷺ هلال بن أمية، ويبطل شهادته في المسلمين" (٤). • وجه الدلالة: أن الصحابة من الأنصار رضوان اللَّه عنهم قد تقرَّر عندهم أن النبي ﷺ إن أقام الحد على هلال بن أمية ﵁ فإن شهادته ستكون باطلة بموجب الحد الذي أقيم عليه.

стр. 6423

الدليل الثالث: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام، ولا محدودة، ولا ذي غمر على أخيه) (١). واستدل المالكية على عدم قبول شهادة المحدود فيما حد فيه، ولو تاب بما يلي: الدليل الأول: أنها استرابة تقتضي الدفع عن الشهادة؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ (٢) (٣). الدليل الثاني: عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: "ود السارق أن يكون الناس سراقًا، وود الزاني أن يكون الناس زناة"، وإنما كان كذلك لينفي المعرفة عن نفسه بمشاركة غيره (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لوجود خلاف الأوزاعي، والحسن بن حي، والحنفية، والمالكية. وما نقله ابن قدامة من إجماع الصحابة فهو من قبيل الإجماع السكوتي، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٦/ ٣] من أقر على نفسه بالكذب فيما قذف به غيره وتاب من ذلك فقد تاب . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب حد القذف، فإن توبته من ذلك الحد يكون بأمرين: الأول: أن يتوب من القذف. الثاني: هو أن يُكذِّب نفسه، بأن قذفه كان كذبًا.

стр. 6424

والمراد هنا بيان طريق التوبة من القذف، أما التوبة التي تُقبل بها الشهادة وهل يشترط معها إصلاح العمل فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أنه إن أقر على نفسه بالكذب، وتاب من ذلك، أنه قد تاب" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٢)، والشافعية في قول (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى القاذف كاذبًا إذا لم يأت بأربعة شهداء، فتكذيب الصادق نفسه يرجع إلى أنه كاذب في حكم اللَّه، وإن كان في نفس الأمر صادقًا (٦). الدليل الثاني: أن القاذف عرَّض المقذوف إلى تلويث عِرضه، وتعريضه للعار، وتكذيبه لنفسه يزيل ذلك التلويث، فتكون التوبة به (٧). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: التوبة هي أن يتوب من القذف بالاستغفار وإصلاح الحال، سواء أكذب نفسه أو لا.

стр. 6425

وهو قول المالكية (١)، واختاره ابن جرير الطبري (٢). القول الثاني: إن كان كاذبًا في قذفه فتوبته إكذاب نفسه، بأن يقول قذفي باطل، أو أنا كاذب في قذفي، ونحو ذلك، أما إن كان صادقًا فتوبته أن يقول: القذف باطل وحرام، ولن أعود إلى ما قلت، ولا يؤمر بإكذاب نفسه حينئذٍ. وهو قول الشافعية (٣)، وقول للحنابلة اختاره الموفق ابن قدامة، والمرداوي (٤). القول الثالث: أن القذف إن كان سبًا بأن صدر من الشخص قذف لغيره فالتوبة منه إن يُكذِّب نفسه، أما إن كان عن طريق الشهادة فالتوبة منه أن يقول: القذف باطل وحرام ولن أعود إلى ما قلت. وهو وجه عند الحنابلة قال به أبو يعلى القاضي (٥). • دليل المخالف: أما المالكية القائلين بأن توبته هي إصلاح حالة فاستدلوا بظاهر الآية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (٦). • وجه الدلالة: الآية عامة في التوبة، ولم تبيَّن طريقة التوبة بتكذيب النفس

стр. 6426

أو عدمه، فمن تاب توبة ظاهرة، وصلح حاله فقد حقق التوبة المرادة في الآية. وأما أصحاب القول الثاني القائلين بأن القاذف إن كان كاذبًا: فتوبته تكذيب نفسه، وإن كان صادقًا: فتوبته القول ببطلان القذف وحُرمته وعدم عودته لذلك فاستدلوا عليه بأن القاذف قد يكون صادقًا في قذفه، فتكذيبه لنفسه أمر له بالكذب، وهذا ممنوع شرعًا. وأما الذين فرَّقوا بين الشهادة بالقذف، والشتم بالقذف فلأن الشتم أشد فكانت توبته تكذيب نفسه (١). النتيجة: المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة، ولعل ابن حزم حينما نقل الإجماع اعتبر رأي الأكثر في رأيه لذلك عبر بلفظ: (اتفقوا)، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٧/ ٣] العبد القاذف للحر يلزمه أربعون جلدة . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على عبد مملوك ما يوجب حد القذف، فإن الحد الواجب في حقه أربعون جلدة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن القاذف غير الحر كما ذكرنا يلزمه أربعون جلدة" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إن كان القاذف عبدًا أو أمةً جلد أربعين. . . للإجماع المنقول عن الصحابة ﵃" (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن العبد القاذف للحر يلزمه أربعون جلدة" (٤). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "وإن كان القاذف عبدًا فحده أربعون جلدة. . . للإجماع المنقول عن الصحابة ﵃" (٥).

стр. 6427

وقال المرداوي (٨٨٥ هـ): "ومن قذف محصنًا فعليه جلد ثمانين جلدة، إن كان القاذف حرًا، وأربعين إن كان عبدًا. . . وهو المذهب، ولا أعلم فيه خلافًا" (١). وقال زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ): "ويُحد من فيه رق، ولو مبعضًا أو أم ولد، أربعين جلدة، على النصف من الحر؛ لإجماع الصحابة ﵃" (٢). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٤): "والرقيق ولو مبعضًا، ومكاتبًا، وأم ولده، حدُّه أربعون جلدة إجماعًا" (٣). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "والرقيق القاذف، والمكاتب، والمدبر، وأم الولد، والمبعض، حد كل منهم أربعون جلدة، على النصف من الحر، بالإجماع" (٤). وقال الرملي (١٠٠٤ هـ): "والرقيق ولو مكاتبًا، ومبعضًا، حده أربعون جلدة إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)، والمالكية (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٨). • وجه الدلالة: الآية نص أن عقوبة الأمة نصف الحرة، فيقاس عليها عقوبة العبد (٩). الدليل الثاني: أنه فعل الصحابة ﵃، فعن عبد اللَّه بن عامر بن

стр. 6428

ربيعة (١) قال: "لقد أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، ومن بعدهم من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا أربعين" (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض أهل العلم إلى أن العبد حدّه في القذف ثمانون جلدة. وهو قول ابن مسعود ﵁، وعمر بن عبد العزيز (٣)، والليث، والزهري، والأوزاعي (٤)، وبه قال الظاهرية في حق العبيد (٥)، وإليه يميل الصنعاني (٦). دليل المخالف: استدل من أوجب على العبد في القذف ثمانين جلدة

стр. 6429

بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). • وجه الدلالة: عموم الآية حيث أوجبت الحد ثمانون جلدة، ولم تفرِّق بين الحر والعبد (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ ولا بين الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم؛ لثبوت الخلاف عن ابن مسعود ﵁، وبعض السلف، والظاهرية في العبيد. وقد نص على الخلاف غير واحد من أهل العلم منهم ابن رشد الحفيد حيث قال: "اختلفوا في العبد يقذِف الحر كم حده" (٣)، وإنما هو قول أكثر أهل العلم كما حرَّره ابن قدامة بقوله: "أجمع أهل العلم على وجوب الحد على العبد إذا قذف الحر المحصن. . . وحده أربعون في قول أكثر أهل العلم" (٤)، إلا أنه نسب الإجماع للصحابة ﵃، وهو مُتعقب كما سبق. وممن حرَّر المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في حد القذف: "هو ثمانون جلدة إن كان القاذف حرًا، وأربعون إن كان رقيقًا عند الأئمة الأربعة" (٥)، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٨/ ٣] قاذف الفاسق يلزمه الحد كقاذف الفاضل ولا فرق . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الفسق: الفسق لغة: أصل الفِسق -بكسر الفاء- في كلام العرب بمعنى الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من

стр. 6430

قشرها، ومنه: سميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها (١). وكل معصية للَّه تعالى بفعل محظور، أو ترك مأمور فإنه يطلق عليه الفسق، قال الزبيدي: "والفسق يقع بالقَليل من الذنوب وبالكثير، ولكن تعورف فيما إذا كان بكَثيره" (٢). وقد حكى ابن فارس عن بعض أهل اللغة أنه لم يسمعْ قَطُّ في كلامِ الجاهلية أو شِعرهم لفظ فاسِقٌ في وصف الإنسان، وإنّما قالوا إذا خرجت الرطَبَة من قشرِها: فسَقَت الرُطَبَةُ عن قِشْرِها. ثم تعجَّب من ذلك أن تكون كلمة عربية لم تأتِ في شِعْر جاهليٍّ (٣). والفسق في الاصطلاح: هو الخروج عن طاعة اللَّه تعالى، قال القرطبي: "الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة اللَّه ، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان" (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٥)، أي خرج عن أمر ربه وطاعته (٦). إلا أن الفقهاء يعبِّرون بلفظ الفاسق على من جاهر بمعصية حرَّمها اللَّه، إما

стр. 6431

بإتيان كبيرة، أو بإصرار على صغيرة، أما مطلق الذنب فلا يُعتر فسقًا؛ لأنه ليس أحد يسلم من ذلك (١). ثانيًا: صورة المسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد القذف، وكان المقذوف فاسقًا، فإنه يقام حد القذف على القاذف، ولا فرق بين أن يكون المقذوف فاسقًا، أو عدلًا فاضلًا. وينبَّه هنا إلى أنه يستثنى من المسألة إن كان فسق المقذوف سببه أنه زنى وأقيم عليه الحد في ذلك، ثم قذف القاذف في ذلك الأمر، فهذا غير مراد، كما سبق بيانه (٢). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف في أن قاذف الفاسق يلزمه الحد، كقاذف الفاضل، ولا فرق" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن المقصود من حد القذف دفع العار بما قُذف به، وتكذيب القاذف، والمقذوف إن كان عفيفًا عن الزنا، فإنه يلحقه

стр. 6432

العار بالقذف، ولو كان فاسقًا، فيحتاج إلى دفع العار عنه وتكذيب القاذف (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٩/ ٣] قاذف النبي ﷺ يجب قتله . • المراد بالمسألة: لو أن مسلمًا سب النبي ﷺ بقذفه، فإن على الإمام أن يقتله، سواء تاب من القذف، أو لم يتب، وكذا الذمي، والمعاهد، إذا قذف النبي ﷺ ولم يسلم. ويتبين مما سبق أمور ثلاثة: الأول: لو كان القاذف للنبي ﷺ حربيًا، فذلك غير مراد. الثاني: لو كان القذف من ذمي أو معاهد لكنه أسلم بعد سبه النبي ﷺ ، فذلك غير مراد في مسألة الباب. الثالث: المسألة هي في قتله، أما في الحكم بكفره من عدمه فمسألة أخرى يأتي بيانها (٢). • من نقل الإجماع: قال ابن القاسم (١٩١ هـ) (٣): "من سبه، أو شتمه، أو عابه، أو تنقصه، فإنه يقتل، وحكمه عند الأمة: القتل"، نقله عنه القاضي عياض (٤). وقال محمد بن سحنون (٢٥٦ هـ) (٥): "أجمع العلماء على أن شاتم

стр. 6433

النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب اللَّه له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر"، نقله عنه القاضي عياض (١) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢). وحكى الإجماع على ذلك أبو بكر الفارسي (٣٠٥ هـ) (٣) حيث نقله عنه ابن تيمية (٧٢٨ هـ) فقال: "وقد حكى أبو بكر الفارسي -من أصحاب الشافعي- إجماع المسلمين على أن حد من سب النبي ﷺ القتل، كما أن حد من سب غيره الجلد، وهذا الإجماع الذي حكاه هذا محمول على إجماع الصدر الأول من الصحابة ﵃، والتابعين، أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي ﷺ يجب قتله إذا كان مسلمًا" (٤) نقله عن أبي بكر الفارسي ابن حجر (٥)، والمطيعي (٦) والشوكاني (٧). وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن من سب النبي ﷺ له القتل"، نقله عنه القرطبي (٨)، وابن حجر (٩)، وأبو الطيب (١٠)، والشوكاني (١١). وقال الخطابي (٣٨٨ هـ): "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله" (١٢) ونقله عنه القاضي

стр. 6434

عياض (١) وابن تيمية (٢) وابن حجر (٣)، والمطيعي (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "روي عن ابن عمر أنه قيل له في راهب سب النبي ﷺ ، قال: "لو سمعته لقتلته" ولا مخالف له من الصحابة علمته" (٥). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه" (٦). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أذى الرسول من أعظم المحرمات؛ فإن من آذاه فقد آذى اللَّه، وقتل سابه واجب باتفاق الأمة" (٧). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ) لما ذكر جملة من الأدلة على قتل من سب النبي ﷺ : "وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاح وحسان ومشاهير وهو إجماع الصحابة ﵃" (٨). وهذه النقولات وإن كان بعضها لم ينص على القذف وإنما هي في مطلق السب والشتم والتنقُّص للنبي ﷺ ، إلا أن القذف يدخل في ذلك من باب الأولوية، فإن القذف أشد من مطلق السب، ولذا جعل اللَّه تعالى له حدًا، دون غيره من أنواع السب فجعل له الشرع التعزير. • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول (٩) فوضعه في

стр. 6435

بطنها، واتكأ عليها، فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فجمع الناس فقال: (أنشد اللَّه رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام) فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنْهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المِغول، فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : (ألا اشهدوا أن دمها هدر) (١). الدليل الثاني: أن النبي ﷺ أمر بقتل كعب بن الأشرف (٢)؛ وعلَّل ذلك بأذيِّته للَّه ورسوله ﷺ ، كما في الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى اللَّه ورسوله)؟ فقال محمد بن

стр. 6436

مسلمة (١): يا رسول اللَّه أتحب أن أقتله، قال: (نعم)، قال: ائذن لي فلْأقل، قال: (قل)، فأتاه فقال له -وذكر ما بينهما- وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضًا واللَّه لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنني، قال: ما تريد، قال: ترهنني نساءكم، قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم، قال: يُسب ابن أحدنا فيقال رُهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللْأمة -يعني السلاح-، قال: فنعم، وواعده أن يأتيه بالحارث (٢)، وأبي عبس بن جبر (٣)، وعباد بن

стр. 6437

بشر (١)، قال: فجاءوا فدعوه ليلًا، فنزل إليهم، قالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة، ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلًا لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل نزل وهو متوشح (٢)، فقالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشُمَّ منه، قال: نعم فشُم، فتناول فشَم ثم قال: أتأذن لي أن أعود، قال: فاستمكن من رأسه ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه" متفق عليه (٣). الدليل الثالث: عن علي ﵁: "أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول اللَّه ﷺ دمها" (٤).

стр. 6438

• وجه الدلالة: قال ابن تيمية: "فرتَّب علي ﵁ إبطال الدم على الشتم بحرف الفاء، فعلم أنه هو الموجب لإبطال دمها؛ لأن تعليق الحكم بالوصف المناسب بحرف الفاء يدل على العلِّية" (١). الدليل الرابع: أنه المروي عن جماعة من الصحابة ﵃، فمن ذلك: أ - عن أبي برزة ﵁ (٢) قال: "أتيت على أبي بكر ﵁ وقد أغلظ الرجل، فرد عليه، فقلت: ألا أضرب عنقه؟ فانتهرني، فقال: إنها ليست لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ " (٣). • وجه الدلالة: أن أبا بكر ﵁ أخبر أنه لا يجوز قتل الرجل الذي رد عليه، وأخبر أن هذا لا يكون إلا في حق النبي ﷺ . ب- عن ابن عمر ﵁ أنه أَصْلت (٤) على راهب سب النبي ﷺ بالسيف، وقال: "إنا لم نصالحكم على شتم نبينا ﷺ " (٥).

стр. 6439

والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة، قال ابن القيم: "وفي ذلك بضعة عشر حديثًا، ما بين صحاح، وحسان، ومشاهير، وهو إجماع الصحابة ﵃" (١). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الذمي إن سب النبي ﷺ فإنه لا ينتقض عهده، ولا يقتل، ولكن يعزر. وهو قول أبي ثور، وبه قال الحنفية (٢). • دليل المخالف: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: أتى النبي ﷺ أناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: وعليكم، قالت عائشة: قلت: بل عليكم السام والذام، فقال رسول اللَّه ﷺ : (يا عائشة، لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعتَ ما قالوا؟ فقال: (أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم) متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علم أن اليهود قد سبوه في السلام، ومع ذلك اكتفى بالرد عليهم، ولم يحكم بقتلهم. الدليل الثاني: أن سب النبي ﷺ كُفر من الذمي، كما هو ردة من المسلم، والكفر المقارن لعقد الذمة لا يمنع عقد الذمة في الابتداء، فالكفر الطارئ لا يرفعه في حال البقاء بطريق أولى (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر على قسمين: القسم الأول: المسلم إذا سب النبي ﷺ بقذف فإنه يقتل بإجماع أهل العلم.

стр. 6440

القسم الثاني: الذمي إذا سب النبي ﷺ بقذف فإن الذي عليه الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم قتل من سب النبي ﷺ منهم، ثم حصل خلاف بعد ذلك، وأكثر أهل العلم على قتله، وقد حرر هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وتحرير القول فيه: أن الساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف. . . وإن كان ذميًا فإنه يقتل أيضًا في مذهب مالك وأهل المدينة. . . وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث" (١)، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٠/ ٣] قاذف النبي ﷺ كافر . • المراد بالمسألة: المسلم إذا قذف النبي ﷺ بالزنا فإنه يحكم بكفره إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، ويكون مرتدًا عن الإسلام. • من نقل الإجماع: قال إسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ): "أجمع المسلمون على أن من سب اللَّه ، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا مما أنزل اللَّه تعالى، أو قتل نبيًا من أنبياء اللَّه تعالى، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل اللَّه" (٢). وقال محمد بن سحنون (٢٥٦ هـ): "أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب اللَّه له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر"، نقله عنه القاضي عياض (٣) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤). وقال أبو بكر الفارسي (٣٠٥ هـ): "من سب النبي ﷺ مما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء"، نقله عنه ابن حجر (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "الساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر،

стр. 6441

ويقتل، بغير خلاف" (١). وهذه النقولات وإن كان بعضها لم ينص على القذف وإنما هي في مطلق السب، إلا أن القذف يدخل في ذلك من باب الأولوية. • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع في المسألة إلى الأدلة التي ذُكرت في المسألة السابقة، فإنه إنما أبيح قتل قاذف النبي ﷺ لكفره. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢١١/ ٣] من قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه كفر . • المراد بالمسألة: مما هو مُقرَّر أن عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ زوج النبي ﷺ رميت بالزنا في حياتها، حتى برَّأها اللَّه تعالى من ذلك في كتابه، فمن رمى عائشة بالزنا بعد نزول هذه الآيات، أو شك في براءتها من الزنا فإنه كافر. ويتبين مما سبق أن من سب عائشة بغير القذف بالزنا، أو قذف أحدًا من نساء النبي ﷺ غير عائشة، فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان -والعياذ باللَّهِ- صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم" (٤).

стр. 6442

وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ): "وقد أجمع العلماء، ﵏، قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن" (١). وقال الزركشي (٧٩٤ هـ): "الطاعن في عائشة ﵂ بالقذف كافر إجماعًا" (٢). وقال العراقي (٨٠٦ هـ): "براءة عائشة ﵂ من الإفك براءة قطعية بنص القرآن، فلو شك فيها إنسان -والعياذ باللَّه تعالى- صار كافرًا، مرتدًا، بإجماع المسلمين" (٣). وقال الحجاوي (٩٦٠ هـ): "من قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه: كفَر بلا خلاف" (٤). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف" (٥). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، وابن حزم (٩). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي

стр. 6443

تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ (١). • وجه الدلالة: القرآن صرح ببراءة أم المؤمنين عائشة ﵂، ونهى عن قذفها في قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي أن تعودوا لقذف عائشة ﵂، كما قرَّره أهل التفسير (٢)، فمن شك في براءتها أو أنكر ذلك فقد شك في القرآن. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الخبيثات للخبيثين، والطيبات للطيبين، فإن كانت عائشة زانية فهي خبيثة، ويقتضي ذلك أن يكون النبي ﷺ خبيثًا -والعياذ باللَّه-، وذلك كفر (٤). الدليل الثالث: ما ثبت في السنة من قصة الإفك وبراءة عائشة رضي اللَّه

стр. 6444

عنها مما رميت به في حديث طويل ولفظ مسلم: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه، قالت عائشة فاقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول اللَّه ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فانا أحمل في هودجي، وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوه وقفل (١)، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمتُ حين آذنوا بالرحيل، فمشيتُ حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرجل، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار (٢) قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن (٣) ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام (٤)، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه، ورفعوه، وكنت

стр. 6445

جارية حديثة السنن, فبعثوا الجمل وساروا، ووجدتُ عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني (١) قد عرس (٢) من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يُضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، وواللَّه ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطن على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة (٣)، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول اللَّه ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل
следующие страницы →