← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

وقال البجيرمي (١٢٢١ هـ) (١): "وانعقد الإجماع على تحريم الخمر" (٢). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "السكْر اختلاط العقل. . . وهو محرَّم بالإجماع" (٣). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "وقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعًا لا شك فيه ولا شبهة، وأجمعوا أيضًا على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمرا" (٤). وقال ابن عابدين (١٢٥٣ هـ): "وقد جاءت السنة متواترة أن النبي ﵊ حرَّم الخمر، وعليه انعقد إجماع الأمة" (٥). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "والخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع" (٦). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "لإجماع جميع المسلمين، ودلالة الكتاب والسنة على تحريم الخمر" (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ (٨). • وجه الدلالة: أن اللَّه بيَّن أن الخمر رجس وأنه من عمل الشيطان، وأمر باجتنابه (٩). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ

стр. 6477

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بين أن في الخمر إثم، والإثم محرّم كما صرَّح اللَّه به في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٢). الدليل الثالث: عن أنس ﵁ قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ (٣)، فأمر رسول اللَّه ﷺ مناديًا ينادي: "ألا إن الخمر قد حُرمت"، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ (٤) متفق عليه (٥). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: "أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه (٦). الدليل الخامس: عن ابن عمر ﵁ قال: "نزل تحريم الخمر، وإن في المدينة يومئذٍ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب" (٧). الدليل السادس: عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أهدى لرسول اللَّه ﷺ

стр. 6478

راوية (١) خمر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (هل علمت أن اللَّه قد حرمها)، قال: لا، فسارّ إنسانًا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (بم ساررته)؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، قال: فَفَتح المزادة حتى ذهب ما فيها (٢). الدليل السابع: عن جابر ﵁: أن رجلًا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المِزْر، فقال النبي ﷺ : (أوَمسكر هو)؟ قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر حرام، إن على اللَّه عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)، قالوا: يا رسول اللَّه وما طينة الخبال؟ قال: (عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار) (٣). الدليل الثامن: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لعن رسول اللَّه ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له" (٤). وجه الدلالة مما سبق: النصوص السابقة صريحة في تحريم الخمر، وأنها من الكبائر للوعيد الشديد في حق شاربها، من دخول النار، واستحقاق اللعنة، وغير ذلك (٥).

стр. 6479

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢١/ ٤] من استحل الخمر كفر، ويقتل • المراد بالمسألة: تقرر في المسألة السابقة الإجماع على تحريم الخمر، ودلالة الكتاب، والسنة، والإجماع على ذلك، فمن استحله فقد استحل ما حرمه اللَّه تعالى ورسوله وأجمعت عليه الأمة، ويطبَّق في حقه أمران: الأول: الحكم بكفره، الثاني: الحكم بقتله. إلا إن تاب من ذلك وأقر بتحريمه، فيرتفع عنه الحكم بالكفر والقتل. وينبه هنا إلى أمرين: الأول: أن تطبيق هذين الأمرين مقيَّد بتوفر الشروط وانتفاء الموانع. الثاني: أن المراد بالمسألة هو في الخمر المجمع على تحريمه، وهو عصير العنب الذي لم يطبخ، إذا غلي وقذف بالزبد وأسكر، أما ما كان موضع خلاف كعصير غير العنب من المسكرات، إذا شرب منه قدرًا لا يحصل به الإسكار، فلا يدخل في المسألة. • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢١ هـ): "فاتفقت الأمة أن عصير العنب الذي اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحلَّه كافر" (١). وقال الجصاص (٣٧٠ هـ): "لا خلاف أن مستحل الخمر كافر" (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن عصير العنب الذي لم يطبخ، إذا غلى وقذف بالزبد وأسكر، أن كثيره وقليله والنقطة منه حرام على غير المضطر والمتداوي من علة ظاهرة، وأن شاربه وهو يعلمه فاسق، وأن مستحله كافر" (٣).

стр. 6480

وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أن مستحل خمر العنب المسكر كافر، رادٌ على اللَّه خبره في كتابه، مرتد، يستتاب، فإن تاب ورجع عن قوله، وإلا استبيح دمه" (١). وقال ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ): "أما من جحد فرض الوضوء، والصلاة، والزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو استحل شرب الخمر، أو الزنا، أو غصب الأموال، أو جحد سورة، أو آية من القرآن، أو ما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أنه كافر" (٢). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه" (٣) ونقله عنه عليش (٤) والخرشي (٥) والعبدري (٦). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "اتفقت الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر، ومستحله كافر" (٧). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق الصحابة ﵃ على أن من استحل الخمر قتلوه" (٨). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "لو اعتقد حل بعض المحرمات المعلومة من

стр. 6481

الدين ضرورة كالخمر كفر بلا خلاف" (١). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "ومن زعم أن الخمر حلال فهو كافر بلا نزاع بين العلماء" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع في المسألة إلى الأدلة السابقة في تحريم الخمر، ونقل الإجماع على ذلك، فمن استحل الخمر فقد استحل ما حرمه نص الكتاب والسنة وأجمع أهل العلم على تحريمه، قال ابن حجر: "قام الإجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام. . . ومن استحل ما هو حرام بالإجماع كفر" (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٢/ ٤] الخمر نجس • المراد بالمسألة: الخمر الذي أجمع أهل العلم على تحريمه نجس يجب اجتنابه، وإزالته. ومما سبق يظهر أن ما وقع الخلاف فيه هل هو خمرٌ يحرم شربه أو لا، فليس مرادًا في المسألة. • من نقل الإجماع: قال الماوردي (٤٥٠ هـ): "فأما الخمر فنجس بالاستحالة، وهو إجماع الصحابة ﵃" (٥). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وقد أجمع علماء المسلمين في كل عصر وبكل مصر فيما بلغنا وصح عندنا أن عصير العنب إذا رمى بالزبد وهدأ وأسكر الكثير منه أو القليل أنه خمر، وأنه ما دام على حاله تلك حرام، كالميتة،

стр. 6482

والدم، ولحم الخنزير، رجس نجس، كالبول، إلا ما رُوي عن ربيعة في نقط من الخمر شيء لم أر لذكره وجهًا" (١). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ) بعد أن ذكر القول بنجاسة الخمر: "ولا خلاف في ذلك بين الناس، إلا ما يؤثر عن ربيعة أنه قال: إنها محرمة، وهي طاهرة" (٢). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "كافة السلف والخلف على نجاسة الخمر، والدليل على نجاستها مع إجماع الكافة عليها قديمًا وحديثًا، إلا من شذ تحريم بيعها" (٣). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفق المسلمون على تحريم بيعها وهي الخمر، وأنها نجسة، إلا خلافًا شاذًا في الخمر أعني في كونها نجسة" (٤) ونقله عنه ابن قاسم (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم" (٦). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "الخمر يخمر العقل أي يغطيه ويستره وهي نجسة إجماعًا" (٧) ونقله عنه ابن قاسم (٨). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "قليل عصير العنب أو الرطب إذا اشتد وغلا من غير عمل النار فيه، فهو حرام ونجس، إجماعًا" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١٠)، والظاهرية (١١).

стр. 6483

• مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (١). • وجه الدلالة: دلت الآية على نجاسة الخمر من أوجه منها: الأول: أن اللَّه تعالى نص على أن الخمر رجس. الثاني: أمْره تعالى باجتنابه، وهذا عام يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع به بوجه من الوجوه (٢). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى وصف شراب الجنة بأنه طهور، وهذا إشارة بمفهوم المخالفة إلى نجاسة خمر الدنيا (٤). الدليل الثالث: عن أنس ﵁ قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول اللَّه ﷺ مناديًا ينادي: "ألا إن الخمر قد حُرمت"، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. . . " الحديث متفق عليه (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإراقة الخمر، وهو يدل على نجاسته، إذ لو كان طاهرًا لأمر النبي ﷺ بالانتفاع به، وعدم إلقائه في الطرق (٦).

стр. 6484

الدليل الرابع: عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لعن رسول اللَّه ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له" (١). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أهدى لرسول اللَّه ﷺ راوية خمر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (هل علمت أن اللَّه قد حومها)، قال: لا، فسارّ إنسانًا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (بم ساررته)؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، قال: فَفَتح المزادة حتى ذهب ما فيها (٢). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديث صريح في تحريم بيع الخمر، وتحريم بيعها يدل على نجاستها؛ لأن تحريمه لا يخلو أن يكون سببه من أحد أمرين: إما أن يكون لحرمة عينه كالكلب، وإما أن يكون لنجاسته، والخمر ليس محرَّم العين، فبقي أن يكون نجسًا (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض أهل العلم إلى طهارة الخمر. وهو قول ربيعة الرأي، والليث بن سعد، والمزني (٤)، والحسن، وبعض المتأخرين من البغداديين (٥)، . . .

стр. 6485

وبه قال الصنعاني (١)، وابن عثيمين (٢) (٣). • دليل المخالف: استدل من قال بطهارة الخمر بما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن المذكورات مع الخمر في الآية هي مال الميسر، ومال القمار، والأنصاب، والأزلام، وهذه الأشياء ليست نجسة العين، فدل على أن اللَّه تعالى لم يُرد بالنجاسة هنا النجاسة العينية، وإنما هي كغيرها من المذكورات لها نجاسة حكمية فقط من حيث تحريم الاستعمال (٥). الدليل الثاني: قوله تعالى في صفة شراب الجنة: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الخمر من شراب أهل الجنة، وهو يدل عل طهارتها في الدنيا (٧). الدليل الثالث: حديث أنس ﵁ أن الخمر لما حرمت خرج الناس،

стр. 6486

وأراقوها في السكك (١). • وجه الدلالة: دل الحديث على طهارة الخمر من وجهين: الأول: أن الصحابة ﵃ أراقوا الخمر في طرق المدينة، ولو كانت نجسة لنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، كما نهاهم عن التخلي في الطرق (٢). الثاني: أن النبي ﷺ لم يأمر الصحابة ﵃ بغسل الأواني بعد إراقة الخمر منها، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. الدليل الرابع: عبن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أهدى لرسول اللَّه ﷺ راوية خمر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (هل علمت أن اللَّه قد حرمها)، قال: لا، فسار إنسانًا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (بم ساررته)؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، قال: فَفَتح المزادة حتى ذهب ما فيها (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يأمر الرجل بغسل الراوية مع أن الظاهر عن حال الرجل الجهل بالأحكام المتعلقة بالخمر (٤). الدليل الخامس: أن الأصل في المائعات الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة، وليس ثمة دليل على النجاسة (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض السلف. وأما عن نقل الإجماع فلعله لم يعتبر قول المخالف كما نص على ذلك ابن رشد وجعل القول بطهارة الخمر شاذًا، أو أنه أراد عامة أهل العلم بالأغلبية

стр. 6487

لا جميعهم كما هو نص ابن قدامة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٣/ ٤] كل ما يغيب العقل فإنه حرام • المراد بالمسألة: كل شراب يُغطي على العقل، ويصير شاربه فاقدًا للوعي، لا يدري ما يقوله، ولا ما يفعله، فإنه يحرم شرب ما يبلغ به حد الإسكار الذي يُغيب العقل. وهنا يُنبَّه إلى أن الشراب إن كان يُسكر ويغطي العقل، لكنه شرب منه مقدارًا لا يبلغ حد الإسكار فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن السكر حرام" (١). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "الخمر ما خامر العقل، وخطب بذلك على منبر النبي ﵇ بحضرة الصحابة ﵃ من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ولم ينكره أحد منهم فصار كالإجماع" (٢). قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: "أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر، وهي

стр. 6488

من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه (١). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) (٢). الدليل الثالث: عن جابر ﵁: أن رجلًا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المِزْر، فقال النبي ﷺ : (أوَمسكر هو)؟ قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : كل مسكر حرام. . . الحديث) (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٤/ ٤] عصير العنب النيئ إذا غلى واشتد وقذف الزبد فهو خمر . • المراد بالمسألة: عصير العنب النيئ إذا غلى وقذف بالزبد فإنه هو الخمر الذي جاء ذِكر تحريمه وذمِّه في الكتاب والسنة. ويتبين مما سبق أن عصير العنب إن طُبخ، أو لم يشتد ويقذف الزبد فهو غير مراد. • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢١ هـ): "فاتفقت الأمة أن عصير العنب الذي اشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر، وإن مستحله كافر" (٤) ونقله عنه ابن عبد البر (٥) والقرطبي (٦). وقال الجصاص (٣٧٠ هـ): "والخمر هي عصير العنب النَّي المشتد،

стр. 6489

وذلك متفق عليه أنه خمر" (١). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن عصير العنب الذي لم يطبخ، إذا غلى وقذف بالزبد وأسكر، أن كثيره وقليله والنقطة منه حرام على غير المضطر والمتداوي من علة ظاهرة، وأن شاربه وهو يعلمه فاسق، وأن مستحله كافر" (٢). وقال البيهقي (٤٥٨ هـ): "الخمر وهي ما غلى من عصير العنب، فهذا ما لا اختلاف فى تحريمه بين المسلمين" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أن عصير العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وأسكر الكثير منه أو القليل أنه الخمر المحرمة بالكتاب، والسنة المجتمع عليها. وأن مستحلها كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، هذا كله ما لا خلاف فيه بين أئمة الفتوى وسائر العلماء" (٤). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "قد حصل الاتفاق على تحريم عصير العنب الني إذا اشتد فأسكر" (٥). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن عصير العنب التي إذا اشتد وتغير طعمه وقذف بزبده، فهو خمر حرام" (٦). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "والمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتد، فإنه يحرم تناول قليله وكثيره بالاتفاق" (٧). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "فالخمر تطلق على عصير العنب المشتد حقيقة إجماعًا" (٨). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "الخمر يطلق على عصير العنب المشتد إطلاقًا حقيقًا إجماعًا" (٩).

стр. 6490

وقال المازري (٥٣٦) (١): "أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال وعلى أنه إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد حرم قليله وكثيره"، ونقله عنه ابن حجر (٢)، والزرقاني (٣) والمناوي (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى اتفاق أهل اللغة على أن الخمر في أصل المعنى اللغوي يُطلق على عصير العنب إذا غلى وقذف بالزبد، وهو في هذه الحال يكون مسكرًا، وإنما وقع الخلاف في غير عصير العنب هل يدخل في حقيقة الخمر عند أهل اللغة، كما قال الفيروزآبادي: "الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو عام، والعموم أصح" (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٥/ ٤] يحرم قليل خمر العنب وكثيرها . [٢٢٦/ ٤] من شرب من خمر العنب ما لا يحصل به الإسكار، ولو قطرة واحدة، أقيم عليه الحد . • المراد بالمسألتين: الخمر المتخذ من عصير العنب يحرم شرب القليل منه، والكثير، حتى لو كان القليل منه لا يُسكر فيحرم شربه، ويقام الحد على من شرب القليل منه ولو لم يحصل له به سكر.

стр. 6491

وينبَّه إلى أن المسألة هي في عصير العنب، أما الخمر المتخذ من غير العنب فغير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعت الأمة على أن خمر العنب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام، وأن الحد واجب في القليل منها والكثير"، نقله عنه أبو الطيب (١). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن عصير العنب الذي لم يطبخ، إذا غلى وقذف بالزبد وأسكر، أن كثيره وقليله والنقطة منه حرام على غير المضطر، والمتداوي من علة ظاهرة، وأن شاربه وهو يعلمه فاسق، وأن مستحله كافر" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وأجمعت الأمة على أن خمر العنب حرام في عينها قليلها وكثيرها" (٣). وقال أيضًا: "أن المسلمين مجمعون على تحريم خمر العنب، ووجوب الحد على شارب قليلها" (٤). وقال علاء الدين السمرقندي (٥٣١ هـ): "يجب الحد بشرب قليلها وكثيرها بإجماع الصحابة عليه" (٥). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "اتفقوا على إقامة الحد على شارب القليل من خمر العنب وكثيره، سكر أو لم يسكر" (٦). وقال أيضًا: "إجماع المسلمين منعقد على تحريم خمر العنب النيئ، قليله وكثيره" (٧).

стр. 6492

قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "يجب الحد على من شرب قليلًا من المسكر أو كثيرًا، ولا نعلم بينهم خلافًا في ذلك، في عصير العنب غير المطبوخ" (١)، وبمثله قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا على تحريم عصير العنب وإن لم يُسكر" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فإن خمر العنب قد أجمع المسلمون على تحريم قليلها" (٤). وقال العراقي (٨٠٦ هـ): "أجمعوا على تحريم عصير العنب وإن لم يُسكر" (٥). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "وقد انعقد الإجماع على أن القليل من الخمر المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره" (٦). وقال أبو الطيب (١٣٢٩ هـ): "أجمعت الأمة على أن خمر العنب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام، وأن الحد واجب في القليل منها والكثير" (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ

стр. 6493

وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ (١). • وجه الدلالة: في الآية الأمر باجتناب الخمر، وهذا عام يشمل قليله وكثيره. الدليل الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (٢). الدليل الثالث: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (٣) عن النبي ﷺ قال: (أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره) (٤). الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (كل

стр. 6494

مسكر حرام، ما أسكر الفرَق (١) منه فملء الكف منه حرام) (٢).

стр. 6495

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٧/ ٤] يحرم قليل الخمر وكثيره . [٢٢٨/ ٤] من شرب من الخمر ما لا يحصل به الإسكار، ولو قطرة واحدة، أقيم عليه الحد . • المراد بالمسألتين: هاتان المسألتان أعم من المسألتين السابقتين، فالسابقتان هما في الخمر المتخذ من عصير العنب، أما هاتان المسألتان فهما في كل خمر، وهي عند الحنفية خاصة بعصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، وعند الجمهور هي كل مسكر. فمن شرب من هذا الخمر -على الخلاف في ضابطه-، فإنه قد ارتكب محرَّمًا، ووجب عليه الحد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "كل شيء أسكر كثيره أحدًا من الناس فالنقطة منه فما فوقها إلى أكثر المقادير خمر، حرام ملكه، وبيعه، وشربه، واستعماله على أحد، وعصير العنب، ونبيذ التين، وشراب القمح، والسيكران (١)، وعصير كل ما سواها، ونقيعه، وشرابه، طُبخ كل ذلك أو لم يطبخ ذهب أكثره أو أقله، سواء في كل ما ذكرنا، ولا فرق، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي سليمان وغيرهم، وفي هذا اختلاف قديم وحديث، بعد صحة الإجماع على تحريم الخمر قليلها وكثيرها" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا على أن قليل الخمر من العنب فيه من الحد مثل ما في كثيرها ولا يراعى السكر فيها" (٣).

стр. 6496

وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، وفيها الحد" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "يحد شاربها قليلًا أو كثيرًا لإجماع الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم على ذلك" (٢). وقال ابن رشد (٥٩٥ هـ): "فأما الموجِب فاتفقوا على أنه شُرْب الخمر دون إكراه، قليلها وكثيرها" (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "وأجمعوا أن في شرب قليل الخمر وكثيرها الحد، لا أعلم فيه خلافًا بين الصحابة ﵃، والتابعين، وفقهاء المسلمين" (٤). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "وأما الخمر فقد أجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر، وأجمعوا على وجوب الحد على شاربها، سواء شرب قليلًا أو كثيرًا" (٥). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "أجمع المسلمون على وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلًا أو كثيرًا، ولو قطرة واحدة" (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه) (٧).

стр. 6497

• وجه الدلالة: الحديث عام بعقاب شارب الخمر، ولم يقيده بشرب ما أسكر منه، فكل خمر يحرم شربه مطلقًا (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) (٢). • وجه الدلالة: الحديث أمر بأن ما نهى عنه الشارع فيجب اجتنابه كلَّه، والخمر من جملة ما نهى عنه الشارع. النتيجة: المسألتان فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، مع التنبيه إلى أن الإجماع هو في تحريم قليل الخمر مع خلافهم فيما يقع عليه اسم الخمر (٣)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6498

[٢٢٩/ ٤] الخمر إذا تخللت من ذاتها فهي حلال . • المراد بالمسألة: من كان لديه عصير عنب أو تمر أو غيره، وكان ذلك العصير قد تخمَّر، ثم تحوَّل هذا الخمر بنفسه، حتى صار خلًا، فإنه ينقلب حكمه من النجاسة إلى الطهارة، ومن تحريم طعامه إلى الحل، سواء كان العصير قد عصَرَه لقصد الخمر، أو لقصد الخل. ويتبيَّن مما سبق أنه إن كان تخلله ليس بنفسه، بل بفعل آدمي كأن وضع فيه ملحًا، أو مادة أخرى تحوله إلى خل، أو حوَّله من مكان الظل إلى الشمس، ونحو ذلك من طرق تخليل الخمر، فكل ذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "بالإجماع على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها طهرت وطابت" (١). وقال ابن رشد الجد (٥٢٠ هـ): "لا اختلاف في أن الخمر إذا تخللت تؤكل" (٢). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت خلا من غير معالجة الآدمي طهرت" (٣). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "إذا تخللت بنفسها يحل شرب الخل بلا خلاف" (٤). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأجمعوا على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها جاز أكلها" (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "فأما إذا انقلبت بنفسها فإنها

стр. 6499

تطهر وتحل في قول جميعهم" (١). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "وإن تخللت الخمر طهرت وحلت، وهذا إجماع" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "إذا انقلبت بنفسها خلا فيظهر عند جميعهم إلا ما حكي عن سحنون المالكي أنه قال لا يطهر" (٣) ونقله عنه الحصني (٤). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "فأما الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلًا فإنها تطهر لا نعلم في ذلك خلافًا" (٥) ونقله عنه إبراهيم ابن مفلح (٦). وقال القرافي (٦٨٤ هـ): "فأما لو خللت بنفسها مع العلم بتحريمها فلا خلاف في جواز أكلها" (٧). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فإذا تخللت بفعل اللَّه من غير قصد لتخليلها كانت خل خمر حلالًا طاهرًا باتفاق العلماء" (٨). وقال الشنقيطي (١٣٩٣ هـ): "فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال إجماعًا" (٩). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خير

стр. 6500

خلِّكم خلُّ خمركم) (١). الدليل الثاني: أن العلة من تحريم الخمر هو الإسكار، وإذا صار الخمر خلًا زالت هذه العلة من غير نجاسة خلفتها، فيرجع الحكم إلى الأصل وهو الطهارة، كالماء الذي يتنجس بالتغيير إذا زال تغييره بنفسه (٢). الدليل الثالث: أن العصير غالبًا لا يمكن تحصيل الخل منه إلى بعد التخمر، فالقول بعدم طهارة الخمر إذا صار خلًا بنفسه يفضي إلى تعذِّر اتخاذ الخل (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الخمرة لا تطهر مطلقًا، حتى لو تخللت بنفسها. وهو قولٌ للحنابلة (٤)، وبه قال سحنون من المالكية (٥).

стр. 6501

• دليل المخالف: الدليل الأول: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلًا؟ فقال: (لا) (١). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا طلحة ﵁ سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا قال: (أهرقوها)، قال أفلا أجعلها خلًا؟ قال: (لا) (٢). • وجه الدلالة: الأحاديث السابقة فيها النهي عن جعل الخمر خلًا، وهو عام سواء تخلل بنفسه أو بفعل فاعل (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنابلة في قول، وسحنون من المالكية، وقد أشار لعدم الإجماع النووي حيث قال: "أما إذا انقلبت بنفسها خلا فتطهر عند جمهور العلماء" (٤)، فنسب القول للجمهور، وكذا ذكر الصنعاني المسألة على أنها خلافية (٥). ومن نقل الإجماع لعله لم يبلغه الخلاف في المسألة، أو لم يعتبر قول المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٠/ ٤] جواز شرب الخمر لدفع الغُصة . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الغصة: الغُصة -بضم الغين- هي ما اعترض في الحلق من طعام، وجمعه غُصص. قال ابن فارس: "الغين والصاد ليس فيه إلَّا الغَصَص بالطَّعام" (٦).

стр. 6502

ثانيًا: صورة المسألة: إذا غص الإنسان بلقمة في حلقه ولم يتمكن من بلعها أو إخراجها إلا بشرب الخمر، فيجوز له في هذه الحال شرب الخمر بقدر ما تندفع به غصته. ويتبين من ذلك أمور ثلاثة: الأول: أن شرب ما زاد على دفع الغصة غير مراد. الثاني: أن شرب الخمر لضرورة غير الغصة، كعطش، أو للتداوي غير مراد. الثالث: إن كان يستطيع دفع الغصة بغير الخمر، فالمسألة غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن من غص بلقمة وخاف الموت ولم يجد ما يدفعها به سوى الخمر، فإنه يجوز أن يدفعها بها" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "فأما شربها لدفع الغصة فيجوز، كما يجوز أكل الميتة في حال المخمصة، ولا نعلم في ذلك خلافًا" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "لو غص بلقمة ولم يجد شيئًا يسيغها به إلا الخمر، فله إساغتها به بلا خلاف، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وكذلك الخمر يباح لدفع الغصة بالاتفاق" (٤). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "من غص بلقمة ولم يجد ما يسوغها إلا الخمر، جاز له إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٦)، والمالكية (٧)،

стр. 6503

والظاهرية (١). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح أكل المحرمات عند الضرورة، وشرب الخمر لدفع الغصة هو من باب الضرورة (٣). الدليل الثاني: لأنه يدفع به الضرر عن نفسه، فصار كما لو أكره على شربها (٤). الدليل الثالث: أن حفظ النفس من الضروريات الخمس التي حث عليه الشارع، وأباح المحرمات عند الضرورة لأجلها، وشرب الخمر لدفع الغصة فيه حماية وإنقاذ للنفس من الموت والهلاك (٥). • المخالف للإجماع: ثمة قول أن من غُص بالطعام فلا يحل له أن يُسيغها بالخمر، ولو لم يجد غيره. وهو قول للمالكية (٦). • دليل المخالف: استدل من منع إساغة اللقمة بالخمر بأن ذلك ذريعة لأن يدعي الشارب أنه يريد إساغة اللقمة، فيكون ذلك سبيلًا له لشرب الخمر وهو غير مضطر إليه (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم إذا تحققت الضرورة وانتفى التحايل، وعليه يُحمل قول من حكى الإجماع.

стр. 6504

أما إن لم تتحقق الغصة وعدم التحايل فالمسألة ليست محل إجماع، لخلاف بعض المالكية، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣١/ ٤] لا بأس بالفقاع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الفقاع: الفقاع هو شراب يتخذ من الشعير أو القمح أو نحو ذلك، وليس بمُسكر، وسُمي بالفقاع لما يعلوه من الفقاعات، خاصة إذا رُجَّ ثم فتح سداد كوزه فيزيد خروج الفقاعات منه (١). ثانيًا: المراد بالمسألة: العصائر من شراب الشعير أو القمح أو غيره مما لا يُسكر قليله وكثيره، يباح شربها، ولو كان لها فقاعات في أعلاها، فإن هذا لا يؤثر في حلِّها. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ولا بأس بالفقاع، وبه قال إسحاق، وابن المنذر، ولا أعلم فيه خلافا" (٢) ونقله عنه شمس الدين ابن قدامة (٣). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "ولا بأس بالفقاع: أي يباح، ولا أعلم ليه خلافًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: "كنا ننبذ

стр. 6505

لرسول اللَّه ﷺ في سقاء يوكَى أعلاه (١) وله عَزْلاء (٢) ننبذه غدوة فيشربه عشاء، وننبذه عشاء فيشربه غدوة" (٣). • وجه الدلالة: الحديث صريح في أن النبي ﷺ كان يشرب النبيذ قبل أن يصير مُسكرًا، والفقاع هو كذلك، فإنه كالنبيذ (٤). الدليل الثاني: قول أنس بن مالك ﵁ حين سئل عن الفقاع: "إذا لم يُسكر فلا بأس" (٥). الدليل الثالث: أن الفقاع لا يُسكِر، وإذا طالت مدته فإنه لا يصير خمرًا، وإنما يفسد نهائيًا، لا يصلح خمرًا ولا غيره (٦). الدليل الرابع: أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الدليل على النهي، على مقتضى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٧)، والفقاع ليس فيه دليل على النهي عنه؛ لأنه ليس من المسكرات، فيبقى على عموم الإباحة (٨). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى المنع من الفقاع. وهو قول للمالكية (٩)، وقول للحنابلة (١٠).

стр. 6506

• دليل المخالف: استدل من حرَّم الفقاع بما روي عن علي ﵁ أنه مر على بائع فُقَّاع فقال: "من خمَّار ما أوقحك" (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقَّق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض المالكية، وبعض الحنابلة، واللَّه تعالى أعلم. وابن قدامة ﵀ نفى علمه بالخلاف فقط فلا يكون إجماعًا قطعيًا. [٢٣٢/ ٤] جواز شرب الأَقْسِما إذا كانت من زبيب ثلاثة أيام ما لم يشتد . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الأقسماء: الأقسماء هي ماء يوضع فيه الزبيب (٢). ثانيًا: صورة المسألة: إذا صنع شخص نبيذ زبيب، فإنه يباح له شُربه إذا لم يخلطه بغيره، وإباحته تكون لمدة ثلاثة أيام أو يشتد، لأنه في هذه الحال يتحول إلى خمر ويكون حرامًا. ويتبين مما سبق أنه إن خلط نبيذ الزبيب بغيره كنبيذ تمر ونحوه، وكذا لو اشتد النبيذ وصار مسكرًا، وكذا إذا صار له ثلاثة أيام فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حين سئل: هل يجوز شرب الأقسما؟ فأجاب: "إذا كانت من زبيب فقط فإنه يباح شربه ثلاثة أيام إذا لم يشتد باتفاق العلماء" (٣) ونقله عنه إبراهيم ابن مفلح (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والمالكية (٦)،

стр. 6507

والشافعية (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من شرب النبيذ منكم فليشربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا) (٣). الدليل الثاني: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تنتبذوا الزهو (٤) والرطب جميعًا، ولا ننتبذوا الزبيب والتمر جميعًا، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته) (٥). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الزبيب والتمر والبسر والتمر وقال: (ينبذ كل واحد منهما على حدته) (٦). الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ قالت: "كنا ننبذ لرسول اللَّه ﷺ في سقاء يوكى أعلاه وله عزلاء ننبذه غدوة فيشربه عشاء، وننبذه عشاء فيشربه غدوة" (٧) • وجه الدلالة مما سبق: الأحاديث السابقة ظاهرة في إباحة نبيذ الزبيب. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6508

[٢٣٣/ ٤] من شرب كأسًا بعد كأس من الخمر حتى سكر لزمه حد واحد . • المراد بالمسألة: إذا شرب شخص خمرًا حتى سكر، وتكرر منه ذلك الفعل قبل إقامة الحد عليه، ثم ثبت أمره عند الحاكم، فإنه يحد حدًا واحدًا على جميع ما شربه قبل ذلك. ويتبين مما سبق أنه لو شرب وأقيم عليه الحد، ثم شرب مرة أخرى فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن من شرب كأسا بعد كأس من الخمر حتى سكر أن حدًا واحدًا يلزمه" (١). وقال أبو الوليد الباجي (٤٧٤ هـ): "فإذا تكرر من الرجل شرب الخمر لزمه حد واحد، فإن شربه بعد ذلك لزمه حد آخر، قاله مالك وأصحابه، ولا نعلم في ذلك خلافًا بينهم" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر، إذا تكرر قبل إقامة الحد، أجزأ حد واحد، بغير خلاف علمناه" (٣). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن من شرب كأسا بعد كأس من الخمر حتى سكر أن حدًا واحدًا يلزمه" (٤). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "إن زنى أو سرق أو شرب مرارًا قبل إقامة الحد عليه أجزأ حد واحد بغير خلاف علمناه" (٥). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "فإن كانت من جنس مثل إن زنى أو سرق أو شرب مرارًا أجزأ حد واحد، بغير خلاف علمناه" (٦).

стр. 6509

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١)، والشافعية (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: أن الحد لا يثبت بمجرد فعل ما يوجبه من زنى أو سرقة أو نحو ذلك، بل لا بد من إضافة شرط آخر وهو ثبوت ذلك عند الحاكم، أما إذا لم يثبت عند الحاكم فلا يلزمه الحد، وحينئذ فإن جميع ما فعله من شرب الخمر مما يوجب الحد إذا لم تثبت عند الحاكم إلا مرة واحدة كان كشرب مرة واحدة، فوجب فيها حد واحد (٣). الدليل الثاني: القياس على الأيمان، فكما أن الأيمان تتداخل في كفاراتها، فكذا الحدود. الدليل الثالث: أن المقصود من الحد هو الزجر والارتداع، وهذا يكون بالحد مرة واحدة (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الحدود لا تتداخل، وعليه لكل مرة شرب فيها الخمر، حد مستقل. وهو قول الظاهرية (٥). • دليل المخالف: الدليل الأول: عموم النصوص الموجبة لإقامة الحد سواء على الزاني أو السارق أو شارب الخمر، وليس فيها التفريق بين كون الشرب حدث قبل إقامة الحد أو بعده (٦). الدليل الثاني: قياسًا على حد القذف، فكما أنه من قذف أكثر من شخص حُد لكل شخص حد مستقل، فكذا سائر الحدود (٧).

стр. 6510

الدليل الثالث: أن القول بتداخل الحد يفضي إلى فتح باب فساد بارتكاب الزنا، والتجرؤ عليه أكثر من مرة قبل إقامة الحد عليه (١). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الظاهرية. ولعل من حكى الإجماع لم يعتبر قول المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٤/ ٤] تحريم خل الخمر إذا ظهرت رائحة أو طعم أو لون الخمر منها . [٢٣٥/ ٤] تحريم الطعام المعمول بالخمر إذا ظهرت رائحة أو طعم أو لون الخمر منه . • المراد بالمسألتين: سبق أن الخمر إن صارت خلًا بنفسها فإنها تكون حلالًا طاهرة، يباح أكلها (٢)، والمراد هنا بيان أن الخل إن كانت رائحة الخمر ظاهرة فيه، فإنه لا يباح ويكون محرمًا شربه. وكذا من صنع أي طعام بالخمر، وظهرت رائحة الخمر في الطعام فإنه يحرم أكله. ويتبيَّن مما سبق أن الخمر أو الطعام الذي عمل بالخمر وكان قد اختفى منه لون وطعم ورائحة الخمر فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اختلفوا في خل الخمر وفي طعام عمل بالخمر إلا أنه ليس له فيها لون ولا طعم ولا رائحة أيحل أم لا واتفقوا إذا ظهرت الرائحة منها واللون أو الطعم فإنه حرام" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤)،

стр. 6511

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الخمر نجسة، يحرم شربها، وبقاء لون الخمر أو طعمه أو ريحه يدل على بقاء أثر العين. النتيجة: المسألتان فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٦/ ١٧] تحريم الحشيشة إذا سكر منها . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الحشيشة: الحشيشة نوع من النباتات البريَّة الضارة، وهي من النباتات المعمِّرة الحولية، وزهرتها صفراء، وتنتشر غالبًا بكثرة من حوض البحر الأبيض المتوسط إلى شمال غرب الهند، وهي أنواع كثيرة جدًا، منها حشيش الأفيون الذي يُستخرج من أزهاره أنواع المخدرات كالهيروين، والمورفين، وغيرها. ثانيًا: المراد بالمسألة: الحشيشة من النباتات الضارة التي تؤدي إلى الإسكار، فمن تناول منها ما يبلغ حد الإسكار، فإنه قد ارتكب أمرًا محرمًا. ويُنبه إلى أمرين: الأول: أن المراد التحريم أما وجوب الحد به فمسألة أخرى غير مرادة. الثاني: التحريم متعلق بالسكر منها، أما إن شرب ما لا يبلغ حد الإسكار فغير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين" (٤) ونقله عنه

стр. 6512

المرداوي (١) والصنعاني (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) (٦). الدليل الثاني: عن جابر ﵁: أن رجلًا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المِزْر، فقال النبي ﷺ : (أوَمسكر هو)؟ قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر حرام. . . الحديث) (٧). • وجه الدلالة: الحديثان صريحان في تحريم كل مسكر، والحشيشة مُسكرة فتدخل في عموم النهي (٨). الدليل الثالث: عن أم سلمة ﵂ قالت: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن

стр. 6513

كل مُسكِر ومفتِّر (١) " (٢). • وجه الدلالة: الحديث صريح في النهي عن كل مفتِّر، والحشيشة إن لم تُسكر فهي من المفترات (٣). الدليل الرابع: أن العلة من تحريم الخمر هي الإسكار، وهذه العلة موجودة في الحشيشة إذا أسكرت، فالضرر الحاصل بالحشيشة كالضرر الحاصل في الخمر، وربَّما أشد (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٧/ ٤] قبول توبة شارب الخمر . • المراد بالمسألة: إذا شرب شخص الخمر حتى سكر منه، سواء فعل ذلك مرة أو مرارًا، ثم تاب من ذلك الفعل، فإن توبته تُقبل عند اللَّه تعالى. ويتبين مما سبق أن المراد سقوط إثم الشرب المحرَّم فيما بينه وبين اللَّه تعالى، أما سقوط الحد، فمسألة أخرى.

стр. 6514

• من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن التوبة من الكفر مقبولة ما لم يوقن الإنسان بالموت بالمعاينة، ومن الزنا، ومن فعل قوم لوط، ومن شرب الخمر" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٢)، الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عموم الأدلة الدالة على عفو اللَّه تعالى ومغفرته للذنوب بالتوبة، ومنها: أ- قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ (٥). ب- قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ (٦). ج- قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ (٧). الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من

стр. 6515

الذنب كمن لا ذنب له" (١). • وجه الدلالة: فيه دلالة على أن التائب من الذنب مساوٍ لمن لا ذنب له، ويدخل في ذلك من تاب من شرب الخمر. الدليل الرابع: ما جاء في قصة ماعز ﵁ حين أقيم عليه الحد، ووجد مس الحجارة، ففرَّ يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل، فضربه به، وضربه الناس، حتى مات، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ : أنه فر حين وجد مس الحجارة، ومس الموت، فقال رسول اللَّه ﷺ : (هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب اللَّه عليه) (٢). الدليل الخامس: أن النبي ﷺ أُتي برجل أكره امرأة على الزنا، ثم جاء تائبًا، فلم يرجمه النبي ﷺ وقال له: (اذهب فقد غفر اللَّه لك) (٣). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ أرشد الصحابة ﵃ إلى أن الأفضل حين هرب ماعز ﵁ أن يتركوه لتوبته، ولا يقيموا عليه الحد، وكذا لم يُقم الحد على من أكره المرأة على الزنا، وهو دليل على قبول التوبة منه، وهذا إن كان في الزنا ففي شرب الخمر من باب أولى؛ لأنه أخف من الزنا (٤). الدليل السادس: عموم الأدلة الدالة على إباحة ستر الإنسان على نفسه ما ارتكبه مما يوجب الحد، ويدخل في ذلك حد شرب الخمر (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
следующие страницы →