← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

هكذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان) (١). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: ظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يحد لشارب الخمر عددًا معينًا في الجلد (٢). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ لم يوقّت في الخمر حدًا" (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم. ومن حكى الإجماع في المسألة فإنما حكى إجماع الصحابة ﵁، وقد ثبت خلاف علي ﵁ وأنه جلد أربعين، فهي ليست محل إجماع حتى بين الصحابة ﵃. ولذا تعقَّب الإجماع الشوكاني بقوله: "الحاصل أن دعوى إجماع الصحابة ﵃ غير مسلَّمة؛ فإن اختلافهم في ذلك قبل إمارة عمر ﵁ وبعدها وردت به الروايات الصحيحة، ولم يثبت عن النبي ﷺ الاقتصار على مقدار معين، بل جلد تارة بالجريد، وتارة بالنعال، وتارة بهما فقط، وتارة بهما مع الثياب، وتارة بالأيدي والنعال" (٤). وأما قول ابن عبد البر بأن الخلاف فيه شذوذ، فغير مسلَّم، بل الخلاف فيه معتبر؛ لثبوته عن الشافعية، والحنابلة في رواية، والظاهرية، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥١/ ٤] يجوز جلد شارب الخمر ثمانين جلدة . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص شرب الخمر، وجلده الإمام ثمانون جلدة، فإنَّ فعل الإمام صحيح، ولا يُعتبر آثمًا في ذلك.

стр. 6547

والمراد هنا بيان صحة جلد شارب الخمر ثمانين جلدة، أما كون هذا الجلد بهذا العدد هو من باب الحد، أو فيه تعزير، فهذه مسألة أخرى غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "حده أربعون جلدة، أو ثمانون جلدة، فإن جلده ثمانين جاز باتفاق الأئمة" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٢)، والمالكية (٣) والشافعية (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن حضين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدتُ عثمان بن عفان ﵁ وأُتي بالوليد بن عقبة ﵁ قد صلّى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان، أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أن رآه يتقيأ، فقال عثمان ﵁: "إنه لم يتقيأ حتى شربها"، فقال يا علي قم فاجلده، فقال علي ﵁: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن ﵁: "ولّ حارها من تولى قارها" -فكأنه وجد عليه-، فقال: يا عبد اللَّه بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعليٌّ ﵁ يعُد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسِك، ثم قال: "جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، وعمر ﵁ ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي" (٦). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر

стр. 6548

استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر" (١). الدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: "نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى" (٢). • وجه الدلالة: أن جلد الثمانين ثابت من فعل عمر ﵁، وعليه اتفق الصحابة ﵃ حين استشارهم عمر ﵁ (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٢/ ٤] شارب الخمر لا يلزمه أكثر من ثمانين جلدة إن كان حرًا . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد الشرب على شخص حر غير مملوك، فإن أهل العلم اختلفوا في مقدار الحد الواجب في حقه، لكنهم اتفقوا على أنه لا يجب جلده أكثر من ثمانين جلدة. وهنا يُنبَّه إلى أن المراد أنه لا يلزمه أكثر من الثمانين من باب الحد، أما الزيادة على ذلك من باب التعزير فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أنه لا يلزمه أكثر من ثمانين" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٥)، والمالكية (٦)،

стр. 6549

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى الأدلة التي سبقت في المسائل الثلاث السابقة، وليس فيها ما يدل على الزيادة على الثمانين، وإنما وقع الخلاف في الثمانين فما دون. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٣/ ٤] المرأة الحرة كالرجل في مقدار حد شرب الخمر . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على المرأة شرب الخمر بما يوجب الحد، فإنه يقام عليها حد الجلد، كما يُقام على الرجل، ولا فرق بينهما في ذلك. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) بعد ذكره لحد شارب الخمر على الرجل: "واتفقوا أن الحرة البالغة العاقلة كذلك" (٣). • الموافقون على الإجماع: وأفق على الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن الأصل استواء الرجال والنساء في الأحكام، وليس ثمة دليل يدل على استثناء النساء من حد الجلد. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6550

[٢٥٤/ ٤] العبد والأمة يلزمهما فى شرب الخمر عشرون جلدة . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد الشرب على شخص مملوك، فإن مقدار جلده هو عشرون جلدة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن العبد والأمة يلزمهما من ذلك عشرون" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "واتفقوا أن العبد والأمة تلزمهما في شرب الخمر عشرون" (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك والشافعية (٣)، والحنابلة في رواية (٤). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عموم قول اللَّه تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥). • وجه الدلالة: الآية دلت على أن حد الأمة في الزنا هو نصف حد الحرة، فكذا يقاس عليها سائر الحدود التي يمكن تبعيض الحد فيها، ومنها حد شرب الخمر، والواجب في حد شرب الخمر على الحر أربعون جلدة، فيكون حد العبد والأمة نصفها، وهو وعشرون جلدة (٦). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: الواجب في حد العبد هو أربعون جلدة. وهو قول الحنفية (٧)، المالكية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 6551

القول الثاني: أن جلد شارب الخمر هو من باب التعزير ولا يحدَّد بعدد في حق الحر والعبد. وهو قول طائفة من أهل العلم (١). • دليل المخالف: استدل من قال بأن حد العبد أربعون جلدة بعموم قول اللَّه تعالى في حق الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢). • وجه الدلالة: الآية دلت على أن حد الأمة في الزنا هو نصف حد الحرة، فكذا يقاس عليها سائر الحدود التي يمكن تبعيض الحد فيها، ومنها حد شرب الخمر، والواجب في حد شرب الخمر على الحر ثمانون جلدة، فيكون حد العبد والأمة نصفها وهو أربعون جلدة (٣). أما من قال أن حد الشارب ليس له عدد معيَّن، فسبق بيان أدلته قريبًا (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وغيرهم. ومن حكى الاتفاق في المسألة فالظاهر أنه وهم، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٥/ ٤] شارب الخمر إذا تكرر منه الشرب لا يقتل . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد شرب الخمر على شخص، وأقيم عليه الحد، ثم أقيم عليه ثانية، ثم ثالثة، ثم ثبت عليه الشرب مرة رابعة، فإنه يقام عليه الحد بالجلد، ولا يُقتل، حتى لو تكرر الحد عليه أكثر من ثلاث مرات. وينبَّه إلى أن المراد عدم قتل شارب الخمر من باب الحد، أما إن رأى

стр. 6552

الإمام قتله من باب التعزير، فهذه مسألة أخرى غير مرادة (١). • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٥٤ هـ) في حد الخمر: "والقتل منسوخ. . . وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمته" (٢)، ونقله عنه ابن حجر (٣)، والشوكاني (٤)، والصنعاني (٥). وقال الترمذي (٢٧٩ هـ): "لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث" (٦) ونقله عنه النووي (٧)، وابن القيم (٨)، وابن حجر (٩) والمناوي (١٠)، والشوكاني (١١). وقال الخطابي (٢٨٨ هـ): "يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبًا، ثم نسخ؛ لحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل" (١٢) ونقله عنه ابن حجر (١٣)، والشوكاني (١٤). وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وأجمعوا على أن السكران في المرة الرابعة لا يجب عليه القتل، إلا شاذًا من الناس لا يعد خلافًا" (١٥) ونقله عنه ابن حجر (١٦)، والشوكاني (١٧). وقال أبو حامد الغزالي (٥٠٥ هـ): "ولا خلاف أن القتل منسوخ في الشرب" (١٨). وقال البغوي (٥١٦ هـ): "عن معاوية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه) (١٩) وهذا أمر لم يذهب

стр. 6553

إليه أحد من أهل العلم قديمًا وحديثًا أن شارب الخمر يُقتل" (١). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "وأجمعوا أنه لا يقتل إذا تكرر منه ذلك، إلا طائفة شاذة قالوا: يقتل بعد حده أربع مرات" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها، وإن تكرر ذلك منه" (٣). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "وقد استقر الإجماع على ثبوت حد الخمر وأن لا قتل فيه" (٤) ونقله عنه المناوي (٥). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "وحديث الأمر بقتل الشارب في الرابعة منسوخ بالإجماع" (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: النصوص العامة الدالة على حرمة دم المسلم، ومنها: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ (٨). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: يا رسول اللَّه، وما هن؟ قال: (الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) متفق عليه (٩).

стр. 6554

٣ - عن أنس ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن الكبائر، قال: (الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) متفق عليه (١). ٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة) متفق عليه (٢). • وجه الدلالة: في النصوص السابقة دلالة على تحريم قتل النفس المعصومة بغير حق، وليس ثمة حديث صحيح صريح مُحْكم يدل على إباحة قتل شارب الخمر (٣). الدليل الثاني: عن قبيصة بن ذؤيب (٤) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه). "فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به في الرابعة فجلده، فرفع القتل عن الناس وكانت رخصة" (٥).

стр. 6555

الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه). قال محمد بن المنكدر (١): "قد ترك ذلك بعد، أُتي النبي ﷺ بابن النعيمان فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به في الرابعة فجلده، ولم يزد على ذلك" (٢). الدليل الرابع: عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)، قال: "ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله" (٣). وفي رواية: قال جابر ﵁: "فضرب رسول اللَّه ﷺ النعمان أربع مرات فرأى المسلمون أن الحد قد وقع، وأن القتل قد أخِّر" (٤). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: الأحاديث السابقة صريحة في نسخ

стр. 6556

الأمر بقتل شارب الخمر، وترك العمل به. الدليل الخامس: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد اللَّه، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول اللَّه ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنوه؛ فواللَّه ما علمت إلا إنه يحب اللَّه ورسوله) (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جلد حمارًا مع كثرة ما يؤتى به، والظاهر أن التعبير بالكثرة يدل على أنه أكثر من ثلاث مرات (٢). الدليل السادس: أن كل معصية لا توجب القتل في الابتداء فإنه لا يوجب تكرارها القتل حدًا، كالزنا والقذف (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن شارب الخمر يُقتل في المرة الرابعة. وهو مروي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ (٤)، وبه قال الظاهرية (٥). • دليل المخالف: استدل من أوجب قتل شارب الخمر في المرة الرابعة بما يلي: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب في

стр. 6557

الرابعة فاقتلوه) (١). الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو ﵁ قال: "ائتوني برجل قد جلد في الخمر أربع مرات، فإن لكم عليّ أن أضرب عنقه" (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الظاهرية. ولعل من نقل الإجماع اعتبر خلاف الظاهرية من قبيل الشاذ، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6558

الفصل الرابع مسائل الإجماع في إقامة حد المسكر [٢٥٦/ ٤] الاكتفاء بالجلد بالجريد والنعال وأطراف الثياب في حد شرب الخمر . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص حد شرب الخمر، فإنه يصح أن يكون في صفة إقامة الحد عليه أن يُضرب بالجريد، والنعال، وأطراف الثياب، ولا يُشترط أن يكون جلده بالسوط. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "وثبت أن رسول اللَّه ﷺ جلد في الخمر بالنعال والجريد أربعين، ثم جلد أبو بكر أربعين، ولم يختلف في ذلك" (١). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "وثبت أن رسول اللَّه ﷺ جلد في الخمر بالنعال والجريد أربعين، ثم جلد أبو بكر أربعين، ولم يختلف في ذلك" (٢). قال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على حصول حد الخمر بالجلد بالجريد والنعال وأطراف الثياب" (٣) ونقله عنه ابن حجر (٤) والصنعاني (٥) والشوكاني (٦). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: "جيء بالنعيمان أو ابن النعيمان شاربًا فأمر رسول اللَّه ﷺ من كان بالبيت أن يضربوه، قال فكنت أنا فيمن ضربه، فضربناه بالنعال والجريد" (٩).

стр. 6559

الدليل الثاني: عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإمرة أبي بكر ﵁، وصدرًا من خلافة عمر ﵁، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر ﵁، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين" (١). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: (اضربوه)، قال أبو هريرة ﵁: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه، قال: (لا تقولوا هكذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان) (٢). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: الأحاديث ظاهرة في أن جلد شارب الخمر كان بالجريد، والنعال، وأطراف الثياب (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن حد الخمر إنما يكون بالسوط. وهو قول الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وقول للشافعية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧). وثمة قول آخر ذكره ابن حجر بقوله: "وتوسط بعض المتأخرين فعيَّن السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم، وهو متَّجه" (٨).

стр. 6560

• دليل المخالف: الدنيل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شرب الخمر فاجلدوه) (١). • وجه الدلالة: أن الجلد عند إطلاقه يُفهم منه ما كان بالسوط (٢). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر ﵁، فلما كان عمر ﵁ استشار الناس، فقال عبد الرحمن ﵁: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر ﵁" (٣). • وجه الدلالة: أن الصحابة ﵃ اتفقوا على فعل عمر ﵁ وهو الجلد ثمانين سوطًا، وعليه استمر فعل الخلفاء، قال ابن قدامة: "والخلفاء الراشدون ضربوا بالسياط، وكذلك غيرهم، فكان إجماعًا" (٤). الدليل الثالث: أن جلد شارب الخمر هو جلد في حد، فيكون بالسوط؛ قياسًا على سائر الحدود (٥). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية، والمالكية، والحنابلة في رواية، بل نقل ابن قدامة الإجماع على وجوب كون الجلد بالسوط (٦)، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٧/ ٣٨] حد الشرب يقام بالسوط . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص حد شرب الخمر، فإنه يشترط في

стр. 6561

صفة إقامة الحد عليه أن يكون جلده بالسوط، ولا يصح جلده بغير ذلك كالثياب، والنعال، والجريد، ونحو ذلك. وبهذا يتبيَّن أن هذه المسألة هي نقل الإجماع على خلاف المسألة السابقة. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن حد الشرب يقام بالسوط، إلا ما روي عن الشافعي: أنه يقام بالأيدي والنعال وأطراف الثياب" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "والخلفاء الراشدون ضربوا بالسياط، وكذلك غيرهم، فكان إجماعًا" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية في قول (٥). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز جلد شارب الخمر بالجريد والنعال وأطراف الثياب. وهو قول الشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). وقد سبق بيان أدلة الفريقين في المسألة السابقة. النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الشافعية، والحنابلة، والظاهرية، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٨/ ٤] حد الشرب لا يقبل العفو والإبراء، ولا الصلح . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص ما يوجب حد شرب الخمر، وثبت

стр. 6562

ذلك عند الإمام، فإنه لا يجوز للإمام أن يعفو عن شارب الخمر دون إقامة الحد عليه، وكذا ليس له إسقاط الحد بموجب الصلح، بأن يصالح الإمام بمبلغ أو غير ذلك على أن يترك إقامة الحد عليه. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في حد الزنا، والشرب، والسكر، والسرقة، أنه لا يحتمل العفو، والصلح، والإبراء، بعد ما ثبت بالحجة" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق والشارب، والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد، مال سحت خبيث" (٢) ونقله عنه السفاريني (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: سبق بيان أدلة المسألة مفصَّلة، والمخالفين، مع بيان الأدلة، عند مسألة: "تحريم الفداء والصلح في الحدود، بعد بلوغها الإمام" (٦). وإنما أفردت لها مسألة مستقلة لوجود من نص عليها في شارب الخمر. وحاصل النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن طائفة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٥٩/ ٤] الخصومة ليست بشرط في حد الشرب . • المراد بالمسألة: إذا ثبت عند الإمام أن شخصًا شرب الخمر بما يوجب

стр. 6563

إقامة الحد عليه، فإنه يجب على الإمام إقامة الحد، ولا يشترط لإقامة الحد أن يأتي شخص يخاصم عند الحاكم، أي يطالب بإقامة الحد. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "وأما الخصومة فهل هي شرط ثبوت الحد بالشهادة والإقرار؛ فلا خلاف في أنها ليست بشرط في حد الزنا والشرب" (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع في المسألة إلى أن حد شرب الخمر هو من الحدود الخالصة للَّه تعالى، ليس فيها تعلق لآدمي، فلا يتوقف ثبوتها على دعوى العبد. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦٠/ ٤] الحربي لا يقام عليه بعد ذمته أو إسلامه حد الخمر . • المراد بالمسألة: إذا ثبت على شخص حد شرب الخمر، وكان قد فعل شرب الخمر في دار الحرب أثناء كونه كافرًا حربيًا، ثم تاب وأسلم، أو صار من أهل الذمة، فإنه لا يؤخذ بما فعل حال حربيَّته أو كفره من شرب الخمر. ويتبين من هذا أن المسلم، أو الكافر غير الحربي، كالمرتد، والمعاهد، والمستأمن، وغيرهم، غير داخلين في مسألة الباب.

стр. 6564

• من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وقد صح النص والإجماع بإسقاطه، وهو ما أصابه أهل الكفر ما داموا في دار الحرب قبل أن يتذمموا أو يسلموا فقط، فهذا خارج بفعل رسول اللَّه ﷺ في كل من أسلم منهم، فلم يؤاخذهم بشيء مما سلف لهم من قتل، أو زنا، أو قذف، أو شرب خمر، أو سرقة، وصح الإجماع بذلك" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وقد أجمع علماء المسلمين على أن الكفار إذا انتهوا وتابوا من كفرهم غفر لهم كل ما سلف، وسقط عنهم كل ما كان لزمهم في حال الكفر، من حقوق اللَّه وحقوق المسلمين قبل أن يقدروا عليهم، وبعد أن يقدروا عليهم ويصيروا في أيدي المسلمين فلا يحل قتلهم بإجماع المسلمين، ولا يؤخذ بشيء جنوه في مال أو دم، فدل ذلك على أن الآية تنزل في أهل الشرك والكفر" (٢). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب" (٣). وقال محمد ابن مفلح (٧٦٣ هـ): "أما الحربي الكافر فلا يؤخذ بشيء في كفره إجماعًا" (٤) وبمثله قال إبراهيم ابن مفلح (٨٨٤ هـ) (٥) والمرداوي (٨٨٥ هـ) (٦) والحجاوي (٩٦٨ هـ) (٧).

стр. 6565

• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (١)، والشافعية (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ (٣). قال البغوي في تفسير الآية: "فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار، قال معناه: إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال" (٤). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦١/ ٤٢] المستأمن لا يحد في شرب الخمر . • المراد بالمسألة: المستأمن: هو الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد، لكن المسلمين جعلوا له أمانًا في وقت محدد، كرجل حربي دخل إلى دار الإسلام بأمان للتجارة أو نحوها أيامًا معدودة (٥). فإذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان وشرب الخمر فإنه لا يقام عليه حد شرب الخمر. • من نقل الإجماع: قال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "لا يقام على المستأمن والمستأمنة شيء من الحدود، إلا حد القذف. . . والحاصل أن حد الخمر

стр. 6566

لا يجب عليه بالاتفاق" (١). وقال أبو بكر العبادي (٨٠٠ هـ): "وحد الشرب لا يقام عليه [أي المستامن] بالإجماع" (٢). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ) في بيان حكم المستأمن: "فحد الشرب لا يجب اتفاقًا" (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن المستأمن لا يَعتقد تحريم الخمر، ولم يلتزم بأحكام الإسلام، وليس في شرب الخمر اعتداء على أحد، فلا يقام عليه الحد، قياسًا على عدم إقامة حد الكفر عليه (٧). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6567

الباب الخامس مسائل الإجماع في التعزير وفيه تمهيد وثلاثة فصول: التمهيد: وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف التعزير لغة واصطلاحًا. المبحث الثاني: حكم التعزير. الفصل الأول: مسائل الإجماع العامة في التعزير. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في العقوبات التعزيرية. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في موجبات التعزير.

стр. 6568

التمهيد المبحث الأول: تعريف التعزير • أولًا: تعريف التعزير في اللغة: التعزير في اللغة مصدر عَزرَهُ يَعْزِره عَزْرًا أو تعزيرًا، وهو في اللغة يُطلق على معنيين، كما قال ابن فارس: "العين والزاء والراء كلمتان: إحداهما: التَّعظيم والنَّصر. والكلمة الأخرى جنسٌ من الضَّرب" (١). وبهذا يظهر أن التعزير في اللغة من أسماء الأضداد حيث يُطلق على النصرة، والإعانة، والتقوية، والتعظيم، ويطلق على الضرب والتأديب، وهما متضادان. فأما إطلاقه على النصرة، فمنه قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٣). وأما إطلاقه على الضرب والتأديب، فمنه قولهم: أعزر اللَّه به، أي خسف به (٤). وذكر بعض أهل اللغة أن معان التعزير ترجع إلى معنى واحد، وهو الرَّد والمنع، كما قال الجرجاني: "أصله من العَزْر وهو المنع" (٥)، فأما النصرة فلأن من نصرته فقد ردَدْت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه، وأما التأديب فلأنها تمنعه

стр. 6569

من الوقوع في المعصية مرة أخرى (١). • ثانيًا: تعريف التعزير في الشرع: التعزير في الاصطلاح الشرعي يُطلق على: التأديب غير المقدَّر شرعًا في معصية لا حد فيها ولا كفارة. وهذا التعريف متفق عليه بين الفقهاء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد أجمع العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة" (٢). وهذا يشمل المعصية التي هي فعل محظور كمباشرة المرأة الأجنبية فيما دون الفرج، والشتم بغير القذف، وشهادة الزور، ونحو ذلك، ويشمل المعصية التي هي ترك المأمور، كترك الصلاة تكاسلًا، ومنع الزكاة بُخلًا، وعقوق الوالدين، ونحو ذلك. والذي يظهر -واللَّه أعلم- أن هذا التعريف يرد عليه إيرادات، منها أن التعزيرات قد تدخل على ما يجب فيه الحد، ومن ذلك أن جلد شارب الخمر ثمانون جلدة، وهي عند جماعة من أهل العلم أربعون منها من باب الحد، وما زاد فهو من باب التعزير، وهو يدل على أن التعزيرات تدخل في الحدود. وكذا يُقال فيما فيه الكفارة، فإن ابن حزم وجماعة لا يُقيَّدون التعزير بما لا كفارة فيه (٣). ومما سبق يمكن أن يقال في التعريف الاصطلاحي المختار للتعزير: هو عقوبة غير مقدَّرة شرعًا تجب في معصية اللَّه تعالى.

стр. 6570

• الموافقة بين المعنى اللغوي والشرعي: يتبيَّن مما سبق أن المعنى الشرعي موافق للمعنى اللغوي مع بعض القيود، فيتفقان في معنى التأديب، وخص الشرع التأديب بما لا حد فيه ولا كفارة (١).

стр. 6571

المبحث الثاني حكم التعزير والحكمة من مشروعيته • المسألة الأولى: حكم التعزير: اختلف الفقهاء فيما إذا فعل شخصٌ معصية لا حد فيها ولا كفارة، ورأى الإمام أن المصلحة هي في تعزيره، فهل التعزير عليه واجب أو مستحب على قولين: القول الأول: إن كان التعزير في حق للَّه تعالى فيجب التعزير على الإمام فيما شرع فيه التعزير، إذا رأى الإمام المصلحة فيه، وإن كان فيه حق لآدمي فيجب التعزير إذا طلبه المجني عليه. وهو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: أن التعزير إن كان مشروعًا لحق اللَّه تعالى كما في تارك الصلاة فإنه يكون واجبًا، قياسًا على الحد، وإن كان في حق آدمي كالشتم بغير الزنا فإنه يكون قد تعلَّق فيه حق آدمي، فلا يجوز إسقاطه بدون رضى المجني عليه، كالقصاص. الدليل الثاني: أن التعزير شُرع للإمام بما يراه مصلحة لرعيته، فإن كان التعزير هو الذي تقتضيه المصلحة للفرد أو المجتمع فترْكه حينئذ يكون فعل لغير الأصلح، وهذا لا يجوز (٤). القول الثاني: يستحب التعزير للإمام فيما شُرع فيه التعزير، سواء كان حقًا للَّه أو لآدمي، حتى لو كانت المصلحة في التعزير، وأراد الإمام ترك التعزير فله ذلك.

стр. 6572

وهو قول الشافعية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: عن أنس ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت حدًا فأقمه علَيَّ، قال: ولم يسأله عنه، وحضرت الصلاة، فصلّى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه رجل فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت حدًا فأقم فيَّ كتاب اللَّه، قال: (أليس قد صليت معنا؟ ) قال: نعم، قال: (فإن اللَّه قد غفر لك ذنبك) متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يُعزِّر صاحب الذنب الذي طلب إقامة الحد عليه، وهو يدل على أن الإمام له ترْك التعزير (٤). ويناقش: بأن التعزير إنما شُرع للزجر، والرَّجل هنا قد جاء تائبًا، فلا حاجة للتعزير حينئذٍ لحصول الزجر بالتوبة. الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، إلا الحدود) (٥).

стр. 6573

• وجه الدلالة: الحديث دليل على العفو عن ذوي الهيئات الذين وقعوا في المعاصي وهم غير معروفين بالشر، وهو يدل على أن للإمام ترك التعزير (١). ويناقش: بأن الحديث صريح في أن الترك إنما هو إن كان ثمة مصلحة ككون الجاني من أهل المروءة الغير معروفين بالشر، وإنما وقعت منه المعصية زلة وعثرة منه، فترك تعزيره حينئذٍ هو المصلحة، والتقييد بذوي الهيئات يدل على عدم إقالة غيرهم. الدليل الثالث: عن عبد اللَّه بن الزبير ﵁: أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير (٢) عند رسول اللَّه ﷺ في شِراج الحرَّة (٣) التي يسقون بها النخل، فقال

стр. 6574

الأنصاري: سرِّح الماء يمر، فأبى عليهم، فاختصموا عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ للزبير: (اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك)، فغضب الأنصاري فقال: يا رسول اللَّه أن كان ابن عمتك، فتلون وجه نبي اللَّه ﷺ ، ثم قال: (يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)، فقال الزبير: واللَّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) متفق عليه (٢). الدليل الرابع: عن عبد اللَّه بن عمر ﵁ قال: قسم رسول اللَّه ﷺ قسمًا، فقال رجل: إنها لقسمة ما أريد بها وجه اللَّه، قال: فأتيت النبي ﷺ فساورته، فغضب من ذلك غضبًا شديدًا واحمرَّ وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له، قال: ثم قال: (قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر) متفق عليه (٣). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ ترك تعزير الأنصاري، مع أنه اتهمه في عدْله، وأنه حابى ابن عمته، وترك تعزير من اتهمه بعدم العدل في القسمة، وترْك تعزيرهما يدل على عدم وجوبه (٤). ويناقش الاستدلال: باحتمال أن يكون النبي ﷺ ترك تعزيرهما لأن المصلحة كانت تقتضي ذلك. الترجيح: الذي يظهر -واللَّه أعلم- أن القول الأول هو الراجح، لأمرين: الأول: أن التعزير إن كان لحقوق الآدميين، وطلب المجني عليه إقامته

стр. 6575

وجبت إقامته؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، فلا يجوز العفو عنها إلا من قبل صاحبها، فهو الذي يملك العفو أو المطالبة. أما إذا كان الحق للَّه تعالى وظهرت المصلحة في إقامة التعزير وجبت أيضًا إقامته؛ لأن جلب المصالح، ودفع المفاسد واجب في الشريعة الإسلامية، فإذا كان العاصي لا يرتدع ولا ينزجر إلا بتعزيره، وجب ذلك لينقطع دابر الفساد وتخف الجرائم، أما إذا لم يكن هناك مصلحة في تعزير العاصي، ولم يظهر شيء من ذلك فإن الإمام مخير إن شاء أقام وإن شاء ترك. الثاني: لورود المناقشة على أدلة القول الثاني.

стр. 6576

الفصل الأول مسائل الإجماع العامة في التعزير [٢٦٢/ ٥] الإجماع منعقد على جملة التعزير . • المراد بالمسألة: الشريعة جاءت بعقوبات مقدَّرة على معاص مختلفة، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وجعل جملة من المعاصي ليس فيها حد، ولا كفارة، وإنما جعل الأمر فيها راجع إلى ما يراه الإمام مصلحة في نوع العقوبة في ذلك، وهو التعزير، فيعزِّر الإمام في هذه المعاصي بما يراه، وهذا جائز للإمام بالإجماع في الجملة، أي مع بعض الخلاف في نوع العقوبة الجائزة من الممنوعة، أما أصل التعزير فهو جائز. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن للإمام أن يُعزّرَ في بعض الأشياء" (١). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "اتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية، ليس فيها حد" (٢). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "التعزير. . . وهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٣). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "والتعزير بمعنى التعظيم. . . والإجماع منعقد على جملته" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "شرعية التعزيز وأجمع عليه الصحابة -رضى اللَّه عنهم-" (٥). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ. . .﴾ (٦) الآية (٧).

стр. 6577

• الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع المالكية (١)، والظاهرية (٢). • مستند الإجماع: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٣). الدليل الثاني: عن جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ، وفيه قال النبي ﷺ في خطبته يوم عرفة: (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح) (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه أباح للزوج ضرب زوجته عند نشوزها عن طاعته، وهذا من باب التعزير والتأديب، وهذا إذا شُرع في حق الزوج لولايته عليها، فجوازه للإمام من باب أولى بموجب ولايته العامة (٥). الدليل الثالث: أن جملة من المعاصي يحتاج الإمام إلى ردع الناس عنها، ولا يمكن ذلك إلا بعقوبتهم، فإن كانت المعصية ليس فيها حد مقَّدر كان من لوازم الاستقرار أن يطبِّق الإمام ما يراه رادعًا للناس عن ذلك. الدليل الرابع: تتابع المسلمون على العمل بالتعزير من غير نكير، كما قال ابن القيم: "وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة" (٦).

стр. 6578

النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦٣/ ٥] التعزير في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص معصية لا حد فيها، ولا كفارة، فإن للإمام أن يُعزره في ذلك، إن رأى المصلحة في التعزير. ويتبيَّن من ذلك أنه إن كان في المعصية حد، كالزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو القذف، فجواز التعزير مع الحد مسألة غير مرادة. وكذا لو كان فيها كفارة، كالظهار، أو الجماع في نهار رمضان، فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قد أجمع العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة" (١). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "وأجمعت الأمة على وجوبه في كبيرة لا توجب الحد، أو جناية لا توجب الحد" (٢) ونقله عنه ابن نجيم (٣).

стр. 6579

وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد" (١) ونقله عنه القرافي (٢) وابن الشاط (٣) وعلاء الدين الطرابلسي (٤) (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الشافعية (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أن ما كان فيه حد أو كفَّارة فإن الشرع قدَّر العقوبة فيه، أما غيرها من المعاصي فإنه ليس فيها عقوبة مقدَّرة، وقد يحتاج الإمام للعقوبة، للرد عن المعصية، فكان التعزير مشروعًا في ذلك. النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦٤/ ٥] التعزير يخالف الحدود . [٢٦٥/ ٥] التعزير موكل إلى الإمام من حيث التشديد والتخفيف . • المراد بالمسألتين: التعزير يخالف الحدود في كثير من الأحكام، ومن ذلك أن الحدود هي عقوبات مقدَّرة شرعًا، وتقديرها جاء من عند اللَّه تعالى، أما التعازير فأمرها إلى الإمام، فيُعزر بما يرى فيه المصلحة إما بالجلد، أو القتل، أو التوبيخ بالكلام، أو غير ذلك.

стр. 6580

وكذا يُرجع إلى اجتهاده في قوة الضرب، أو تخفيفه بحسب ما تقتضيه المصلحة (١). • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢١ هـ): "لم يختلفوا في أنه [أي التعزير] موكول إلى اجتهاد الإمام فيخفف تارة ويشد تارة" (٢). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الإجماع على أن التعزير يخالف الحدود" (٣). وقال أيضًا: "بالإجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الإمام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف" (٤). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، إلا الحدود) (٨). • وجه الدلالة: في الحديث دليل على التفريق بين الحدود والتعازير فيما إذا بلغ الأمر للسلطان، فالحدود لا تجوز الشفاعة فيها مطلقًا، بخلاف التعازير فتجوز فيها الشفاعة سيما في أهل المروءة والصلاح الغير معروفين بالشر (٩).

стр. 6581

الدليل الثاني: أنه لم يرد في الكتاب أو السنة تقدير معين للعقوبات التعزيرية، فكان الرجوع فيها للإمام بحسب ما يراه مصلحة راجحة، بخلاف الحدود، فإنه جاء الشرع بتقديرها. النتيجة: فيما يظهر أن المسألتين محل إجماع بين أهل العلم؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦٦/ ٥] الشفاعة فيما يقتضي التعزير جائزة، إن رأى الإمام العفو، ولم تتعلَّق المعصية بحق شخص آخر . • المراد بالمسألة: إذا ارتكب شخص معصية لا حد فيها ولا كفَّارة، وغير متعلَّقة بالجناية على شخص معيَّن، كان قبَّل امرأة أجنبية لا تحل له، وبلغ أمره للإمام، فأراد الإمام تعزيره، فإنه يجوز لشخص أن يشفع لأجل ترك العقوبة، وللإمام قبول الشفاعة فيه، إذا كان الجاني يمكن أن ينزجر عن جريمته بدون التعزير، ورأى الإمام العفو عنه، ولا يجب على الإمام إقامة التعزير بموجب بلوغ الأمر إليه. ويُنبه إلى أمرين: الأول: إن كان الإمام يرى أن المصلحة في إقامة التعزير وعدم العفو، كأن يكون الجاني لا يمكن أن ينزجر إلا بالتعزير، فهذه مسألة أخرى (١). الثاني: إن كان الجاني قد جنى على شخص معيَّن، بأن لطمه، أو شتمه،

стр. 6582

فترْك تعزيره حينئذٍ بموجب الشفاعة غير مراد (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير، وقد نقل بن عبد البر وغيره فيه الاتفاق" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: الدليل الأول عن عبد اللَّه بن الزبير ﵄: أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول اللَّه ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرِّح الماء يمر، فأبى عليهم، فاختصموا عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ للزبير: (اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك)، فغضب الأنصاري فقال: يا رسول اللَّه أن كان ابن عمتك، فتلون وجه نبي اللَّه ﷺ ، ثم قال: (يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)، فقال الزبير: واللَّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٧) متفق عليه (٨).

стр. 6583

الدليل الثاني: عن عبد اللَّه بن عمر ﵁ قال: قسم رسول اللَّه ﷺ قسمًا، فقال رجل: إنها لقسمة ما أريد بها وجه اللَّه، قال: فأتيت النبي ﷺ فساورته، فغضب من ذلك غضبًا شديدًا واحمرَّ وجهه حتى تمنيت أنِّي لم أذكره له، قال: ثم قال: (قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر) متفق عليه (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يُعزر الرجل الذي قال له: "أن كان ابن عمتك"، وكذا الذي قال له: "إنها لقسمة ما أريد بها وجه اللَّه"، مع أن هذا قدح في عدل النبي ﷺ بين أصحابه في الحكم، وهذا يدل على أن للإمام ترك العقوبة بالتعزير، ولا فرق بين أن يتركها بموجب الشفاعة أو بغير ذلك، إن رأى العفو (٢). الدليل الثالث: عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت حدًا فأقمه علَيَّ، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه رجل فقال: يا رسول اللَّه إني أصبت حدًا فأقم فيَّ كتاب اللَّه، قال: (أليس قد صليت معنا؟ ) قال: نعم، قال: (فإن اللَّه قد غفر لك ذنبك -أو قال حدك-) متفق عليه (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يُعزَّر صاحب الذنب الذي أراد إقامة الحد عليه، وهو يدل على أن الإمام له العفو عن صاحب المعصية، ولا فرق أن يكون ذلك بموجب الشفاعة أو من قبل الإمام ابتداء (٤). الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أقيلوا

стр. 6584

ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) (١). • وجه الدلالة: الحديث دليل على أن للإمام أن يترك العقوبة في بعض الحالات، بل هو أمر إرشاد إلى ذلك، فإن كان ترك العقوبة بموجب الشفاعة، ورأى الإمام العفو فله ذلك كما لو عفى عنه بلا شفاعة (٢). النتيجة: المسألة فيما يظهر محل إجماع بين أهل العلم على جواز الشفاعة في التعزير من حيث الأصل، واللَّه تعالى أعلم. [٢٦٧/ ٥] للإمام أن يجلد في التعزير من جلدة إلى عشر جلدات . • المراد بالمسألة: إذا فعل شخص معصية لا حد فيها ولا كفارة، فرأى الإمام جلده تعزيرًا، فله أن يجلده من جلدة إلى عشر جلدات، ولا يُعتبر الإمام آثما بذلك، وتعزيره صحيح. ويتبيَّن مما سبق أن الجلد فوق عشر جلدات مسألة خلافية غير مرادة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن التعزير يجب فيه من جلدة إلى عشرة، واختلفوا في أكثر" (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 6585

• مستند الإجماع: الدليل الأول: عدم وجود دليل شرعي على التحديد بأقل التعزير. الدليل الثاني: أن المراد بالتعزير هو الرح والزجر، وهذا يختلف باختلاف الناس، ومن الناس من تكفيه جلدة، ومنهم من تكفيه دون ذلك، كتوبيخ ونحوه. الدليل الثالث: أن التعزير لو كان لأقله قدر شرعي محدَّد لكان حدًا وليس تعزيرًا (١). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة إلى أن أقل التعزير بالجلد ثلاث جلدات. وهو قول لبعض الحنفية (٢). • دليل المخالف: علل القائلون بأن أقل التعزير في الجلد هو ثلاث جلدات بأن ما دونها لا يقع به الزجر والردع (٣). النتيجة: المسألة فيما يظهر ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن بعض الحنفية، ومراد ابن حزم هو اتفاق المذاهب الأربعة، وليس الإجماع، واللَّه تعالى أعلم.
следующие страницы →