← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

ويقتل، بغير خلاف" (١). وهذه النقولات وإن كان بعضها لم ينص على القذف وإنما هي في مطلق السب، إلا أن القذف يدخل في ذلك من باب الأولوية. • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع في المسألة إلى الأدلة التي ذُكرت في المسألة السابقة، فإنه إنما أبيح قتل قاذف النبي ﷺ لكفره. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢١١/ ٣] من قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه كفر . • المراد بالمسألة: مما هو مُقرَّر أن عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ زوج النبي ﷺ رميت بالزنا في حياتها، حتى برَّأها اللَّه تعالى من ذلك في كتابه، فمن رمى عائشة بالزنا بعد نزول هذه الآيات، أو شك في براءتها من الزنا فإنه كافر. ويتبين مما سبق أن من سب عائشة بغير القذف بالزنا، أو قذف أحدًا من نساء النبي ﷺ غير عائشة، فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان -والعياذ باللَّهِ- صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم" (٤).

стр. 6442

وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ): "وقد أجمع العلماء، ﵏، قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن" (١). وقال الزركشي (٧٩٤ هـ): "الطاعن في عائشة ﵂ بالقذف كافر إجماعًا" (٢). وقال العراقي (٨٠٦ هـ): "براءة عائشة ﵂ من الإفك براءة قطعية بنص القرآن، فلو شك فيها إنسان -والعياذ باللَّه تعالى- صار كافرًا، مرتدًا، بإجماع المسلمين" (٣). وقال الحجاوي (٩٦٠ هـ): "من قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه: كفَر بلا خلاف" (٤). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف" (٥). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، وابن حزم (٩). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي

стр. 6443

تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ (١). • وجه الدلالة: القرآن صرح ببراءة أم المؤمنين عائشة ﵂، ونهى عن قذفها في قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي أن تعودوا لقذف عائشة ﵂، كما قرَّره أهل التفسير (٢)، فمن شك في براءتها أو أنكر ذلك فقد شك في القرآن. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الخبيثات للخبيثين، والطيبات للطيبين، فإن كانت عائشة زانية فهي خبيثة، ويقتضي ذلك أن يكون النبي ﷺ خبيثًا -والعياذ باللَّه-، وذلك كفر (٤). الدليل الثالث: ما ثبت في السنة من قصة الإفك وبراءة عائشة رضي اللَّه

стр. 6444

عنها مما رميت به في حديث طويل ولفظ مسلم: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه، قالت عائشة فاقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول اللَّه ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فانا أحمل في هودجي، وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوه وقفل (١)، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمتُ حين آذنوا بالرحيل، فمشيتُ حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرجل، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار (٢) قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن (٣) ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام (٤)، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه، ورفعوه، وكنت

стр. 6445

جارية حديثة السنن, فبعثوا الجمل وساروا، ووجدتُ عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني (١) قد عرس (٢) من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يُضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، وواللَّه ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطن على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة (٣)، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول اللَّه ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل

стр. 6446

رسول اللَّه ﷺ فيسلم ثم يقول كيف تيكم، فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع -وهو متبرزنا- ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمْرُنا أمر العرب الأول في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح -وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب- فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قِبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلًا قد شهد بدرًا، قالت: أي هنتاه، أوَلم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول اللَّه ﷺ ، فسلم، ثم قال: كيف تيكم؟ قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول اللَّه ﷺ ، فجئت أبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك، فواللَّه لقلَّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثَّرن عليها. قالت: قلت: سبحان اللَّه، وقد تحدث الناس بهذا؟ ! قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول اللَّه ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال يا رسول اللَّه: هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق اللَّه عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول اللَّه

стр. 6447

- ﷺ بريرة (١)، فقال: (أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة) قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول اللَّه ﷺ على المنبر فاستعذر من عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر: (يا معشر المسلمين: من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فواللَّه ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي) فقام سعد بن معاذ الأنصاري (٢) فقال: أنا أعذرك منه يا رسول اللَّه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا، ولكن اجتملته الحمية-، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر اللَّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير (٣) وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال: لسعد بن عبادة كذبت، لعمر اللَّه

стр. 6448

لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيَّان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يخفِّضهم حتى سكتوا، وسكت، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول اللَّه ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول اللَّه ﷺ حين جلس، ثم قال: (أما بعد، يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللَّه وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب اللَّه عليه). قالت: فلما قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول اللَّه ﷺ فيما قال، فقال: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ ، فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن-: إني واللَّه لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة واللَّه يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر واللَّه يعلم أني بريئة لتصدقونني، كأني واللَّه ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١)، قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا واللَّه حينئذ أعلم أني بريئة، وأن اللَّه مبرئي ببراءتي، ولكن واللَّه ما كنت أظن أن ينزل

стр. 6449

في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم اللَّه في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه على في النوم رؤيا يبرئني اللَّه بها, قالت: فواللَّه ما رام رسول اللَّه ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللَّه على نبيه ﷺ ، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء (١) عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُري عن رسول اللَّه ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: (أبشري يا عائشة أما اللَّه فقد برأك) فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: واللَّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا اللَّه، هو الذي أنزل براءتي، قالت: فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، عشر آيات فأنزل اللَّه هؤلاء الآيات براءتي. . . " الحديث متفق عليه (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. وقبل ختام المسألة ثمة تنبيهان: الأول: بعض أهل العلم كابن العربي حكى عن الشافعية قولًا حاصله أن من قذف عائشة ﵂ بالزنا فإنه لا يكفر، وهذا فيه نظر، وإنما الذي حكاه بعض الشافعية قولان هما في مسألة من سب عائشة ﵂, لا في مسألة القذف، وثمة فرق بين القذف والسب (٣). الثاني: لم أعتبر الخلاف الصادر من أهل البدع، فإن الشيعة يرون قذف

стр. 6450

عائشة بالزنا، بل يرون كفرها -عياذًا باللَّه- إلا أني لم أعتبره قولًا، لكونه مذهبًا لا يُعتد به في الخلاف، لا سيما فيما يتعلق في باب العقائد، واللَّه تعالى أعلم (١).

стр. 6451

الفصل الخامس مسائل الإجماع في إقامة حد القذف [٢١٢/ ٣] للمقذوف طلب ما يجب له من الحد على القاذف . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، وكان المقذوف عفيفًا عن الزنا، فإن المقذوف له المطالبة بحقه من القاذف، لإقامة الحد عليه بموجب قذفه. ويتبيَّن مما سبق أن المقذوف إن كان يعلم من نفسه أنه زان، وأن القاذف قذفه بذلك الزنا الذي لم يُقم عليه فيه حد، فحقُّه في طلب القذف حينئذ غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن للمقذوف طلب ما يجب له الحد من القاذف" (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن للمقذوف طلب ما يجب له من الحد على القاذف" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب على القاذف الحد إذا لم يأت ببينة، وهو يدل على أن للمقذوف حقًا شرعيا بإقامة الحد على قاذفه.

стр. 6452

• الدليل الثاني: أن المقذوف قد أصيب بالعار بسبب القذف، فكان له الحق في مطالبة القاذف لدفع العار عن نفسه (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٣/ ٣] لا يقام حد القذف إلا بطلب المقذوف . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بالزنا، فإنه ليس للإمام أن يقيم حد القذف إلا إذا طالب المقذوف بذلك، ورفع أمره للإمام. أما مسألة إن مات المقذوف فهل يسقط الحد، أو ينتقل الحق لورثته في المطالبة، فهي مسألة خلافية غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "وحد القذف لا يقيمه الإمام إلا بعد المطالبة إجماعا" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "يعتبر لإقامة الحد بعد تمام القذف بشروطه شرطان: أحدهما: مطالبة المقذوف. . . ولا نعلم خلافًا في هذا" (٣). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "ولا تجوز إقامة حد القذف بإجماع من الأمة إلا بعد المطالبة بإقامته" (٤). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "يشترط لإقامة الحد على القاذف شرطان: أحدهما: مطالبة المقذوف. . . ولا نعلم في هذا كله خلافًا" (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وهذا الحد يستحقه المقذوف،

стр. 6453

فلا يستوفى إلا بطلبه، باتفاق الفقهاء" (١) ونقله عنه البهوتي (٢) والرحيباني (٣) وابن قاسم (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "أما اشتراط مطالبة المقذوف فبإجماع" (٥). وقال ابن حجر الهيتيمي (٩٧٣ هـ) في معرض كلامه على أن حد القذف تعلق به حق للَّه وحق للآدمي ثم قال: "وإن غَلَب حق الأدمي في توقف استيفائه على طلبه اتفاقًا" (٦). وقال الرملي (١٠٠٤ هـ) في معرض كلامه على أن حد القذف تعلق به حق للَّه وحق للآدمي: "وإن غَلَب حق الآدمي في توقف استيفائه على طلبه بالاتفاق" (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن في القذف حق للآدمي بدفع العار عن نفسه، فلا يستوفى قبل طلبه، كسائر حقوقه (٨). الدليل الثاني: أن القاذف قد يكون صادقًا في قوله، فإعراض المقذوف عن طلب حد القذف قد يكون لصدق القاذف (٩). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن القاذف يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف بالحد. وبه قال ابن أبي ليلى (١٠)، والظاهرية (١١). • دليل المخالف: استدل القائلون باستيفاء حد القذف ولو لم يطلب المقذوف ذلك بما يلي: الدليل الأول: أن عمر بن الخطاب ﵁ جلد أبا بكرة ﵁، ونافعًا، وشبل بن معبد، حين رآهم قذفة، ولم يشاور في ذلك المغيرة بن شعبة ﵁.

стр. 6454

• الدليل الثاني: أن حد القذف كغيره من الحدود التي لا يشترط فيها مطالبة المجني عليه فيها، فالسرقة لا يشترط فيها مطالبة المسروق منه بالحد، والزنا لا يشترط مطالبة المزني بها بالحد، وكذا سائر الحدود التي من جملتها حد القذف (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن ابن أبي ليلى، والظاهرية. ولعل من نقل الإجماع جعل الخلاف من قبيل الشاذ، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٤/ ٣] من قذف جماعة بكلام مفترق أو بكلام واحد فعليه حد واحد للجميع . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص جماعة من الناس، فعليه حد واحد فقط لجميع ذلك القذف، وهذا على حالين: الحال الأولى: أن يقذفهم بكلام واحد، كان يقول لأشخاص مجتمعين: كلكم زناة، أو يا زناة، ونحو ذلك. الحال الثانية: أن يقذفهم بكلام متفرق، كان يقول لكل شخص منهم أنت زان، أو يا زان. ففي كلا الحالتين لا يلزم القاذف إلا حد واحد، بشرط ألا يكون القذف لبلد معيَّن، أو لجماعة لا يتصور زناهم عادة، أو لزوجاته، وأن لا يكون تكرار القذف بعد إقامة الحد عليه. فلو قذف جماعة يتصور زناهم غير أهل بلد وغير زوجاته، ثم طالب أحدُ المقذوفين بحقه، وأقيم على القاذف الحد بموجب ذلك، ثم جاء مقذوفٌ آخر وطالب بحقِّه فلا يُقام الحد مرة ثانية على القاذف. ويتبين مما سبق استثناء أربع مسائل: الأولى: أنه لو قذف شخصًا ثم أقيم عليه الحد، ثم قذف شخصًا آخر فالمسألة غير مرادة. الثانية: لو قذف شخصًا

стр. 6455

واحدًا أكثر من مرة، سواء قذفه بزنا واحد أو بأكثر من زنا، فهي مسألة غير مرادة (١). الثالثة: لو قذف أهل بلد، أو قذف جماعة لا يتصور الزنا من جميعهم عادة، فالمسألة غير مرادة (٢). الرابعة: لو قذف نساءه اللاتي في عصمته بكلام واحد أو متفرق، فطالبوا بالحد، فالمسألة غير مرادة (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من قذف جماعة بكلام متفرق أو بكلام واحد أن حدًا واحدًا قد لزمه" (٤). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن من قذف جماعة بكلام مفترق أو كلام واحد أن حدًا واحدًا يلزمه" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والحنابلة في رواية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٩). • وجه الدلالة: عموم الآية حيث دلت على أن القاذف عليه ثمانين جلدة على فعله للقذف، ولم تُفرق بين أن يكون المقذوف واحدًا أو جماعة (١٠). الدليل الثاني: أن من قذف المحصنة فإنه في الحقيقة قاذف لها ولمن زنى بها، ومع ذلك لم يوجب اللَّه تعالى عليه إلا حدًا واحدًا (١١).

стр. 6456

الدليل الثالث: أن الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة ﵁ قذفوه بامرأة، ولم يحدهم عمر ﵁ إلا حدًا واحدًا (١). الدليل الرابع: أن الحد إنما وجب على فعل القذف، والقذف إن كان بكلام واحد فهو فعل واحد، فلم يجب به إلا حد واحد (٢). الدليل الخامس: أن المقصود من الحد هو دفع المعرَّة عن المقذوف وبيان كذب القاذف، وهذا يمكن تحصيله بعد واحد على القاذف (٣). الدليل السادس: القياس على من زنى مرارًا بأكثر من امرأة، أو سرق مرارًا من أكثر من شخص قبل أن يقام عليه الحد، فكما أنه لا يقام عليه إلا حد واحد، فكذا من قذف أكثر من شخص قبل أن يقام عليه الحد (٤). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى أن من قذف جماعة فيجب لكل واحد منهم حد، سواء قذفهم بكلمة واحدة أو بكلام متفرق. وهو قول الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦)، وبه قال عثمان البتي، وأبو ثور، وابن المنذر (٧). القول الثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى أن من قذف جماعة بكلام متفرق فعليه لكل واحد منهم حد، أما إن قذفهم بكلام واحد فيلزمه حد واحد فقط. وهو قول الحنابلة (٨)، وبه قال عطاء، والشعبي، وقتادة، وابن أبي ليلى (٩).

стр. 6457

• دليل المخالف: استدل من أوجب تعدد الحد بقذف الجماعة بما يلي: الدليل الأول: أن القاذف قد ألحق العار بقذف كل واحد منهم، فلزمه لكل واحد منهم حد، كما لو أفرد كل واحد منهم بالقذف (١). الدليل الثاني: أن القاذف لو أقام بيِّنة الزنا على من قذفهم فإنه يُحد كل واحد منهم حد الزنا، فكذا إذا لم يأت ببيِّنة وجب أن يُحد هو حد القذف لكل واحد منهم؛ لأن حد القذف في جهته في مقابلة حد الزنا في جهتهم (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الشافعية، والحنابلة، ومن نقل الاتفاق لعله لم يبلغه الخلاف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٥/ ٣] من قذف جماعة فعفوا إلا واحدًا منهم طالب بالحد، فلا يسقط الحد . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص جماعة كعشرة أشخاص مثلًا، فعفا أكثرهم، أو كلُّهم إلا واحدًا، طالب بإقامة حد القذف على القاذف، فإنه يُطلب من القاذف البينة، فإن لم يكن له بينة، فإنه يقام الحد على القاذف، وعفو التسعة الباقين لا يُسقط عنه الحد. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "إجماعهم على أنه لو عفا أحد المقذوفين كان لمن جمعه القذف معه أن يقوم -إن شاء- بحده، ولو كانوا عشرة أو أكثر، فعفا التسعة، كان للباقي القيام في حَدِّه، وحُدَّ القاذف له" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 6458

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن القذف فيه حق للآدمي، والمقصود منه دفع العار، والمقذوف هنا الذي لم يعفُ قد لحقه العار بالقذف، فإذا طلب دفع العار عنه بإقامة حد القذف كان له ذلك (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. لكن يُنبَّه إلى أن ابن مفلح في "الفروع" ذكر عن الحنابلة قولًا حاصله: أنه إن عفا بعض الورثة سقط الحد، حيث قال: "وإن مات وورث حد القذف فلوارثه المطالبة. . . وإن عفا بعضهم حدَّه الباقون كاملًا، وقيل: يسقط" (٣). إلا أن فقهاء الحنابلة ذكروا أن ما نقله صاحب الفروع لم يذكره غيره من الحنابلة، وأنه سبق قلم منه، وصوابه: "وقيل: بقسطه"؛ لما في بعض نصوص الحنابلة قولهم: "إن مات بعد طلبه: ملكه وارثه، فإن عما بعضهم حُد لمن طلب بقسطه، وسقط قسط من عفا" (٤)، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٦/ ٣] المقذوف أن كان غائبًا فليس لأبيه ولا لأمه أن يطلب حد القذف ما دام المقذوف حيًّا . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بما يوجب الحد، وكان المقذوف حيًا لكنه كان غائبًا عن البلد، فإن المطالبة بالحد خاصة بالمقذوف، ولا يَحق لوالديه من أب أو أم وإن علوا أن يُطالبوا بالحد بدلًا عن المقذوف. ويتبين مما سبق أنه لو كان المقذوف ميتًا، أو قُذف وهو حي ثم مات قبل

стр. 6459

المطالبة، فمطالبة الورثة في هاتين المسألتين غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن المقذوف إذا كان غائبًا، فليس لأبيه، ولا لأمه أن يطلبا بالقذف ما دام المقذوف حيًّا" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "وأجمعوا على المقذوف إذا كان غائبًا، فليس لأبيه، ولا لابنه أن يطلب بالقذف ما دام المقذوف حيًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن في القذف حق للآدمي بدفع العار عن نفسه، فلا يستوفى قبل طلبه، كسائر حقوقه (٥). الدليل الثاني: أن القاذف قد يكون صادقًا في قوله، فإعراض المقذوف عن طلب حد القذف قد يكون لصدق القاذف (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن حد القذف لا يختص بطلبه المقذوف، فمن رفع أمر القاذف للإمام وجب على الإمام قبوله، وإقامة الحد على المقذوف ولو لم يطلب المقذوف إقامة الحد. وبه قال ابن أبي ليلى (٧)، والظاهرية (٨). • دليل المخالف: استدل القائلون باستيفاء حد القذف ولو لم يطلب المقذوف ذلك بما يلي: الدليل الأول: أن عمر بن الخطاب ﵁ جلد أبا بكرة ﵁، ونافعًا، وشبل بن معبد، حين رآهم قذفة، ولم يشاور في ذلك المغيرة بن شعبة ﵁.

стр. 6460

الدليل الثاني: أن حد القذف كغيره من الحدود التي لا يشترط فيها مطالبة المجني عليه فيها، فالسرقة لا يشترط فيها مطالبة المسروق منه بالحد، والزنا لا يشترط مطالبة المزني بها بالحد، وكذا سائر الحدود التي من جملتها حد القذف (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن ابن أبي ليلى، والظاهرية، ولعل ابن المنذر لم يبلغه الخلاف، أو لم يعتبر الخلاف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٧/ ٣] من قذف ميتًا فلولده ذكرًا كان أو أنثى، ولأولاد الابن، وإن سفلوا, ولوالده وإن علا، أن يخاصم القاذف في القذف . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بما يوجب الحد، وكان المقذوف ميتًا، فإن لأولاده من الذكور والإناث، ولأولاد الابن أن يطالبوا بالحد. وكذا للأب والجد وإن علا أن يطالب بالحد. ويتبين مما سبق أنه لو قذف شخصًا حيًا ثم مات المقذوف قبل المطالبة فمسألة أخرى غير مرادة (٢). • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "إذا كان ميتًا فلا خلاف في أن لولده ذكرًا كان أو أنثى، ولابن ابنه وبنت ابنه وإن سفلوا, ولوالده وإن علا، أن يخاصم القاذف في القذف" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 6461

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الحكمة من حد القذف هو ما يُحدثه القاذف من إلحاق العار بالمقذوف، والأصل أن الميت ليس بمحل لإلحاق العار به، فلم يكن معنى القذف راجعًا إليه بل إلى فروعه وأصوله؛ لأنه يلحقهم العار بقذف ميتهم، والأصول والفروع هم جزء من هذا الميت، فالعار لاحق بهم لوجود الجزئية والبعضية، فشُرع لهم المطالبة بالقذف لدفع العار عنهم (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة إلى أن من قذف ميتًا فلا حد عليه، وليس لوارثه المطالبة بالحد. وهو وجه عند الحنابلة (٣).

стр. 6462

• دليل المخالف: استدل من قال بأن قذف الميت لا يجب به الحد أنه قذْف بمن لا تصح منه المطالبة، فأشبه قذف المجنون (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الحنابلة. ولعل الكاساني أراد نفي الخلاف في المذهب الحنفي بدليل ما سيأتي في المسألة التالية، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٨/ ٣] من قذف ميتًا فالإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات لا يملكون الخصومة . • المراد بالمسألة: إذا قذف شخص آخر بما يوجب الحد، وكان المقذوف ميتًا، فإنه ليس لأحد من إخوانه، أو أخواته، أو أعمامه، أو عماته، أو أخواله، أو خالاته أن يطالبوا بالحد. ويتبيَّن مما سبق أمران: الأول: أنه لو قذف شخصًا حيًا ثم مات المقذوف قبل المطالبة فمسألة أخرى غير مرادة (٢). الثاني: أن المطالبة خاصة بالأخوال والأعمام والإخوان، أما غيرهم كالأصول والفروع، فالمطالبة من أحدهم غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولا خلاف في أن الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات لا يملكون الخصومة" (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن المقصود بالحد دفع العار عن المقذوف، وهؤلاء من الأعمام والأخوال والإخوان علاقتهم بالميت ليست علاقة الجزئية والبعضية، فلا يلحقهم العار كما يلحق الأبناء أو الآباء (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن من قذف ميتًا

стр. 6463

فلجميع الورثة المطالبة بالحد، ويدخل فيهم الإخوة والأخوات، والأخوال والأعمام، والأخوال والخالات. وهو قول المالكية في الجملة (١)، وبه قال الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • دليل المخالف: استدل من قال بأن من قذف ميتًا للورثة من الأخوة والأعمام وغيرهم أن يطالبوا بالحد بما يلي: الدليل الأول: أن المراد بالحد هو دفع العار، وهؤلاء الورثة قد لحقهم العار بقذف ميِّتهم، فشُرع لهم المطالبة بالحد (٥). الدليل الثاني: أن حد القذف هو حق للمقذوف، فكان للورثة المطالبة به كسائر الحقوق من الديون والقصاص وغيرهما (٦).

стр. 6464

النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية. ولعل مراد الكاساني بنفي الخلاف في المسألة هو نفي الخلاف المذهبي، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٩/ ٣] المجلود في حد القذف لا يجرد من ملابسه أثناء الجلد . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب حد القذف، فإن صفة إقامة الحد على القذف أنه لا يُجرد عن ملابسه، فلا يكون الجلد مباشر للجسد بدون ملابس، وإنما يمكَّن من لبس قميص ونحوه، ويُنزع عنه ما يمنع وصول الألم من فروة ونحوها. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ولا يجرَّد في حد القذف بلا خلاف" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول ابن مسعود ﵁: "لا يحل في هذه الأمة تجريد، ولا مد، ولا غل، ولا صفد" (٤). الدليل الثاني: أن وجوب حد القذف سببه متردد محتمل، فإنَّ القاذف قد يكون صادقًا لكن ليس معه بينة، ولذا فيراعى فيه التخفيف بترك التجريد (٥). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن المحدود بالجلد إن كان

стр. 6465

رجلًا فإنه يجرَّد من ملابسه سواء كان حد قذف أو غيره. وهو قول المالكية (١). • دليل المخالف: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: الآية فيها أمر بجلد القاذف، وهذا يقتضي المباشرة بالضرب. الدليل الثاني: أن حد القذف حد واجب فوجب إعراؤه عن الثياب كالزنا وغيره من الحدود (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم في حق الرجل؛ لثبوت الخلاف عن المالكية، وقد نص على الخلاف جماعة من أهل العلم منهم ابن هبيرة حيث قال: "واختلفوا هل يجرَّد: فقال أبو حنيفة: لا يجرد في حد القذف خاصة، ويجرد فيما عداه. وقال الشافعي: لا يجرد على الإطلاق. وقال أحمد: لا يجرد في الحدود كلها بل تضرب فيما لا يمنع ألم الضرب كالقميص والقميصين. وقال مالك: يجرَّد في الحدود كلها" (٤). وهذا الخلاف في الرجل أما في حق المرأة فالمسألة محل إجماع بين أهل العلم أنها لا تُجرَّد من ملابسها. ولعل مراد بالكاساني نفي الخلاف في المذهب الحنفي، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6466

الباب الرابع مسائل الإجماع في حد شرب الخمر وفيه تمهيد وأربعة فصول: التمهيد: وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف الخمر لغة واصطلاحًا. المبحث الثاني: عقوبة شارب الخمر. الفصل الأول: مسائل الإجماع في حقيقة الخمر، وحكمه، وسبب الحد فيه. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في إثبات حد شرب الخمر. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في عقوبة شرب الخمر. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في إقامة حد شرب الخمر.

стр. 6467

التمهيد المبحث الأول: تعريف الخمر لغة واصطلاحًا: • أولًا: تعريف الخمر لغة: أصل مادة الخاء والميم والراء بمعنى التغطية والمخالطة، قال ابن فارس: "الخاء والميم والراء أصلٌ واحد يدلُّ على التغطية، والمخالطةِ في سَتْر" (١)، ومنه الخمار: وهو ما يُغطي وجه المرأة، والمخامرة: بمعنى المخالطة، ومنه يقال: رجل خَمر: أي خالطه داء. ومنه شراب الخمر، وهو يُذكر ويؤنث، فيقال: هو الخمر، وهي الخمر، والتأنيث أشهر (٢). والخمر: كل ما أسكر العقل، وقيل: هو ما أسكر من عصير العنب خاصة، قال الفيروزآبادي: "الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو عام، والعموم أصح" (٣). سميت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، وتُخمِّره: أي تغطيه وتستره (٤). ومما سبق يتبيَّن أن حقيقة الخمر اللغوية وقع فيها الخلاف هل هي خاصة بعصر العنب، أو هي عامة بكل مُسكر. • ثانيًا: تعريف الخمر اصطلاحًا: اختلف الفقهاء في حقيقة الخمر الشرعية، بناء على اختلافهم في حقيقتها اللغوية، على قولين: القول الأول: أن الخمر هو اسم للنيئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد. وهو مذهب الحنفية (٥)، وبه

стр. 6468

قال بعض الشافعية (١). القول الثاني: أن الخمر هو كل ما أسكر من كل شراب، سواء أكان من عصير العنب، أو الشعير، أو الزبيب، أو التمر، أو القمح، أو الأرز، أو غيره، وسواء أسكر قليله أو كثيره. وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم (٥). • ثمرة الخلاف بين القولين: من القولين السابقين يمكن تحصيل ما يلي: أولًا: اتفق الفقهاء على أن عصير العنب النيئ إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، فإنه خمر، ويحرم شرب قليله وكثيره، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم منهم الطحاوي (٦)، وأبو بكر الجصاص (٧)، وابن حزم (٨)، والبيهقي (٩)، وابن عبد البر (١٠)، والقاضي عياض (١١)، وابن هبيرة (١٢)، وابن حجر (١٣)، وغيرهم (١٤).

стр. 6469

ثانيًا: اختلف الفقهاء فيما سوى ذلك من الأشربة المُسكرة على قولين: فذهب الحنفية إلى التفريق بين الخمر وبين المُسكر، فالخمر خاص بعصر العنب، والمسكر عام في بعصر العنب ويُحد بشرب القدر المسكر منها وغير المسكر. وأما ما عداها من الأشربة فلا يُحد إلا بشرب القدر المسكر منها. أما الجمهور فلم يذهبوا إلى هذه التفرقة، فما أسكر كثيره، فالقليل منه حرام، ويجب به الحد، سواء كان من عصير العنب أو غيره. • الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- ترجيح القول الثاني، وهو قول الجمهور؛ لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) (١). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: "أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة، من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه (٢). الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵁ قال: "نزل تحريم الخمر، وإن في المدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب" (٣). الدليل الرابع: عن جابر ﵁: أن رجلًا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المِزْر، فقال النبي ﷺ : (أوَمسكر هو)؟ قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : كل مسكر حرام، إن على اللَّه عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة

стр. 6470

الخبال)، قالوا: يا رسول اللَّه وما طينة الخبال؟ قال: (عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار) (١). • وجه الدلالة: الأحاديث صريحة في تحريم كل مسكر من العنب، أو التمر، أو العسل، أو الذرة، أو غيره.

стр. 6471

المبحث الثاني عقوبة شارب الخمر كان الخمر في أول الإسلام مباحًا، يحل شربه، وبيعه، وغير ذلك، كسائر الأشربة المباحة، وكان شرب الخمر مشهورًا في الجاهلية لا يكاد يسلم منه إلا القليل، فكان من حكمة الشارع أن تدرج في تحريم الخمر على مراحل ثلاث هي كالتالي: المرحلة الأولى: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ (١). وذلك أن النبي ﷺ سئل عن الخمر فنزلت هذه الآية مبيِّنة أن ضررها أكثر من نفعها، وأن الترك أفضل لما فيه من الضرر الزائد على المنفعة، دون التصريح بتحريم الخمر، وإنما ذكر أن فيه إثم لما يحصل فيه من تغييب للعقل، والذي يحصل بسببه فعل للمحظور وترك للمأمور، وذكر أن فيه منافع وهو ما يحصل بشربها من اللذة، والتجارة في بيعها، ونحو ذلك. فلما نزلت هذه الآية ترك بعض الصحابة ﵃ شرب الخمر؛ لكون الإثم فيها أكبر من النفع، بينما استمر آخرون على شربها؛ لعدم النهي عنها (٢). المرحلة الثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذه الآية نزلت باتفاق العلماء قبل أن تحرم

стр. 6472

الخمر" (١)، فهذا الآية جاء فيها النهي صراحة عن شرب الشرب قبيل الصلاة، حتى لا يحضر الشخص الصلاة وهو فاقد للعقل لا يدري ما صلى، فترك قوم شرب الخمر مطلقًا لكونها تُشغل عن الصلاة، واستمر آخرون على شربها، واجتنابها أوقات الصلاة فقط، على موجب النهي في الآية. المرحلة الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (٢). فلما أنزل تعالى هذه الآية كانت صريحة في النهي عن شرب الخمر، وعندها أراق الصحابة ﵃ الخمور فجرت في سكك المدينة. ولما كان في تعاطي الخمر إفساد للعقل، وتضييع للمال، جعلت الشريعة شرب الخمر من المحرَّمات الكبائر، وأوجب على شاربها حدًا يردعه عن ذلك (٣)، وقد اختلف أهل العلم في حد شارب الخمر على أقوال: القول الأول: جلد شارب الخمر ثمانون جلدة إن كان حرًا، وأربعون جلدة إن كان عبدًا. وهو قول الحنفية (٤)، . . .

стр. 6473

والمالكية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: جلد شارب الخمر أربعون جلدة إن كان حرًا، وعشرون جلدة إن كان عبدًا. وهو قول الشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤) وبه قال الظاهرية (٥). القول الثالث: وجوب جلد شارب الخمر، إلا أنه ليس في جلد شارب الخمر عددٌ معيَّن (٦). وسيأتي بيان أدلة كل فريق مفصلًا، في ثنايا مسائل هذا الباب (٧).

стр. 6474

الفصل الأول مسائل الإجماع في حقيقة المسكر وحكمه وسبب الحد فيه [٢٢٠/ ٤] تحريم الخمر . • المراد بالمسألة: من الأمور التي حرَّمها اللَّه تعالى ورسوله ﷺ شرب الخمر، وهذا التحريم لم يخالف فيه أحد من أهل العلم. والمراد هنا بيان تحريم الخمر، على خلاف بينهم في ضابط الخمر المحرَّم، هل هو خاص بعصير العنب، أو عام في كل عصير، كما سبق بيانه (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على تحريم الخمر" (٢). وقال المهلب بن أبي صفرة (٤٣٥ هـ): "تحريم الخمر في الكتاب والسنة والإجماع"، نقله عنه ابن بطال (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "الخمر حرام بنص القرآن، وسنة رسول اللَّه ﷺ ، وإجماع الأمة" (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "تحريم الخمر المجتمع على تحريمها" (٥). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "وقد ثبت تحريم الخمر باتفاق من الأئمة" (٦).

стр. 6475

وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، وفيها الحد" (١). وقال المرغينانى (٥٩٣ هـ): "جاءت السنة متواترة أن النبي ﵊ حرم الخمر، وعليه انعقد الإجماع" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وثبت عن النبي ﷺ تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر، وأجمعت الأمة على تحريمه" (٣) وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٤). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "اتفق العلماء على تحريم قليل الخمر وإن كان لا يسكر" (٥). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر" (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فإن خمر العنب قد أجمع المسلمون على تحريم قليلها وكثيرها" (٧). وقال الزركشي (٧٧٣ هـ): "تحريم الخمر إجماع أو كالإجماع" (٨). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام" (٩). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "أما شرب ما يسكر بالفعل فهو حرام وفسق بالإجماع" (١٠). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "وأجمع المسلمون على تحريم الخمر" (١١).

стр. 6476

وقال البجيرمي (١٢٢١ هـ) (١): "وانعقد الإجماع على تحريم الخمر" (٢). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "السكْر اختلاط العقل. . . وهو محرَّم بالإجماع" (٣). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "وقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعًا لا شك فيه ولا شبهة، وأجمعوا أيضًا على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمرا" (٤). وقال ابن عابدين (١٢٥٣ هـ): "وقد جاءت السنة متواترة أن النبي ﵊ حرَّم الخمر، وعليه انعقد إجماع الأمة" (٥). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "والخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع" (٦). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "لإجماع جميع المسلمين، ودلالة الكتاب والسنة على تحريم الخمر" (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ (٨). • وجه الدلالة: أن اللَّه بيَّن أن الخمر رجس وأنه من عمل الشيطان، وأمر باجتنابه (٩). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ

стр. 6477

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بين أن في الخمر إثم، والإثم محرّم كما صرَّح اللَّه به في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٢). الدليل الثالث: عن أنس ﵁ قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ (٣)، فأمر رسول اللَّه ﷺ مناديًا ينادي: "ألا إن الخمر قد حُرمت"، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ (٤) متفق عليه (٥). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: "أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه (٦). الدليل الخامس: عن ابن عمر ﵁ قال: "نزل تحريم الخمر، وإن في المدينة يومئذٍ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب" (٧). الدليل السادس: عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أهدى لرسول اللَّه ﷺ

стр. 6478

راوية (١) خمر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (هل علمت أن اللَّه قد حرمها)، قال: لا، فسارّ إنسانًا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (بم ساررته)؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، قال: فَفَتح المزادة حتى ذهب ما فيها (٢). الدليل السابع: عن جابر ﵁: أن رجلًا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المِزْر، فقال النبي ﷺ : (أوَمسكر هو)؟ قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر حرام، إن على اللَّه عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)، قالوا: يا رسول اللَّه وما طينة الخبال؟ قال: (عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار) (٣). الدليل الثامن: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لعن رسول اللَّه ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له" (٤). وجه الدلالة مما سبق: النصوص السابقة صريحة في تحريم الخمر، وأنها من الكبائر للوعيد الشديد في حق شاربها، من دخول النار، واستحقاق اللعنة، وغير ذلك (٥).

стр. 6479

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢١/ ٤] من استحل الخمر كفر، ويقتل • المراد بالمسألة: تقرر في المسألة السابقة الإجماع على تحريم الخمر، ودلالة الكتاب، والسنة، والإجماع على ذلك، فمن استحله فقد استحل ما حرمه اللَّه تعالى ورسوله وأجمعت عليه الأمة، ويطبَّق في حقه أمران: الأول: الحكم بكفره، الثاني: الحكم بقتله. إلا إن تاب من ذلك وأقر بتحريمه، فيرتفع عنه الحكم بالكفر والقتل. وينبه هنا إلى أمرين: الأول: أن تطبيق هذين الأمرين مقيَّد بتوفر الشروط وانتفاء الموانع. الثاني: أن المراد بالمسألة هو في الخمر المجمع على تحريمه، وهو عصير العنب الذي لم يطبخ، إذا غلي وقذف بالزبد وأسكر، أما ما كان موضع خلاف كعصير غير العنب من المسكرات، إذا شرب منه قدرًا لا يحصل به الإسكار، فلا يدخل في المسألة. • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢١ هـ): "فاتفقت الأمة أن عصير العنب الذي اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحلَّه كافر" (١). وقال الجصاص (٣٧٠ هـ): "لا خلاف أن مستحل الخمر كافر" (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن عصير العنب الذي لم يطبخ، إذا غلى وقذف بالزبد وأسكر، أن كثيره وقليله والنقطة منه حرام على غير المضطر والمتداوي من علة ظاهرة، وأن شاربه وهو يعلمه فاسق، وأن مستحله كافر" (٣).

стр. 6480

وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أن مستحل خمر العنب المسكر كافر، رادٌ على اللَّه خبره في كتابه، مرتد، يستتاب، فإن تاب ورجع عن قوله، وإلا استبيح دمه" (١). وقال ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ): "أما من جحد فرض الوضوء، والصلاة، والزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو استحل شرب الخمر، أو الزنا، أو غصب الأموال، أو جحد سورة، أو آية من القرآن، أو ما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أنه كافر" (٢). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه" (٣) ونقله عنه عليش (٤) والخرشي (٥) والعبدري (٦). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "اتفقت الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر، ومستحله كافر" (٧). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق الصحابة ﵃ على أن من استحل الخمر قتلوه" (٨). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "لو اعتقد حل بعض المحرمات المعلومة من
следующие страницы →