← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

والمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الخمر نجسة، يحرم شربها، وبقاء لون الخمر أو طعمه أو ريحه يدل على بقاء أثر العين. النتيجة: المسألتان فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٦/ ١٧] تحريم الحشيشة إذا سكر منها . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الحشيشة: الحشيشة نوع من النباتات البريَّة الضارة، وهي من النباتات المعمِّرة الحولية، وزهرتها صفراء، وتنتشر غالبًا بكثرة من حوض البحر الأبيض المتوسط إلى شمال غرب الهند، وهي أنواع كثيرة جدًا، منها حشيش الأفيون الذي يُستخرج من أزهاره أنواع المخدرات كالهيروين، والمورفين، وغيرها. ثانيًا: المراد بالمسألة: الحشيشة من النباتات الضارة التي تؤدي إلى الإسكار، فمن تناول منها ما يبلغ حد الإسكار، فإنه قد ارتكب أمرًا محرمًا. ويُنبه إلى أمرين: الأول: أن المراد التحريم أما وجوب الحد به فمسألة أخرى غير مرادة. الثاني: التحريم متعلق بالسكر منها، أما إن شرب ما لا يبلغ حد الإسكار فغير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين" (٤) ونقله عنه

стр. 6512

المرداوي (١) والصنعاني (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) (٦). الدليل الثاني: عن جابر ﵁: أن رجلًا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المِزْر، فقال النبي ﷺ : (أوَمسكر هو)؟ قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر حرام. . . الحديث) (٧). • وجه الدلالة: الحديثان صريحان في تحريم كل مسكر، والحشيشة مُسكرة فتدخل في عموم النهي (٨). الدليل الثالث: عن أم سلمة ﵂ قالت: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن

стр. 6513

كل مُسكِر ومفتِّر (١) " (٢). • وجه الدلالة: الحديث صريح في النهي عن كل مفتِّر، والحشيشة إن لم تُسكر فهي من المفترات (٣). الدليل الرابع: أن العلة من تحريم الخمر هي الإسكار، وهذه العلة موجودة في الحشيشة إذا أسكرت، فالضرر الحاصل بالحشيشة كالضرر الحاصل في الخمر، وربَّما أشد (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٧/ ٤] قبول توبة شارب الخمر . • المراد بالمسألة: إذا شرب شخص الخمر حتى سكر منه، سواء فعل ذلك مرة أو مرارًا، ثم تاب من ذلك الفعل، فإن توبته تُقبل عند اللَّه تعالى. ويتبين مما سبق أن المراد سقوط إثم الشرب المحرَّم فيما بينه وبين اللَّه تعالى، أما سقوط الحد، فمسألة أخرى.

стр. 6514

• من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن التوبة من الكفر مقبولة ما لم يوقن الإنسان بالموت بالمعاينة، ومن الزنا، ومن فعل قوم لوط، ومن شرب الخمر" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٢)، الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عموم الأدلة الدالة على عفو اللَّه تعالى ومغفرته للذنوب بالتوبة، ومنها: أ- قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ (٥). ب- قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ (٦). ج- قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ (٧). الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من

стр. 6515

الذنب كمن لا ذنب له" (١). • وجه الدلالة: فيه دلالة على أن التائب من الذنب مساوٍ لمن لا ذنب له، ويدخل في ذلك من تاب من شرب الخمر. الدليل الرابع: ما جاء في قصة ماعز ﵁ حين أقيم عليه الحد، ووجد مس الحجارة، ففرَّ يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل، فضربه به، وضربه الناس، حتى مات، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ : أنه فر حين وجد مس الحجارة، ومس الموت، فقال رسول اللَّه ﷺ : (هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب اللَّه عليه) (٢). الدليل الخامس: أن النبي ﷺ أُتي برجل أكره امرأة على الزنا، ثم جاء تائبًا، فلم يرجمه النبي ﷺ وقال له: (اذهب فقد غفر اللَّه لك) (٣). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ أرشد الصحابة ﵃ إلى أن الأفضل حين هرب ماعز ﵁ أن يتركوه لتوبته، ولا يقيموا عليه الحد، وكذا لم يُقم الحد على من أكره المرأة على الزنا، وهو دليل على قبول التوبة منه، وهذا إن كان في الزنا ففي شرب الخمر من باب أولى؛ لأنه أخف من الزنا (٤). الدليل السادس: عموم الأدلة الدالة على إباحة ستر الإنسان على نفسه ما ارتكبه مما يوجب الحد، ويدخل في ذلك حد شرب الخمر (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6516

الفصل الثاني مسائل الإجماع في إثبات السكر [٢٣٨/ ٤] يثبت حد الخمر على من أقر على نفسه بشرب الخمر مرتين . • المراد بالمسألة: من طُرق إثبات حد شرب الخمر الإقرار، ومن صور الإقرار المجمع على إثبات الحد بها أن من أقر على نفسه مرتين عند الإمام أنه شرب الخمر المُسكر، ولم يرجع عن إقراره، فإنه يقام عليه الحد بموجب إقراره. ويُنبه إلى أنه ليس المراد أن الإقرار مرتين شرط في الحد، وأن من أقر مرة لم يجب عليه الحد، وإنما المراد أن الإقرار مرتين موجب للحد، أما الإقرار مرة واحدة فهو موضع خلاف غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أنه إن أقر مرتين كما قلنا في إقراره بالزنا، وثبت، أنه يُحد" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أنه إن أقر بشرب الخمر مرتين، وثبت، أنه يُحد" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن من أقر على نفسه بالشرب فقد ثبت ارتكابه لما أوجب الحد، ولا يوجد نص في اشتراط عدد معين في الإقرار كما هو في الزنا.

стр. 6517

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٩/ ٢٠] يثبت حد الخمر بشهادة عدلين . [٢٤٠/ ٢١] يثبت حد الخمر إذا شهد الشاهدان أنهما رأياه يشرب الخمر . • المراد بالمسألتين: الشهادة من طرق إثبات حد شرب الخمر، ومن صور إثبات الحد بالشهادة أن يشهد اثنان عدلان على شخص أنهما رأياه يشرب الخمر. ويتبين مما سبق أن شهادتها إن كانت ليست معتمدة على الرؤية وإنما وجدا منه رائحة الخمر، أو رأياه يتقيأ الخمر، ذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن عدلين يقبلان في الخمر إذا ذكرا أنهما رأياه يشرب خمرًا" (٢). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن عدلين يقبلان في الخمر إذا ذكرا أنهما رأياه يشرب الخمر" (٣) • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن حد الشرب كسائر الحدود، فيثبت بشهادة العدلين، وليس ثمة دليل على اشتراط أكثر من شاهدين كما هو في حد الزنا.

стр. 6518

النتيجة: المسألتان فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم، [٢٤١/ ٤] يثبت الحد على شارب الخمر إذا وُجدت منه ريح خمر، أو إذا تقيأ الخمر . • المراد بالمسألة: من طرق إثبات حد شرب الخمر ما يلي: أولًا: أن يتقيأ الشخص خمرًا. ثانيًا: أن تظهر من فم الشخص رائحة خمر. فإذا وُجد شخصٌ قد تقيأ الخمر من فمه، أو ظهرت من فمه ريح خمر، فإنَّ هذا دلالة على شربه للخمر، وللإمام إقامة الحد عليه بموجب الرائحة أو القيء. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) بعد ذِكره لأثر عثمان ﵁ في جلد شارب الخمر بموجب القيء (١): "هذا بمحضر من علماء الصحابة ﵃ وسادتهم، ولم يُنكر، فكان إجماعًا" (٢). قال شمس ابن قدامة (٦٨٢ هـ) بعد ذِكره لأثر عثمان في جلد شارب الخمر بموجب القيء: "هذا بمحضر من علماء الصحابة ﵃ وسادتهم، ولم ينكر، فكان إجماعًا" (٣). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "إقامة الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة ﵃" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٥).

стр. 6519

• مستند الإجماع: الدليل الأول: قال عمر ﵁: "وجدت من عبيد اللَّه (١) ريح شراب، وأنا سائل عنه، فإن كان يُسْكر، جلدُته" (٢). الدليل الثاني: أن ابن مسعود ﵁ "قرأ سورة يوسف فقال رجل، ما هكذا أنزلت، قال: قرأتُ على رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (أحسنت)، ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب اللَّه وتشرب الخمر؟ فضربه الحد" متفق عليه (٣). الدليل الثالث: عن حضين بن المنذر أبو ساسان (٤) قال: شهدتُ عثمان بن

стр. 6520

عفان ﵁ وأُتي بالوليد (١) قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران (٢) أنه شرب الخمر، وشهد آخر أن رآه يتقيأ، فقال عثمان: "إنه لم يتقيأ حتى شربها"، فقال يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن (٣) فاجلده، فقال الحسن: "ولِّ حارَّها من تولَّى قارَّها" (٤) -فكأنه وجد عليه-، فقال: يا عبد اللَّه بن جعفر (٥) قم فاجلده، فجلده وعليٌّ يعُد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسِك، ثم قال: "جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد

стр. 6521

أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي" (١). • وجه الدلالة: أن جلد شارب الخمر بقرينة الرائحة أو القيء ثابت عن عمر وعثمان وابن مسعود ﵃، ولا مخالف لهم من الصحابة ﵃. الدليل الرابع: أن تقيأ الخمر إنما يكون إذا شرِبها، فهو قرينة صريحة في الشرب (٢). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا حد بموجب الرائحة، أو القيء. وهو قول الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). ونسبه ابن قدامة لأكثر أهل العلم (٦)، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁ (٧). القول الثاني: أن الذي يجب عليه الحد بالرائحة هو المشهور بين الناس بشرب الخمر وإدمانها. وهذا القول محكي عن بعض السلف (٨)، منهم عمر بن الخطاب (٩)، وعبد اللَّه بن الزبير (١٠).

стр. 6522

القول الثالث: أنه لا يحد بمجرد الرائحة بل لا بد أن ينضم معها قرينة أخرى، مثل أن يوجد جماعة شهروا بالفسق، ويوجد معهم خمر، ويوجد من أحدهم رائحة الخمر. وهذا القول مروي عن عطاء (١)، وحكاه ابن حجر عن الموفَّق ابن قدامة (٢). • دليل المخالف: استدل من منع الحد بالرائحة بـ: أن الرائحة قد يكون سببها أن الرجل تمضض بها، أو شربها يحسبها ماء، أو شرابًا مباحًا ريحه كريح الخمر، أو نحو ذلك من الشُبَه المحتملة التي تدرأ بها الحدود (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهي كما قال ابن حجر: "والمسألة خلافية شهيرة" (٤). وأما من نقل الإجماع فيها فإنما نقل إجماع الصحابة ﵃ في ذلك من باب الإجماع السكوتي الذي لا يُعرف له مخالف، وهذا منازع من وجهين:

стр. 6523

الأول: أن الخلاف قد ورد عن علي ﵁ أنه لا يرى الجلد بمجرَّد الرائحة، وكذا عن عبد اللَّه بن الزبير ﵄ إنما يرى الجلد بالرائحة مع القرينة، فدعوى عدم المخالف غير محققة. الثاني: أن دعوى كون عمر وعثمان وابن مسعود ﵃ رأوا الجلد بمجرَّد الرائحة والقيء منازع فيها، فأما أثر عمر ﵁ فإنه قد جاء في بعض الروايات أن عمر ﵁ إنما جلده بموجب إقراره (١). وأما أثر عثمان ﵁ فإنه إنما أقامه بشهادة حمران أنه رآه يشربها، فكان الجلد لا بموجب القيء، وإنما لما اعتضد معها من شهادة حمران بالرؤية. وأما أثر ابن مسعود ﵁ فليس صريحًا في أن ابن مسعود ﵁ أقام الحد بموجب الرائحة، كما قال النووي بعد ذكره للحديث: "ويحمل أيضًا أن الرجل اعترف بشرب خمر بلا عذر" (٢). [٢٤٢/ ٤] لا تُقبل شهادة النساء في إثبات حد الخمر . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب حد شرب الخمر، وكان ثبوته بموجب الشهادة، فإنه يشترط أن يكون الشهود كلهم رجال، ولا تصح شهادة النساء. وهنا ينبه إلى أمرين: الأول: لو ثبت الحد بالإقرار، كأن أقرت المرأة على نفسها بشرب الخمر، فغير مراد. الثاني: إن كان موجب الحد وقع في مجمع نسائي محض، كالحمام، فعدم قبول شهادة النساء حينئذٍ غير مراد.

стр. 6524

• من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ويثبت الشرب بشهادة شاهدين، ويثبت بالإقرار مرة واحدة. . . ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، ولا نعلم في ذلك خلافًا" (١). ويضاف إلى ذلك ما سبق من النقولات في الإجماع على عدم قبول شهادة النساء في الحدود (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٤). • وجه الدلالة: في الآية إشارة إلى أن الشهادة خاصة بالرجال العدول، لأنه جاء بها بلفظ التذكير (٥). الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبم يا رسول اللَّه؟ قال: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ ) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينها)

стр. 6525

متفق عليه (١). • وجه الدلالة: في الحديث أن شهادة النساء عُرضة للخطأ، وهي ناقصة عن شهادة الرجال، وهذا نوع شبهة، وجلد شارب الخمر من جملة الحدود التي تدرأ بالشبهات (٢). الدليل الرابع: قال الزهري: "مضت السنة من رسول اللَّه ﷺ والخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود" (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز شهادة النساء في حد شرب الخمر. وبه قال طاووس، وعطاء، وحماد بن أبي سليمان، والظاهرية (٤). • دليل المخالف: استدل القائلون بقبول شهادة النساء في الخمر بما يلي: الدليل الأول: القياس على الأموال، فكما تُقبل شهادة النساء فى الأموال، فكذا الخمر (٥). الدليل الثاني: أن الأصل استواء الرجال والنساء في الأحكام، ولا يوجد نص صريح صحيح يخرج النساء عن قبول شهادتهن في الحدود. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لخلاف عطاء وطاووس وابن حزم، ولذا حين ذكر ابن رشد المسألة قال: "فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود لا مع رجل ولا مفردات" (٦)، فنسبه للجمهور، ولم يذكره إجماعًا.

стр. 6526

وقول ابن الهمام في عدم الخلاف إما وهم، أو أنه لم يعتبر قول المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤٣/ ٤] الشهادة في الحال تسمع على حد شرب الخمر . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب حد شرب الخمر، وكان ثبوتها عليه بموجب شهادة الشهود، وكانت شهادتهم قد أُديت بعد الجريمة بمدة أقل من شهر، فإنه على الإمام أن يسمع شهادتهم، ويقبلها، إذا توفرت سائر الشروط. ويتبيَّن من ذلك أنه إن تقادمت الشهادة بأن أدُّوها بعد شهر أو أكثر من وقت الجريمة فذلك غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الشهادة في الحال تسمع على القذف، والزنا، وشرب الخمر" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الأصل قبول الشهادة حتى يرد الدليل على المنع، فإن أُديت الشهادة بعد وقوع الجريمة بزمن قليل فالأصل قبولها حتى يرد الدليل على المنع، وليس ثمة دليل يمنع من ذلك.

стр. 6527

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤٤/ ٤] يقام حد شرب الخمر على من شرب الخمر عالمًا تحريمه، جاهلًا عقوبته . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص ما يوجب حد شرب الخمر، وكان عالمًا بتحريم الخمر، لكنه يجهل عقوبة ذلك من الجلد، فإنه يُقام الحد عليه، وجهْله بالعقوبة لا يُعفيه من الحد. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "من زنى أو شرب أو سرق عالمًا تحريم ذلك، جاهلًا وجوب الحد، فيجب الحد بالاتفاق" (١). وقال القرافي (٦٨٤ هـ): "إن علم التحريم وجهل الحد حُد اتفاقًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: الدليل الأول: ما جاء في قصة ماعز حين رُجم قال: "ردوني إلى رسول اللَّه ﷺ ؛ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول اللَّه ﷺ غير قاتلي" (٥). • وجه الدلالة: ظاهر القصة أن ماعزًا ﵁ لم يكن يحلم أن النبي ﷺ سيقيم عليه حد الرجم، ومع ذلك لم يكن ذلك مُسقطًا عنه للعقوبة، وهذا في الزنا فيقاس عليه حد الشرب (٦). الدليل الثاني: أنه إذا علم التحريم كان الواجب عليه الامتناع عن فعل المعصية (٧).

стр. 6528

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤٥/ ٤] من شرب الخمر ثم تاب من ذلك، ولم يُقم عليه الحد، فإنه مقبول الشهادة . • المراد بالمسألة: إذا شرب شخص الخمر حتى سكر، سواء فعل ذلك مرة أو أكثر، ثم تاب من الشرب، ولم يُقم عليه الحد، فإن شهادته تكون مقبولة. ويتبين مما سبق أنه لو حُد لشرب الخمر، ثم تاب، فالمسألة غير مرادة (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن الرجل إذا كان يشرب الخمر من الشراب حتى يسكر ثم تاب، فشهد بشهادة، وجب أن تقبل شهادته إذا كان عدلًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر عن الذين يرمون المحصنات بعدم قبول شهادتهم، ثم استثنى من ذلك من تاب وأصلح، فدل على قبول شهادته بذلك،

стр. 6529

وهذا في القذف فغيره من الحدود من باب أولى (١). الدليل الثاني: عموم الأدلة الدالة على مغفرة اللَّه تعالى لجميع الذنوب، ومنها: أ- ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ (٢). ب- قول اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ (٣). • وجه الدلالة: دلت الآية على أن التوبة سبب للقبول والعفو، ومن قبلت توبته وعفي عن سيئته، فهو كمن لا ذنب له، فيكون بذلك مقبول الشهادة (٤). الدليل الثالث: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٥). • وجه الدلالة: عموم الحديث دل على أن من تاب من ذنب، فإنه يرجع حكمه كأنه لا ذنب له، وهو يدل على أن شهادته ترجع مقبولة كما كانت قبل الذنب (٦). الدليل الرابع: أن ردَّ شهادة من وجب عليه الحد كان موجبه الفسق، وليس الحد، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، فرجع قبول شهادته (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6530

[٢٤٦/ ٤] من أقيم عليه حد شرب الخمر، ثم تاب وأصلح، فإن شهادته مقبوله . • المراد بالمسألة: من ارتكب ما يوجب حد شرب الخمر، ثم أقيم عليه حد الجلد، ثم تاب وحسنت توبته، فإنه يكون عدلًا، تقبل شهادته إذا أراد الشهادة في أمر ديني أو دنيوي. ويتبيَّن أن المسألة هي فيمن أقيم عليه الحد، ثم تاب وأصلح. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "وأما المحدود في الزنا والسرقة والشرب فتقبل شهادته بالإجماع إذا تاب" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). • مستند الإجماع: سبق بيان مستند الإجماع، والمخالف، ودليل المخالف، في المسائل العامة في الحدود تحت عنوان: "من أتى حدًا من الحدود فأقيم عليه، ثم تاب وأصلح، فإن شهادته مقبولة إلا القاذف" (٥). وإنما ذكرت المسألة هنا لوجود من نص عليها في حد الشرب. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لوجود الخلاف في المسألة عن المالكية حيث يرون عدم جواز شهادته فيما يتعلق بحد شرب الخمر، وكذا خالف الأوزاعي، والحسن بن حي حيث يريان عدم قبول شهادة المحدود بشرب الخمر مطلقًا سواء شهد على شرب الخمر أو على أمر آخر.

стр. 6531

وحكاية الكاساني للإجماع لعلَّه أراد به الإجماع المذهبي عند الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤٧/ ٤] من أكره على شرب الخمر فلا حد عليه، ولا إثم . • المراد بالمسألة: من أُكرِه على شرب الخمر بأن فُتح فمُه إجبارًا عنه وصُب في فيه خمرًا، فإنه غير مؤاخذ في ذلك، ولا حد عليه. ويتبيَّن مما سبق أنه إن كان شربه للخمر باختياره لكنه لحاجة كأن شرِبه لجوع، أو عطش، أو تداوٍ، أو دفع غصة في حلقه، فكل ذلك غير مواد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "من أكره على شرب الخمر، ففتح فمه كرهًا بأكاليب، وصب فيه الخمر حتى سكر، فإن هذا لا خلاف في أنه غير آثم" (١). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "فإن اضطر إلى خمر فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف" (٢). وبمثله قال القرطبي (٦٧١ هـ) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٧). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى عذر المُكره في الكفر، فمن باب أولى أن يكون معذورًا فيما يتعلق بشرب الخمر الذي هو أخف من الكفر (٨).

стр. 6532

الدليل الثاني: قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). • وجه الدلالة: الآية دلالة على أنه لا إثم على المكرهة على الزنا فيلزم أن لا يجب عليها الحد، فمن باب أولى العفو عن الإكراه في شرب الخمر، لأنه لا يتعلق به حق للغير (٢). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٣). • وجه الدلالة: الحديث نص في عدم معاقبة المخطئ والناسي، والمُكرَه، وعدم لحوق الإثم بهم، وهذا عام يدخل فيه شارب الخمر (٤). الدليل الرابع: أن الإكراه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات (٥). الدليل الخامس: أن المقصود من الحد هو الردع والزجر له حتى لا يعود، والمُكره هو منزجر في الأصل (٦). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6533

الفصل الثالث مسائل الإجماع في عقوبة المسكر [٢٤٨/ ٤] ثبوت حد الخمر . • المراد بالمسألة: مما تقرر في الشريعة الإسلامية إقامة الحد على شارب الخمر، وقد قام الإجماع على ثبوت هذا الحد، وأنه داخل ضمن الأحكام الخاصة بالحدود، من تحريم تعطيلها أو الشفاعة فيها إذا بلغت الإمام، ونحو ذلك، وتعطيل هذا الحد هو تعطيل لحدٍ ثابت. • من نقل الإجماع: قال أبو منصور البغدادي (٤٢٩ هـ): "وقد أجمع فقهاء الأمة على تكفير من أنكر حد الخمر" (١). قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر" (٢). وقال ابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ): "لا خلاف في الحد على شرب الخمر" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أما حد الشرب، فإنه ثابت بسنة رسول اللَّه ﷺ وإجماع المسلمين" (٤). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "وقد استقر الإجماع على ثبوت حد الخمر" (٥). ويضاف إليها النقولات التي سبقت في مسألة: "من شرب من خمر العنب ما لا يحصل به الإسكار، ولو قطرة واحدة، أقيم عليه الحد" (٦).

стр. 6534

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه) (٣). • وجه الدلالة: الحديث صريح في الأمر بجلد شارب الخمر، وهذا إنما يكون من باب الحد. الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁ (٤): أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر ﵁" (٥). الدليل الثالث: عن حضين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدتُ عثمان بن عفان ﵁ وأُتي بالوليد بن عقبة ﵁ قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أن رآه يتقيأ، فقال عثمان: "إنه لم يتقيأ حتى شربها"، فقال يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: "ولِّ حارَّها من تولى قارَّها"، -فكأنه

стр. 6535

وجد عليه-، فقال يا عبد اللَّه بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعليٌّ يعُد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسِك، ثم قال: "جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحبُّ إلي" (١). • وجه الدلالة: الأحاديث السابقة صريحة في ثبوت جلد شارب الخمر من فعل النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعلي ﵃. • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن جلد شارب الخمر هو من باب التعزير. وهو قول طائفة من أهل العلم (٢)، واختاره ابن عثيمين (٣). • دليل المخالف: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه) (٤). • وجه الدلالة: الحديث دليل على أن عقوبة شارب الخمر تتدرج حتى تصل إلى القتل، ولو كان حدًا محدودًا لكان الحد فيه لا يتغيَّر (٥). الدليل الثاني: عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: "جيء بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربًا فأمر رسول اللَّه ﷺ من كان بالبيت أن يضربوه، قال فكنت أنا

стр. 6536

فيمن ضربه، فضربناه بالنعال والجريد" (١). الدليل الثالث: عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإمرة أبي بكر ﵁، وصدرًا من خلافة عمر ﵁، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين" (٢). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: (اضربوه)، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه، قال: (لا تقولوا هكذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان) (٣). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: ظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يحد لشارب الخمر عددًا معينًا في الجلد (٤). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ لم يوقت في الخمر حدًا" (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف. • ومن نقل الإجماع في المسألة لعله لم يعتبر قول المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6537

[٢٤٩/ ٤] حد شارب الخمر لا ينقص عن أربعين جلدة . • المراد بالمسألة: إذا ثبت عند الإمام على شخص ما يوجب حد شرب الخمر، فإن الإمام يجلده أربعين جلدة فما فوق، ولا يجوز له أن يجلده دون الأربعين. والمراد هنا تقرر الإجماع أن شارب الخمر يُجلد أربعين جلدة، أما ما زاد عن الأربعين فهو موضع خلاف غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن الحد أن يكون مقدار ضربه في ذلك أربعين، واختلفوا في إتمام الثمانين" (١). قال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "ولا ينقص حده عن الأربعين إجماعًا" (٢) ونقله عنه الشوكاني (٣). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "ولا ينقص حد الشرب عن الأربعين إجماعًا" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن حضين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدتُ عثمان بن عفان ﵁ وأُتي بالوليد بن عقبة ﵁ قد صلى الصبح

стр. 6538

ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أن رآه يتقيأ، فقال عثمان: "إنه لم يتقيأ حتى شربها"، فقال يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: "ولِّ حارَّها من تولى قارَّها"، -فكأنه وجد عليه-، فقال يا عبد اللَّه بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعليٌّ يعُد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسِك، ثم قال: "جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحبُّ إليّ" (١). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن ﵁: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر ﵁" (٢). وفي رواية: "أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين" (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن شارب الخمر يصح جلده دون الثمانين، على خلاف بينهم في موجب الجلد على قولين: القول الأول: أن جلد شارب الخمر ليس من باب الحد، وإنما هو من باب التعازير (٤). القول الثاني: أن جلد شارب الخمر من باب الحد، لكن جلده ليس له

стр. 6539

عدد معيَّن (١). • دليل المخالف: استدل من أجاز جلد شارب الخمر أقل من أربعين جلدة بما يلي: الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يسنَّه" متفق عليه (٢). وفي رواية للبيهقي بلفظ: "ما أحد يموت في حد فأجد في نفسي منه شيئًا؛ الحقُّ قَتَله" (٣). • وجه الدلالة: الحديث صريح في أن من جلد صاحب الخمر ثم مات من الجلد أن الجلاد يضمن التلف، وهو يدل على أن هذا الجلد غير مأذون به شرعًا. الدليل الثاني: عن عقبة بن الحارث قال: "جيء بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربًا فأمر رسول اللَّه ﷺ من كان بالبيت أن يضربوه، قال: فكنت أنا فيمن ضربه، فضربناه بالنعال والجريد" (٤). الدليل الثالث: عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإمرة أبي بكر ﵁، وصدرًا من خلافة عمر ﵁، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر ﵁، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين" (٥). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: (اضربوه)، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله،

стр. 6540

والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه، قال: (لا تقولوا هكذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان) (١). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: ظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يحد لشارب الخمر عددًا معينًا في الجلد (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الفقهاء. ومن نقل الإجماع فيه ذلك لعله لم يعتبر قول المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٠/ ٤] حد شارب الخمر ثمانون جلدة إن كان حرًا . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد الشرب على شخص، فإن مقدار جلده إن كان حرًا ثمانون جلدة. • من نقل الإجماع: قال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "فثبت بهذا كله أن التوقيف في حد الخمر على ثمانين إنما كان في زمن عمر وانعقاد إجماع الصحابة ﵃ على ذلك" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "انعقد إجماع الصحابة رضوان اللَّه عليهم في زمن عمر ﵁ على الثمانين في حد الخمر، ولا مخالف لهم منهم، وعلى ذلك جماعة التابعين، وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشذوذ المحجوج بالجمهور" (٤). وقال الباجي (٤٧٤ هـ): "وقع الاجتهاد في ذلك في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ولم يوجد عند أحد منهم نص على تحديد. . . ثم أجمعوا واتفقوا أن الحد ثمانون، وحكم بذلك على ملأ منهم، ولم يعلم لأحد فيه مخالفة فثبت أنه إجماع" (٥).

стр. 6541

وقال السرخسي (٤٨٣ هـ): "فلما كان زمان عمر ﵁ جعل ذلك ثمانين سوطًا، والخبر وإن كان من أخبار الآحاد فهو مشهور، وقد تأكد باتفاق الصحابة ﵃" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "حد شرب الخمر وحد السكر مقدر بثمانين جلدة في الأحرار؛ لإجماع الصحابة ﵃" (٢). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "وحدُّ الخمر والسكر في الحر ثمانون سوطًا؛ لإجماع الصحابة ﵃" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "في قدر الحد وفيه روايتان، إحداهما: أنه ثمانون، وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ومن تبعهم؛ لإجماع الصحابة ﵃" (٤). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "حدُّه ثمانون؛ لإجماع الصحابة ﵃" (٥). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "وحدُّه ثمانون في إحدى الروايتين، وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ومن تبعهم؛ لإجماع الصحابة ﵃" (٦). وقال ابن مودود الموصلي (٦٨٣ هـ): "وعدده ثمانون سوطًا في الحر بإجماع الصحابة ﵃" (٧). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "حد السكر والخمر ولو شرِب قطرة ثمانون سوطًا. . . وعليه إجماع الصحابة ﵃" (٨). وقال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "الحد ثمانون جلدة؛ لإجماع الصحابة ﵃" (٩). وقال ابن نجيم (٩٠٧ هـ): "وحد السكر والخمر ولو شرِب قطرة ثمانون سوطًا؛ لإجماع الصحابة ﵃" (١٠).

стр. 6542

وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "وإذا شربه -أي المسكر- فعليه الحد ثمانون جلدة؛ لإجماع الصحابة ﵃" (١). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "وإذا شربه -أي المسكر- فعليه الحد ثمانون جلدة مع الحرية؛ لإجماع الصحابة ﵃" (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن ﵁: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر ﵁" (٣). الدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب ﵁: "نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى" (٤).

стр. 6543

• وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن عمر ﵁ استشار الصحابة ﵃ في جلد شارب الخمر بعد أن كان يجلد أربعين، فاشار عليه عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب ﵄ بثمانين جلدة، وفعله عمر ﵁ بمحضر الصحابة ﵃ فكان منهم كالاتفاق عليه (١). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الواجب في حد الخمر هو أربعون جلدة، وهو قول الشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣) وبه قال الظاهرية (٤). القول الثاني: أن جلد شارب الخمر ليس له عدد معيَّن، مع خلافهم في

стр. 6544

موجب الجلد في شرب الخمر، على قولين: فقيل: أن جلد شارب الخمر ليس من باب الحد، وإنما هو من باب التعازير. وقيل: أن جلد شارب الخمر من باب الحد، لكن جلده ليس له عدد معيَّن (١). • دليل المخالف: أما الذين حدُّوا الجلد بأربعين، فاستدلوا بما يلي: الدليل الأول: عن حضين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدتُ عثمان بن عفان ﵁ وأتي بالوليد ﵁ قد صلّى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أن رآه يتقيأ، فقال عثمان: "إنه لم يتقيأ حتى شربها"، فقال يا علي قم فاجلده، فقال علي ﵁: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن ﵁: "ولِّ حارَّها من تولى قارَّها"، -فكأنه وجد عليه-، فقال يا عبد اللَّه بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعليٌّ ﵁ يعُدّ، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسِك، ثم قال: "جلد النبي ﵁ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحبُّ إلي" (٢). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أُتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن ﵁ أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر ﵁" (٣). • وجه الدلالة: الأحاديث صريحة أن جلد شارب الخمر في عهد النبي ﷺ إنما كان أربعين جلدة، وكذا فعله أبو بكر ﵁، وإنما زاده عمر ﵁ حين زاد الناس في شرب الخمر، فتكون زيادة عمر ﵁ من باب التعزير (٤).

стр. 6545

وأما الذين قالوا بأنه ليس لشارب الخمر حدٌّ معيَّن فاستدلوا بما يلي: الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يسنَّه" متفق عليه (١). وفي رواية للبيهقي بلفظ: "ما أحد يموت في حد فأجد في نفسي منه شيئًا؛ الحقُّ قَتَله" (٢). • وجه الدلالة: الحديث صريح في أن من جلد صاحب الخمر ثم مات من الجلد أن الجلاد يضمن التلف، وهو يدل على أن هذا الجلد غير مأذون به شرعًا. الدليل الثاني: عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: "جيء بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربًا فأمر رسول اللَّه ﷺ من كان بالبيت أن يضربوه، قال فكنت أنا فيمن ضربه، فضربناه بالنعال والجريد" (٣). الدليل الثالث: عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإمرة أبي بكر ﵁، وصدرًا من خلافة عمر ﵁، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر ﵁، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين" (٤). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: (اضربوه)، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه، قال: (لا تقولوا

стр. 6546

هكذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان) (١). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: ظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يحد لشارب الخمر عددًا معينًا في الجلد (٢). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ لم يوقّت في الخمر حدًا" (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم. ومن حكى الإجماع في المسألة فإنما حكى إجماع الصحابة ﵁، وقد ثبت خلاف علي ﵁ وأنه جلد أربعين، فهي ليست محل إجماع حتى بين الصحابة ﵃. ولذا تعقَّب الإجماع الشوكاني بقوله: "الحاصل أن دعوى إجماع الصحابة ﵃ غير مسلَّمة؛ فإن اختلافهم في ذلك قبل إمارة عمر ﵁ وبعدها وردت به الروايات الصحيحة، ولم يثبت عن النبي ﷺ الاقتصار على مقدار معين، بل جلد تارة بالجريد، وتارة بالنعال، وتارة بهما فقط، وتارة بهما مع الثياب، وتارة بالأيدي والنعال" (٤). وأما قول ابن عبد البر بأن الخلاف فيه شذوذ، فغير مسلَّم، بل الخلاف فيه معتبر؛ لثبوته عن الشافعية، والحنابلة في رواية، والظاهرية، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥١/ ٤] يجوز جلد شارب الخمر ثمانين جلدة . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص شرب الخمر، وجلده الإمام ثمانون جلدة، فإنَّ فعل الإمام صحيح، ولا يُعتبر آثمًا في ذلك.

стр. 6547

والمراد هنا بيان صحة جلد شارب الخمر ثمانين جلدة، أما كون هذا الجلد بهذا العدد هو من باب الحد، أو فيه تعزير، فهذه مسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "حده أربعون جلدة، أو ثمانون جلدة، فإن جلده ثمانين جاز باتفاق الأئمة" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣) والشافعية (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن حضين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدتُ عثمان بن عفان ﵁ وأُتي بالوليد بن عقبة ﵁ قد صلّى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أن رآه يتقيأ، فقال عثمان ﵁: "إنه لم يتقيأ حتى شربها"، فقال يا علي قم فاجلده، فقال علي ﵁: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن ﵁: "ولّ حارها من تولى قارها" -فكأنه وجد عليه-، فقال: يا عبد اللَّه بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعليٌّ ﵁ يعُد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسِك، ثم قال: "جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، وعمر ﵁ ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي" (٦). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر

стр. 6548

استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر" (١). الدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: "نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى" (٢). • وجه الدلالة: أن جلد الثمانين ثابت من فعل عمر ﵁، وعليه اتفق الصحابة ﵃ حين استشارهم عمر ﵁ (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٢/ ٤] شارب الخمر لا يلزمه أكثر من ثمانين جلدة إن كان حرًا . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد الشرب على شخص حر غير مملوك، فإن أهل العلم اختلفوا في مقدار الحد الواجب في حقه، لكنهم اتفقوا على أنه لا يجب جلده أكثر من ثمانين جلدة. وهنا يُنبَّه إلى أن المراد أنه لا يلزمه أكثر من الثمانين من باب الحد، أما الزيادة على ذلك من باب التعزير فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أنه لا يلزمه أكثر من ثمانين" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٥)، والمالكية (٦)،

стр. 6549

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى الأدلة التي سبقت في المسائل الثلاث السابقة، وليس فيها ما يدل على الزيادة على الثمانين، وإنما وقع الخلاف في الثمانين فما دون. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٣/ ٤] المرأة الحرة كالرجل في مقدار حد شرب الخمر . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على المرأة شرب الخمر بما يوجب الحد، فإنه يقام عليها حد الجلد، كما يُقام على الرجل، ولا فرق بينهما في ذلك. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) بعد ذكره لحد شارب الخمر على الرجل: "واتفقوا أن الحرة البالغة العاقلة كذلك" (٣). • الموافقون على الإجماع: وأفق على الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الأصل استواء الرجال والنساء في الأحكام، وليس ثمة دليل يدل على استثناء النساء من حد الجلد. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6550

[٢٥٤/ ٤] العبد والأمة يلزمهما فى شرب الخمر عشرون جلدة . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد الشرب على شخص مملوك، فإن مقدار جلده هو عشرون جلدة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن العبد والأمة يلزمهما من ذلك عشرون" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن العبد والأمة تلزمهما في شرب الخمر عشرون" (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك والشافعية (٣)، والحنابلة في رواية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عموم قول اللَّه تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥). • وجه الدلالة: الآية دلت على أن حد الأمة في الزنا هو نصف حد الحرة، فكذا يقاس عليها سائر الحدود التي يمكن تبعيض الحد فيها، ومنها حد شرب الخمر، والواجب في حد شرب الخمر على الحر أربعون جلدة، فيكون حد العبد والأمة نصفها، وهو وعشرون جلدة (٦). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: الواجب في حد العبد هو أربعون جلدة. وهو قول الحنفية (٧)، المالكية (٨)، والحنابلة (٩).
следующие страницы →